مجلة المقتبس/العدد 17/المرأة في الإسلام

مجلة المقتبس/العدد 17/المرأة في الإسلام

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 6 - 1907



تعدد الزوجات حالة لأزمة لبعض درجات النشوء العمراني لا مناص منها فكثرة الحروب بين القبائل وما ينشأ عنها من نقص الرجال مع حفظ عدد النساء واستبداد الأمراء أمور توجب أمور كلها توجب هذه العادة التي نستقبحها في عصرنا هذا ونراها ضرراً عظيماً.

ولقد عرف تعدد الزوجات في القديم بين الأمم الشرقية كافة واستعمال الملوك لها وهم مظنة الاتصال بالله تعالى حللها للرعية وحببها إليهم وقد انتشرت في الهندوس وهم مجوس الهند منذ ابتداء أمرهم والظاهر أنهم كانوا كالماديين والآشوريين والبابليين والفرس لا حد لهم في التزوج من النساء وأن برأهمة الصف الأول إلى يومنا هذا يباح لهم من تعدد الزوجات ما تشتهي نفوسهم.

وانتشرت هذه العادة أيضاً في بني إسرائيل قبل ظهور موسى وهو رضي بها من غيره أن يضع حداً لها إلا أن التلمود في الأعصر المتأخرة علق العدد على كفاءة الرجل ومع أن الربانيين وهم أحبار اليهود نصحوا للناس بأن لا يتزوجوا بأكثر من أربع فقد خالفهم القراء ون في ذلك ولم يجوزوا وضع حد ما.

ودين الفرس الأقدمين يكافئ الرجل على تعدد زوجاته وقد انحطت هذه العادة عند الفينيقيين والسوريين الأقدمين إلى الخروج عن الأطوار البشرية وبلغت عند التراسيين والليديين والبلاسجيين الذين نزلوا القارة الأوروبية وغربي آسيا ما لم تبلغه ويوصي به بعد الموت. وأبيح لهم من التعدد ما شاؤوا.

أما رومية فإن الأحوال الخاصة التي بنيت عليها أدارتها منعت تعدد الزوجات غالباً.

ومهما يكن من صحة ما ورد من اغتصاب الصابنيات فإن وجود هذا في الأساطير الرومانية الخاصة بالزواج. أما في الأقطار المجاورة وخصوصاً عند الأترسكانيين فإن تعدد الزوجات من العادات الممتازة أصحابها. ومجاورة الرومانيين لغيرهم من الأمم سكان إيطاليا أحقاباً متوالية وحروبهم وانتصاراتهم قروناً عديدة مع ما ينشأ عن ذلك من عادات البذخ كل ذلك منه أخيراً أن الارتباط الأخلاقي في الزواج أصبح سبيهاً بالألفاظ المرددة ليس إلا.

وإذا كان تعدد الزوجات ممنوعاً في صريح القانون الروماني فإن السيدات الرومانيات بعد الغلبة على قرطا جنة تطالب نفوسهن للانتفاع من منافع جمهورية حرة ضخمة كالجمهو الرومانية فلم يروهن غير العاشقين وأصبح الزواج حينئذ تسرباً مختلطاً. وتشير حرية النساء وضعف ارتباطهن بالرجال وكثرة تغيير الزوجات وإفراغهن على الغير - إلى أن انتشار تعدد الزوجات تحت اسم مستعار.

وفي غضون ذلك ابتدأت تعليم النصرانية الأولى تنتشر على شطوط الجليل وتنير العالم الروماني كله. وتأثير الاسينيين الظاهر في تعاليم المسيح وما يضاف إليه من الاعتقاد بقرب صراحة.

وهكذا بقي حال تعدد الزوجات حتى منعه يستيانس إلا أن هذا المنع القانوني لم يغير شيئاً في آداب الأمة وبقي حال تعدد الزوجات كما كان عليه حتى مجته أذواق أهل القرون المتأخرة وكأنت الزوجات ما عدا الزوجة الأولى تئن تحت أعباء ثقيلة لا حقوق لهن ولا ضامن بل كن عبيد أوهام أزواجهن وتصوراتهم وأولادهن لا يورثون بل كانوا يدعون نغولاً ويعاملون معاملة المتشردين ولم يكن هذا النوع من الزواج محصورا في الطبقة العالية فقط لأن خدمة الدين كثيراً ما نسوا عهد الرهبانية وارتبطوا بغير واحدة من النساء سواء كان ارتباطا مشروعا أو غير مشروع.

