مجلة المقتبس/العدد 5/الآشوريون والبابليون

مجلة المقتبس/العدد 5/الآشوريون والبابليون

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 6 - 1906


هدد نجاح صناعة الأمة من هذا الوجه فتجارة الولايات المتحدة لا تحمى لكونها في حالة الطفولية بل حباً بالاحتفاظ بعلو مرتبتها الحاضرة المحققة في أوربا.

ولقد عظمت النتائج الاقتصادية بهذا الفكر فتضاعف عدد الأماكن في ثلاثة أرباع قرن كما تضاعفت القوة الصناعية وارتقى عدد الغلات من 15 ملياراً إلى 65 ملياراً. ويظهر من تقرير نشره مكتب الإحصاء في واشنطون منذ سنتين في معنى تجارة أميركا مع العالم أجمع أن الولايات المتحدة أول قوة اقتصادية في الكرة الأرضية ولإنكلترا المقام الثاني. ففي الولايات المتحدة ينبت 75 في المائة من مجموع غلات القطن في العالم وهي تحرص على إبقائها لمعاملها الخاصة. من أجل ذلك ما فتئت تبني المعمل إثر المعمل حتى زادت الآلات في معاملها 22 في المائة على حين لم تزد في معامل أوربا على عشرة في المائة. ومن جملة ما بني معمل فيه خمسمائة ألف آلة ومغزل و12 ألف نول في ضواح سان لويس. تلك المدينة التي قام فيها معرض أميركا سنة 1904 في بقعة مساحتها خمسمائة هكتار من الأرض وكلف من النفقات 250 مليوناً وهو ضعفا معرض شيكاغو سنة 1893 وأربعة أضعاف معرض باريس سنة 1900. معرض دهش له عالم الصناعة والتجارة.

ولا غرو في هذا فإنك تعرف مقدار ارتقاء هذه الأمة من أرقام وارداتها وصادراتها فقد كانت وارداتها سنة 1897_98، 30. 080. 248. 270 فرنكاً وصادراتها 6. 157. 411. 650 فرنكاً ومجموع تجارتها 9. 237. 659. 920 فرنكاً وارتقت وارداتها سنة 1902_903 إلى 5. 128. 757. 640 وصادراتها إلى 7. 400. 690. 070 ومجموع تجارتها إلى 12. 229. 447. 710 ومن ذلك يدرك القارئ ولاشك ما تم من النجاح في تلك البلاد بفضل مبدأ مونرو وهو كما وصفه أحد علماء الألمان الإنجيل السياسي الذي تراه معلقاً في شوارع الولايات المتحدة لعهدنا وبفضله كفت عنها غارة الأوروبيين ووقيت سوء المغبة في شؤونها المالية.

6


الآشوريون والبابليون

بلاد الكلد وصفها - ينبجس من قمم جبال أرمينية المغطاة بالثلوج نهران سريع جريهما بعيد غورهما وهما الرافدان دجلة والفرات الأول من الشرق والثاني من الغرب. يتقاربان أولاً ثم يتباعدان عند بلوغهما السهل فيستقيم دجلة في جريته وينعطف الفرات في صحاري الرمال ثم يجتمع النهران قبل أن يصلا إلى البحر. فالبلاد التي يجتازها هذان النهران هي بلاد الكلدان. وهي سبسب من صلصال تمطره السماء قليلاً وتشتد فيه الحرارة والقيظ بيد أن الأنهار تسقي بجداولها هذه الأرض الصلصالية فتصيرها من أخصب بقاع الأرض وأنبت قيعانها. وأن حبة القمح والشعير لتأتي مائتين وفي أعوام الرخاء ثلاثمائة. والنخيل في تلك البلاد غابات غبياء يستخرج منه الخمر العسل والطحين.

الأمة الكلدانية - باكرت الحضارة بلاد الكلدان في العهد الذي باكرت فيه مصر فسكنتها شعوب متمدنة. وقد هاجر إليها عدد من الأجناس من أصقاع كثيرة فاجتمعوا وامتزجوا في هذه السهول الفسيحة الأرجاء. جاءها من الشمال الشرقي ناس من التورانيين أهل اللون الأصفر وهم يشبهون الصينيين وأتاها من الشرق طائفة من الكوشيين ولونهم أسمر قاتم وهم أنسباء المصريين ونزل إليها من الشمال فئة من الساميين وألوانهم صافية وهم أقرباء العرب فتألف الشعب الكلداني من هذا المزيج.

مدنها - زعم كهنة الكلدان أن ملوكهم تبسطوا في مناحي السلطة منذ مائة وخمسين ألف عام وهو زعم خرافي يعذرون عليه لأن الحامل لهم عليه توغل مملكة الكلدانيين في القدم. هذه الأرض تتخللها هضاب وآكام كلها كومة أنقاض من بقايا بلد عفته طوارق الدهر. وقد فتح كثير منها وأخرجت منه عدة دفائن مثل أور ولارسام وبال ايلو وظفر الباحثون بعدة آثار. وما برح أمر هذه الشعوب مستوراً عن الأنظار مجهولة حقيقتهم على أرباب الأفكار على أنه من المأمول أن يظفروا بكتابات جديدة في الأماكن الكثيرة التي لم تتناولها الأيدي بالحفر واستخراج الدفائن. وبعد فقد دعت هذه الأمم نفسها بالسوميريين والاكاديين وانقرض ملكهم حوالي سنة 2300 قبل المسيح وربما كانت إذ ذاك في إبان قدمها فيرد عهدها إذاً إلى ثلاثين قرناً قبل الميلاد على الأقل.

