مجلة المقتبس/العدد 78/مصر والمملكة الإسلامية

مجلة المقتبس/العدد 78/مصر والمملكة الإسلامية

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 8 - 1912



لعالم جغرافي عربي

من أمهات كتب الجغرافيا العربية القديمة التي أحياها بالطبع دي كوي أحد أئمة المشرقيات في الغرب وطبعتها مطبعة بريل في ليدن من بلاد هولاندة طبعة ثانية سنة 1906 كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء الشامي المقدسي المعروف بالبشاري ذكر فيه الأقاليم الإسلامية وما فيها من المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار ووصف أمصارها المشهورة ومدنها المذكورة ومنازلها المسلوكة وطرقها المستعملة وعناصر العقاقير والآلات ومعادن الحمل والتجارات واختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم وألوانهم ومذاهبهم ومكاييلهم وأوزانهم ونقودهم وصروفهم وصفة طعامهم وشرابهم وثمارهم ومياههم ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم وما يحمل من عندهم وإليهم وذكر مواضع الأخطار في المفازات وعدد المنازل في المسافات وذكر السباخ والصلاب والرمال والتلال والسهول والجبال والحواوير والسماق (؟) والسمين منها والرقيق ومعادن السعة والخصب ومواضع الضيق والجدب وذكر المشاهد والمراصد والخصائص والرسوم والممالك والحدود والمصادر والجروم والمخاليف والزموم والطساسيج والتخوم والصنائع والعلوم والباخس والمشاجر والمناسك والمشاعر.

قال: وعلمت أنه باب لا بد منه للمسافرين والتجار ولا غنى عنه للصالحين والأخيار هو علم ترغب فيه الملوك والكبراء وتطلبه القضاة والفقهاء وتحبه العامة والرؤساء وينتفع به كل مسافر ويخطى به كل تاجر وما تم لي جمعه إلا بعد جولاني في البلدان ودخولي أقاليم الإسلام ولقائي العلماء وخدمتي الملوك ومجالستي القضاة ودرسي عَلَى الفقهاء واختلافي إلى الأدباء والقراء وكتبة الحديث ومخالطة الرهاد والمتصوفين وحضور مجالس القصاص والمذكرين مع لزوم التجارة في كل بلد والمعاشرة مع كل أحد والتفطن في هذه الأسباب بفهم قوي حتى عرفتها ومساحة الأقاليم بالفراسخ حتى أتقنتها ودوراني عَلَى التخوم حتى حررتها وتنقلي إلى الأجناد حتى عرفتها وتفتيشي عن المذاهب حتى علمتها وتفطني في الألسن والألوان حتى رتبتها وتدبري في الكور حتى فصلتها وبحثي عن الأخرجة حتى أحصيتها مع ذوق الهواء ووزن الماء وشدة العناء وبذل المال وطلب الحلال وت المعصية ولزوم النصح للمسلمين بالحسبة الصبر عَلَى الذل والغربة والمراقبة لله والخشية بعدما رغبت نفسي في الأجر وطمعتها في حسن الذكر وخوفتها من الإثم وتجنب الكذب الطغيان وتحرزت بالحجج من الطعان ولم أودعه بالمجاز والمحال ولا سمعت إلا قول الثقات من الرجال.

وقال في موضع أخر في ذكر الأسباب التي عاينها في تأليف كتابه ويفهم منها مبلغ تعبه في وضعه ترجمته لنفسه عَلَى أسلوب هو الأدب بعينه والإبداع الغريب قال:

اعلم أن جماعة من أهل العلم ومن الوزراء قد صنفوا في هذا البابوإن كانت مختلة غير أن أكثرها بل كلها سماع لهم ونحن فلم يبق إقليم إلا وقد دخلناه وأقل سبب إلا وقد عرفناه وما تركنا مع ذلك البحث والسؤال والنظر في الغيب فانتظم كتابنا هذا ثلاثة أقسام إحداها ما عايناه والثاني ما سمعناه من الثقات والثالث ما وجدناه في الكتب المصنفة في هذا الباب وفي غيره وما بقيت خزانة ملك إلا وقد لزمتها ولا تصانيف فرقة إلا وقد تصفحتها ولا مذاهب قوم إلا وقد عرفتها ولا أهل زهد إلا وخالطتهم ولا مذكروا بلد إلا وقد شهرتهم حتى استقام لي ما ابتغيته في هذا الباب.

