مجلة المقتبس/العدد 53/أبو العلاء المعري

مجلة المقتبس/العدد 53/أبو العلاء المعري

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 7 - 1910


1ً_موطنه وأسرته

إلى جنوبي حلب على بعد ثماني عشرة ساعة عنها بلدة معتدلة الهواء قديمة عرفها الرومانيون باسم (خالس) ثم لقبت لعدهم بذات القصور وهي اليوم قضاء من أعمال حلب يعرف بقضاء معرة النعمان نسبة إلى المعرة قصبة ولفظة المعرة سريانية بمعنى المغارة وليست في شيء من التفاسير التي عددها ياقوت الحموي في معجم البلدان ولقد زعم بعض المؤرخين أنها سميت بمعرة النعمان نسبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري عامل حمص الذي مر بها فمات له ولد دفنه فيها فنسبت إليه وقد توفي النعمان سنة 65 هـ (684م). وعندي أن رأي ياقوت فغي معجمه أقرب إلى الصحة وهو أنها نسبت إلى أحد أجداد المعري وهو النعمان الملقب بالساطع ابن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن خزيمة بن تيم الله بن تنوخ بن أسد بن دبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.

فتنوخ إحدى القبائل الثلاث التي هي نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب اجتمعت هذه القبائل مع غيرها في البحرين وتحالفوا على التناصر وأقاموا هناك فسموا تنوخاً وتنوخ بمعنى الإقامة فتكون تنوخ حياً من بني قضاعة من عرب اليمن (وقيل من الأزد) خرجوا من مدينة مأرب إلى البحرين عند سيل العرم ثم تفرقوا في نواحي العراق والشام ونزل منهم النعمان زعيم قبيلته بالمعرة فنسبت إليه وهو أوجه الأقوال وأمثلها.

فمعرة النعمان كانت حصينة منيعة فتحها المسلمون في صدر الإسلام ثم استولى عليها الإفرنج الصليبيون سنة 492هـ (1098م) وأعادها المسلمون إلى أيديهم سنة 529هـ (1134م) وزارها ابن بطوطة وابن جبير وغيرهما من السياح وقالا أنها كانت لعدها من أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقاً وبساتينها ممتدة إلى مسافة يومين وفيها الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه.

ولا شان لفستقها اليوم ولكن فيها الزيتون والتين الزبيب والعسل وأنواع الحبوب والقطن وفيها صناعة النسيج والدباغة. وتوجد قرى كثيرة باسمها منها معرة مصرين قرب حلب ومعرة باش من قضاء النبك في جبل القلمون ومعرة صيدنايا من أعمال دومة وغيرها. وإلى المعرة ينسب كثير من العلماء أشهرهم أبو العلاء هذا وكذلك كانت موطن اس مشهورة مثل الأمراء الأرسلانيين التنوخيين في لبنان وآل الجندي في حمص وغيرهم.

وقد نشأ من التنوخيين في معرة النعمان سليمان بن محمد بن سليمان من سلالة النعمان ابن عدي المنتهي نسبه إلى الحاف بن قضاعة التنوخي الشهير وهو جد المعري لأبيه كان قاضياً في بلدته ومن العلماء الأعلام في وقته وترعرع ولده عبد الله والد المعري على الأدب وكلف بالعلم وتزوج امرأة مون آل سبيكة مواطنيه الذين عرفوا بآدابهم وخدم الأدب والمعارف إلى أن رزق ولده أبا العلاء هذا فكان صفوة هذا البيت وخلاصة ذكائه ومخيض زبده وآدابه.

2ً_نشأَته

ولد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن محمد بن سليمان التنوخي في معرة النعمان في بيت عرف بالأدب والفضل ومن والدين من سلالة العلماء يوم الجمعة في 3 ربيع الأول سنة 363هـ (973م) وما أن انفتحت عيناه لنور العالم ومشاهدة جمال الطبيعة حتى مني بالجدري في أول سنة 376هـ (977م) فأطفأت نورهما وردته إلى قلبه فتوقد ذكاءً وقد رتجل شعراً لما عيره بذلك عبد الله الخوارزمي وهو قوله:

قالوا العمى منظرٌ قبيحٌ ... قلت لكم بفقدي يهون

والله ما في الوجود شيءٌ ... تأسى على فقده العيون

وكثيراً ما كان يقول أحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر. ولقد كانت له أسوة بكثير من كبار الشعراء والعلماءِ الذين أصيبوا بالعمى مثل هوميروس اليوناني وبشار بن برد العربي وغيرهما والذي يظهر ممن شاهدوه أنه كان في أول أمره قد غشي يمنى حدقتيه بياض وذهبت اليسرى جملة فكانت إحدى عينيه بارزة والأخرى غائرة جداً وذلك يخالف ما ذهب إليه بعضهم من أنه كان أكمه. وكان يقول: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأنني ألبست في الجدري ثوباً معصفراً. وكانت في وجهه ندوب الجدري وهو نحيف الجسم عصبي المزاج حاد الذهن قوي الحافظة.