الآشوريون

أشور - هذه البلاد واقعة وراء بلاد الكلدان على شاطئ دجلة وهي مخصبة التربة قائمة على تلعات كثيرة فيها وأحادير. تخترقها هضاب وتتخللها صخور. تثلج فيها السماء في الشتاء لقربها من الجبال وتهب عليها الأعاصير في الصيف.

أصولهم - زخر بحر العمران في بلاد الكلدان فكان فيها أمصار عاش فيها الآشوريون خاملين في جبالهم وقد أغار ملوكهم بجيوشهم الجرارة في القرن الثالث عشر على السباسب والفدافد فأسسوا مملكة ضخمة عاصمتها نينوى.

أساطير قديمة - لم نكد نعرف عن الآشوريين منذ أربعين سنة إلا قصة ذكرها ديودورس الرومي من أهل جزيرة صقلية وقيل إن نينوس بنى مدينة نينوى وافتتح آسيا الصغرى جملة واستخضعت امرأته سميرا ميس بلاد مصر وكانت من الأرباب فاستحالت بعد حمامة فخلفها ملوك خاملون مدة 1300 سنة. حوصر آخرهم في عاصمته واسمه ساردانابال فحرق نفسه ونساءه إلى ما شاكل ذلك من الأقاصيص التي قل فيها الصدق وأعوزت كلمة الحق.

نينوى - هذا ما عرف عن مملكة أشور القديمة إلى أن اكتشف المسيو بوثا قنصل فرنسا في الموصل سنة 1842 أطلال قصر عظيم بالقرب من قرية خراساباد الحقيرة وقد غشيتها رمال صيرتها رابية. وهذه هي المرة الأولى التي شوهدت فيها الصناعة الآشورية بمظهرها ووجدت الثيران المجنحة بالأحجار سالمة مائلة على باب القصر. وقد جيء بها إلى باريس فجعلت في متحف اللوفر. ولقد استلفت بوثا بحفرياته أنظار أوربا فأنفذت بعثات كثيرة وخصوصاً الإنكليز. توفر بالاس وليارد على الحفر في آكام أخرى فاكتشفت قصور غير هذه. سلمت هذه الخرائب لجفاف الهواء في تلك الأرجاء وبما غشيها من طبقات التراب. ثم أنه عثر على جدران مغشاة بنقوش بارزة وصور وتماثيل وكتابات كثيرة فتسنى درس حال تلك العمارات في أماكنها وأخذت عنها صور المعاهد والنقوش. وأول ما اكتشف قصر خراساباد وهو الذي بناه الملك سراغون مكان نينوى عاصمة ملوك أشور وهي قائمة على عدة هضاب يحيط بها سور ذو أبراج مربع الأضلاع ذرعه 260 غلوة (نحو 43 كيلومتراً) وقد بني خارج الجدران بالقرمد وداخله تراب مهيل. أما دور المدينة فقد دثرت ولم يبق منها أثر ضئيل ولا رسم محيل بيد أنه ظهرت عدة قصور شادها غير واحد من ملوك أشور. وقد ظلت نينوى عاصمة الملوك إلى أن أوغل الماديون والكلدانيون في أحشاء مملكة أشور ومزقوها شذر مذر.

كتابات القرمد - يتألف كل حرف في الكتابات الآشورية من مجموع علامات على شكل سهم أو زاوية ولذلك دعي هذا الخط بالخط المسماري وكانوا يستعملونه خنجراً مثلث النصل في آخره حد مثلث الأضلاع لرسم هذه العلامات يبلونه في صحيفة من الخرف الرطب ثم يدخلونه التنور فيصير صلداً لا ينمحي أثره. وقد كشفت في قصر اسوربانيال مكتبة تامة من الصفائح قام فيها القرمد مقام الورق.

الخط المسماري - غالى جملة من رجال العلم في حل هذا الخط أعواماً كثيرة فتعذرت عليهم قراءته إذ كان لأول عهده يستعمل في كتابة خمس لغات متباينة وهي الآشورية والسوسية والمادية والكلدانية والأرمنية. دع عنك الفارسية القديمة. وكانت تلك اللغات مجهولة فدامت اللغة التي نتكلم عليها الآن مشوشة كل التشويش لأسباب عديدة أهمها تكبها من خطوط رمزية ينوب كل منها مناب كلمة مثل شمس رب سمك ومن خطوط ذات مقاطع. ولأن لهذه اللغة نحو مائتي خط ذي مقاطع يتشاكل بعضها مع بعض ويسهل التباسها وإشكالها ولأن الخط الواحد كثيراً ما ينوب عن كلمة وعن مقطع ولأن الخط الواحد يقوم مقام مقاطع مختلفة بمعنى أن خطاً واحداً يقرأ ايلو تارة وآن طوراً وهو أصعب هذه الصور وأشكلها.