ولقد سميت بستة وثلاثين اسماً دعيت وخوطبت بها مثل مقدسي وفلسطيني ومصري ومغربي وخراساني وسلمى ومقرئ وصوفي وولي وعابد وزاهد وسياح ورواق ومجلد وتاجر ومذكر وإمام ومؤذن وخطيب وغريب وعراقي وبغدادي وشامي وحنيفي ومتأدب وكري ومتفقه ومتعلم وفرائضي وأستاذ ودانشومند وشيخ ونشاسته وراكب ورسول وذلك لاختلاف البلدان التي حللتها وكثرت المواضع التي دخلتها ثم أنه لم يبق شيء مما يلحق بالمسافرين إلا وقد أخذت منه نصيباً غير الكدية وركوب الكبيرة فقد تفقهت وتأدبت وتزهدت وتعبدت وفقهت وأدبت وخطبت عَلَى المنابر وأذنت عَلَى المنابر وأممت في المساجد وذكرت في الجوامع واختلفت إلى المدارس ودعوت في الحافل وتكلمت في المجالس وأكلت مع الصوفية الهرائس ومع الخانقائية الثرائد ومع النواتي العصائد وطردت في الليالي من المساجد وسحت في البراري وتهت في الصحاري وصدقت في الورع زماناً وأكلت الحرام عياناً وصحبت عباد جبل لبنان وخالطت حيناً السلطان وملكت العبيد وحملت عَلَى رأسي بالزنبيل وأشرفت مراراً عَلَى الغرق وقطع عَلَى قوافلنا الطرق وخدمت القضاة والكبراء وخاطبت السلاطين والوزراء وصاحبت في الطرق الفساق وبعت البضائع في الأسواق وسجنت في الحبوس وأخذت عَلَى أبي جاسوس وعاينت حرب الروم في الشواني وضربت النواقيس في الليالي وجلدت المصاحف بالكرى واشتريت الماء بالغلا وركبت الكنائس (؟) والخيول ومشيت من السمائم والثلوج ونزلت في عرضة الملوك وبين الأجلة وسكنت بين الجهال ومحلة الحاكة وكم نلت العجزة والرفعة ودبر في قتلى غير مرة وحججت وجاورت وغزوت ورابطت وشربت بمكة من السقاية والسويق واكلت الخبز والجلبان بالسيق ومن ضيافة إبراهيم الخليل وجميز عسقلان السبيل وكسيت خلع الملك وأمروا لي بالصلات وعريت وافتقرت مرات وكاتبني السادات ووبخني الأشراف وعرضت عَلَى الأوقاف وخضعت للأجلاف ورميت بالبدع واتهمت بالطمع وأقامني الأمراء والقضاة أميناً ودخلت في الوصايا وجعلت وكيلاً وامتحنت الطرارين ورأيت دول العيارين واتبعني الأرذلون وعاندني الحاسدون وسعي بي إلي السلاطين ودخلت حمامات طبرية والقلاع الفارسية ورأيت يوم الفوارة وعيد بربارة وبئر بضاعة وقصر يعقوب وضياعه ومثل هذا كثير ذكرنا هذا القدر ليعلم الناظر في كتابنا إنا لم نصنفه جزافاً ولا رتبناه مجازاً ويميزه من غيره فكم بين من قاسى هذه الأسباب وبين من مصنف كتابه في الرفاهية ووضعه عَلَى السماع.

ولقد ذهب لي في هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم سوى ما دخل عليّ من التقصير في أمور الشريعة ولم يبق رخصة مذهب إلا وقد استعملتها قد صليت عَلَى القدمين وصليت بمدها متان ونفرت قبل الزوال وصليت الفرائض عَلَى الدواب ومع نجاسة فاحشة عَلَى الثياب وترك التسبيح في الركوع والسجود وسجود السهو قبل التسليم وجمعت بين الصلوات وقصرت لأفي سفر الطاعات غير أني لم أخرج عن قول الفقهاء الأئمة ولم أؤخر صلاة عن وقتها بتة وما سرت في جادة بيني وبين مدينة عشرة فراسخ فما دونها إلا فارقت القافلة وانتقلت إليها لأنظر هاقا يمد وربما اكتريت رجالاً يصحبوني وجعلت مسيري في الليلة لأرجع إلى رفقائي مع إضاعة المال والهم.

وبعد فقد أجاد المقدسي في تأليفه ما شاء وشاءت الإجادة ومن يتعب في جمع مواد مصنفه مثل ما تعب يجيء منه آية يستفاد منها عَلَى الدهر فلم يترك شاردة في الجغرافية الطبيعية مما يتعلق بطبائع الأرض ومياهها وجبالها وبحيراتها وسهولها إلا وذكره عَلَى حسن صورة عرفها العالم وكذلك لم يدع فائدة في علم خصائص الشعوب والجغرافيا السياسية والاقتصادية إلا ألم به إلماماً لا يستطاع أكثر منه في عصره وهو القرن الرابع. وعلى كثرة ما أتى من المواد في كتابه الذي لا يتجاوز الخمسمائة صفحة من هذه الطبعة فإنك تجد كل فائدة قد ذكرت في موضعها بتنسيق غريب أدهش من نظر فيه من علماء المشرقيات في الغرب فأيقنوا بما رأوه أن فضل الله غير محصور بأمة معينة ولا بزمن خاص.

ولقد كنا نقول ونحن نطالع ما ورد في كتاب أحسن التقاسيم في وصف بلاد الشام وفلسطين أن هذا الفصل أجمل فصول هذا السفر لأن المؤلف قدسي يحسن معرفة بلاده ووصف ما حوت من الميزات والخيرات ولكن من طالع الكتاب برمته تتجلى له إجادته في وصف جميع بلاد الإسلام وما يجب عَلَى المطالع معرفته منها وإليك الآن ما قاله في إقليم مصر.

هذا هو الإقليم الذي افتخر به فرعون عَلَى الورى وقام عَلَى يد يوسف بأهل الدنيا فيه آثار الأنبياء والتيه وطور سيناء ومشاهد يوسف وعجائب موسى وإليه هاجرت مريم بعيسى وقد كرر الله في القرآن ذكره وأظهر للخلق فضله أحد جناحي الدنيا، ومفاخره فلا تحصى، مصره قبة الإسلام ونهره أجل الأنهار وبخيراته تعمر الحجاز وبأهله يبهج موسم الحاج وبره يعم الشرق والغرب قد وضعه الله بين البحرين وأعلى ذكره في الخافقين حسبك أن الشام عَلَى جلالتها رستاقه والحجاز مع أهلها عياله وقيل أن هو الربوة ونهره يجري عسلاً في الجنة وقد عاد فيه حضرة أمير المؤمنين ونسخ بغداد إلى يوم الدين وصار مصره أكبر مفاخر المسلمين غير أن جدبة سبع سنين متوالية، والأعناب والإتيان به غالية، ورسوم القبط به عالية، وفي كل حين تحل بهم الداهية، عمره مصر بن حام بن نوح عليه السلام وهذا شكله ومثاله.

