مجلة المقتبس/العدد 17/غلو الشرقيين

مجلة المقتبس/العدد 17/غلو الشرقيين

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 6 - 1907


عرف العلماء البيأن المبالغة بأنها وصف شيء بما لا يزيد على الواقع واختلفوا في جوازها وأباحتها فجعلوا منها المقبول ومنها المردود وهو الرأي الراجح وقسموا المبالغة إلى أقسام ثلاثة الأول التبليغ وهو وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه في العادة والثاني الإغراق وهو وصف الشيء بالممكن في العقل دون العادة والثالث الغلو وهو الوصف الذي لا يمكن عقل ولا عادة.

ولقد درجت سوق الغلو ولا تزال رائجة في الشرق بما سرى إليه من ضعف العقول بضعف العلوم التي تنفع في التميز بين ما يقع وما يمتنع. والغلو موجود عند كل أمة ولكنك تراه على أشد عند المشارقة فإن المفهوم من تاريخ المغاربة وآدابهم بأنهم دوننا في المبالغات والسبب في ذلك والله أعلم أن فلسفة أبناء الغرب فلسفة حسية مبنية على الحس وفلسفتنا فلسفة خيالية.

الشرقي يبالغ ويفحش في الغلو بالدقيق والجليل من شؤونه الدنيوية والأخروية فقد بالغ في تصوير الأمور الروحية حتى صار كثير من أممه يؤلهون المخلوقات ويسجدون للجمادات والعجماوات أو يثبتون لما يحترمون من الآداميين من ضروب الصفات ما تضل في تكييفه العقول ويعتريها الذهول.

جاءت الأديأن السماوية لنزع هذا الغلو من العقول فسلمت بتعاليمها العقول في بعض أصقاع الشرق حيناً من الدهر حتى عادت بالتدريج إلى سابق أعراقها وإفراطها في وصف البشر وتاليههمإلى حد الهزل فدل ذلك على عموم الجهل وضعف العقل. الشرقي يبالغ في تصوير الصفات فإذا وصف أحد بالعفة اختلق له النعوت ما تمليه المخيلة وتساعد عليه محفوظاته من ألفاظ اللغة وأقل ما يصف به من يريد وصفه أن يثبت له من الصفات ما لا يليق بعضه إلا بأكبر دعاء من أفراد العالم.

الشرقي يبالغ إذا وصف أحداً بالسخاء والشجاعة والمروءة والشمم وكل ما يرفع النفوس إلى المقامات السامية. وفي دواوين الشعر وكتب المحاضرات أمثلة أكثر من أن تحصى أو يشهد بها فأقرأها يتجلى لك كيف تضيق الأحلام بالأوهام وأنى تسطو الخرافات على المخلوقات.

نعوذ بالله من شعرائنا الجاهلين والمخضرمين والمولدين إذا أنشأوا ينشئون القصائد ويشدون بالمناقب والمحامد. تأملها ملياً وضعها على محك النقد الصحيح وأنصف في تطبيق مفأصلها على وأنظر إذا كنت لا توجب عليهم الكفارات لفرط ما غلوا في المبالغات وإذا غاليت أيضاً فأحكم عليهم بالجلد مئين واسجنهم لئلا يعلموا الناس هذا الخلق المشين ويحملوا إليهم ذاك الرأي الدفين. وقل معي أن أمة تقول أعذب الشعر أكذبه وأشعر الناس من استجيد كذبه هي أمة المبالغة والغلو.

ومع أن الحساب من اخترع الشرقيين وكان له فيما مضى بين ظهرانيهم شأن عظيم ترى خاصتنا في القديم والحديث إذا عدوا وقاسوا نسوا الحساب والمساحة وإذا قدروا وغلوا في عالم الخيال عن طور الحس وتناسوا التدقيق فكالوك أو وزنوك بالألوف وربما كانت في العشرات.

ترى قومنا هدأهم الله إذا سألت أكثر الطبقة العالية منهم كم قوة الدولة الفلانية أجابوك لساعتهم كذا وكذا بتحديد الأرقام مع أنك لو سألت كبار رجال تلك الدولة لتمهلوا في الجواب واضطروا أن يرجعوا إلى حساب وربما في نفوسهم بعد ذلك من صحة ما قالوا أشياء كما مات الفراء وفي نفسه شيء من حتى.

ترى كثيرين من خاصتنا إذا سألتهم عن الثروة لا يسعك إلا أن تقف شاخصاً تستعيذ بالله من غلو المشارقة وتجويزهم الكذب وإيغالهم في الباطل وضعف استقرائهم واستنتاجهم وغفلتهم عن القياس. قف وأسأل الله السلامة وهم يصورن لك صاحب المئة من الألوف وصاحب مئات الألوف وهكذا إلى ما شاء الله وشاء اتساع عقولهم.

ولقد كان بعض الظرفاء يقول: إذا ذكرت أموال في صاحب الثروة في الشرق وقدر ما تملك يمينه فأحذف صفرين من اليمين الأرقام فإذا قالوا لك فلاناً يملك عشرة آلاف فأعرف أنه يملك مئة وإذا قيل لك مئة ألف فأعرف أنه يملك عشرة آلاف وهكذا افرض أقل تعديل لعلك تسقط على الحقيقة وكان يقول إذا لم تصدق فأسأل العابدين ممن يقدرون ثروات الأفراد إلى آخر درهم مما عندهم على حين أنك لو سألت أصحابها عما يملكون لما عرفوا أن يقدروا لك إلا بالتخمين والتقريب هذا إذا لم يكونوا من أهل الغلو والإغراق.