ومن المحققات التاريخية التي لا تقبل الشك أن تعدد الزوجات لم يستنكر إلا في الأعصر المتأخرة. والظاهر أن القديس اغسطينس نفسه لم ير فيه سقوطاً في الآداب أو إثماً وحرجاً بل صرح أن تعدد الزوجات لا يعد جريمة لأن قوانين البلاد تبيحه.

وأننا نرى المصلحين الجرمانيين وهم في عصر متأخر كالعصر السادس عشر أباحوا الزواج مثنى وثلاث لأسباب العقر أو ما أشبهه.

ويقول بعض الباحثين وهم لا يرون إثماً في تعدد الزوجات أن المسيح لم يصرح بمنع هذه العادة ويذهبون إلى أن الاقتصار على زوجة واحدة هو من العوائد الداخلة على النصرانية من الجرمانيين أو اليونانيين والرمانيين. أما الاحتمال الثاني فهو يخالف الحقائق التاريخية مخالفة ظاهرة ولا يجدر بالذكر.

وأما الاحتمال الأول وهو القول بالأصل الجرماني فإنه يتوقف على شهادة ضعيفة لواحد أو اثنين من الرومانيين الذين هم أكذب الناس في شهادات ينتفعون من التلاعب بها ولو فرضنا صحة شهادة تأستس فبماذا نعلل تعدد الزوجات بين سراة الجرمانيين حتى القرن التاسع عشر؟

ومهما يكن من عوائد الرومانيين في العصور الأولى فمن الواضح أن تعدد الزوجات في أواخر أيام الجمهورية وابتداء الأمبراطورية كأن سنة مقررة أو على الأقل لم يحسب مخألفاً للقانون. والأمر الصادر بمنع نشر تعدد الزوجات يشير إلى وجوده واستعماله ونجاح هذا الأمر البريتوري في إصلاح الخلل ودفع الضرر يظهر لمن طالع جواب الأمبراطور هونور يس والأمبراطور أركاديس في أواخر القرن الرابع وعرف سلوك قسطنطين وابنه اللذين كانت لهما زوجات متعددة. وأن الأمبراطور فالينتيأن الثاني أذن علناً لأفراد رعيته أن يتخذوا من الزوجات ما شاؤا. أما الكنيسة استاؤا أو أطهروا على الأقل اعتراض على القانون بل أننا نرى ملوك رومية كانوا على العكس وتزوجوا بعدة نساء وكذلك عامة الناس لم يقصروا عنهم فقلدوهم.

وهكذا بقي حال الشرائع الرومانية حتى أيام يستيانس حين تجمعت حكمة ثلاثة عشر قرناً من قرون النشوء في تدبير المعيشة فسنت تلك الشرائع الجديدة التي لم يكن للنصرانية فيها أثر يذكر وأعظم مشيري يستيانس كان ملحداً وثنياً. على أن منع تعدد الزوجات في قوانين يستيانس لم ينجح في أبطألها وإيقاف أميال العصر. وهذا القانون يدل على ترق في الفكر واختص تأثيره ببعض الأفراد أرباب العقل وأما العامة فكان عندهم حبراً على ورق.

أما في مقاطعة غربي أوروبا فاختلط البرابرة بالسكان الأصليين وامتزج آدابهم بآدابهم حط من علاقة الرجل بالمرأة. ولا ينكر أن بعض القوانين البربرية سعى في إصلاح تعدد الزوجات إلا أن المثال أقوى من الكلام فكان اعتياد الملوك هذه العادة قدوة للعامة لا يقوى عليها النظام حتى أن خدمة الدين والرهبانية الدائمة مما يستحب لهم حباً بطاعة الكنيسة قد رووا أنفسهم من عادة تعدد الزوجات بحصولهم على رخصة بسيطة من المطارنة أو غيرهم من رؤساء الدين.

