مجلة المقتبس/العدد 16/نبأ من الصين

مجلة المقتبس/العدد 16/نبأ من الصين

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 5 - 1907



لأحد علماء الفرنسيس

بعد أن ثارت ثورات البوكسر من دعاة الفتنة في الصين وصار سبيل للأوروبيين أن يتداخلوا في شؤونها عمدت أن تحذو حذو اليابأن في إبدال أوضاعها بأوضاع غريبة وتصبغ بلادها بصبغة الحضارة الأوروبية فكان منها أن صرفت وجهتها إلى التعليم. وبعد أربع سنين ألغت نظام التعليم القديم وطريقة الأمتحانات العقيمة فعد ذلك انقلاباً عظيماً لا في السياسية بل في عد ضربة قاضية على كونفوشيوس وما لقيه بين أبناء الصين منذ القرن التاسع من النفوذ والتأثير فأصبحت تعاليمه هي المعمول بها وأساس كل تعليم في البلاد الصينية فكان يتحكم في جزئيات الصينيين وكلياتهم ولم يعهد أن كان لبشر مثل هذه السلطة على مثل ذي القوم في عدده وإن دامت سيطرة إنسان قروناً لا يجرأ أحد على مقضها. فقد كان من قبل المسيح بستمائة سنة. ولد في إمارة لو التي هي اليوم ولايةشانغ تونوهي للألمان تعد جزءاً من كياوتشو. نعم لم يعهد في تاريخ البشر ما يشبه هذه العبادة وهي مدينة دينية يعبدها رجل بسيط ويعبده شعب لا يحصى مدة 24 قرناً في الشرق الأقصى. ولذلك لم يجسر أحد من أتباع هذا المذهب على إلغاء الطريقة القديمة في الفحوص وحذف اسم كونفوشيوس من المدارس سيما وصورته في كل صف يسجد لها التلميذ والأستاذ على حد سواء. فكان من هذا الانقلاب أن استعيض في المدارس عن تعليم جميع العلوم وجعلها فرعاً وأحداً يجعل كل فرع منها مختصاً بفئة من الناس كان تكون الأولى مدرسة للحقوق والأخرى للطب والثالثة للعلوم السياسية والرابعة للصنائع والفنون وغير ذلك وكأن يكفي في نيا الشهادة المدارس الكلية تأن ينشئ شيئاً في الأدب يأخذ موضوعه من كتب كونفوشيوس ويطلب إليه كتابه شيء في الشعر وكانت تفتح أبواب المناصب والمراتب أمام من يحسن ذلك من الطلاب. فعرفت الحكومة عقم هذه الطريقة في التعليم وأنشأت مدارس خاصة دعتها مدارس العلوم الحقيقية الثابتة وأنشأ الأمبراطور نظارة للمعارف العمومية ترقب أحوالها كما هو الحال في الغرب وستنقسم تلك المدارس على ثلاث طبقات ابتدائية ووسطى وعليا. وقد رخصت الحكومة لبعض الولاة أن ينشئوا في عمالاتهم مدارس مجانية يقرأ فيها التلاميذ نصف النهار ويتمكن الفقراء في خلال ذلك من الدراسة في الصباح والعمل لتحصيل قوتهم بعد الظهر وهذه المدارس أشبه بمدارس البالغين في فرنسا والفرق بين هذه وتلك أن هذه تفتح في المساء وتلك تفتح في الصباح ذلك لأن الصينيين لا يسهرون في الليل اللهم إلا من يتعاطى الأفيون منهم وما عدأهم فإنهم يباركون منامهم حفظا لصحتهم وحرصا على الأضواء وصرف شيء منها عبثاً.

ولقد كان إصلاح التعليم في الصين ونشر المعارف بين طبقات العملة أو الفقيرة من المستحيلات إلا بتسهيل طريقة الكتابة وكانت هذه من الإبهام والألتباس بحيث حالت دون العامة وتلقي المعارف الأدبية وغيرها. فرأى الأمبراطور من الحكمة أن يصدر أمره ليستعمل خط جديد صيني يتألف كله من خمسين حرفاً ويسهل إتقانه في شهرين. وبفضل أهل العلم جرائد تطبع بهذه الحروف الجديدة ليتمكن المتعلمون من استخدام هذه النغمة ولذا أصبحت نتائجها راهنة من الآن.

أدركت الصين بعقول رجالها الثاقبة كل الإدراك أن نشر التعاليم الديمقراطية بين الغوغاء من أهلها لا يكون إلا بواسطة الصحافة التي تتنأولها العقول كلفة وأن الطريقة لحقيقة في إزالة غشاوة الأوهام عن الأبصار العامة وإزالة ما علق في نفوسهم عن الأجانب أن يطلعوهم على أوضاع الغربيين وكانوا يرونهم من قبل أعداء لا يمليون إلا على السلب ولا يظمئون إلا السفك الدماء ويطلقون عليهم شياطين الغرب. وإذ أخذت الصحف تستخدم الخط الجديد فستحارب هذه الأوهام وتنتهي بالتغلب عليها وإزالتها من العقول وهذا الرأي الشائع عند من يرون اختطاط خطة النجاح.