كان هذا الخط عسراً حتى على من يكتبونه. ونصف ما لدينا من الآثار المسمارية هو كتب إرشادات من نحو ولغة وصور مما ساعد على حل النصف الآخر فتأتى الرجوع إليها في حل المشكلات على ما كان عليه شأن المتعلمين في مملكة أشور منذ 2500 سنة وقد أفلح العلماء في حل الكتابات الآشورية كما أفلحوا في حل الكتابات المصرية. فكانت لهم كتابة مستطيلة في لغات ثلاث آشورية ومادية وفارسية ونفعت الفارسية ف حل غيرها.

الشعب الآشوري - فطر الآشوريون على حب الصيد والحرب وأن نقوشهم لتمثلهم مدججين بالأقواس والرماح راكبين صهوات الخيول بحيث ساغ أن يوصفوا بأنهم كماة مجال وأبطال يحسنون الكر والفر. وأن استوى في أعينهم رواحهم إلى مناوشة ومغداهم في حرب زبون. ولقد عرفوا بالخيانة وسفك الدماء فوطئوا آسيا ستة قرون وخرجوا من جبالهم يغيرون على جيرانهم. ولطالما آبوا من غزواتهم وقد أسروا شعوباً بأجمعها والظاهر أنهم يناشبون غيرهم القتال لمحض حب السفك والتدمير والنهب فإنهم أشد خلق الله بأساً وأقساهم قلوباً.

الملك - رأى الآشوريون لملكهم الخلافة عن الله في الأرض جرياً على العادة الآسياوية فأطاعوه طاعة عمياء وبذلوا في حبه مهجهم. فكان الملك عندهم سيداً مطلقاً في حكمه رعاياه مهما اختلفت طبقاتهم يدعوهم إلى حمل السلاح تحت لوائه فيقاتل بهم شعوب آسيا حتى إذا قفل منصوراً يصور مآثره على جدران قصره ذاكراً انتصاراته وما ناله من الغنائم وحرقه من المدن وذبحه من الأسرى وسلخه من أحيائهم.

الحملات - إليك بعض فقرات من نشرات الحروب قال اسورنازير هابال عام 882: إنني عمرت جداراً أمام أبواب المدينة العظمى وسلخت جلود زعماء الثورة وغطيت هذا الجدار بجلودهم وقد دفن بعضهم أحياء في أسا البناء وصلب فريق آخر وجعلوا على أوتاد في الحائط وسلخت جلود كثيرين في وكسوت الحائط بها وجمعت رؤوسهم على هيئة التيجان وضممت جثثهم إلى أشكال الأكاليل.

وكتب توكلابالازار عام 745 ما نصه: حبست الملك في عاصمته ورفعت كوماً من الجثث أمام الأبواب. هدمت مدنها كلها ودمرتها وأحرقتها وأقفرت البلاد وصيرتها آكاماً وقاعاً صفصفاً ينعق فيها بوم الخراب. وقال سنحاريب في القرن السابع: انطلقت كالعاصفة المدمرة فسبحت السروج والأسلحة في دماء الأعداء كلها في نهر والتراب مبلل وجمعت جثث جندهم كما تجمع الغنائم وبترت أطرافهم وقضقضت عظام من أخذتهم أحياء على نحو ما تقصف التبنة وقطعت أيديهم عقاباً لهم بما جنت أيديهم هذا وقد صورت في إحدى النقوش التي تمثل مدينة سوس وهي ترد إلى عهد اسوربانيبال وشوهدت فيها رؤوس المغلوبين يعذبهم الآشوريون وقد صلمت آذان بعضهم وسملت أعين آخرين ونتفت لحاهم. وهناك رجل يسلخ جلده وهو حي مما دل على أن أولئك الملوك كانوا يرتاحون إلي ما يتم على أيديهم من الحرائق والمذابح والعذاب.

خراب المملكة الآشورية - بدأت هذه الطريقة في الحكم في القرن الثالث عشر زمن الاستيلاء على بابل وذلك نحو عام 1270 وظل الآشوريون منذ القرن التاسع يسرحون الحملات ويشنون الغارات حتى أخضعوا وإن شئت فقل خربوا بلاد بابل وسورية وفلسطين ومصر وكان المغلوبون يثورون في غضون تلك المدة بلا انقطاع والمذابح قائمة على ساق وقدم. ثم ضعفت قوى الآشوريين واتحد

البابليون والماديون فقلبوا عرش مملكتهم نينوى عاصمة بلادهم سنة 625 وهي المدينة التي سماها أنبياء بني إسرائيل عرين الأسد ومدينة الدم والغنيمة فتيسر الاستيلاء عليها وخربت فلم تقم لها قائمة بعد. قال النبي ناحوم (خربت نينوى فمن يشفق عليها يا ترى؟).