وأعظم خطأ ارتكبه كتاب النصارى اعتقادهم أن النبي العربي تمتع بتعدد الزوجات أو شرعه وما كأن يقال قديماً من أنه هو الذي أحدث هذه العادة هو علامة على جهل القائلين به وقد ظهر فساده ورده الأعداء ولأصدقاء. وأما القول بأن النبي انتحل هذه العادة أو شرعها فلا يزال تقول به عامة النصرانية وكثير من خاصتها من أهل العام ولكن لا أرى أفسد من ذلك وأن النبي لم يجد عادة تعدد الزوجات في أمته فقط فقد وجدها شائعة عند جميع الأمم المجاورة حيث اتخذت بعض أقبح صورها. نعم أن المملكة النصرانية سعت في دفع هذا الضرر إلا أنها حاولت عبثاً فتعدد الزوجات بقي على ما كان عليه غير وازع المرأة البائسة ما عدا الزوجة الأولى بقيت تئن أنيناً.

وقد كانت بلاد فارس أيام منبعث الفساد ولم يكن لها قانون للزواج معترف به وإذا فرضنا وجوده فإنه كان مجهولاً منبوذاً ولم يحدد الزند فستا عدد الزوجات التي يمكن التزوج بها أرخى الفرس لأنفسهم عنأن التمتع بزوجات متعددة شرعيات وسراري.

وزواج المتعة كان مألوفاً عند الجاهلين واليهود مع عادة تعدد الزوجات فأثرت هذه النصورات الأخلاقية الدنيئة في الجزيرة العربية أسوأ تأثير.

حسنت الإصلاحات التي قام بها النبي العربي حال المرأة تحسيناً ظاهراً ورفعت مقامها لأن المرأة كانت في الجاهلية وعند اليهود من أهل الجزيرة العربية على أحط ما يكون فكأنت الفتاة اليهودية تعامل معاملة كالخادمة في بيت أبيها وكان له أن يبيعها إذا كان مقلاً من المال ولأولاده من بعده أن يتصرفوا بها كيفما شاؤا وهي وأبيها لا ترث شيئاً من مال أبيها أن لو يمت أبتر لا ذكور له وكأنت المرأة عند الحضر من العرب مالا وتحسب جزءاً صحيحاً من ثروة والدها أو زوجها والأرملة تصبح بعد وفاة زوجها مما يرثه الأولاد لذلك كثيراً ما تزوج الأبناء بزوجات أبائهم من بعدهم وهو زواج حرمه الإسلام وسماه المسلمون زواج المقت. ومما استعملها أهل اليمن.

وبلغ بغض الجاهليين للنساء أنهم يئدون بناتهم وهي عادة فظيعة كانت منتشرة بين قريش وكندة. وقد استقبحها النبي جداً وأنكرها بعبارات كالصواعق بل هي أشد وجعل لها ولعادة تقديم الأطفال للأرباب أشد العقاب.

أما المرأة في المملكتين الفارسية والبيزنطية فكانت منحطة وبعض أهل الطيش ممن دعأهم النصارى بعد زمن قديسين كان ديدنهم أن يحطوا من قدر المرأة ناسين أن الشر الذي رأوه فيها إنما هو صورتهم المعكوسة. وعلى هذا الحال من الانحطاط العمراني والانحلال الأدبي ونداء الناس أن الشرائع القديمة بعد وزنها بميزأن التجربة ناقصة أدخل النبي إصلاحاته فجعل احترام المرأة من أركان دينه ودعي أتباعه ابنته خاتون الجنة حباً بها واحتراماً لها وهي عندهم مثال لنوعهاوسيدتنا الزهراء تمثل الأخلاق الفاضلة وعفة الإزار في المرأة وهي أسرف كمال أدركه الإنسان وقد خلفتها سلسلة من النساء طويلة كرمت هذا الجنس بفضائلها حتى قل من لم يسمع بالسيدة رابعة وبألف من اضرابها. وقد منع النبي في شريعته عادة الزواج المشروط ومع أنه أباح المتعة في أول الأمر لكنه حرمها في السنة الثامنة من الهجرة. وأعطى المرأة من الحقوق ما لم يكن لها من فبل وخولها امتيازات سوف تقدر قدرها كلما تقدم الزمن فساواها بالرجل كل المساواة من حيث استعمال القوى الشرعية ووضع لتعدد الزوجات حداً أعلى وشرط العدل بينهن ومما هو حري بالنظر أن الآية القرآنية التي تبيح التزوج بأربع يتبعها ما يرجع العدد إلى الحد الطبيعي والآية هيوأن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.

