مجلة المقتبس/العدد 13/نبأ من الصين

مجلة المقتبس/العدد 13/نبأ من الصين

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 2 - 1907



من مبحث لأحد علماء الفرنسيس في المجلة الباريسية

كان لانتصار اليابانيين على الروس رنة فرح في الصين والهند فاعتبرت الصين بهذه الحرب وتنبه في أبنائها شعور الوطنية وراحوا بعد أن كانوا يفزعون من العُدد الحربية التي هي أدوات التمدن الأوروبي ينزعون عنهم لباس الخوف وتأبى نفوسهم الاستسلام للبيض على نحو ما كانت حالهم منذ قرون وقلما أُثر في الماضي عن الصينيين انتقاض أو ثورة على الأجانب بل كانوا أبداُ يحتقرون برابرة الغرب في سرهم ويعتبرونهم دونهم من حيث الذكاء والمدنية. أما الآن وقد أثبتت الجيوش اليابانية لأهل الجنس الأصفر أن ما أقامه الأوروبيون من العقبات في سبيلهم يمكن تذليله فقد نفضت الصين عنها غبار الكسل وأطرحت الجبن جانباً وهبت من سباتها عازمةً أن تشترك في الجهاد الزمني الذي يتمخض به الجنسان الأبيض والأصفر ولم تكن الحرب اليابانية الروسية إلا إمارة من إماراته ومقدمة من مقدماته.

تألف في الصين حزب يطالب بالإصلاح فأرادت الحكومة بادئ بدء أن تحل عراه مخافة أن يكون مبتسراً فلا تجني البلاد منه غير توطئة السبل للأغيار من الأوروبيين ولكنها عادت فتركته وشانه فكثر أشياعه لكثرة انتشار الأفكار في مملكة ابن السماء بأنه لا أمان من تقسيم الأوروبيين أو الإذلال بيد اليابانيين إلا إذا صلحت حالها ولذلك انضم إلى حزب (كانغ يو واي) المصلح الشهير كثير من العمال الذين يخشون على بلادهم من التمزق. وما لبثت الأفكار الجديدة أن سرت إلى بلاط إمبراطورة الصين بفضل بنات سفير ابن السماء في باريز يوكانغ اللائي تهذبن أحسن تهذيب فاختارتهن الإمبراطورة نديمات لها فاغتنمن هذه الفرصة وأنشأن يؤثرن حتى في الإمبراطورة نفسها.

وإنك لترى اليوم الإمبراطورة - وهي صاحبة الصين من أقصاها إلى أقصاها - بعد أن كانت منذ خمس سنين بعيدة كل البعد عن الأفكار الحديثة وكانت عزلت ابن أختها عن الحكم لأنه ظهر أنه ممالئٌ لحزب الإصلاح قد أخذت اليوم تدخل بذاتها في طريق الإصلاح وعزمت كل العزم أن تنظم مملكتها وأنشأ مستشاراتها العارفات على ما فيهن من حذق ودربة يقنعنها بما تصير إليه المملكة من الدمار إذا تُركت وشأنها لأن المطامع محدقة بها. فأي مسؤولية تلحق الإمبراطورة وبأي وجه تقابل أجدادها بعد موتها إذا هي غادرت المملكة السماوية نهب أيدي الناهبين ممزقة كل ممزق.

وينسب وصول حزب الإصلاح إلى غاياته لأولئك التلاميذ الذين يتلقون العلم في المدارس خارج بلادهم وخصوصاً لمن يدرسون في كليات اليابان وكلهم يد واحدة في محاولة إصلاح بلادهم ذاك الإصلاح الذي به أصبحت اليابان مملكة مغبوطة مرهوبة الجانب والبأس وإن كثيرين من هؤلاء التلاميذ ينزعون إلى الثورة ويريدون أن يقطعوا كل صلة مع الماضي وأن يقيموا على أنقاضه أساس ملك جديد يتمكن من ضبط قياد الصفر عامة بيده. وكان من نتائج أعمالهم الشريفة أن انبث هذا الفكر على التدريج في عقول أربعمائة مليون نسمة من سكان الصين وأنشأوا صحفاً باللغة العامية أخذ منشئوها ينقدون أحوال المملكة السماوية ويطالبون بتغيير إدارتها ويحملون الحملات المنكرة على كل عامل يقف في طريق الإصلاح ويناوئ سياسته غير مبالين بما قد ينتج لهم ذلك من العذاب الشديد أحياناً.