وقد جعلنا إقليم مصر عَلَى سبع كورست منها عامرة ولها أيضاً أعمال واسعة ذات ضياع جليلة ولم تكثر مدائن مصر لأن أكثر أهل السود قبط ولا مدينة في قياس علمنا هذا إلا بمنبر فأولها من نجد الشام ثم الجفار ثم الحوف ثم الريف ثم الإسكندرية ثم مقدونية ثم الصعيد والسابعة الواحات. فأما الجفار فقصبتها الفرما ومدنها البقارة الواردة العريش. وأما الحوف فقصبتها بلبيس ومدنها مشتول جرجير فاقوس غيفا دبقو تونة بريم القلزم. وأما الريف فقصبتها العباسية ومن مدنها شبرو دمنهور سنهور بنها العسل شطنوف مليج محلة سدر محلة كرمين المحلة الكبيرة سندفا دميرة بورة دقهلة محلة زيد محلة حفص محلة زياد سنهور الصغرى بريس.

وأما إسكندرية فهي القصبة أيضاً ومنة مدنها الرشيد مريوط ذات الحمام براس وأما المقدونية فقصبتها الفسطاط وهو المصر ومن مدنها العزيزية الجيزة عين شمس وأما الصعيد فقصبتها أسوان ومن مدنها حلوان قوص أحميم بلينا علاقى أجمع بوصير الفيوم أشمونين سمسطا تندة طحا بهنسة قيس وبازاء الحوف جزيرتان في بحيرتين فهما تنيس ودمياط.

الفرما عَلَى ساحل بحر الروم وهي قصبة الجفار عَلَى فرسخ من البحر عامرة آهلة عليها حصن ولها أسواق حسنة وهي في سبخة وماؤها مالح وحولها مصايد السلوى معدن الأسماك الجيدة وبها أضداد عدة وخيرات كثيرة وهي مجمع الطرق مذ كورة سرية غير أن ماءها مالح وطيرها مزمن وهذه الكورة كلها رمال ذهبية والمدن التي ذكرناها وسطها وفيها طرق ونخيل وآبار وعلى بريد حانوت إلا أن الريح ربما لعبت بالرمال فغطت الطريق والسير فيها صعب.

بلبيس قصبة الحوف كبيرة كثيرة القرى والمزارع عامرة بنيانها من طين والمشتول كثيرة الطواحين ومنها يحمل أكثر ميرة الحجاز من الدقيق والكعك وأحصيت في وقت من السنة فإذا هو يبلغ ثلاثة آلاف حمل جمل في كل أسبوع كلها حبوب ودقيق. والقلزم بلد قديم عَلَى طرف بحر الصين يابس عابس لا ماء ولا كلأ ولا زرع ولا ضرع ولا حطب ولا شجر ولا عنب ولا ثمر يحمل إليهم الماء في المراكب ومن موضع عَلَى بريد يسمى سويس عَلَى الجمال ماء آجن ردي ومن مثلهم ميرة أهل القلزم من بلبيس وشربهم من سويس يأكلون لحم التيس ويقدون سقف البيت هي أحد كنف الدنيا مياه حماماتهم زعاق وحشمة ملولة والمسافة إليها صعبة غير أن مساجدها حسنة وبها قصور جليلة ومتاجر مفيدة هي خزانة مصر وفرضة الحجاز ومعونة الحاج واشترينا يوماً بدرهم حطباً فاحتجنا له بدرهم حطباً وهذه الدورة غير طيبة ولا أرى في ذكر بقية مدائنها فائدة.

العباسية هي قصبة الريف عامرة طيبة قديمة شربهم من النيل موضع الريف والخصب بنيانهم أفرج من بنيان مصر بها أضداد تحمل عليها وجامع حسن من الآجر رفقة سرية والمحلة الكبيرة ذات جانبين اسم الجانب الآخر سندفا بكل جانب جامع وجامع المحلة وسطها وجامع تلك عَلَى الشط لطيف وهذه أعمر وبها سوق زيت حسن والناس يذهبون ويجيئون بالزوارق شبهتها بواسط ودمية أيضاً عَلَى الشط طويلة عامرة بها بطيخ نادر.

الإسكندرية قصبة نفيسة عَلَى بحر الروم عليها حصن منيع وبها بلد شريف كثير الصالحين والمتعبدين شربهم من النيل يدخل عليهم أيام زيارته في قناة فيملأ صهاريجهم وهي شامية الهواء والرسوم كثيرة الأمطار جامعة الأضداد جليلة الرستاق جيدة الفواكه والأعناب طيبة نظيفة بناؤهم من الحجارة البحرية معدن الخراب وبها جامعان عَلَى جبابهم أبواب تغلق بالليل كيلا يصعد منها اللصوص وسائر المدن عامرات طيبات وفي نواحيها خرنوب وزيتون ولز ومزارع عَلَى البعل ومن ثم يصب في بحر الروم وهي مدينة ذي القرنين ولها قصة عجيبة.