والتشديد في هذا الشرط مع النظر إلى معنى كلمة العدل في التعاليم القرآنية لم يخف على عقلاء الأمة الإسلامية وليس المقصود من العدل المساواة في المسن والملبس وغيرهما من الحاجات الأهلية بل المقصود منه أيضاً المساواة في المحبة والميل وهذا لم يخف على التزوج بواحدة فقط. ومع أن اضطهاد المتوكل الطائش منع مبادئهم فإن الاعتقاد يسري في أركان البلاد الإسلامية الراقية بأن تعدد الزوجات مخالف الشريعة الإسلامية الغراء كما ينافي تقدم العلم والتمدن.

ومما يجب النظر إليه أن تعدد الزوجات ينشأ عن أحوال خاصة ففي بعض الأزمنة وفي بعض انتقال الهيئة الاجتماعية من حال إلى حال يكون من الضروريات الأساسية لحفظ المرأة من الهلاك وإذا صحت الأخبار والإحصائيات فأكثر الفظائع المنتشرة في منبعث المدينة الغربية ناشئ عن الحاجة الشديدة وقد أشار أب هك والسيدة دف غوردن إلى أن تعدد الزوجات في الشرق هو في الغالب مما تؤدي إليه ضرورة الحال.

ولما تقدمت الأفكار وتحولت الأحوال ذهبت ضرورة تعدد الزوجات وأصبح استعمالها إما مهجوراً مسكوتاً عنه أو ممنوعاً صراحة. ولذلك أصبحت البلاد الإسلامية التي تغيرت فيها الأحوال الداعية إلى تعدد الزوجات تعد هذه العادة ضرراً عمرانياً ومبدأ يخالف روح الإسلام التي لم تتغير فيها هذه الأحوال حيث لا توجد الوسائط والمعاشية التي تعتمد عليها النساء في البلاد المتمدنة.

ولمعترض أن يقول أن الإباحة الكلامية تترك محلا للتمتع المشبوه والتلذذ المستكره لذلك يكون تعدد الزوجات من الأعمال الشاقة ونحن نسلم بقوة هذا الاعتراض وهو حري بألفات نظر من يريد تخليص التعاليم الإسلامية من المذمة الملتصقة بها ويريد التقدم مع الزمن. ومما يجب ذكره أن مرونة الشرائع هي أعظم محك نعرف به قيمة تلك الشرائع ومنافعها وهي سر القرآن لأنه تقبله أرقى الشعوب وهو يسد عوز أحطها ولا يتعامى عن الاقتصار على زوجة واحدة ضرراً شديداً. أما القيام بأبطال تعدد الزوجات فليس الصعوبة بالمكان الذي يتوهمه بعضهم. والمصيبة التي أصابت المسلمين وهي أصل ما هم عليه اليوم منعهم الاجتهاد وتمسكهم بالتقليد.

وليس بالبعيد يوم يرجع فيه الفقهاء إلى كلام النبي في حل مسألتهم وهي هل يقلدون النبي أم يقلدون الذين استعملوا اسمه الكريم في أغراضهم أو أغراض الأمراء الذين عاشوا في أكنافهم. وقد مرت أوروبا في مثل هذا الطريق وكلن الأولى بها أن تراقب نهضة الإسلام وإصلاحه بالصبر والحنو لا أن تسلقه بالسنة حداد. ومتى تم التخلص من شرك الأفكار القديمة يصير من السهل على مشتر عي البلاد الإسلامية نسخ تعدد الزوجات إلا أن سداداً كهذا لا يتأتى إلا بعد ترق عام في إدراك الحقائق وأحاطة بروح الإسلام.