ولم يتخلف النساء أيضاً عن الاشتراك في هذه الحركة إذ كان لهن من بنات الوزير نديمات الإمبراطورة المشار إليهن أعظم مثال ينشطهن ويحتذين مثاله فأسسن مدارس لبنات الحكام وأسست الإمبراطورة من مالها الخاص مدرسة خاصة لتهذيب بنات موظفي قصرها. وكانت المرأة الصينية إلى هذا العهد تعيش في جهالة جهلاء وحالها نسق واحد مزوجة كانت أم عازبة لا تتخلل حياتها سلوى أدبية. وإن كانت من الغنيات تمتاز بانقطاعها عن كل عمل عن نساء الشعب. أما اليوم فقد تغيرت حالها بالمرة فإن الفتيات الصينيات يذهبن إلى الكليات اليابانية ينجزن فيها دروسهن مع التلاميذ الصينيين. وأصبحت تطبع مجلات خاصة بالنساء وذلك في المدن الصينية الكبرى وتصدر كتب حديثة تبحث في شأت المرأة الصينية.

وكانت الإمبراطورة أصدرت أمراً سنة 1902 تنصح به لقومها أن يبطلوا عادة تعصيب الأرجل لتكون صغيرة في الكبر فعادت اليوم تلغي هذه العادة البربرية رأساً بسعي مرسلي البروتستانت فتألف جمعيات لهذا الغرض أخذ أعضاؤها على أنفسهم أن يتركوا أرجل بناتهم بدون تصغير ويمنعوا أولادهم من التزوج بزوجات ضُغطت أرجلهن في صباهن حتى صغرت. وهذه النهضة النسائية من الأدلة على انقلاب حالة الصين في الزمن الأخير إذ ما كان يظهر قبل عشر سنين أن تدخل أمثال هذه الإصلاحات ويطرأ مثل هذا التبديل في أخلاق سكان مملكة ابن السماء وعاداتهم.

وكانت الامتحانات المدرسة القديمة تجمع كل مرة من 250 ألفاً إلى 300 ألف مرشح بينهم بعض الشيوخ فمنذ سنتين انقلبت الحال وأبدلت تلك الدروس الخطابية على نصوص كونفوشيوس حكيم الصين والتمارين الصعبة في الإنشاء التي كان يكفي للمرء أن ينجح فيها حتى يعين عاملاً أو مهندساً أو قائداً أو طبيباً أو قاضياً أو أمير بحر إلى آخره.

وقد وضع الفاحصون في الامتحانات الأخيرة بأمر الإمبراطورة مسائل لم يعهد مثلها للمرشحين من التلاميذ ربما لا تجرؤ الكليات الفرنسية أن تضع مثلها وإليك سؤالين منها: هل يحسن التمدن الأوروبي أم لا يحسن بأمة لم تحصل عليه فقد أصبحت يابان دولة من الطراز الأول بقبولها له وعلى العكس في مصر فإنها سقطت تحت نير إنكلترا لما أدخلت إليها التمدن الغربي فماذا يستنتج الطالب من ذلك للصين. والسؤال الثاني: أي الطرق المشروعة تعمد إليها الصين لتكره الولايات المتحدة على إلغاء القوانين التي تقيد الصينيين عن الهجرة إلى أمريكا.

ولقد أوقع رخص أجور العملة الصينيين ومنازعتهم للعملة الأمريكيين بلاد الولايات المتحدة في حيص وبيص فأصبح العامل منهم لا يكسب قوته إلا بشق الأنفس ففقدت بذلك ملايين من الريالات ولم يكتفوا بذلك بل حالوا دون البضائع الأمريكية وتصريفها في مصارف الصين. وفي العام الماضي قضوا على التجارة الصينية في إقليم مغوليا وقد درست البعثة التي أنفذتها الصين إلى أوروبا ما ينبغي لأمة متحضرة من الأوضاع السياسية والمدنية لتكسر الصين قيود التقليد بعد أن كانت قروناً ترسف فيها وتصبح الصين ولها دار ندوة وابنها يعرف الانتخاب بعد أن ظلت عشرين قرناً في حروب وغارات متواصلة ومذابح لا نهاية لها كان الصينيون إذا لم يتحاربوا في خلالها بعضهم مع بعض يلتقون مع القبائل الرحَّل في الشمال والسيتين والهونسيين والأتراك والتتر وقد نسي الصينيون منذ مئتي سنة ما كانوا يمتازون به من الشجاعة وذلك على عهد أسرى مانشو الحاكمة الآن وما لقنتهم إياه من الاستكانة وحببته إلى قلوبهم من السلم واحتقار السلاح وحمله. بيد أن ظفر اليابان الأخير أضرم في قلوبهم حب الغارة وعادة إليهم شجاعتهم السالفة وأخذت الصين تعد لها جيشاً وطنياً تستعين به على دفع الطوارئ نظمته على النسق الأوروبي وهو يبلغ اليوم مئة ألف جندي متخرجين على يد ضباط ألمان ويابان. وسيصبح عدد جيشها بعد خمس سنين خمسمائة ألف جندي منظم. وقد سلب حكام الولايات امتيازاتهم الحربية ومن شكا منهم ذلك عُزّر وغُرّم غرامة تصرف في التجهيزات الحربية.