الفسطاط هو مصر في كل قول لأنه قد جمع الدواوين وحوى أمير المؤمنين وفصل بين المغرب وديار العرب واتسع بقعته. وكثر ناسه. وتنضر إقليمه واشتهر اسمه. وجل قدره. فهو مصر مصر. وناسخ بغداد. وفخر الإسلام ومتجر الأنام وأجل من مدينة السلام. خزانة المغرب. مطرح المشرق. وعامر الموسم ليس في الأمصار آهل منه. كثير الأجلة والمشايخ. عجيب المتاجر والخصائص. حسن الأسواق والمعايش إلى حماماته المنتهى. ولقيا سيره لباقة وبها. ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه ولا أحسن تجملاً من أهله ولا أكثر مراكب من ساحله. آهل من نيسابور. وأجل من البصرة. وأكبر من دمشق. به أطعمة لطيفة. وأدامات نظيفة. وحلاوات رخيصة كثير الموز الرطب. غزير البقول والحطب. خفيف الماء صحيح الهواء. معدن العلماء. طيب الشتاء أهله أهل سلامة وعافية. ومعروف كثير وصدقة. نغمتهم بالقرآن حسنة ورغبتهم بالخير بينة. وحسن عبادتهم في الأفاق معروفة قد استراحوا من أذي الأمطار. وأمنوا من غاغة الشرار. ينتقدون الخطيب والإمام. ولا يقدمون إلا طيباً وإن بذلوا الموال قاضيهم أبداً خطير والمحتسب كالأمير ولا ينفكون أبداً من نظر السلطان والوزير ولولا عيوب له كثير ما كان له في العالم من نظير وهو نحو ثلثي فرسخ طبقاتها بعض فوق بعض.

وكانت جانبي الفسطاط والجيزة ثم شق بعض الخلفاء من ولد عباس خليجاً عَلَى قطعة منها فسميت تلك القطعة الجزيرة لأنها بين العمود والخليج وسمي خليج أمير المؤمنين منه شربهم ودورهم أربع طبقات وخمس كالمناير يدخل إليهم الضياء من الوسط وسمعت أنه يسكن الدار الواحدة نحو مائتي نفس وإنه لما صار إليها الحسن بن أحمد القرمطي خرج الناس إليها فرآهم مثل الجراد فهاله ذلك وقال ما هذا قيل هؤلاء نظارة مصر ومن لم يخرج أكثر. وكنت يوماً أمشي عَلَى الساحل وأتعجب من كثرة المراكب الراسية والسائرة فقال لي رجل منهم: من أين أنت قلت: قلت من بيت المقدس قال: بلد كبير أعلمك يا سيدي أعزك الله أن عَلَى هذا الساحل وما قد أقلع منه إلى البلدان والقرى من المراكب ما لو ذهبت إلى بلدك لحملت أهلها وآلاتها وحجارتها وخشبها حتى يقال كان ههنا مدينة. وسمعتهم يذكرون أنه يصلي قدام الإمام يوم الجمعة عشرة آلاف رجل فلم أصدق حتى خرجت مع المتسرعة إلى سوق الطير فرأيت الأمر قريباً مما قالوا.

وأبطأت يوماً عن السعي إلى الجمعة فألفيت الصفوف في الأسواق عَلَى أكثر من ألف ذراع من الجامع ورأيت القياسير والمساجد والدكاكين حوله مملوءة من كل جانب من المصلين وهذا الجامع يسمى السفلاني من عمل عمرو بن العاص وفيه منبره حسن البناء في حيطانه شيء من الفسيفس عَلَى أعمدة رخام أكبر من جامع دمشق والازدحام فيه أكثر من الجوامع الستة قد التفت عليه الأسواق إلا أن بينها وبينه من نحو القبلة دار الشط وخزائن وميضاة وهو أعمر موضع بمصر وزقاق القناديل عن يساره وما يدريك ما زقاق القناديل والجامع الفوقاني من بناء بني طيلون أكبر وأبهى من السفلاني عَلَى أساطين واسعة مصهرجة وسقوفه عالية في وسطه قبة عَلَى عمل قبة زمزم فيها سقاية مشرف عَلَى فم الخليج وغيره وله زيادات وخلفه دار حسنة ومنارته من حجر صغيرة درجها من خارج والحد بين أسفل وفوق مسجد عبد الله قد بنى من مساحة الكعبة.

ويطول الوصف بنعت أسواقه وجلالته غير أنه أجل أمصار المسلمين وأكبر مفاخرهم وآهل بلدانهم ومع هذه الكثرة اشتريت الخبز الحواري ولا يخبزون غيره ثلاثين رطلاً بدرهم والبيض ثمانية بدانق والموز والرطب رخيص يجيء أبداً إليه ثمرات الشام والمغرب وتسير الرفاق إليه من العراق والمشرق ويقطع إليه مراكب الجزيرة والروم تجارته عجيبة ومعايشه مفيدة وأمواله كثيرة لا ترى أحلى من مائه ولا أوطأ من أهله ولا أحسن من بزه ولا أبرك من نهره إلا أنه ضيق المنازل كثير البراغيث عفن كرب البيوت قليل الفواكه مياه كدرة وآبار وضرة ودور قذرة وبق منتن وجرب مزمن. ولحوم عزيزة. وكلاب كثيرة. ويمين فظيعة. ورسوم وحشة أبداً عَلَى خوف من القحط وانقطاع النهر وإشراف عَلَى الجلاء وتربص بالبلاء. لا يتورع مشايخهم عن شرب الخمور ولا نساؤهم عن الفجور للمرأة زوجان وترى الشيخ سكران وفي المذهب حزبان في سمرة وقبح لسان.

والجزيرة خفيفة الأهل الجامع والمقياس عَلَى طرفها عند الجسر مما يلي المصر وبها بساتين ونخيل ومنتزه أمير المؤمنين عند الخليج بموضع يسمى المختارة والجيزة مدينة خلف العمود كانت الطريق إليها من الجزيرة عَلَى جسر إلى أن قطعه الفاطمي بها جامع وهي أعمر وأكبر من الجزيرة والجادة منها إلى المغرب ويلقي الخليج العمود تحت الجزيرة.