أجارك الله من شرقي يتشدق بذكر عالم عرفه أو سمع به أو جد نسب إليه ولاسيما إذا كان ذاك العالم في عالم الأموات والشرقي يرى المبالغات بالأموات من أقرب القربات ولعله يحيل على بعيد عن قصد لأن الحكم على الأحياء القريبة يستلزم منه أن يأخذ المتكلم من لسانه وبيانه.

ساعدت الجرائد والمطابع والمدارس على تخفيف الشرقيين من المبالغات ولكنها لم تتمكن إلى اليوم من نزع هذا الخلق المتأصل في السواد الأعظم وبعض الناس في الغالب مسوقون إلى المبالغة بحكم العادة والبيئة. ولقد وقعت من ذلك حادثتان كانتا من أكبر الأدلة على أن هذا الخلق فينا لا ينزع إلا إذا أكثر الكتاب من التنديد فيه وعملنا كلنا على قلب أوضاع مجتمعنا وعاداته.

فالحادثة الأولى جرت في مصر إبأن العقبة في السنة الماضية فقالت إحدى الجرائد المتحمسة أن الدولة حشدت في عريش مصر ثمانمائة ألف جمدي كتبت ذلك برقم غليظ ولما سئلت من الغد في معنى هذه المبالغة قالت أن المحشود من الجنود هو ثمانون ألفاً وأن الصفر زائد وبعد التحقيق تبين أن ما كان جمع هناك من الجند لم يتجاوز الألفين فتأمل مبالغة تقولها جريدة كبرى في مدينة كالقاهرة في مثل هذا العصر عصر الإحصاء والتقدير في قطر اتصل جنوبه بشماله وشرقه بغربه بالخطوط الحديدية والأسلاك البرقية والتلفونية بحيث لا يحتاج تحقيق هذا الغلو إلا لشيء من البحث.

والحادثة الثانية جرت لصاحب هذه المجلة أذكرها للقارئ على سبيل التمثيل والفكاهة فإني ما ذكرتها إلا وذكرت معها غلو الشرقي. ذلك أني كنت منذ تسع سنين أكتب جريدة الشام فنعى الناعي ذات يوم رجلاً من وجهاء إلا طراد في صالحية دمشق كان معروفاً بين أهل جيله وحيه بأنه من المعمرين المتمتعين فقال لي الناعي وكان من أكابر الفضلاء: أكتب أنه مات عن خمس وثلاثين سنة بعد المئة. فقلت له: أن العدد عظيم فهل لك أن تنزله فنهرني وقال: أكتب والحق أقول أن المرحوم كان أطول عمراً مما قلت لك يعرف الناس حتى أن فلاناً قال لي ذلك وأكده أفلا يسعك ما يسع العارفين به وعندها كتبت: ومات عن عمر جاوز الخامسة والثلاثين بعد المئة. ولم يكشف الناعي بذلك بل قال أن المتوفى خلف خمسمائة نفس ذكوراً وإناثاً فكتبت بعد تأبينه والغلو في ذكر عاداته وصحته طول حياته: ومما يجدر بالذكر أن له من الولد وولد ما ينوف عن خمسمائة نفس ذكوراً وإناثاً.

كتبت هذا وأنا بين الشك واليقين في صحته لكني كنت والحق يقال إلى اليقين أقرب لأن النأقل ممن اعتقد فيهم سعة العقل وصحة القياس. فأعجب الناس بما كتب وتحدثوا به وربما زاد بعضهم فقال: أن عمر المرحوم كان أكثر مما ذكر وأن الجريدة أخطأت في تقدير عمره ولعل سنه لا تقل عن مئة وخمسين وأولاده وأحفاده أكثر مما ذكر وأن الجريدة أخطأت في تقدير سنه لا تقل عن مئة وخمسين وأولاده وأحفاده أكثر من ذلك بمئين.

ولما انتشرت الصحيفة في البلاد تنأقلت الخبر عنها بعض المجلات العلمية وأكثر الجرائد السيارة في البلاد العثمانية وربما لم تغفل زميلاتها في مصر أيضاً عن نقل هذا النبأ الغريب فدهشت من هول ما رأيت ونبهني أحد العقلاء إلى هذا التسرع في الحكم على عمر الميت وأولاده فلم يستغني إلا أن أخذت في تحقيق فتبين أن الرجل لم يتجاوز المئة وأن أبناؤه وأبناء أبناؤه هم دون الخمسين بيقين. ون ظل بعض أحباب المبالغة يقولون أن الرجل مسن جداً وقد حارب في جيش إبرأهيمباشا المصري ولكن لم يسعهم أن يكثروا في عداد أولاده لأن الإغراق في عددهم يكذبه العيان وأما عمر والدهم فليس فيه مستند تاريخي صحيح يعول عليه ما دام الشرقي يأخذ تاريخ رجاله وأكثر ساسته في الأكثر من أفواه الشيوخ والعجائز. وبعد مدة ظهر لي أن المتوفى ومن صحته ونشاطه وقالت أن عمره مئة وخمس وعشرون سنة. فكان مل جرى من المبالغة في تقدير عمر الرجل وأولاده وأحفاده أشبه بما تأتيه الجرائد الصفراء في أميركا من الغلو في تجسيم الأخبار لإلفات الأنظار.

وأحسن تعليل للمبالغة ما ذكره ابن خلدون بقوله: وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريباً منه. وتفاوضوا في الأخبار عن الجيوش المسلمين والنصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الأغنياء والموسرين توغلوا وطاعوا وساوس الأغراب فإذا استكشف أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطأ ولا عمد ولا يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه ويسيم في مراتع الكذب لسانه ويتخذ آيات الله هزواً ويشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله وحسبك بها صفقة خاسرة.