مجلة المقتبس/العدد 7/الفينيقيون

مجلة المقتبس/العدد 7/الفينيقيون

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 8 - 1906



منقولة عن الإفرنجية

صور وقرطاجنة

وصفها - فينيقية من بقاع الأرض الضيقة طولها خمسون فرسخاً وعرضها من ثمانية فراسخ إلى عشرة وهي بين بحر سورية وأعلى سلسلة في جبل لبنان. بل هي على التحقيق عبارة عن سلاسل أودية ضيقة ومجارٍ حرجة متخللة بين هضاب وعرة ممتدة إلى البحر ومسايل من الثلوج. تعبث بها العواصف إلى آخر الربيع أما في الصيف فينضب ماؤها إلا ما خزن منه في الآبار والصهاريج. ولقد كسيت جبال هذه الناحية بالأشجار فكان في القمم أرز لبنان المشهور وفي المنحدرات الصنوبر والسرو وفي السفوح أشجار النخيل بالغة شاطئ البحر وفي الأودية ينمو الزيتون والكرم والتين والرمان.

مدنها - تتألف عن بعد على طول الشاطئ الصخري رؤوس من البحر أو جزر منه تكون منها مرافئ طبيعية ففي هذه المواني أقام الفينيقيون مدنهم. فقامت صور وارواد في جزيرة يزدحم فيها السكان في المنازل وكانت ذات طبقات ست وسبع وثمان ويجلبون الماء لشفاههم في القوارب. أما مدينة جبيل وبيروت وصيدا فكانت في اليبس. ولم تكن أرض هذه البلاد لتقوم بأود هذا العدد الدثر من الناس ولذلك ما الفينيقيون إلى الملاحة والتجارة.

الخرائب الفينيقية - لم يحفظ عن الفينيقيين كتاب فقد ضاعت حتى كتبهم المقدسة. ولقد جرى الحفر في مواضع مدنهم ولكن الخرائب على ما قال العالم المندوب إلى ذلك لم تسلم إلا في البلاد المهملة المتروكة. على أن السوريين عنوا كثيراً بالخرائب فانتهكوا حرمة القبور وأخذوا حلي الموتى وهدموا العمارات ليستعينوا بأحجارها على البناء وحطموا النقوش وذلك لكراهة المسلم الصور المنحوتة بحيث لم يبق اليوم سوى شقيف من الرخام المحطم وأحواض ومعاصر نحتت في الصخر وبضعة نواويس من الحجر. أطلال قلما تجدي نفعاً وتأتي العلم بفوائد وليس ما عرف عن الفينيقيين إلا ما علمناه كتاب اليونان وأنبياء إسرائيل.

حكومة الفينيقيين - لم تكن فينيقية مملكة قائمة برأسها بل كان لكل مدينة ناحية صغيرة تستقل بها ولها مجالس وملك تحكم نفسها بنفسها وتبعث بمندوبيها إلى أعظم مدينة فينيقية لفض المصالح المشتركة وكانت صور محط رحال المندوبين منذ القرن الثالث عشر. وإذ لم يكن الفينيقيون أمة حربية خضعوا لسطوة جماع الفاتحين من مصريين وآشوريين وبابليين وفرس وأدوا لهم الجزية عن يد وهم صاغرون.

صور - كانت هذه المدينة منذ القرن الثالث عشر من أهم المدن الفينيقية ضاقت على أهلها فأقيمت إذ ذاك مدينة جديدة قبالتها. ولقد أسس تجار صور مستعمرات في البحر الأبيض كله يصيبون الفضة من مناجم إسبانيا وسلع العالم القديم أجمع. دعاهم أشعيا النبي الأمراء ووصف حزقيال النبي تلك القوافل التي كانت تأتيهم من كل صوب وأوب وطلب سليمان النبي إلى هيرام أحد ملوك صور عملة يشغلهم في بناء القصر والمعبد في بيت المقدس.