والقاهرة مدينة بناها جوهر الفاطمي لما فتح مصر وقهر من فيها كبيرة حسنة بها جامع بهي وقصر السلطان وسطها محصنة بأبواب ممدودة عَلَى جادة الشام ولا يمكن أحد دخول الفسطاط إلا منها لأنها بين الجبل والنهر ومصلى العيد من ورائها والمقابر بين المصر والجبل. والعزيزية قد اختلت وخربت عامتها وكانت المصر في القديم وبها كان ينزل فرعون وثم قصره ومسجد يعقوب ويوسف. وعين شمس مدينة عَلَى جادة الشام كثيرة المزارع بها مسند النيل أيام زيادته جامعهم في السوق. والمحلة مدينة عَلَى نهر الإسكندرية بها جامع لطيف وليس بها كثير أسواق غير أنها عامرة نزيهة الشط حسنة النهر يقابلها صندفاً به جامع عامر شبهتها بواسط إلا أنه ليس بينهما جسر يعبرون في المراكب. وحلوان مدينة من نحو الصعيد ذات مغاير ومقاطع وعجائب بها حمام من فوق حمام آخر وسائر المدن عَلَى عمود النيل وخليجه.

وأسوان قصبة الصعيد عَلَى النيل عامرة كبيرة بها منارة طويلة ولها نخيل وكروم كثيرة وخيرات وتجارات وهي من الأمهات وأحميم مدينة كثيرة النخيل عَلَى بعض شعب النيل ذات كروم ومزارع منها كان ذو النون الزاهد وهذه الكورة أعلى أرض مصر وفيها يخرج النيل والفيوم جليل به مزارع الأرز الفائق والكتان الدون ولها قرية سرية تسمى الجوهريات والعلاقى مدينة في آخر الكورة عَلَى طريق عيذاب وأما الواحات فإنها كانت كورة جليلة ذات أشجار ومزارع وإلى اليوم يوجد فيها صنوف الثمار وأغنام ونعم وقد توحشت متصلة بأرض السودان تمس إقليم المغرب وبعض يجعلونها منه.

تنيس بين بحر الروم والنيل بحيرة فيها جزيرة صغيرة قد بنيت كلها مدينة وأي مدينة هي بغداد الصغرى وجبل الذهب ومتجر الشرق والغرب أسواق ظريفة وأسماك رخيصة وبلدة مقصودة ونعم ظاهرة وساحل نزيه وجامع نفيس وقصور شاهقة ومدينة مفيدة رفقة إلا أنها في جزيرة ضيقة والبحر عليها كحلقة ملولة قذرة والماء في صهاريج مغلقة أكثر أهلها قبط والبلاذات تطرح إلى الطرق وبها يعمل الثياب والأردية الملونة وثم موضوع قد نضد فيه موتى الكفار بعض عَلَى بعض ومقابر المسلين وسط البلد.

دمياط تسير في هذه البحيرة يوماً وليلة ربما لقيك ماء حلو وأزقة ضيقة إلى مدينة أخرى وهي أطيب وأرحب وأوسع وأفسح. وأحزب وأكثر فواكه. وأحسن بناء وأوسع ماء. وأحذق صناعاً. وأرفع بناء وأنظف عمالاً. وأجود حمامات. وأوثق جدارات. وأقل أذيات. من تنيس عليها حصن من الحجارة.

كثيرة الأبواب وفيها باطات كثيرة خربت ولهم موسم من كل سنة يقصدها المرابطون من كل جانب وبحر الروم منها عَلَى صيحة دور القبط عَلَى ساحله وثم يفيض النيل في البحر. وشطا قرية بين المدينتين عَلَى البحيرة يسكنها القبط وإليها ينسب هذا البز وطحا قرية بالصعيد يعمل بها ثياب الصوف الرفيعة ومنها كان الفقيه الإمام أبو جعفر الأزدى ويصنع ببهنسة الستور والأنماط والكتان الرفيع مزارعه ببوصير.

جمل شؤن هذا الإقليم

هذا إقليم إذا أقبل فلا تسأل عن خصبه ورخصه وإذا أجدب فتعوذ بالله من فحطه يمد سبع سنين حتى يأكلون الكلاب ويقع فيهم الوباء المبرح اشد حراً من سواحل الشام ويبرد في طوبه برداً شديداً به نخيل كثيرة وعامة ذمته النصارى يقال لهم القبط ويهود قليل. كثير المجذمين وبيت الجرب لأنه عفن وأكثر أدمهم السمك. وعلى مذاهب أهل الشام غير أن أكثر فقهائهم مالكيون ألا ترى أنهم يصلون قدام الإمام ويربون الكلاب.

وأعلى القصبة وأهل صندفا شيعة سائر المذاهب بالفسطاط موجودة ظاهرة وثم محلة الكرامية وجلبة للمعتزلة والحنبلية والفتيا اليوم عَلَى مذاهب الفاطمي التي تذكرها في إقليم المغرب. والقراآت السبع فيه مستعملة غير أن قراء ابن عامر أقلها ولما قرأت بها عَلَى أبي الطيب بن غلبون قال دع هذه القراءة فإنها عتيقة قلت: قيل لنا عليكم بالعتيق قال: فعليك بها. قرأت عليه لأبي عمرو فكان يأمرني بتفخيم الراء من مريم والتورية والغالب عليهم والمختار عندهم قراءة نافع وسمعت شيخاً في الجامع السفلاني يقول: ما قدم في هذا المحراب أمام قط وهو يتفقه لمالك ويقرأ لنافع غير هذا يعني ابن الخياط قلت: ولم ذلك قال لم نجد أطيب منه وكان شفعوياً أبو عمر يا ولم أر في الإسلام أحسن نغمة منه لغتهم عربية غير أنها ركيكة رخوة وذمتهم يتحدثون بالقبطية وهو بلد التجارات يرتفع منه أديم جيد صبور عَلَى الماء ثخين لين والبطائن الحمر والهملختات؟ والمثلث هذا من المصر ومن الصعيد الأرز والصوف والتمور والخل والزبيب ومن تنيس لا دمياط الثياب الملونة ومن دمياط القصب ومن الفيوم الأرز وكتان دون ومن بوصير قريدس الكتان الرفيع ومن الفرما الحيتان ومن مدنها القفاف والحبال من الليف في غابة الجودة ولهم القباطي والأرز والخيش والقباداني والحصر والحبوب والجلبان ودهن الفجل والزنبق وغير ذلك.

