مجلة المقتبس/العدد 80/النحام ومرادفاته

مجلة المقتبس/العدد 80/النحام ومرادفاته

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 10 - 1912



1ً تمهيد

أصعب ما في اللغة العربية تحقيق الألفاظ العلمية ولاسيما ما يتعلق منها بعلم المواليد فترى أغلب المعاجم تخبط هذا البحث ولا خبط عشواء. ولهذا يحسن بالعلماء أن يحققوا تلك الألفاظ ويتتبعوها تتبعاً علمياً محضاً حتى يصرح اللبن عن الرغوة ويعول عليها الكتاب من مؤلفين ومعربين ولا يبقوا سائرين في الوعث فيكابدون من العناء والجهد الأمرين. ومن جملة الألفاظ التي تحتاج الي تحقيق كلمة نحام من الطير وها نحن نثبت ما يزيل الشك في هذا الباب فنقول.

2ً النحام في كتب العربية

قال في حياة الحيوان: النحام طائر عَلَى خلقة الإوز الواحدة نحامة. يكون آحاداً وأزواجاً في الطيران وإذا أرادت المبيت اجتمعت رفوفاً، فذكوره تنام وإناثه لا تنام وتعد لها مبايت فإذا نفرت من واحد ذهبت إلى الآخر. اهـ المقصود من إيراده - وقال داود الإنطاكي: النحام: طير دون الإوز، قيل أنه شديد الحرارة ينفع المبرودين وهو مجهول - وقال ابن البيطار: النحام هو من طيور الماء. ابن ماسويه: لحمة من أكرام لحوم الطير وأفضلها. . . وفي التاج: النحام، كغراب: طائر أحمر كالإوز أي عَلَى خلقته. قال الجوهري يقال له بالفارسية سرخ آوي وهكذا ضبطه الزهري وابن خالوية. وغلط الجوهري في فتحه وشده وضبطه السهيلي كضبطه الجوهري. اهـ - قلنا: الاسم الفارسي الحقيقي هو سرخ آب أو سرخاب ويلفظها بعضهم سرخ آوي عَلَى لغة قلب الباء واواً وهي لغة كثيرين من الفرس الأقدمين والمحدثين ومن أسمائه بالفارسية أيضاً خرجال كما جاء في برهان قاطع - وعلى ذلك يكون النحام هو المسمى بالفرنسوية أو وبالإنكليزية وبلسان العلماء أو اللاتينية

3ً سبب تسميته عند العرب

لم يتعرض اللغويون لسبب تسمية هذا الطائر بهذا الاسم. وعندنا أنه مشتق من النحم أو النحيم وهو صوت كالزحير أو فوقه، يخرج من هذا الطائر عند الطيران. وفعال بالضم من الصيغ الدالة عَلَى الفاعلية وإن لم ينبه عليها النجاة كشجاع وخشاش (وهو الماضي من الرجال) وقد يزاد عَلَى هذه الصيغة الياء للمبالغة ويبقى المعنى عَلَى ما هو كقولهم: القطامي وهو الصقر. قال الأصمعي: القطامي مأخوذ من القطم وهو الشهوان للحم غيره. وهذا الكلام يدل عَلَى أن اللغويين انتبهوا إلى صيغة فعال أو فعالي للفاعلية.

4ً تصحيف النحام ومرادفاته

صحف كثير من الكتاب هذه الكلمة لجهلهم إياها. ومن أشهر من صحفها أحمد فارس الشدياق الشهير فقد قال في كتابه شرح طبائع الحيوان ص282: النحاف (بفاء في الآخر) هذا طائر طويل ضخم وفي غاية الحسن إلى آخر ما نقله عن الإفرنج. وقد جاءت بهذه الصورة القبيحة في عدة مؤلفات نقل عنها دوزي في كتابه الملحق بالمعاجم العربية في مادة نحف.

وممن أخطأ في أسماءه الأب بلو اليسوعي في معجمه الفرنسوي العربي المطبوع سنة 1900 قال في تعريب غواص، طائر طويل الأرجل لونه أحمر زاه، نحام اهـ. فالغواص غير النحام عَلَى ما أثبته العرب والعلماء الأقدمون والمحدثون.

