مجلة الرسالة/العدد 996/خروج المتنبي من مصر

مجلة الرسالة/العدد 996/خروج المتنبي من مصر

مجلة الرسالة - العدد 996
خروج المتنبي من مصر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 08 - 1952


القسم الثالث

لحضرة صاحب العزة الأستاذ احمد رمزي بك

سافرت في آخر شهر أكتوبر سنة 1951 إلى خارج مصر لحضور اجتماع هيئة الأمم المتحدة ولم اعد ألا في النصف الأخير من شهر فبراير سنة 1952 لذلك تأخرت في الكتابة عن رحلة المتنبي الذي لازمني طول مدة إقامتي بعيداً عن مصر.

ذكرنا في المقالين الماضيين كيف قطع المتنبي المسافة بين الفسطاط ونخل في مرحلة واحدة وكيف مدح الهجن البيجاوية التي حملته هذه المسافة الطويلة بقوله: -

ولكنهن حبال الحياة ... وكبد العداة وميط الأذى

ولم يقف أبو الطيب طويلا في نخل التي تركها بعد أن مر بها ونفسه مملوءة بالفخر فقال:

فمرت بنخل وفي ركابها ... عن العالمين وعنه غنى

وسار من نخل حتى قرب من النقاب أو أشرف على ما نسميه اليوم رأس النقب وهو على حدود مصر الحالية. ثم نزل في الوادي وسار شمالا في القطاع الواقع الآن بين شرق الأردن ومصر والذي اصبح من أملاك إسرائيل. وانتهى إلى وادي تربان وهو وادي ينزل من الحميمة إلى المنخفض الواقع في هذا القطاع

ويظهر أن أبا الطيب المتنبي أخفى نيته واتجاهه في السفر إذا يقول.

وأمست تخبرنا بالنقاب ... بوادي المياه ووادي القرى

وبقصد بوادي المياه ووادي القرى الاتجاه جنوبا إلى الحجاز بدلا من الاتجاه شمالا إلى الشام واخذ طريق الكوفة. ويظهر أن شمال الحجاز كان عامر في عصره بدليل ما جاء في كتاب ذيل الأمالي صفحة 121.

ولما علوت اللايثيى لشوقت ... قلوب إلى وادي القرى وعيون

كما جاء في كتاب الأمالي صفحة 299 جزء 2 شعر جميل.

ألا ليث شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذا لسعيد.

وجاء في صبح الأعشى جزء 4 صفحة 292 انه بضم القاف وفتح الراء المهملة وألف في الأخر جمع قرية.

قال:

في الروض المعطار: وهي مدينة كثيرة النخل والبساتين والعيون بها ناس من ولد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وهم الغالبون عليها وتعرف بالواديين، والذي أخبرني به أهل الحجاز انه كان بها عيون كثيرة عليها عدة قرى فخربت لاختلاف العرب، وهي الآن خراب لا عامر بها ولو عمرت أغنت أهل الحجاز جميعا عن الميرة من غيرها.

ولما صعد المتنبي الهضبة المقابلة ووصل إلى وادي تربان باح بما يجول في صدره وقال أين أرض العراق كما جاء في شعره:

وقلنا لها: أين أرض العراق؟ ... فقالت ونحن بتربان: ها

وجاء في ديوانه أنه حينما صعد النقب ومر بثربان وفيه ما يعرف بغرندل فسار يوما وبعض ليلة ونزل.

وغرندل هي من المحطات التي قيل أن بني إسرائيل مروا بها بعد عبورهم البحر الأحمر - ذكر عنها صاحب كتاب أنها كانت مركز أسقفية تحت اسم أرنديلة وكانت واقعة على الطريق الروماني الذي يوصل إلى ايلياء (العقبة) الحالية.

ومن المدهش انه بمجرد قيام حرب فلسطين ودولة إسرائيل انقطعت المواصلات التلفونية بين مصر وسائر البلاد العربية

ثم انقطعت الطرق البرية بين مصر والحجاز وشرق الأردن حتى الطريق الذي سلكه أبو الطيب المتنبي لم يعد بوسعنا أن نسلكه فكان أن أصبحت إسرائيل في النهاية تتحكم في مواصلاتنا.

وتدل الأبحاث على أن هذه المنطقة بالذات كانت مسكونة بقبائل من العرب من معن وبني فزارة وسنبس.

وقبل وصوله إلى هذه المنطقة تلقاه رائد من بني سليم سار معه حتى وسط بيوتهم آخر الليل فضرب له ملاعب بن آبي النجم خيمة بيضاء وذبح له. وسار من غدة فنزل بين بادية معن وسنبس وهي التي كان الوزير الناصر أبي محمد اليازوري الفاطمي يخشى قوتها وكانت تسكن حول غزة ثم انتشر نفوذها بعد ذلك أخذت تقلق بال الفاطميين ثم انتقلت مع غيرها من بلاد الشام إلى مصر ومنها إلى المغرب. وقد ذكر الدكتور عباس مصطفى عمار أن مواطنها حول غزة. وجاء في ديوان أبي الطيب أن منطقة نفوذها امتدت إلى الجنوب فشملت الأجزاء المحيطة بالعقبة.

ومن هذه المنطقة أي بين تربان وغرندل التي بجوارها اذرع والحميمة وهي مناطق معروفة بالتاريخ في القرن الأول الإسلامي وكان يسكنها طوائف من الطالبيين أبناء علي بن أبي طالب ومن العباسيين سلالة العباس طول عهد الدولة الأموية وذلك لما كانت عليه هذه المناطق من الخصب وكثرة المياه، وليكون أبناء أبي طالب والعباس بذريتهم وثرائهم على مقربة من دمشق وبعيدين عن شيعتهم في العراق والحجاز فيسهل على الدولة مراقبتهم وتقصي أخبارهم.

ويخيل إلى أن أبا الطيب كان غير مطمئن لسلامته إذا اتجه مباشرة إلى شمالي الحجاز عن طريق العقبة نظرا لما يعلمه من تحوط كافور واتصاله بعربان هذه المناطق. ويقول الديوان أن بعد أن أمضي ليلته في هذه المنطقة من أرض الشراة اتجه إلى جبال حسمي وواجهته رياح الحجاز وقال قصيدته:

وهب بحسمي هبوب الدبور ... مستقبلات مهب الصبا

وجاء في ديوان إرم وهو علم لجبل من جبال حسمي من ديار جذام بين العقبة وتيه بني إسرائيل0 وهذا الجبل عال عظيم العلو تزعم أهل البادية أن فيه كروما وصنوبرا، وكان النبي عليه (ص) وقد كتب إلى زعماء قبيلة جذام أن لهم جبل إرم لا يشاكهم فيه أحد ولا يحاقهم فيه غيرهم.

وفي ديوان المتنبي أن امتداد جبال حسمي مسيرة ثلاثة أيام طولا في يومين عرضا ويعرفها كل من يمر بها ن وقد وجدا أبو الطيب في حسمي بني فزارة وفيهم أولاد لاحق بن مخلب فنزل بينهم لان أمير فزارة حسان بن حجمة كان بينه وبينه مودة وصداقة. وبهذا تحقق ما كتبه قبل ذلك من الشعر وهو بمصر إذا قال:

إذا سرنا عن الفسطاط يوما ... خلفني الفوارس والرجالا

لتعلم قدر من فارقت مني ... وإنك رمت من ضيمي محالا

للكلام بقية

أحمد رمزي المدير العام لمصلحة الاقتصاد الدولي