يطمع الأمبراطور أن يبث العلم في عقول رعاياه وهذا الأمر موقوف على الإكثار من المدارس تحتاج إنفاق والصين يعوزها المال كما قد تمس الحاجة إليه في كل مملكة فلم ير ابن السماء بداً من استو كاف أكف الطبقات كلها وراح يفتتح الاكتتاب العامة وجعل لكل من يؤدي ألف فرنك لقب شرف أو وساماً ومن أدى من عشرة آلاف لإلى خمسين ألف فرنك يحق له أن ينشئ وسط الشوارع العامة قوس من نصر من الحجر يخلد به اسمه وعلى نسبة عظم المبلغ المعطى يكون البناء التذكاري جسيماً. وهذا من غرائب الحيل الباعثة على الطمع النافع. فالصبي يعجب بأجداده ولذلك تراه يتعاظم الآن إذا تخلد ذكره كما تخلدت أسماؤهم ويكون له بهذه الطريقة باب يثبت به إخلاصه لبلاده بل يؤيد به منحه وأعطياته وربما كان في الأوربيين من تطمح نفوسهم إلى هذا التمايز من أقامة أقواس نصر من هذا النوع بعد أن كان الملوك حتى اليوم مستأثرين بمجدها دون سائر الناس.

ومما أضافه ابن السماء على تلك الاكتتابات لإنشاء المدارس نزع ملكية الأراضي والعقارات لأجل المنافع العامة فصدر أمره إلى المعابد التي لم تقم على نفقة الحكومة ولا اعترفت هي بها أن تدفع مداخليها إلى خزانة الدولة لتخصص للمدارس. وعلى هذا الفكر أحالت الحكومة الصينية قصر أمير توأن السابق أثار ثورة البوكسر إلى مدرسة حربية خاصة بتعليم الأمراء والإشراف وأبناء الحكام من أهل الطبقة العالية وهذا القصر في بكين في المدينة التاتارية. ولا بد من الملاحظة هنا أن إنشاء المدرسة الحربية هي على طرفي نقيض مع تعاليم كونفوشيوس الذي ينفي الحرب ويحظره على الصينيين يعده أسوأ الجرائم. ولقد كان من كره هذا الفيلسوف ومقاومته للحروب أن أصبحت به المملكة السماوية بلا مدافع يدفع عنها عادية أعدائها فعرف الصينيون اليوم بما لقنتهم إياه يابان من دروسها الحاجة الماسة في الشرق الأقصى إلى تأليف الجيوش المنظمة القوية بمحض تجاربهم واستعدادهم ليقاوموا بها الدخيل الذي لا يرمي إلا إلى تجزئة بلادهم واكتساح أرضهم. وقد شعروا بأتن خضوعهم لتقاليدهم ولدينهم قد أضر بهم فقضى عليهم الحكيم كونفوشيوس. بيد أنهم لم يعصوا عليه ولم ينزعوا حبه من نفوسهم بل تركوه وشأنه وأخذوا ينظرون في أمرهم من طريق أخر. وأنشأت الحومة بجانب نظارة المعارف العمومية نظارة أخرى للمعارف مهمتها الأولى لأن تؤسس في المملكة كلها مدارس للتجارة والزراعة وتربية الدود والغابات وكان الصينيون على مثال قدماء الرومان يحتقرون التجارة ويعدون أهلها من الساقطين في الهيئة الاجتماعية ولا يرى الصينيون إلا الطاعة العمياء لما رسمته شريعة كونفوشيوس لأن هذا لا يحترم إلا الأدباء ورجال الدرس والبحث فأصبح ما كان دونهم ودون الترقي قروناً كثيرة جائز العمل مرخصاً.