وإن موافقة التعاليم الإسلامية لكل درجة من درجات الترقي تدل على حكمة المعلم. وليس تعدد الزوجات بين أقوام متدنية وله من الشروط ما وضعه النبي مما يؤسف له وهو على الأقل خير من عادة تعدد الأزواج وخير وازع أدبي. وكلما انتشر العلم وكثر التهذيب قدرت أضرار تعدد الزوجات قدرها وصار الناس أكثر علماً بوسائط منعها. ولا نقول الآن أن مسلمي الهند استفادوا كثيراً من اختلاطهم بالبرأهمة الذين يحل لهم في مذهبهم الفجور جهاراً بل نقول أن هؤلاء المسلمين فسدت أخلاقهم وانحطت تصوراتهم التي من شأنها رفعة الإنسان وتشريفه ونقاء قلبه وانتشرت طبقة الهتري بينهم كما هي بين جيرانهم الوثنيين ومع ذلك فثمة دلائل محسوسة يضيء قلوبهم ويخرجهم من ظلماتهم. وقد أدى المعتزلي اجتهاده إلى الاقتصار على زوجة واحدة لأن الشريعة تمنعه من ارتباط ثأن في خلال وجود ارتباط سابق. والخلاصة أن الزواج في عرف المعتزلة هوأن يكون ارتباطاً اختيارياً حتى آخر رمق بين رجل وامرأة واحدة وهو اليوم حد الاقتصار على زوجة واحدة.

وقد سرى كره تعدد الزوجات وصار من المسلمات العمرانية أن لم يكن من المسلمات الأخلاقية وهو مع كثير من العوامل الخارجية يقتلع هذه العادة من بين الهنود المسلمين حتى صار من المعتاد بينهم أن يضعوا في عقد الزواج جملة تمنع الزوج صراحة من حق التزوج بثانية ما دامت الأولى موجودة. وفي كل مئة منهم اليوم خمسة وتسعون مقتصرون على زوجة واحدة وهذا إما لاقتناعهم بفائدة ذلك أو لاضطرارهم إليه. وتستقبح عادة تعدد الزوجات بين الطبقات المهذبة العالمة بتاريخ أسلافها والقادرة على مقابلته بتاريخ بقية الأمم إما في بلاد فارس فقسم صغير من السكان يتمتع بهذه العادة المشكوك بلذتها والمأمول أن يقوم قريباً جماعة من حكماء المسلمين يفتون بأن تعدد الزوجات كالرق مكروه في شريعة الإسلام.

ولنرجع الأن إلى موضوع زواج النبي المتعدد وهو يظهر لكثيرين ممن يجهلون الحقيقة أو يتجأهلون موضع انتقاد ومحل لوم. ومنتقدوه من النصارى يذهبون إلى أنه باتخاذه زوجات متعددة ميز نفسه بما لم يجوزه الشرع فأظهر ضعفاً في الأخلاق يصعب اتفاقه مع النبوة. إلا أن التعمق في التاريخ وتقدير الحقائق بدلاً من أن يبرهن أن النبي كان مفرطاً في الشهوات يدل دلالة صريحة على إنه كان يفادي بالعزيز في سبيل الغير باتخاذه بحسب شرع أمته عدة زوجات فقيرات وسد حاجتهن وهو فقير لا مال له ولا عقار. وأننا إذا درسنا عواطفه درساً مدققاً ونظرنا إليها من الجهة الإنسانية يظهر لنا تخرص المعترضين عليه. ولما تزوج خديجة كان في الخامسة والعشرين من العمر وكانت هي أسن منه كثيراً وقد قضيا سوية نحو ربع قرن رافلين في أثواب السعادة والإخلاص وكانت كل هذه المدة رفيقه الوحيد ومساعده الأمين على تخفيف ما كان يصيبه من أذى قريش واضطهادهم وعند حلول أجلها كان في الحادية والخمسين ولا يمكن لأعدائه أن ينكروا أنهم لا يرون في حياته كل هذه المدة ثلمة في أخلاقه أو نقطة سوداء في صحيفته البيضاء. وهو لم يتزوج بغيرها في حياتها على أن الرأي العام في عشيرته يجّوز له ذلك لوشاء.