ونحن العراقيين نسميه في ديارنا الغرنوق وهو كثير الوجوه في البطائح والآجام والمستنقعات وفي القاموس: الغرنوق كزنبور وفردوس: طائر مائي أسود وقيل أبيض أو الغرنوق أو الغرنيق: الكركي أو طائر يشبهه. اهـ. ويجب أن تصلح عبارة القاموس هكذا: الغرنوق كزنبور وفردوس: طائر مائي ويريد به العراقيون النحام والكلمة المعربة عن اليونانية بمعنى الكركي وقد وردت بهذا المعنى أيضاً عندهم والغرنوق في بلاد السودان هو نوع من الكركي اسمه العلمي وعند أهل المغرب هو نوع آخر من الكركي اسمه العلمي - ومن أسمائه في العربية الشرخاب قال السيد المرتضى في التاج في مادة سرخب أو في مستدركها: السرخاب بالضم، أهمله الجماعة وذكره أحمد بن عبد الله التيفاشي في كتاب الأحجار وقال: إنه طائر في حجم الإوز (أي أن كبر جسمه بكبر جسم الإوز وهو أمر لا اختلاف فيه لكن لا يراد بذلك أنه بطول الإوز كما يؤخذ من كلام الدكتور أمين أفندي المعلوف في المقتطف 36: 766) أحمر الريش ويوجد ببلاد الصين والفرس وأهل مصر يسمونه البشمور (واليوم يسمونه البشروش وهي تصحيف أختها) ويعلقون ريشه في المراكب للزينة. يوجد في عشه حجر بقدر البيضة أغبر اللون فيه نكت بيض رخو المحك في خواص لإنزال المطر في غير أوانه. اهـ. نقله ولم يذكر المؤلف أن اللفظة الفارسية الأصل. وهي كذلك قد وردت في دواوين لغتهم. وهي كلمة مركبة من سرخ أي أحمر. وآب أي ماء وأظن أن الصل في هذا الاسم ما معناه: الطائر الحمر السابح في الماء ثم اختصروا العبارة فقالوا ما معناه: الأحمر الماء - والظاهر أن الإفرنج المستشرقين الذين نقلوا المعاجم الفارسية إلى لغتهم لم يهتدوا إلى حقيقة هذا الطائر. فقد قال فلرس في معجم الكبير الفارسي اللاتيني ما هذا نصه:

ومعناه ضرب من الطير المائي أحمر اللون. ولم يذكر اسمه باللاتينية ثم قال: ويسميه البعض خرجال أيضاً. ثم زاد عَلَى ما تقدم: أي بط بري. فأنت ترى من هذا أنه لم يُعرف ما يقابله عند العلماء. وكذلك لم يعرف حقيقته جنصن في ديوانه الكبير الفارسي العربي الإنكليزي. وذكر هناك أنه نوع من البط المائي. والبط والإوز عند العرب بمعنى واحد في كتبهم اللغوية. فهذا القول يوافق وصف العرب للنحام أي أنه عَلَى خلقة الوز. ولم يذكر صاحب التاج البشمور في مظنتها وإن كان ذكرها استطراداً في مادة سرخب ولم أعثر عليها في معاجم اللغة العربية التي وصلت إليها يدي.

ومن أسمائه الفارسية أيضاً ميش مرغ أيضاً. لكن البعض يقولون أن المسمى بهذا الاسم هو الحباري. لا النحام. عَلَى حد ما اختلف العرب في تعريف الغرنوق.

وأما لفظ البشاروش أو البشروش فقد وجدتها في كتب منون اللغة الفرنسية التركية منها. معجم و. ويزنطال المطبوع في مطبعة قره بت في الآستانة في مادة إلا أنه ذكرها مصحفة بياءٍ مثلثة فارسية في الأول بدلاً من الباء الموحدة أي يشاروش وهكذا ذكرها أيضاً ش. سامي في معجمه الفرنسي التركي. والأصح في كل ذلك البشاروش بباءٍ مثلثة فارسية في الأول وشين أو سين في الآخر وهي من أصل فارسي بشرو أو بيش رو أي المقدم أو الإمام أو الماشي أمام الكل. وسبب هذه التسمية هو أن هذا الطير إذا سارت في طلب رزقها تولى أحدها قيادتها ليحذرها من الخطر إذا داهمها وحالما يشعر هذا الوالي الأمين بمشقة تحصل وإن كانت بعيدة يبادر إلى الإهابة بصوت عالٍ كصوت البوق فتتهيأ كلها للطيران حالاً. (راجع شرائح طبائع الحيوان لأحمد فارس الشدياق ص283).