الخصائص. ولا نظير لأقلامهم وزواجهم ورخامهم وخلهم وصوفهم وخيشهم وبزهم وكتانهم وجلودهم وحذوهم وهملختاتهم وليفهم ووزنهم وموزهم وشمعهم وقندهم ودقهم وصبغهم وريشهم وغزلهم وأشنانهم وهريستهم ونيدتهم وحمصهم وترمسهم وقطرهم وقلفاسهم وحصرهم وحمرهم وبقرهم وحزمهم ومزارعهم ونهرهم وتعبدهم وحسن نغمتهم وعمارة جامعهم وحالومهم وحيسهم وحيتانهم ومعايشهم وتجارتهم وصدقاتهم كل ذلك في غاية الجودة.

وقد اجتمع بها من خصائص فلسطين القلقاس وهو شيء عَلَى قدر الفجل المدور عليه قشر وفيه حدة يقلى بالزيت ويطوح في الشكباج والموز وهو عَلَى مقدار الخيار عليه مزود رقيق يقشر عنه ثم يؤكل له حلاوة وعفوصة والجميز وهو أصغر من التين له ذنب طويل والترمس وهو عَلَى قدر الظفر يابس مر يحلى ويملح والنبق وهو عَلَى قدر الزعرور فيه نواة كبيرة حلوة وهو ثمرة شجر السدر ويزيدون عليهم بالنيدة وهي السمنوا غير أن عجيب الصنعة يبسط عَلَى القصب حتى يجف وينعلك دهن البلسان من نبت ثم.

والنقود القديمة المثقال والدرهم ولهم المزبقة خمسون بدينار ويكثرون التعامل بالرضي وقد غير الفاطمي النقود إلا هاذين وأبطل القطع والمثاقيل. والمكاييل الويبة وهي خمسة عشر منا والأردب ست ويبات والثليس ثمانٍ وهي بطالة والرسوم بجوامع هذا الإقليم إذا سلم الإمام كل يوم صلاة الغداة وضع بين يديه مصحفاً يقرأ فيه جزءاً ويجتمع الناس عليه كما يجتمع عَلَى المذكرين ولهم آذان ينفردون به عَلَى طريق النياحة ثلث الليل الأخير وله قصة يأثرونها بين العشائين جامعهم مغتص بحلف الفقهاء دائمة القراء وأهل الأدب والحكمة ودخلتها مع جماعة من المقادسة فربما جلسنا نتحدث فنسمع النداء من الوجهين دروراً وجوهكم إلى المجلس فننظر فإذا نحن بين مجلسين عَلَى هذا جميع المساجد وعددته فيه مائة وعشرة مجلس فإذا صلوا العشاء أقام البعض إلى ثلث وأكثر سوقهم إذا رجعوا من الجامع ولا ترى أجل من مجالس القراء به وبه مجلس للمتلعبين ولهم إجراء ويضربون عَلَى جوامعهم شراعات وقت الخطبة مثل البصرة ويخلو أسواقهم أيام الجمع.

قال ما يلبسون ثوباً غسيلاً أو نعلاً قد امتعطت ولا يكثرون أكل اللحم ويكثرون الإشارة في الصلاة والنخع والمخاط في المساجد ويجعلونه تحت الحصر ويخبزون في الرساتيق وقت البيادر ما يكفيهم إلى عام قابل ثم ييبسونه ويخبئونه ولهم باذهنجات مثل أهل الشام تحمل وترو وتملق يمينهم الكبرى ورأس الله والصغرى وحق عَلَى يحبون رؤوس الأسماك ويقال أنهم إذا رأوا شامياً قد اشترى سمكاً اتبعوه فإذا رمى رؤوسها أخذوها يكثرون أكل الدلينس أقذر شيء حيوان بين زلفتين صغيرتين يفلقان ويحسى مثال المخاط.

ومن عيوبهم ضعف قلوبهم وقلة ثمارهم وأهل الشام أبداً يعيبونهم ويسخرون منهم ويقولون مطر أهل مصر الندى وطيرهم الحدا وكلامهم سيدي رخو مثل النسا أعزل الله مالك كذا أكلهم الدلنيس ونقلهم الحمص وجبنهم الحالوم وحلواهم النيد وقطائعهم الخازير ويمينهم كفر.

وأما النيل فلم أذق ولا سمعت أن في جميع الدنيا ماء أحلى منه الأنهر المنصورة وزيادته من شهر بؤنة إلى شهر توت وقت عيد الصليب ولهما سدان أحدهما بعين شمس ترعة تسد بالحلفاء والتراب قبل زيادته فإن أقبل الماء رده السد وعلا الماء عَلَى الجرف أعلى القصبة فيسقي تلك الضياع مثل بهتيث والمنيتين وشبرو ودمنهور وهو سد خليج أمير المؤمنين فإذا كان يوم عيد الصليب وقت انتهاء حلاوة العنب خرج السلطان إلى عين شمس فأمر بفتح هذه الترعة وقد سد أهل الجرف أفواً أنهارهم حتى لا يخرج الماء منها وجعلوا عليها الحراس فينحدر الماء إلى ضياع الريف كلها والترعة الأخرى أسفل من هذه وأعظم غير أن السلطان لا يحضرها ويبين بفتحها النقصان في النيل وهي بسردوس والمقياس بركة وسطها عمود كويل فيه علامات الأذرع والأصابع وعليه وكيل وأبواب محكمة يرفع إلى السلطان في كل يوم مقدار ما زاد ثم ينادي المنادي زاد الله اليوم في النيل المبارك كذا وكذا وكانت زيادته عام الأول في هذا اليوم كذا وكذا وعلى الله التمام ولا ينادى عليه إلا بعد أن يبلغ اثني عشر ذراعاً إلا ما يرفع إلى السلطان حسب والاثنا عشر ما يعم ضياع الريف فإذا بلغ أربعة عشر ذراعاً سقى أسفل الإقليم فإذا بلغ ستة عشرة استبشر الناس وكانت سنة مقبلة فإن جازوها كان الخصب وسعة فإذا نضب الماء أخذوا في الحرث والبذر وفي أيام زيادته تتبحر مصر حتى لا يمكن الذهاب من هذه الضيعة إلى الأخرى إلا في الزواريق في بعض المواضع.