قرأ النحو واللغة على أبيه ثم رحل إلى حلب وقرأ على محمد بن عبد الله بن السعد النحوي فتمن من آداب اللغة وطالع كثيراً من المؤلفات لوفرة المكاتب في حلب وقلتها في بلدته ونظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ولم يكتسب به بل نمه شارحاً فيه أغراض نفسه معبراً عن شواعره وواصفاً عجائب الكون ولاسيما الأفلاك. ومفسراً غرائب الاجتماع وحاضاً على الزهد والاعتزال. وممعناً في فلسفة الوجود. ومتشكياً من مناوأة الأيام ومساورة المصائب. وعلى الجملة فإنه أبلغ شاعر قام في الإسلام ذاهباً في شعره مذهب الفلسفة وحرية الفكر والنظر إلى الكون بعين العقل وكان مولعاً بمطالعة المتنبي وتحدي أفكاره فنظم على منواله غير متقيد بالصناعة اللفظية.

وأتقن العلوم ابن عشرين سنة فصار مرجع الأدباء ومحط رحال البلغاء فتخرج عليه كثير من علماء عصره من أشهرهم أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي. وأبو زكريا الخطيب التبريزي شارح الحماسة.

وقد رحل في تفقد المكاتب والتوسع بالمعارف إلى طرابلس الشام المشهورة بمكتبتها العظيمة إذ ذاك وسار إلى اللاذقية فنزل ديراً فيها وسمع أحد الهبان بعض العلوم واطلع على مذهبي اليهود والمسيحيين وكذلك قصد دمشق وحلب وبغداد وغيرها.

وكان يرتزق من وقف كان يحصل منه ثلاثين درهماً في العام ينفق نصفها على من يخدمه فعورض في رزقه فذهب إلى بغداد متظلماً مما عارضه 398هـ (1007م) ثم عاد إليها ثانية سنة 399هـ (1008م) وأقام فيها سنة وسبعة أشهر فتفقد مكاتبها وتعرف بعلمائها ودرس عليه كثير منهم قال أبو القاسم التنوخي: لما ورد المعري بغداد قرأت عليه شعره وذكر أنه دخل عليه وهو في بغداد علي بن عيسى الربعي ليقرأ عليه شيئاً من النحو فقال له الربعي: ليصعد الاصطبل فخرج مغضباً ولم يعد إليه. ويروى أنه دخل يوماً مجلس المرتضى فعثر بإنسان فقال به: من هذا الكلب فقال المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً وله أخبار كثيرة لا محل لاستيفائها.

ومن أشعاره في غربته يحن إلى وطنه قوله:

قيا برق ليس الكرخ داري وإنما ... رماني الدهر إليها منذ ليالي

فهل فيك من ماءِ المعرة قطرة ... تغيث بها ظمآن ليس بسال

وعاد أبو العلاء من بغداد إلى المعرة سنة 400هـ (1009م) ولزم بيته وشرع في التصنيف والتدريس فتقاطر إليه الأدباء من كل صوب مقتبسين آثاره وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الاقتدار فانقطع إلى خدمة الآداب وسمى نفسه رهين المحبسين للزوم بيته ولذهاب عينيه كما صرح في ذلك بقوله:

أرني في الثلاثة من سبحوني ... فلا تسأل عن الخبر النبيث

لفقدي ناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسد الخبيث

وكان يلعب الشطرنج والنرد (الطاولة). ويملي على بضع عشرة محبرة في فنون من العلم وولع بالعلوم الرياضية وأتقنها وله كثير من الأبيات الرياضية مثل قوله:

طرق العلى مجهولة فكأنها ... صم العوائد مالها أجذار

والعقل أنذرنا بما هو كائن ... في الدهر ثم تشعب الأنذار

وعلى الجملة فإن المعري كان غزير الفضل وافر الأدب عالماً باللغة ضليعاً بآدابها حسن الشعر جزل الكلام قوي الذاكرة شديد الذكاء.

3ً_حافظته ونوادره ووفاته

اشتهر أبو العلاء بقوة الحافظة اشتهاراً عظيماً فاق فيه بديع الزمان الهمذاني وغيره وربما زاد حفظاً بالعمى فإنه يجمع الذهن ويقوي المخيلة. ومما يروى عنه أنه جرى حساب طويل بين رجلين في مكان تشرف عليه غرفته فسمع الحساب وحفظه. ثم ضاعت الأوراق بعد أيام فأملاها عليهما ووجدت الأوراق بعد ذلك فكانت طبق إملائه.

وأعجب من هذا أنه كان يوماً عند يهودي فأتاه يهودي آخر واستودعه صرَّة. ثم جاء يطلبها بعد سنة فأنكرها فرافعه إلى القاضي ولم يكن بينهما شهود إلا المعري فاستقدمه القاضي وسأله. فقال: إنني رجل أعمى لم أبصر ما كان بينهما. ولكنني سمعت كلاماً بالعبرانية أذكر لفظه ولا أعرف معناه. فدعا القاضي يهودياً خالي الذهن من القصة وأعاد عليه الشيخ ذلك الكلام فإذا هو يؤذن بصحة الدعوى.

وأنشده مرة أبو نصر المنازي قوله:

وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم

وأرشفنا على ظماءٍ زلالاً ... ألذ من المدامة للنديم

يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم

تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم فقال له أبو العلاء: أنت أشعر من بالشام. وطويت الأيام على قوله فلما رحل إلى بغداد أنشهد المغازي فيها:

لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى

شحبى قلب الخلي فقيل غنى ... وبرح بالشجي فقيل ناحا

وكم للشوق في أحشاء صبٍ ... إذا اندملت أجد لها جراحا

ضعيف البصر عنك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى

بذاك بنو الهوى سكرة صحاة ... كأحداق المهى مرضى صحاحا

فقال له أبو العلاء. ومن بالعراق علي قوله قبلاً (أنت أشعر من بالشام) إلى غير ذلك وكان يقصده كثير من العلماء للتعارف به وممن نزل بالمعرة القاضي عبد الوهاب البغدادي فمدحه المعري (راجع ابن خلكان 1: 431).