وعند رجوعه من الطائف بعد بضعة أشهر من وفاتها وهو ضعيف مضطهد تزوج بسودة أرملة السكران وهو ممن كان أسلم وهاجر إلى بلاد الحبشة فراراً بدينه وبنفسه من قريش وقد توفي في منفاه وأبقى من بعده أمرأته في أشد البؤس والشقاء. وعوائد البلاد لا تمكنه من مساعدة هذه المسكينة الفقيرة أن لم يتزوج بها لذلك نرى أن مبادئ الإنسانية والشفقة تحتم عليه اتخاذها زوجاً له على إنه كان حينئذ في أضيق الحالات.

وكان عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة المعروف بعد ذلك في التاريخ (بأبي بكر) من أتقى الأتباع وأشدهم تعلقاً بالنبي وأسبقهم للإسلام وهو أشبه بعلي بن أبي طالب من حيث حبه للنبي وكانت له ابنة صغيرة اسمها عائشة فكإن جل قصده أن يمكن علاقته بالنبي بتزويجه ابنته وكانت في السابعة من العمر إلا أن عوائد البلاد تسمح بذلك الزواج وبعد الإلحاح صارت تلك الآنسة الصغيرة في مصاف الزوجات الطاهرات.

وبعد مدة من وصول المهاجرين إلى المدينة حدثت مسألة تدل على حال المعيشة العربية في ذاك الزمن وكل من عرف العرب وعرف أنهم أهل أنفة وحرب وأثار يتيسر له أن يدرك سر هذه الحادثة وهي أن عمر بن الخطاب الخليفة الثاني كانت له ابنة اسمها حفصة فقدت زوجها في غزوة بدر وكانت صعبة المراس وصعبة المزاج كأبيها لذلك كان يتجنبها الصحابة ويكرهون التزوج بها فكان هذا كاللوم والتوبيخ عند أبيها وليدفع عن نفسه ذلك عرضها زوجة على أبي بكر فأبى ثم عرضها على عثمأن فأبى فذهب مغضباً إلى النبي ليشكو إليه ما لحقه من العار فكان لا بد من إرضائه وتستكين غضبه بحل هذا النزاع وأسبابه الواهية من المضحكات لكنه كان كافياً في ذلك الزمن لإشعال نار الفتنة بين المؤمنين وهم في أول أمرهم فتدارك النبي ذلك وسكن غضبة عمر بتزوجه ابنته وهكذا أرضى أصحابه وأصلح ذات البين.

ومن زوجاته هند أم سلمة وأم حبيبة وزينب أم المساكين وهن أيضاً كن أرامل ذهبت عداوة قريش بمن يعيلهن وامتنع قرابتهن عن مساعدتهن أو لم يكونوا أكفاء قادرين.

وكان النبي زوّج صديقه ومولاه زيداً سيدة اسمها زينب تنتسب لبيتين من أشرف بيوت العرب فلفخرها ونسبها وربما بجمالها أيضاً كانت تغتاظ من زواجها بمولى من الموالي وربما زاد الطين بلة تكرار زينب في حال مناسبة كليمات كان قالها النبي وقد زار زيداً ورآها مكشوفة الوجه وهي (سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب) - جملة يقولها اليوم كل مسلم يرى صورة جميلة - وكانت زينب كثيراً ما تكرر أمام زوجها هذه الكلمات التي قيلت في الإعجاب الطبيعية لتريه أن جمالها أعجب الناس حتى النبي.

ولما عيل صبر زوجها زيد عزم أخيراً أن يطلقها فذهب إلى النبي ليظهر له فقال له النبي (مالك أرابك منها شيء؟) قال (لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله ولا رأيت إلا خيراً) فقال له النبي (أمسك عليك زوجك واتق الله) إلا أن زيداً لم يطع الأمر الشريف فطلقها فأغتاظ النبي من عمله خصوصاً وهو الذي خطبه عليه وزجه بها وبعد نجاح زينب في الخلاص من عصمة زيد قامت تلح في التزوج بالنبي ولم ترجع حتى تشرفت بأن تكون في عداد زوجاته.