قرطاجنة - كانت هذه المدينة مستعمرة صور ففاقت هذه بالعظمة وذلك أن الصوربين نبذتهم إحدى الثورات فأسسوا مدينة قرطاجنة على شاطئ إفريقية بالقرب من تونس بعثتهم على ذلك امرأة اسمها ايليسا ونحن ندعوها ديدون (الفارة) ويحكى أن سكان البلاد أبوا أن يبيعوها إلا مسافة تكفي لتغطية جلد ثور ففصلت جلد الثور سيوراً رقيقة بحيث اقتضت مكاناً واسعاً يستوعبها فبنت القلعة إذ ذاك. ولقد اتسعت قرطاجنة لموقعها في منتصف البحر الرومي ولأن فيها مرفأين فأقامت هي أيضاً مستعمرات وفتحت فتوحاً حتى آل أمرها إلى أن حكمت شاطئ إفريقية بأجمعه وإسبانيا وسردينيا وكان لها في كل مكان مكاتب لتجارتها ورعايا يؤدون لها الجزية.

الجيش القرطاجني - اقتضى لقرطاجنة أن تدرب لها جيشاً لتصون مكاتبها التجارية من حيف الوطنيين وتربأ برعاياها عن الانتقاض. ومن ثم كانت حياة القرطاجني ثمينة لا يخاطر بها إلا عند الضرورة. آثرت قرطاجنة اكتراء الجند فجندت لها جنداً من البربر سكان بلادها ومن متشردي كل صقع وناحية فصارت صبغة جيشها مبرقشة ملونة يتكلم اللغات كلها ويدين بالأديان كافة. ولكل جندي بزته وأسلحته الخاصة به تخالف بزة رصيفه وأسلحته. فترى فيهم النوميديين يلبسون جلد الأسد يتخذونه وطاء كما يتخذونه غطاء يركبون خيلاً سريعة صغيرة بدون نظام ويطلقون القوس وخيولهم تعدو عدواً. كما كنت ترى فيهم الليبيين وجلودهم سوداء مسلحين بحراب. وطائفة من الايبيريين في إسبانيا لباسهم بياض مزين بحمرة وسلاحهم سيف طويل محدد. وغاليين عراة إلى الزنار يحملون تروساً كبيرة وسيفاً محدباً يمسكونه بكلتا يديهم. وجماعة من البالياربين مدربين من طفوليتهم على رمي الحجارة أو كرات الرصاص بالمقاليع. أما القواد فكانوا قرطاجنيين تخافهم الحكومة فترقبهم عن أمم وربما صلبتهم إذا غلبوا ولم يحرزوا نصراً مؤزراً.

القرطاجنيون - كان في قرطاجنة ملكان والأمر والنهي لمجلس الشيوخ وهو مؤلف من أغنى تجار المدينة ولذلك كانت كل قضية ينهى بها إلى الحكومة مسألة تجارية. كره الناس القرطاجنيين لقسوتهم وطمعهم وغدرهم ولما كان لهم أسطول منظم وعندهم مال يستأجرون به جنداً وحكومة باطشة تهيأ لهم توطيد دعائم ملكهم في غرب البحر المتوسط مدة ثلاثة قرون (من القرن السادس إلى الثالث) بين ظهراني شعوب بربرية منشقة على نفسها مختلفة كلمتها.

الديانة الفينيقية - للفينيقيين والقرطاجنيين دين يشبه الديانة الكلدانية فالرب الذكر ويسمى عندهم بعل هو الشمس والربة الأنثى وتدعى بعلت هي القمر. والشمس والقمر في نظر الفينيقيين قوى هائلة تحيي وتميت. ولكل من المدائن الفينيقية ربان. فلصيدا بعل صيدون (الشمس) وعشتروت (القمر) ولقرطاجنة بعل عمون وتانيت ولجبيل بعل تموز وباليت. ويختلف اسم الأرباب في الاعتبارات إيجاداً وعدماً وهكذا يعبد بعل مثلاً في قرطاجنة باسم مولوش ويعتبر عدماً. وقد تنوب عن هذه الأرباب أصنام ولها معابد ومذابح وكهنة يعظمون من شأنهم ويقيمون لهم المآدب والأعياد الحافلة باعتبار كونهم موجدين ويقدمون لهم ضحايا بشرية باعتبار كونهم مخربين وتعبد عشتروت ربة الصيد العظيمة في الغابات المقدسة ويصورونها على شكل هلال القمر والحمامة ويرسم بعل مولوش في قرطاجنة تمثالاً عظيماً من القلز باسطاً ذراعيه ومدليهما وإذا أرادوا تسكين غضبه يرفعون على يديه أطفالاً تسقط للحال في هاوية من نار. وقد \ قدم أعيان مدينة قرطاجنة مائتي طفل من أولادهم ضحايا للربة مولوش في خلال حصار أغاتوكل لقرطاجنة.