ومكن نوادره أن الوزير أبا الفضل التميمي الدرامي البغدادي اجتمع بأبي العلاء هذا في بلدته المعرة لما بعثه القائم بأمر الله العباسي من بغداد رسولاً إلى صاحب أفريقية المعز بن باديس وأنشده قصيدة لأمية يمدح بها صاحب حلب قبل عينه وقال لله أنت من ناظم.

ولقي يوماً غلاماً فسأله عن الطريق فدله. فسأله الغلام عن اسمه فعرفه به فقال له أأنت القائل:

وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل

قال: نعم. قال: إن الأوائل وضعوا 29 حرفاً للهجاء فهل لك أن تزيد عليها حرفاً فسكت وقال لرفيقه: أن هذا الغلام لا يعيش لحدة ذهنه وهكذا كان.

وبقي أليف الأدب منقطعاً إلى التدريس حتى مرض ثلاثة أيام ومات في الرابع منها ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم الثالث من مرضه: اكتبوا عني. فتناولوا الدوي والأقلام فأملى عليهم غير الصواب فقال القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت. فمات يوم الجمعة ثالث ربيع الأول سنة 499هـ (1058م) بالمعرة. وفي طبقات ابن الأنباري أنه توفى سنة 499 وهو خطأ. وقبره في ساحة من دور أهله وعلى الساحة باب صغير قديم وهو مهمل وقد أوصى أن يتب على قبره:

هذا جناه أبي عليَّ (م) ما جنيت على أحد.

والمشهور أنه مكتوب على قبره:

قد كان صاحب هذا القبر جوهرة ... مكنونة صاغها الرحمن من شرف

عزت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منها إلى الصدف

وقرئ على قبره سبعون مرثية ورثاه نحو 180 شاعراً.

4ً_أخلاقه ومعتقده

كان المعري حاد الذهن عصبي المزاج فضاق خلقاً في آخر أيامه لأن العمى يرث الضجر كثرت مصائبه فاختار العزلة وأكثر الشكوى وسوء ظنه بالناس بدليل قوله:

من عاش غير مداج من يعاشره ... أساء عشرة أصحاب وأخدان

كم صاحب يتمنى لو نعيت له ... وإن تشكيت راعاني وفداني

قوله: توحد فإن الله ربك واحد ... ولا رغبن في عشرة الرؤساء

يقل الأذى والعيب في ساحة الفتى ... وإن هو أكدى قلة الجلساء

وكان حر الضمير تدل سريرته على ظاهرته ولذلك قال:

وأردتموني أن أكون مدلساً ... هيهات غيري آثر التدليسا

وربما تظاهر بما ليس من خلقه تلبية لقوانين المعاشرة كقوله:

ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً ... تجاهلت حتى ظن أني جاهل

فوا عجباً كم يدعي الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل

وكان متواضعاً يمقت الكبرياء فلذلك قال:

دعيت أبا العلاء وذاك مينٌ ... ولكن الصحيح أبو النزول

وبقي نحو 45 سنة منقطعاً عن أكل اللحوم والبيض واللبن مقتصراً على المآكل النباتية لأنه كان يذهب مذهب من تقدمه من الفلاسفة الذين لا يعذبون الحيوانات بالذبح وقال ابن الأنباري: أنه كان برهمياً ولذلك لما وصف له فروج وهو مريض لم يأكله بل خاطبه بقوله: استضعفوك فوصفوك. وإلى ذلك أشار تلميذه أبو الحسن علي بن همام في مرثيته له بقوله:

وإن كنت لم ترق الدماء زهادةً ... فلقد أرقت اليوم من عيني دماً

وكان يذهب مذهب الهنود أيضاً في إحراق جثة الميت كما جرى لسبنسر وكوخ في عصرنا بدليل قوله:

حرَّق الهند من يموت فمازا (م) روه في روحة ولا تكبير

واستراحوا من ضغطة القبر ميتاً ... وسؤال لمنكر ونكير

وقلوه:

إذا حرق الهندي بالنار نفسه ... فلم يبق غض للتراب ولا عظم

فهل هو خاشٍ من نكير ومنكر ... وضغطة قبر لا يقوم لها نظم

ومن قواعده السياسية التي يصدع بها عظماء ساستنا في هذه الأيام قولهُ:

يقول لك العقل لذي بين الهدى ... إذا أنت لم تدرأ عدواً فداره

فقبل يد الجاني الذي لست واصلاً ... إلى قطعها وانظر إلى سقوط جداره

ومن مذهبه الشورى بدليل قوله:

مُلَّ المقام فكم أعاشر أُمة ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها وهم أجزاؤها

ومنه كره للمدح ولذلك قال:

إذا أثني على المرء يوماً ... بخير ليس فيّ فذاك هاجي

وحقي أن أساء بما افتراهُ ... فلؤم من غريزتي ابتهاجي

ومن مبادئه التثبت عند حلول النوائب كما قال:

غير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شاد

وشبيه صوت النعي إذا قي ... س بصوت البشير في كل نادٍ

أبكت تلكم الحمامة أم ... غنت على فرع غصنها مياد

ذهب مذهب القائلين أن وجود الولد جناية فلم يتزوج بدليل ما أوصى أن يكتب على قبره وبدليل أقوال له كثيرة منها:

على الولد يجني والد ولو أنهم ... ولاة على أمصارهم خطباء

وربما كان متردداً في البعث والمعاد والخلود ولكن اعتقاده بها أكثر من إنكاره لها ومن قوله:

أيها الملحد لا تعصي النهى ... فلقد صح قياس واستمر أن تعد في الجسم يوماً روحه ... فهو كالربع خلا ثم عمر

ولذلك ألف بعضهم كتاباً في الدفاع عنه سماه (دفع المعرة عن شيخ المعرة) وألف كمال الدين ابن العديم كتاب (دفع التجري عن المعري) وكتبت مقالات كثيرة في تبرئته مما نسب إليه من الزندقة.