وللنبي امرأة أخرى تدعى جويرية ابنة الحارث سيد بني المصطلق كان في غزوة لإخماد ثورة قامت بها عشيرتها ورضي منها من أسرها أن تفتدي نفسها بفدية تقدمها له فسألت النبي هذا المال فأعطاها اياه حالاً فاعترافاً بفضله عليها وشكراً له عرضت نفسها عليه فرضيها زوجة وحالما عرف المسلمون هذا الارتباط الجديد قالوا فيما بينهم أن بني المصطفق صاروا من ذوي قرابة النبي فيجب علينا أن نكرمهم ونعاملهم بما هم أهله وهكذا عفوا عن الأسرى حتى بارك هذا الزواج السعيد مئة أسرة أطلقت من الوثاق. وكانت صفية اليهودية ممن أسره المسلمون في غزوة خيبر فأعتقها النبي وكرمها بالتزوج بها.

ومن زوجاته ميمونة وهي من ذوي قرابته تزوجها في مكة وكانت فوق الخمسين من العمر وهذا الزواج أكسب الإسلام رجلين مشهورين هما العباس وخالد بن الوليد قائد قريش في وقعة وقاهر الروم.

وهكذا كان حال زواج النبي ومن الممكن أنه تزوج بعض الأحيان ليرزق ولداً لأنه لم يكن من الآلهة وربما شعر بالميل الطبيعي إلى ترك وارث من بعده وقد يكون أحب التخلص من اللقب الذي لقبه به أعداؤه ولكن إذا نظرنا إلى الحقائق كما هي نرى أن الزواج المتعدد نشأ عنه من المنافع زيادة على ما ذكرنا ميل لائتلاف القبائل المتعادية واجتماع كلمتها. ومما يجب ذكره أن عادة الأخذ بالثأر كانت شائعة في الجاهلية وهي أضعف القبائل ولم يكن إذ ذاك بيت ليس له ثارات أو عليه ثارات تقتل فيها رجال وتستحي النساء. ولما قام موسى وجد هذه العادة شائعة في قومه أيضاً (كما تشيع في الأمم إذا كانت على درجة من العمران مخصوصة) ولما ينجح في أبطألها أباحها إلا أن النبي محمداً كان أشد إدراكا للدواء الذي يجب استعماله فربط القبائل المتنازعة بعضها ببعض كما ربطها برباط الزواج وعند حلول أجل البعثة وقف على عرفات وصرح بأبطال هذه العادة الجاهلية.

إلا أن خبث أعداء يجورون في أحكامهم ويتعصبون لأوهامهم شوه عواطف حملت محمداً على تعدد زوجات كن أرامل ومستضعفات لولاه لنبا بهن المربع ولجفت قلوبهن من حرارة الجوع على أن هذه العواطف أباحها الأنبياء السابقون. وربما عد الغربيون اليوم عادة تعدد الزوجات شراً محضاً وليست هي بالمحرمة فقط بل نتيجة شه وفساد وكاني بهم قد نسوا أن هذ1هـ العوائد كلها هي نتيجة المحيط وابنة الحاجة وإن كبار الأنبياء من اليهود وهم مثال الكمال في المذاهب السامية أجازوا تعدد الزوجات واستعملوه إلى حد يعد في نظر المعاصرين نهاية الفساد.

والغالب أن يقال أن الواجب على النبي لا يخضع لأي ضرورة تضطره إلى مدح عادة سيئة كهذه أو لأباحتها وأن الواجب عليه تحريمها بتاتاً فالمسيح غض الطرف عنها ولم يتعرض لها. لكن من أمعن النظر يرى أن هذه العادة مثل كثير غيرها من العوائد ليست شراً محضاً والشر كلمة نسبية لأنه قد تكون عادة من العادات مباحة في أول الأمر تقبلها مبادئ الأفراد والجماعات إلا تقدماً في أفكار الأمة تغيراً في أحوالها ربما يجعل هذه العادة مضرة حتى تمنعها الحكومة بعد حين. أما أن الأفكار تترقى فهو من المسلمات وإما أن العوائد والأعمال تتوقف على ترقي الأفكار وأنها إما أن تكون حسنة أو سيئة بحسب الأحوال و (روح العصر) فهي حقيقة يجهلها أهل الأفكار السطحية كثيراً. بيروت

عبد الرحمن شهبندر