هذا وإن تلك الديانة على ما نشأت عليه من الشهوات وسفك الدماء لترهب الشعوب الأخرى ولكنهم يحاكونها ويأتمون بها فكان يذبح اليهود لبعل على الجبال ويعبد اليونان استارتيه وصيدون باسم افروديت وبعل ملخارت من صور تحت اسم هيراكليس.

التجارة الفينيقية أشغال الفينيقيين - عاش الفينيقيون بالتجارة لازدحام أقدامهم في بقعة ضيقة من الأرض. ولم يكن لسائر شعوب الشرق من مصريين وكلدانيين وآشوريين ولا قبائل الغرب البربرية (الأسبان والغاليين والطليان) عهد بركوب البحار وشق العباب والفينيقيون وحدهم جرأوا في تلك الأيام على تجشم البحر فصح أن يدعوا من أجل هذا عملاء تجارة العالم القديم وقادة البيع والشراء يبتاعون من كل شعب سلعه ويتقايضون معه على غلات البلاد الأخرى تجارة كانت مستحكمة الصلات مع الشرق براً والغرب بحراً.

القوافل - اعتاد الفينيقيون أن يرسلوا في البر قوافل تتجه وجهات ثلاث إحداها إلى بلاد العرب لتأتي منها بالذهب والعقيق اليماني والبخور والصبر وعطور بلاد العرب واللؤلؤ والأباريز والعاج والأبنوس وريش النعام وقرود الهند. والقافلة الثانية ترحل إلى بلاد أشور لتعود منها بأنسجة القطن والكتان والحمر والأحجار الكريمة والماء المعطر وحرير الصين. وتقصد القافلة الثالثة أنحاء البحر الأسود لتستجلب منها الخيل والرقيق والأواني النحاسية من مصنوعات سكان جبال قافقاسيا القوقاز.

بحريتهم - بنى الفينيقيون بخشب أرز لبنان المتين قوارب بأشرعة ومجاذيف حملوا عليها متاجرهم البحرية وما مست حاجتهم أن يكونوا أبداً على مقربة من الشواطئ في ركوبهم البحر إذ كانوا يتجهون حيثما أرادوا بجعل نجمة القطب قيد نواظرهم وكانوا يستدلون بها على الشمال. ولقد فطر الفينيقيون على الاستخفاف بركوب اليم فألفوا بأنفسهم في مراكب صغيرة تغدو بهم وتروح في أطراف البحر الرومي بل جرأوا على اجتياز مضيق جبل طارق أو كما دعاه القدماء أعمدة هيركول فيجتازون البحر المحيط إلى شواطئ إنكلترا وربما بلغوا بلاد النروج. سافرت عصابة منهم في خدمة أحد ملوك مصر في القرن السابع وجازت البحر الرومي لتطوف حوالي إفريقية ثم رجعت على ما قيل بعد ثلاث سنين من البحر الأحمر وغادرت قرطاجنة حملة ضربت نحو شاطئ إفريقية إلى خليج غينة. وقد كتب القائد حانون قصة في هذه الرحلة.

البضائع - كان الفينيقيون يبتاعون محاصيل صناعات الشعوب المتمدنة ويبحثون في البلاد المتوحشة عما يقل الظفر به في المشرق من المحاصيل. يصطادون الصدف من شاطئ بلاد اليونان ومنه يستخرجون صباغاً أحمر وهو الأرجوان. وكانت الأنسجة الأرجوانية تستعمل عند الأقدمين كافة ملابس للملوك والأمراء ويجلبون الفضة التي يستخرجها أهل إسبانيا وسردينا من مناجمهم وكان القصدير من ضرورياتهم يستعملونه في صنع النحاس الأصفر وهو مركب من نحاس وقصدير لا أثر له في بلاد الشرق ولذا كان الفينيقيون يرحلون في طلبه وينشدونه حتى في شواطئ إنكلترا في جزائر القصدير المعروفة بجزائر كاسيتريد. وحيثما حلوا يتخذون الرقيق يبتاعونه تارة كما كان يبتاع النحاس العبيد في ساحل إفريقية. إذ الشعوب القديمة كلها كانت تتجر بالرقيق. وينزلون طوراً في إحدى السواحل فجأة فيختطفون النساء والأطفال وينقلبون بهم إلى بلادهم أو يبيعونهم في القاصية. وإذا واتتهم الحال ينقلبون قرصاناً ولا يتحامون إطالة يد التعدي على الأغيار.