الفسطاط جبل فيه معدن الذهب ولهم معادن زاج الحبر لا ترى مثله وطين يسمى الطفل وفي المقطم مقاطع حجارة بيض حسنة تنشر كما ينشر الخشب. ثم ذكر مشاكل مصر مع الاحتراز من الخرافات الشائعة بشأنها في الجملة قال وعلى صيحة من الفسطاط موضع يسمى قرافة فيه مسجد وسقايات حسنة وخلق من العباد وموضع خلوة وسوق لطلاب الآخرة وجامع حسن ومقابرهم في غاية الحسن والعمارة ترى البلد غبراء والمقابر بيضا ممتدة عَلَى طول المصر فيها قبر الشافعي وذكر بعض عجائب مصر مثل هرمي الجيزة وقال إنها مقابر ألا ترى إلى ملكوك الديلم بالري كيف اتخذوا عَلَى قبورهم قباباً عالية وأحكموا جهدزهم وعلوها طاقتهم كيلا تندرس وذكر منارتي عين شمس أو مسلتيها ومغائر حلوان وبرابي الصعيد ومنارة الإسكندرية وعدد الشهور القبطية وقال أن طول مصر من بحر الروم إلى النوبة أقل من شهر وعرضه من الجنوبي ثمان مراحل ومن الشمالي اثنتا عشرة وللدخلة فيه عند بحر القلزم أربع مراحل أما الولايات فللفاطمي وهم في عدل وأمن لأنه سلطان قوي غني والرعية في راحة ومن ثم سياسة ونفاذ أمر وكل سامع مطيع من الأركان سراً وعلانية لا يخطب إلا لأمير المؤمنين حسب. ثم ذكر خراج مصر نقلاً عن قدامة ابن جعفر وابن الفقيه إلى أن قال:

وسألت بعض المصريين ببخارى عن الخراج فقال ليس عَلَى مصر خراج ولكن يعمد الفلاح إلى الأرض فيأخذها من السلطان ويزرعها فإذا حصد الناس ودرس وجمع وشمت بالعرام وتركت ثم يخرج الخازن وأمين السلطان فيقطع كرى الأرض ويعطى ما بقي للفلاح قال وفيهم من يأخذ من السلطان تقوية فيزاد عليه في كرى الأرض بمقدار ما اقتطعه قلت فلا يكون لأحد ثم ملك وضيعة قال لا اللهم إلا أن يكون رجل اشترى ممن أقطعه السلطان في القديم ووهبها فاحتاج هو أو ذريته إلى ثمنها فباعها لعامة الناس.

وقال: وأما الضرائب فثقيلة وخاصة تنيس ودمياط وعلى ساحل النيل وأما الثياب الشطوبة فلا يمكن القبطي أن يتسبح (لعله يتشح) شيئاً منها إلا بعدما يختم عليها بختم السلطان ولا أن تباع إلا عَلَى يد سماسرة قد عقدت عليهم وصاحب السلطان يثبت ما يباع في جريدته ثم تحمل من بطونها ثم إلى من يشدها بالقش ثم إلى منإذايشدها في السفط وإلى من يحزمها وكل واحد منهم له رسم يأخذه ثم عَلَى باب الفرضة يؤخذ أيضاً شيء وكل واحد يكتب عَلَى السفط علامته ثم نفتش المراكب عند إقلاعها ويؤخذ بتنيس عَلَى زق الزيت دينا ومثل هذا وأشباهه ثم عَلَى شط النيل بالفسطاط ضرائب فقال رأيت بساحل تنيس ضرائبياً جالساً قيل قبالة هذا الموضع في كل يوم ألف دينار ومثله عدة عَلَى ساحل البحر وبالصعيد وساحل الإسكندرية وبالإسكندرية أيضاً عَلَى مراكب الغرب وبالفرما عَلَى مراكب الشام ويؤخذ بالقلزم عَلَى كل حمل درهم.

وهنا ذكر المسافات بين الأقاليم بحساب المراحل وكل ذلك مشبع بالفوائد العمرانية التي لا تكاد تراها في الكتب الأخرى الملة بذكر البلاد الإسلامية ولا بأس بأن نختم هذا الفصل بنموذج آخر من كتاب المقدسي في ذكر مملكة الإسلام قال:

اعلم أن مملكة الإسلام حرسها الله تعالى ليست بمستوية فيمكن أن توصف بتربيع أو طول وعرض وإنما هي متشعبة يعرف ذلك من تأمل مطالع الشمس ومغاربها ودوخ البلدان وعرف الممالك ومسح الأقاليم بالفراسخ وسنجتهد في تقريب الوصف وتصويره لذوي العقول والإفهام إن شاء الله تعالى الشمس تغرب في حافة بلد المغرب ويرونها تنزل في البحر المحيط وكذلك أهل الشام يرونها تنزل إلى بحر الروم وإقليم مصر يأخذ من البحر الرومي طولاً إلى بلد النوبة ويقع بين بحر القلزم وتخوم المغرب ويمتد المغرب من تخوم مصر إلى البحر المحيط مثل الشريطة يضغطه من قبل الشمال بحر الروم ومن قبل الجنوب بلدان السودان ويمد إقليم الشام من تخوم مصر نحو الشمال إلى بلد الروم فيقع بين بحر الروم وبادية العرب وتتصل البادية وبعض الشام بجزيرة العرب ويدور عَلَى الجزيرة بحر الصين إلى عبادان من أرض مصر ويتصل أرض العراق بالبادية وبعض الجزيرة ويتصل بتخوم العراق الشمالية إقليم أقور فيمتد إلى بلد الروم وقد تقوس عليه الفرات من نحو الغرب ووقع خلف الفرات بقية البادية وطرف من الشام فهذه أقاليم العرب ووقعت خوزستان والحبال عَلَى تخوم العراق الشرقية وطائفة من الجبال وإقليم الرحاب عَلَى تخوم أقور الشرقية ووقعت فارس وكرمان والسند خلف خوزستان عَلَى صف واحد البحر جنوبيها والمفازة وخراسان شماليها وتاخمت السند وخراسان من جهة الشرق بلدان الكفر وتاخمت الرحاب بلد الروم من قبل الغرب والشمال ووقع إقليم الديلم بين الرحاب والجبال والمفازة وخراسان فهذه مملكة الإسلام فتدبرها وفيها تقتل وتعرج لمن شقها من شرقها إلى غربها ألا ترى أنك إذا أخذت من البحر المحيط إلى مصر كنت عَلَى الاستواء ثم تميل يسيراً إلى العراق ثم تنفتل في أقاليم الأعاجم وخراسان مائلة إلى جهة الشمال أولا ترى أن الشمس تطلع عن يمين بخارا من نحو إسبيجاب.

وأما مساحتها عَلَى الوصف الذي شرحناه فإنك تأخذ من البحر المحيط إلى القيروان مائة وعشرين مرحلة ثم إلى النيل ستين مرحلة ثم إلى دجلة ستين مرحلة ثم إلى جيحون ستين مرحلة ثم إلى ثونكت خمسة عشر يوماً ثم إلى طراز خمسة عشر يوماً وإن عطفت إلى فرغانة فمن جبحون إلى أوزكنت ثلاثون مرحلة وإن عطفت إلى كاشخر فأربعين مرحلة. ووجه آخر تأخذ من سواحل اليمن إلى البصرة خمسين يوماً ثم إلى أصفهان مائة فرسخ ثمانية وثلاثين ثم إلى نيسابور ثلاثين مرحلة ثم إلى جيحون عشرين مرحلة ثم إلى طراز ثلاثين مرحلة وهذا عَلَى الاستواء ويسقط إقليم مصر والغرب والشام. وأما العرض فمختلف جداً لأن إقليم المغرب قليل العرض وكذلك مصر ثم إذا حاذيت الشام اتسعت المملكة ثم لا تزال تتسع حتى تصير وراء جيحون إلى بلد السند نحو ثلاثة أشهر وأما أبو زيد فجعل العرض من ملطية ماراً عَلَى الجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة ولم يذكر المراحل إلا أنها تكون نحو أربعة أشهر غير عشرة أيام والذي ذكرنا أبين وأتقن فمن أقصى المشرق بكاشخر إلى السوس الأقصى نحو عشرة أشهر.

قدر للخليفة سنة 232 ما يرتفع من الخراج والصدقات سوى الحماميات والجبايات من جميع المملكة فبلغ ألفي ألف وثلاثمائة ألف وعشرين ألفاً ومائتين وأربعة وستين ديناراً ونصفاً قال وحسب خراج الروم للمعتصم فبلغ خمسمائة قنطار وكذا قنطار فإذا به أقل من ثلاثة آلاف ألف دينا فكتب إلى ملك الروم أن أخس ناحية عليها أخس عبيدي خراجها أكثر من خراج أرضك. وطول المملكة عَلَى ما قدمناه ألف وستمائة فرسخ كل مائة فرسخ ألف ألف ومائتا ألف ذراع فالفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعاً والإصبع ست حبات شعير مصفوفة طولا بعضعها إلى بعض الميل وثلث الفرسخ وفي البريد خلاف بالبادية والعراق اثنا عشر ميلاً وبالشام وخراسان ستة ألا ترى كيف بنى بخراسان عَلَى كل فرسخين رباط ورتب فيه أصحاب البريد فبهذا نأخذ اهـ.

ولا يسع المنصف بعهد تلاوة هذه النموذجات من المصنف العلامة إلا أن يحبذ العلماء العرب فيما دنوه بحسب ما انتهى إليه ارتقاء العلم في عصورهم وإذا وقع لهم ما يؤخذ اليوم عليهم وهو قليل جداً بحسب ما أدانا إليه البحث والتنقيب فإن هذا لا يقدح في أسفارهم ولا يحول بيننا وبين إحيائها وتدارسها عَلَى علاتها خلافاً لما يتبجح به المنطعتون من المتفرنجين منا ممن لم يسعدهم الحظ أن يدرسوا كتاباً عربياً وغاية علمهم أنهم قرأوا مبادئ العلوم باللغات الإفرنجية وجمدوا عليها جمود بعض الفقهاء عَلَى ما قاله المتأخرون منهم وترك الرجوع إلى الأصل الصحيح من كتب السنة بدعوى أن المتأخرين جرروا كل شيء فلم يبق بنا حاجة إلى الأخذ عمن قبلهم.