وكأنت الصين من قبل محرومة من المكاتب العامة على مثال خزائن الكتب في أوروبا فلم يظهروا لأحدهم منذ عهد كونفوشيوس ما يتأتى من الفوائد للمدينة فأسسوا اليوم مكاتب جمعوا فيها جميع الكتب المنقولة إلى اللغة الصينية التي نشرت في ممالك كثيرة في العلوم العلمية والمعارف الشائعة التي من شأنها أن تساعد الصين على النهوض وأنشأت الحكومة مكاتب للترجمة رسمية في جميع المدن الصينية الكبرى. أما المجلات فليس غير المرسلين الكاثوليك والبروتستانت من يعنى بنشرها في الصين حتى الآن وهي تبحث في الموضوعات الدينية وتشغل قليلاً من صفحاتها بالأبحاث العلمية وقد ارتقت الصحافة كثيراً في الصين وفيها اليوم كثير من الجرائد اليومية والجرائد التي تصدر ثلاث مرات في الشهر وأدرك الصينيون منذ كارثة البوكسر أن الصحافة من المواد الجوهرية في الحياة العامة ولذلك ترى كل من تعلم القراءة منهم يقرأ الجرائد حتى الأمبراطور وجميع الجرائد الجديدة كلها تقريباً تكتب على مثال جريدةسهان باو التي تصدر في مدينة شنغاي وهي التي أسست سنة 1868 على يد شركة صينية وذرع هذه الصحيفة الكبيرة متر وثلاثون سنتيما ذات ثماني صفحات طولها 30 سنتيمتراً وعرضها 30 وتباع بعشر سبايك وهي تعادل خمسة سانتيمات. وترى المقالات في هذه الجريدة التي يكتبها الأدباء العارفون من أهل الكفاءة جيدة في موضوعاتها منوعة الأساليب وهي في العادة مفعمة بالإحساس الطاهر ويظهر استقلال هذه الصحيفة مما تنصح به للحكومة وبما تدل عليه من الفساد المستحوذ في الإدارة وبما تعلقه على السياسة الخارجية وقد تكون تعليقاتها سديدة. وفي هذه الجريدة مجال طويل للبحث في الشؤون المختلفة وترى رواد الأخبار في الصين على غاية من المهارة يدخلون في كل مكان ويعرفون كيف يحدثون غيرهم ويروون عنهم الأخبار وهي طريقة أخذوها عن اليابانيين. وأحسنوها وترى الصفحات الأربع الأخيرة غاصة بالإعلانات التجارية صينية أو أجنبية وفي إعلانات الأجانب حروف باللغات الإفرنجية لإلفات أنظار الصينيين وورق هذه الجرائد معمول من ورق الخيزرانالبامبو ولذلك تراه رقيقاً للغاية ويطبع من وجه واحد ويترك الوجه الآخر أبيض لأنه شفاف يرى ما وراء لأنه أميل إلى الصفرة على أن لون ورق الجرائد وطبعها يمكن تغييرها في بعض الأحوال على نحو ما يفعل أرباب الطباعة إذا مات أحد أفراد الأسرة المالكة فتطبع الورقة التي تذكر الأمر المعلن بالخبر على طبع أزرق وهو علامة الحداد عند إمبراطورتهم لأن البياض لا يتجلى على الورق الأصفر المستعمل في العادة وعند زواج الأمبراطور وعيد ولادته أو ولادة الأمبراطورة والدته تصدر الصحف على ورق أحمر وهو لون العيد والسعادة وتطبع بالسواد. ويستعمل اللون الأحمر أيضاً في اليوم الأول من السنة وهو يصادف بعد شهر من رأس السنة في أوروبا.

والجرائد المصورة ناجحة في المدن العظمى وهذه الصحف مؤلفة من اثنتي عشرة ورقة مضاعفة ولها غلاف أحمر أو أخضر وثمن النسخة عشرون سنتيما أما الصور فتكون خطوطاً في موضوع جديد.

ليس في الصين قوانين مقيدة لحرية الكلام والكتابة كما أنه ليس فيها قوانين تتضمن لها حقوقها بحيث أن الصحافيين الصينيين هم تحت رحمة رجال الشرطة والحكام كل حين. ولما لم تكن الصحف الصينية لهذا العهد لسان حال حزب سياسي فليس لها قوة ولا خطر منها على الحكومة ولذلك يصح أن يقال أن ليس في الصين صحف غير ولا صحف معارضة وقد حاولت مؤخراً جريدة أنشئت في وسط بلاد الصين بشركة صينية يابانية أن تنزع عن تلك الطريقة وتخرج عن رقبتها فألغاها الوالي للحال.

ولا بأس أن نختم هذا الفصل بالكلام على الصين الحديثة بأن الحكومة الصينية أخذة بتنشيط تعليم النساء وكان حتى الآن مهملاً بالمرة إذ أن المرأة كانت أبداً في الشرق ولاسيما في الشرق الأقصى بعيدة عن الإتمام بشؤون بلادها أما الأن فقد أسست الأميرات المالكة المدارس وتطوعت العقائل اليابانيات للتدريس في كل مكان من بكين وسو تشو وهذه من بلاد الصين بمثابة باريس من فرنسا. وأنشئت عدة مدارس كثيرة لبنات الأسرات الكبيرة وقد حضر في العهد الأخير أربع عشرة أميرة مغولية إلى بكين ليلقين فيها التعليم الأوروبي. واللغو الإنكليزية تدرس في جميع هذه المدارس.

وأنت ترى أن للصين الجديدة مستقبلاً زاهراً يبعث الغرب على الطمأنينة الآن وهو خائف من الحظر الأصفر وأن الصين تسير إلى المستقبل في نفس الخطة التي اختطها الغربيون نعم أن هذا الأمر يحتاج إلى زمن طويل قبل أن تأتى الشجرة المغروسة بأثمار يعتد بها حقيقة ولكن الصيني عرف بصبره لذلك تراه يؤمل نيل النتيجة في هذا القرن وهو الذي عرف أن ينتظر الغد ويرقبه رقبة الفلاسفة مدة طويلة لا تقل عن بضعة ألوف من السنين.