سر اختص به الفينيقيون - لم يقلق الفينيقيون إلا من قيام بحارة الأمم الأخرى إلى منازعتهم السلطة على البحار ومجاراتهم في الملاحة والاتجار فمن ثم كانوا يكتمون الطريق التي يسلكونها إبان عودتهم من الأقطار النائية ولذا لم يعرف أحد في القديم جهة جزائر الكاسيتريد المشهورة التي جلبوا منها القصدير. وقد رأت إحدى المراكب بلاد إسبانيا التي كانت لها صلات تجارية مع فينيقية منذ قرون عرضاً بدون تعمل. وكانت قرطاجنة تغرق من تصادفهم من التجار الأجانب في سردينيا أو في ناحية جبل طارق. حتى أن ربان إحدى المراكب أغرق سفينته ذات يوم عندما رأى سفينة غريبة تطارده مخافة أن تطلع على خطة سيره.

مستعمراتها - أنشأ الفينيقيون مكاتب تجارية في البلاد التي اتجروا فيها وهي مراكز للبرد حصينة واقعة على شاطئ بحر على مرفأ طبيعي يخرجون إليها بضائعهم وهي في العادة أنسجة وفخار وحلي وأصنام فيأتي أهل تلك البلاد بغلاتهم فيقايضونهم عليها كما يقايض اليوم تجار الأوربيين زنوج إفريقية. تقام أمثال هذه الأسواق في قبرص ومصر وجميع بلاد البحر الرومي التي كانت على همجيتها مثل اقريطش (كريت) وبلاد اليونان وصقلية وإفريقية ومالطة وسردينيا وشواطئ إسبانيا (مالقة وقادس) وربما أقاموها في بلاد الغول (موناكو) وكان أهل البلاد يبنون أكواخهم حول بنايات الفينيقيين فيصبح السوق مدينة ويقتبس السكان أرباب الفينيقيين وقد دامت عبادة ربة على صورة الحمامة حتى بعد أن صارت المدينة يونانية كما في سيتير والرب ملخارت كما في كورنت ورب ذو جبهة ثور يفترس الضحايا البشرية كما في اقريطش.

نفوذ الفينيقيين - لم يكن يخطر للفينيقيين شيء على بال لما أسسوا مكاتبهم التجارية إلا الاحتفاظ بمصلحتهم الخاصة ولكن حدث أن نفعت مستعمراتهم التمدن فإن برابرة الغرب أخذوا عن أمم الشرق وكانت أكثر منها تمدناً كيفية صنع الأنسجة والحلي والماعون وتعلموا محاكاتها. مضى حين من الدهر واليونان لم يعرفوا غير الأواني والحلي والأصنام التي يأتيهم بها الفينيقيون وعلى منوال هذه البضائع نسجوا بعد فإن الفينيقيين حملوا من مصر وأشور الصناعة والبضائع معاً.

الأبجدية - حمل الفينيقيون أيضاً إلى البلاد التي نزلوها أبجديتهم وحروف الهجاء ولم يخترعوا الخط إذ كان المصريون يعرفون الكتابة قبلهم بقرون وقد استعملوا حروفاً تدل كل منها على صوت كما هو الحال في حروف الإفرنج. على أن خطهم كان مشوشاً بعلامات قديمة يدل بعضها على مقطع وآخر على كلمة برمتها. لا جرم أنه اقتضى للفينيقيين إذ ذاك طريقة أبسط لكتابة رسائلهم التجارية فاطرحوا العلامات كلها من مقاطع وصور ولم يبقوا سوى اثنين وعشرين حرفاً يدل كل منها على صوت أو على لفظ باللسان فاقتبست الشعوب الأخرى هذه الأبجدية المؤلفة من اثنين وعشرين حرفاً. فقد كتب اليهود من اليمين إلى الشمال كما كتب الفينيقيون وكتب غيرهم كاليونان من الشمال إلى اليمين وكلهم بدلوا شكل الحروف إلا قليلاً. والخط الفينيقي على التحقيق أصل الأبجديات كلها من يهودي وليسي ويوناني وايتاليكي وابتروسكي وايبيرسكي وربما كان الخط النروجي أيضاً فالفينيقيون هم الذين علموا العالم الكتابة.