5_شعره

يكفي شعر المعري أن يقال في ناظمه أنه فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة وقد تصرف فيه تصرفاً غريباً وسرح خياله في العوالم العلوية والسفلية فمثلها أحسن تمثيل وحرص الناس على شعره فجمع في ثلاثة دواوين (لزوم ما لا يلزم) (وسقط الزند) و (ضوء السقط) وقد قلت فيها مور ياً:

ومبذرق نظر اللفيفة جاءني ... والنار قربي بالثقاب يضرَّم

مذ قال هذا ضوءُ سقط الزند قل ... ت له أراه لزوم مالا يلزم

ومنها انتخب الآن ما يدل على مسرح خيال المعري وحسن وصفه ودقة فكره وقوة بصيرته فمن أقواله يصف السهر والليل من قصيدة:

باتت عرى النوم من عيني محللة ... وبات كوري على الوجناءِ مشدوداً

كأن جفني سقا نافر فزع ... إذا أراد وقوعاً ريع أو ذيدا

ظن الدجى فظة الأظفار كاسرةً ... والصبح نسراً فما ينفك مزؤودا

تناعس البرق أي لا أستطيع سرى ... فنام صحبي وأمسى بقطع البيدا

كأنه غار منا أن نصاحبه ... وخاف أن نتقاضاك المواعيدا

من يخبر الليل إذا جنت حنادسه ... والرمل عني لما طل أو جيدا

أني أراح لأصوات الحداة به ... وللركائب يخبطن الجلاميدا

كأنهن غروب ملؤها تعبٌ ... فهن يمتحن بالأرسان تقويدا

ومن حماسياته قوله من قصيدة:

يتهللون طلاقة وكلومهم ... ينهل منهن النجيع الأحمر

لا يعرفون سوى التقدم آسياً ... فجراحهم بالسمهرية تسبر

من كل من لولا سعر بأسه ... لا خضر في يمنى يديه الأسمر يذكي تلهب ذهنه أوقاته ... فكأنما هو بالغدو مهجر

وضجيج طفلهم الحسام وإن ثوى ... منهم فتى فمع المهند يقبر

فكأنهم يرجون ليقيا ربهم ... بالبيض تشفع عندهم وتكفر

إنا من أقام الحروف وهي كأنها ... نونٌ بدارك والمعالم أسطر

وقال من قصيدة أخرى في الغنى والفقر:

وإن الغنى والفقر في مذهب النهى ... لسيان بل أعفى من الثروة العدم

وما نلت مالاً قط إلا ومال بي ... ولا درهماً ولا در بي الهم

لك الخير قد أنفذت ما هو ملبسي ... حياءً وعند الله من قائل علم

ولو أنه أضاف أضعاف مثله ... من التبر لم يثبت له في نداك اسم

وأهون به في راحة أريحية ... كآخر ماضٍ ليس من شأنه الضم

فمني تقصير ومنك تفضل ... بعذر فلا حمد لدي ولا ذم

فلو كنت شعراً كنت أحسن منشد ... سليم القوافي لا زحاف ولا خرم

وقال أيضاً من قصيدة أخرى:

تقول ظباء الحزم والدمع ناظم ... على عقد الوعاء عقد ضلال

لقد حرمتنا أثقل الحلي أختنا ... فما وهبت إلا سموط لآلي

فإن صلحت للناظمين دموعنا ... فأنتن منهن والكثيب حوالي

جهلتن أن اللؤلؤ عندنا ... رخيص وأن الجامدات غوالي

ولو كان حقاً ما ظننتن لاغتدت ... مسافة هذا البر سيف أوال

وقال في نار القرى:

المو قدي نار القرى الآصال والأ ... سحار بالأهضام والأشعاف

حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ... ترمي بكل شرارة كطراف

وقال في خلاء الفكر للنظم والنثر:

ولولا ما تكلفنا الليالي ... لطال القول واتصل الروي

ولكن القريض له مغان ... وأولاها به الفكر الخالي

وقال في التوجيه البديعي: فدونكم خفض الحياة فإنما ... نصبنا المطايا في الفلاة على القطع

وقال أيضاً:

حروف سرى جاءت لمعنى أردته ... برتني أسماءٌ لهن وأفعال

قال: لو جرت النباهة في طريق ال ... خمول إليَّ لاخترت الخمولا

قال: فصرفني فغيرني زماني ... سيعقبني بحذف وإدغام

وقال من قصيدة:

وليلا تلحق الأهوال فيه ... بفود الشيخ ناصية الغلام

إذا سئموا الرحيل فكل غر ... يرى صرعاته خلس اغتنام

كأن جفونه عقدت برضوى ... فما يرفعن من سكر المنام

لو أن حصى المناخ مدى حداد ... أزرتها النخور من السآم

وجاز إليّ إبرادي هجير ... يجوز من القراب إلى الحسام

يرد معاطس الفتيان سفعاً ... وإن ثني اللثام عن اللثام

إذا الحرباء أظهر دين كسرى ... فصلى والنهار أخو الصيام

وإذ دنت الجنادب في ضحاها ... أذاناً غير منتظر الإمام

قال: وكم لك من أب وسم الليالي ... على جبهاته سمة اللئام

مضى وتعرف الأعلام فيه ... غني الوسم عن ألف ولام

قال: لفظ كأن معاني السكر تسكنه ... فمن تحفظ بيتاً منه لم يفق

فرتب النظم ترتيب الحلي على ... شخص الجلي بلا طيش ولا خرق

الحجل للرجل والتاج المنيف لما ... فوق الحجاج وعقد الدر للعنق

فإن توافق في معنى بنو زمن ... فإن جل المعاني غير متفق

قد يبعد الشيء من شيءٍ يشابهه ... إن السماء نظير الماءِ في الرزق

قال: أرى المجد سيفاً والقريض نجاده ... ولولا نجاد السيف لم يتقلد

وخير حمالات السيوف حمالة ... تحلت بإبكار الثناء المخلد

قال: كأن كل جواب أنت ذاكره ... شنف يناط بأذن السمع الواعي

قال: وكلامك المرآة تصدق في الذي ... تحكي وأنت الصارم المصقول قال: فيا قبر واهٍ من ترابك ليناً ... عليه وآه من جنادلك الخشن

لأطبقت إطباق المحارة فاحتفظ ... بلؤلؤة المجد الحقيقة بالخزن

قال: وليلة سرت فيها وابن مزنتها ... كميت عاد حياً بعدما قبضا

كأنما هي إذ لاحت كواكبها ... خود من الزنج تجلى وشحت خضضا

كأنما النسر قد قصدت قوادمه ... فالضعف يكسر منه كل ما نهضا

والبجر يحتث نحو الغرب أينقه ... فكلما خاف من شمس الضحى ركضا

ومنهل ترد الجوزاء غمرته ... إذا السما شطر المغرب اعترضا

وردته ونجوم الليل وانية ... تشكو إلى الفجر إن لم تطعم الغمضا

قال: وأرى ابا الخطاب نال من الحجى ... حظاً زواه الدهر عن خطابه

لا يطلبن كلامه متشبه ... فالدر ممتنع على طلابه

أثني وأخاف من ارتحال ثنائه ... عني فقيد لفظه بكتابه

كلم كنظم العقد يحسن تحته ... معناه حسن الماء تحت حبابه

فتشوفت شوقاً إلى نغماته ... إفهامنا ورنت إلى آدابه

والنخل ما عكفت عليه طيوره ... إلا لما علمته من إرطابه

ردت لطافته وحدة ذهنه ... وحش اللغات أوانساً بخطابه

والنحل يجني المرَّ من نور الربى ... فيصير شهداً في طريق رضابه

وقال ملغزاً في الإبرة:

سعت ذات سم في قميصي وغادرت ... به أثراً والله يشفي من السم

كست قيصراً ثوب الجمال وتبعاً ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم

وقال وقد أبدع في تشبيه الليل والبرق:

كما أغضى الفتى ليذوق غمضاً ... فصادف جفنه جفناً قريحاً

إذا ما احتاج أحمر مستطيراً ... حسبت الليل زنجياً جريحاً

وقال وقد أبدع:

يا سعد أخبية الذين تحملوا ... لما ركبت دعيت سعد المركب

غادرتني كبنات نعش ثابتاً ... وتركت قلبي مثل قلب العقرب قال: لا تطلبن بآلة أنت حاجة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل

سكن السما كأن السماء كلاهما ... هذا له رمح وذاك أعزل

قال: ولا تجلس إلى أهل الدنايا ... فإن خلائق السفهاء تعدي

وقال يصف انعكاس صورة السماء ونجومها في مرآة الماء:

فأطعمن في أشباههن سواقطاً ... على الماء حتى كدن يلتقطن باليد

فمدت إلى مثل السما رقابها ... وعبت قليلاً بين نسر وفرقد

قال: أطرق كأنك في الدنيا بلا نظر ... وأصمت كأنك مخلوق بغير فم

وإن هممت بمين فاتخذ لفماً ... مضاعفات لتثني اللفظ باللفم

وقال في ذم الدنيا من أبيات:

وقد نطقت بأصناف العظام لنا ... وأنت فيما يظن القوم خرساء

يموج بحرك والأهواء غالبة ... لراكبيه فهل للسفن إرساء

إذا تعطفت يوماً كنت قاسية ... وإن نظرت بعين فهي شوساء

قال: إن الأعلاء إن كانوا ذوي رشد ... بما يعانون من داءِ أطباءِ

وما شفاك من الأشياء تطلبها ... إلا الألباء لو تلقى الألباء

نفر من شرب كاس وهي تتبعنا ... كأننا لمنايا أحياء

قال يصف الشباب: إن الشبيبة نار إن أردت بها ... أمراً فبادره إن الدهر مطفئها

قال: إذا فعل الفتى ما عنه ينهى ... فمن جهتين لا جهة أساَء

وقال في النساء:

علموهن الغزل والنسج والرد ... ن وخلوا كتابة وقراءة

فصلاة الفتى بالحمد والإخلاص ... تجزي عن يونس وبراءه

تهتلك الستر بالجلوس أما الستر ... إن غنت القيان وراءه

وقال في أدب الأخلاق:

إذا صاحبت في أيام بؤس ... فلا تنس المودة في الرخاء

ومن يعدم أخوه على غناه ... فما أدى الحقيقة في الإخاء

ومن جعل السخاء لأقربيه ... فليس بعارف طرق السخاء وقال:

القلب كالماء والأهواء طافية ... عليه مثل حباب الماء بالماء

منه تنمت ويأتي ما يغيرها ... فيخلف العهد من هند وأسماء

والقول كالخلق من سيءٍ ومن حسن ... والناس كالدهر من نور وظلماء

وقال:

ينافي ابن آدم حال الغصون ... فهاتيك أجنت وهذا جنى

تغير حناؤه شيبه ... فهل غير الظهر لما انحنى

قال: لن تستقيم أمور الناس في عصر ... ولا استقامت فذا أمناً وذا رعبا

ولا يقوم على حق بنو زمن ... من عهد آدم كانوا في الهوى شعبا

قال: يغدو على خله الإنسان يظلمه ... كالذيب يأكل عند الغرة الذيبا

قال: تقادم عمر الدهر حتى كأنما ... نجوم الليالي شيب هذي الغياهب

وقال في النمام:

وإنك إن أهديت لي عيب واحد ... جدير إلى غيري بنقل عيوبي

وقال في الرياء:

والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر

وقال في فساد الناس:

عرفتكم بني حواء قدماً ... فكلكم أخو ضغن مكور

وما فيكم على الإحسان جازٍ ... ولا منكم على النعمى شكور

قال: صدف الطبيب عن الطعا ... م وقال مأكله يضر

كل يا طبيب ولا خلا ... ص من الردى فلن تغر

قال: مثل الفتى عند التغرب والنوى ... مثل الشرارة إن تفارق نارها

إن صادفت أرضاً أرتك خمودها ... أو وافقت أكلاً أرتك منارها

قال: وغن اقتناع النفس من أحسن الغنى ... كما أن سوء الحرص من أقبح الفقر

قال: وما الوقت إلا طائر يأخذ المدى ... فبادره إذ كل النهى في بداره

رأتك البرايا ظالماً يا ابن آدم ... وبئس الفتى من جار عند اقتداره قال: اضرب وليدك تأديباً على رشد ... ولا تقل هو طفل غير محتلم

فرب شق برأس جر منفعة ... وقس على شق رأس السهم والقلم

قال: النفس عند فراقها جثمانها ... محزونة لدروس ربع عامر

كحمامة صيدت فثنت جيدها ... اسفاً لتنظر حال وكر دامر

ولقد نسبه بعضهم إلى الكفر لقوله:

ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا

تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك

ولكنه قال أيضاً في محل آخر:

خلق الناس للمعاد فضلت ... أمة يحسبونهم للنفاذ

إنما ينقلون من دار أعمال ... إلى دار شقوة ورشاد

وقال أيضاً:

فإني وجدت النفس تبدي ندامة ... على ما جنته حين يحضرها النقل

وإن صدئت أرواحنا في جسومنا ... فيوشك يوماً أن يعادوها الصقل

وقد لوّم في قوله أيضاً:

تاه لنصارى والحنيفة ما اهتدت ... ويهود حيرى والمجوس مضلله

قسم الورى قسمين هذا عاقل ... لا دين فيه وديّن لا عقل له

والمرجح أنه كان متردداً في مذهبه وربما كان إقراره بالدين في أخريات أيامه كيف لا وهو القائل:

عجبي للطبيب يلحد في الخالق ... من بعد درسه التشريحا

ولقد علم المنجم ما يو ... جب للدين أن يكون صريحا

رب روح كطائر القفص ... المسجون ترجو بموتها التسريحا

ومن ذلك قوله:

اذكر إلهك إن هببت من الكرى ... وإذا هممت لهجعة ورقاد

واحذر مجيئك في الحساب بزائف ... فالله ربك أنقد النقاد

تغشى جهنم دمعة من تائب ... فتبوخ وهي شديدة الإيقاد قوله: أزول وليس في الخلاق شك ... فلا تبكوا عليّ ولا تبكوا

قوله: لا ييأسن من الثواب مراقب ... لله في الإيراد والإصدار

فترى بدائع أنبات متحسساً ... إن الجزاء بغير هذي الدار

وشعره كله على هذا النمط من حرية الفكر والشكوى وله من القصائد الفخرية المشهورة وغيرها ما نجتزئ عن ذكره الآن ومن نوادر قصائده ما نشرته مجلة المقتبس (2: 97 و4: 66). وعلى الجملة فإن المعري دقيق التصور حتى يمثل لك أحياناً أموراً لا يستطيع تمثيلها البصير وهاك الآن من فلكياته ما يدل على سمو مخيلته فمن قوله في الفجر:

كأن سنا الفجرين لما توليا ... دم الأخوين زعفران وأيدع

أفاض علي تاليهما الصبح ماءه ... فغير من إشراق أحمر مشبع

قوله: كأن الليل حاربها ففيه ... هلال مثلما انعطف السنان

ومن أم النجوم عليه درع ... يحاذر أن يمزقها الطعان

وقد بسطت إلى الغرب الثريا ... يداً غلقت بأنملها الرهان

كأن يمينك سرقتك شيئاً ... ومقطوع على السرق البنان

قوله: يغرن عليّ الليل كل غارة ... يكون لها عند الصباح توالي

ولاح هلال مثل نون أجادها ... بجاري النضار الكاتب ابن هلال

ولقد اعتنى كثير من الغربيين بجمع أشعاره وترجمتها إلى لغاتهم مثل كارليل المستشرق الإنكليزي أستاذ العربية في جامعة كامبريدج في أواخر القرن الثامن عشر فإنه ترجم بعض أبيات باللاتينية والإنكليزية. وهكذا فعل المستشرق النمساوي فون كريمر فإنه نشر مقالات كثيرة في (المجلة الجرمانية الآسياوية) عن أبي العلاء وأفكاره وشعره نظماً سنة 1877م ثم ألف كتاباً بعنوان (أشعار أبي العلاء المعري الفلسفية) طبع في فينا سنة 1888 نقل فيه نثراً أمكثر من مائتي بيت شعري من شعر المعري. ثم ترجم رباعياته بالإنكليزية نظماً صديقي أمين أفندي الريحاني اللبناني بكتاب انتخبه من دواوينه الثلاثة وطبع في نيويورك سنة 1903 في 144 صفحة صدره بمقدمة بحث فيها عن أبي العلاء وسيرته ومن رأيه أن عمر الخيام الشاعر الفارسي قد تحداه وهما متعاصران. واختار موسى أفندي بيكييف من أفاضل قازان (روسيا) منتخبيات من لزوميات المعري ونقلها إلى التركية في نحو مائتي صفحة مطبوعة في أورنبورغ سنة 1908. واعتنى كثير من القدماء بدواوينه فإن عبد الله بن السيد البطليموسي النحوي الأندلسي شرح سقط الزند شرحاً ستوفى فيه المقاصد وهو أجود من شرح أبي العلاء صاحب الديوان المسمى بضوء السقط. وكذلك التبريزي خريج المعري شرح سقط الزند.

وكان الحسين بن الجزري شاعر بني سيفا أمراء طرابلس الشام مغرماً بالمعري فكتب على ديوانه لزوم ما لا يلزم:

إن كنت متخذاً لجراحك مرهماً ... فكتاب رب العين مرهم

أو كنت مصطحباً حبيباً سالكاً ... سبل الهدى فلزوم ما لا يلزم

ودواوينه الثلاثة مطبوعة في مصر وسورية. وقد قابلت مجلة المقتطف الغراء بينه وبين ملتون الشاعر الإنكليزي الضرير صاحب (الفردوس الضائع) راجع السنة العاشرة صفحة 449 ومجلة الهلال الغراء ترجمته في السنة الخامسة عشرة صفحة 195. وترجمة رضاء الدين أفندي فخر الدين من علماء أورنبورغ فغي روسية بالتركية التترية في 72 صفحة طبعت في المدينة المذكورة سنة 1908. وغيرهم.

ولقد كان المعري والمتنبي وابن هانئ ممن اختطوا خطة جديدة في الشعر لم ترق في عيون المحافظين على الأسلوب القديم فلذلك لم يسمحوا للمترشحين للنظم أن يتحدوهم كما في مقدمة ابن خلدون وغيرها فالمعري أشبه فكتور هيكو عند الإفرنسيين وكذلك صنواه.

6ً_نثره وكتبه

أهم ما وصل غلينا من نثر المعري رسائله التي نشرت في بيروت سنة 1894 مشروحة بقلم الأستاذ شاهين عطية اللبناني في 240 صفحة. وفيها تكلف غريب وإغراب في النثر لم تألفه العامة وإليك الآن أمثلة منها تعرفه عند القراء:

فمن نثره قوله من رسالة إن كان للآداب أطال الله بقاء سيدنا يتضوع. وللذكاء نار تشرق وتلمع. فقد فغمنا على بعد الدار أرج أدبه. ومحا الليل عنا ذكاؤه بتلهبه. وخول الأسماع شنوفاً غير ذاهبة. واطلع في سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة. ومما كتبه إلى صديق له سأله أن ينقصه في ترتيب المكاتبة وقد أيقنت أن رسل نصيحته ليس بسمار. وإن صواب رأيه عن غير ائتمار. ولم أكتب في أمر أبي فلان إلا متكشراً ثم ثنيت باسترفاد المعونة مذكراً. إذ كان أدام الله عزه لا يشير. لسائله إلى الرفد البعيد. ولا يضرب لراجيه رؤوس المواعيد. وكتب إلى أبي القاسم المغربي جواباً عن فصل كتبه إليه وهو برمته كلما هم خبري بالهمود. وأشرفت على الخمود. نعشني الله بسلام يرد من حضرته يجل ثري كالروضة الحزينة. والبارقة المزنية. ولو كنت عن نفسي راضياً. لشرفتها بزيارة حضرته. ولكني عنها غير راضٍ. وما أقربني إلى انقراض. وإنما أنا قضيض التمراد. ومتخلف المراد. وقد عددت في أناس قيل فيهم تهلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون. عما كانوا يعملون. فإن نعمت أو شقيت. فدعائي ينصل بحضرته ما بقيت اهـ. وكتبت من رسالة لو اتصلت كتب مولاي كاتصال الأمطار وتوالت توالي الأنفاس لكنت بوليها. أسر مني بوسميها. وإلى مستأنفها. أشوق مني إلى سالفها. وما يكتب إلا في بر. ولا يحث على غير المصلحة في الجهر والسر. وما أدري ما أقول في السعادة التي قد رزقتها عنده حتى غطت معايبي. وسترت الأسدة التي أضرت بي. فما أنكر بعدها أن تعد نظفات الدر لأم الأدراص. وأن تصاغ مناطق الذهب للرباح. وأن يدعي المدعون أن ريش ابن أنقذ سهام صائبة. أو قنوات يزينه. . . . وقد اطال في بعض رسائله حتى أن المطالع يمل مطالعتها ولا يتجلد ليتم قراءتها وأخصر رسائله ما ختمها بقوله:

كانت كتبي إليه كبارح الأروى تكون في الدهر مرة. والآن صارت كسوانح الغربان وبوارح الظباء:

تكاثرت الظ باء على خراش ... فما يدري خراش ما بصيد

ومن ألحف فدواؤه ما قال بشار. وليس للملحف مثل الرد. وعليه سلام لو كان يوم عرفة. أو شهراً لكان ناتقاً أي شهر رمضان والسلام وحسبي لله وحده. وقد عني بطبع رسائل المعري هذه الأستاذ مرغليوث وترجمها بالإنكليزية معلقاً عليها شروحاً مفيدة من أدبية وتاريخية مصدرة بترجمة المؤلف شمس الدين الذهبي معتمداً على نسخة في مكتبة ليدن قابلها على نسخة بيروت المشار إليها وقال أنها ينقصها تسع رسائل وبعض العاشرة.

ومن نثره الذي بين أيدينا الآن (رسالة الغفران) وهي التي وصفها شمس الدين الذهبي في ترجمة المعري بقوله له رسالة الغفران في مجلدة قد احتوت على مزدكة واستخفاف وله رسالة الملائكة ورسالة الطير على ذلك الأنموذج أرسلها إلى علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح صدرها بأشواق وتحيات ثم أشار إلى وصول رسالته إليه وأثنى عليها ثم استطرد في وصف الجنة ونعيمها ومن دخلها من الشعراء والملائكة على أسلوب أشبه بالشعر القصصي الروائي عند الإفرنج اليوم فجاء بعده بأكثر من قرنين دانتي شاعر الإيطاليين ونسج على منوالها (الرواية الإلهية) وملتون شاعر الإنكليز (الفردوس الضائع) وغيرهما ولكنهما لم يغربا باللغة مثله. وقد طبعت رسالة الغفران مصححة بقلم الشيخ إبراهيم اليازجي اللبناني في مصر سنة 1907م في 213 صفحة.

ولها نسختان مخطوطتان إحداهما في المكتبة الخديوية بمصر والثانية في مكتبة الكوبر يلي في الآستانة. ولا بأس أن ننتخب منها الآن قوله في الشعر صفحة 55: فقال وما الأشعار فإني لم أسمع بهذه الكلمة قد إلا الساعة. فقلت الأشعار جمع شعر. والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط إن زاد أو نقص أبانه الحس. كان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات فجئت بشيءٍ منه إليك لعلك تأذن لي بالدخول من هذا الباب. ومن قوله يف اللغة صفحة 93:

والباب فيما كان مضاعفاً متعدياً أن يجيء بالضم كقولك عددت أعد ورددت أرد وقد جاء أشياء نوادر كقولهم شددت الحبل وأشد ونممت الحديث أتم وأنم وعللت القوم أعل وأعل. وإذا كان غير متعد فالباب الكسر كقولهم حل عليه الدين يحل وجل الأمر يجل. والضم في غير المتعدي أكثر من الكسر فيما كان متعدياً كقولهم شح يشح ويشح وشب الفرس يشب ويشب وصح الأمر يصح ويصح وفحت الحية تفح وتفح وجم الماء يجم ويجم وجد في الأمر يجد ويجد في حروف كثيرة اهـ. .

وللمعري مؤلفات كثيرة غير ما ذكر ألمع إليها الحاج خليفة في كشف الظنون أهمها ظهر العصري في النحو. والفصول والغايات. وإقليد الغايات. وكتاب الفصول. وكتاب السادر. وقاضي الحق. والقائف على مثال كليلة ودمنة وتفسير منار القائف. ومبهج الأسرار. وملقي السبيل في المواعظ. والمواعظ السنية ونظم السور. والحقير النافع في النحو. وخطب الخيل عن ألسنتها. ورسائل المعونة. والصاهل والساجح. وزجر النائح يتعلق بلزوم ما لا يلزم. السجعات العشر في الوعظ. وسجع الحمائم. والسجع السلطاني في مخاطبات الملوك والوزراء. وسجع الفقيه. وسجع المضطرين عمله لرجل تاجر يستعين به على دنياه. وشرف السلف عمله لأمير الجيوش. وأهم مؤلفاته الأيك والغصون أو الهمزة والردف ولم يغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من فنون الشعر والأدب إلا أحصاها يقع في ألف ومائتي كراس وربما بلغ أربعين مجلداً من كتبنا اليوم. إلى غير ذلك مما يغني قليله عن كثيره.

فهذا شيخ المعرة وفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة وهذه آثاره التي خلفها لنا رحمه الله تنشد قول أبي الفتح حصينة المعري فيه:

وعجبت أن تسع المعرة قبره ... ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع

لو فاضت المهجات يوم وفاته ... ما استكثرت فيه فكيف الأدمع

زحلة (لبنان).

عيسى اسكندر معلوف.