وقد صحف التونسيون كلمة بشاروش أو بشروش بصورة شبروش وقد نقلها دوزي في معجمه المذكور وقال أن بوسيه وتريسترام ذكراها بمعنى النحام. قلنا: وكذا نقلها أيضاً غاسلين في معجمه الكبير الفرنسوي العربي. فانظر حرسك الله كيف يجيء الاسم الواحد مصحفاً بموجب لغات البلاد والعباد. وكيف أن للحيوان الواحد أسماء عديدة بدون أن تذكرها المعاجم. وحاصل ما جاء من أسماء النحام الفصيحة والمصحفة هي: النحام والنحاف والغرنوق والسرخاب والبشمور والبرشوش والبشروش والشاروش والبشاروس ولعل له أسماء أخرى لم نقف عليها وأحسن الأسماء كلها هو النحام لأنها من أصل سامي إذ هو كذلك باللغة الآرامية مع الألف الزائدة في الآخر وهو من مزايا لغتهم أي (نحاما) وأما سائر الألفاظ فهي من أصل يوناني أو فارسي أو تركي ونحن في غنىً عنها.

5ً النحام عَلَى ما وصفه علماء الإفرنج العصريون

قال علماء الإفرنج في تعريفه ووصفه: جنس من الطيور يدنو من السوابح بمنقاره ويشبه الشاهمرجات بساقه لطولها ولهذا عزل كلتا الطائفتين وجعل في طائفة خاصة به هي فرع من طائفة الشاهمرجات أو الخوائض أي الطويلات الساق. وهو صغير الجسم طويل الساق حتى يبلغ طولها زهاء متر ورأسه صغير ومنقاره صلب في حافيته صفيحات عَلَى عرضيهما عَلَى حد ما يرى ذلك في البط وهو مموج عند منتصفه وإذا أراد أن يصطاد فريسته كالهلامات والدود والهوام والحشرات وبيض السمك التي يراها عَلَى أرياف الغدران والمستنقعات يلقب رأسه بأن يضع الفك الأعلى أسفل حتى يتمكن أن يتصرف في عقافته - وهو يطير جماعات تعرف بالرفوف (جمع رفٍ) لكثرة أفرادها ويتقوم من هيئتها مثلث عَلَى حد ما تفعله الكركي. وإذا حطت عَلَى الأرض اصطفت صفين كالعسكر وعشها عبارة عن مدورةٍ تركبها ركوباً عند الحضانة كما يركب الإنسان الحصان ولها صوت كصوت النفير وهو النحيم ولحمها لذيذ ولاسيما لسانها. واليوم يرغب في هذا الطير لريشها وهي أصناف منها البشروش أو نحام الأقدمين وبالفرنسوية وبلسان العلم وريشه كله وردي بديع اللون ما خلا الجناحين فغنهما أحمران ملتهبان ومثل لونها لون المنقار وهو كثير الوجود في العراق وفي ديار فرنسا الواقعة عَلَى سواحل بحر الروم. - والنحام الأحمر أو البهمن وبلسان العلم وهو كثير الوجود في أصقاع أميركا الجنوبية وهي اصغر قداً من النحام السابق ذكره وألوانه أزهى وأبهى. والنحام ذو الرداء الناري وبلسان العلم ولونه أحمر واضح وهو يوجد في أحاء باتاغونية وبرونيس آيريس. - والنحام القزم وباللاتينية ويكون في ربوع الرجاء الصالح وفي سنغال وهو دون ما جانسه من هذا الطائر بنصف.

وهذه الطيور تعيش غالباً في القصباء والحلفاء والآجام والغياض وهي تبحث عن رزقها فيها كما يفعل البط والوز تغط مناقيرها فيها لتقع عَلَى قوتها. وأكثر ما ترى أنها تجتمع جماعات من 20 إلى 30 طائراً. وسيرها ثقيل ومرتبك وإذا نامت قامت عَلَى رجل واحدة وضمت الأخرى إلى الأولى أو تحت بطنها وتخفي رأسها تحت جناحها وإذ كانت كثيرة الحذر يقوم أحدها ديدباناً إذ نام سائر الأخوة والأخوات وإذا ذهبت تسترزق. وهي تخاف الإنسان أكثر ما تهاب الحيوان. ولهذا إذا أراد الصيادون قنصها اختفوا في جلد حصان أو بقرة وذهبوا إليها. وإذا أطلقوا عليها البندقية نالوا منها عدداً وافراً والسبب لأنها تروع من طلقاتها ولا من رؤية ما يموت منها ولهذا لا تبتعد كثيراً عن مسقطها فيصاب منها كثير. هذا جل ما يقال عن النحام، وفي الختام أُقرأك السلام.

بغداد

ساتسنا.