مجلة المقتبس/العدد 89/الترجمة عند العرب

مجلة المقتبس/العدد 89/الترجمة عند العرب

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 6 - 1914



كنت نشرت مقالة في جريدة المقتبس اقترحت فيها على فضلاء السوريين تأليف جمعية وتجعل هدفها نقل الكتب اللازمة لمدارس من اللغات الإفرنجية إلى اللغة العربية ووعدت أن اشفع ذلك الاقتراح بجملة اذكر فيها نشأة الترجمة في عهد الأمويين والعباسيين واهتمامهم لهذا الأمر الخطير إذ اللغة بالحقيقة لا تنهض وتمد أجنحتها ويأخذ القريب والبعيد بخط منها أن لم تكن لغة العلوم المادية وما كان الناس يقبلون على الألمانية أو الانكليزية أو الافرنسية لو لم تكن لغات العلم.

بدأت الترجمة على عهد الأمويين فهم الذين سنوا تلك السنة فان ماسرجويه البصري الطبيب الشهير الذي كان معاصراً لمروان بن الحكم قد نقل من اللغة السريانية كناشاً من أفضل الكنانيش تأليف القس اهرون بن أعين فلما تولى الخلافة عمر ابن عبد العزيز وجد هذا الكتاب مدفوناً في بطون مكاتب الشام فرأى من الحكمة أن لا يدع ثمرة هذا الكتاب تذهب إدراج الرياح فنشره لينتفع به الناس وليشجعهم على نقل الكتب المفيدة.

كان خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة 85هـ - حفيد معاوية الأكبر محباً للعلم والحكمة وكان فضلاً في نفسه عالي الهمة بعيد النظر راجح العقل ويسمونه حكميم آل مروان قد استقدم في نفسه من مدرسة الإسكندرية راهباً رومياً اسمه مريانوس ورغب إليه أن يعمله صناعة الكيمياء فلما تعلمها أمر بنقلها إلى العربية نقلها له رجل اسمه اصطفان القديم وكان خالد هذا مولعاً بعلم النجوم فانفق الأموال الطائلة وافرغ جهده في سبيل استحضاره لأنه ولعله أمر بترجمة شيء من هذا العلم ولم يصل إلينا خبره كما أمر بترجمة علم الكيمياء وقيل أن خالداً أمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا ينزلون مدينة مصر وأمرهم بنقل كثير من الكتب العلمية من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي وهذا أول نقل في الإسلام.

ولا يعلم إذا كان عمرو بع العاص قد أمر بنقل شيء من الكتب العليمة إباء ولايته على مصر لما عرف به من الميل للعلم والعلماء وقد كان في أيامه رجل مسيحي من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوي كان في بدء أمره ملاحاً يعبر الناس بسفينته وعلائم الميل إلى العلم بادية على وجهه فإذا ركب معه جماعة من أهل العلم أصغى إلى مذكراتهم ولما اشتد به الشوق ولم يستطيع صبراً على الجهل ترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن أربعين س فبلغ ما لم يبلغه الناشئون فيه منذ طفولتهم وقد أحسن من العلم فنوناً كثيرة حتى عد من فلاسفة وأطبائه ومناطقه.

فلما سمع به عمر بن العاص قربه إليه واحترامه وأكرمه لعلمه وفضله وجعل له المكانة الرفيعة ووقعت بينهما محبة عظيمة اشتهر أمرها وظهر حالها حتى قال بعض المؤرخين: أن المحبة التي نشأت واستحكمت بينهما ترينا مبلغ ما يسمونه النقل العربي من الأفكار الحرة والرأي العالي ولا يبعد أن يكون عمرو بن العاص قد أمر بترجمة بعض الكتب لان من كانت هذه سيرته من الميل للعلماء وشغفه باكتساب العلم لا بد أن تطمح نفسه لنقل بعض العلوم كالفلسفة والمنطق والطب المفقودة من اللسان العربي ومما تقدم تسقط دعوى من ينسب إحراق مكتبة الإسكندرية لعمرو بن العاص بأمر من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لأنه قول بعيد عن الحقيقة ولو صح أن عمر أمر بحرق تلك المكتبة لكان عمرو بن العاص أبان له وجه خطئه بادله ناهضة ويكفي أن يورد له بعض الأحاديث الصحيحة التي تأمر المسلم باتخاذ الحكمة من اغي وعاء كان وان الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما وجدها وان القرى حث على طلب العلم حثاً بليغاً ولم يقيده بعلم معين فقال: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. على أن من يعرف قيمة الشيء ويقدره حق قدره لا يعقل أن يجازف به لا سيما وعمرو يعد تلك المكتبة من النفس خيرات واجلبا قيمة بدليل احترامه وإكرامه ليوحنا النحوي وما أسهل على عمر إقناع ابن الخطاب بترك هذا الأمر المشين بسيرته الطاهرة لما جبل عليه ابن العاص من السياسة والدهاء والمهارة في إقامة الحجة هذا اذ1 فرضنا صدوره من الخليفة الثاني. ولا يظن أن عمرو بن العاص لأمر سياسي قد قرب إليه يوحنا فإن هذا كان بعيداً عن ضوضاء السياسة منعزلاً عن قومه لا يعرف إلا المطالعة والبحث والتأليف.

قال سيديو المؤرخ الشهير: لا يصح أن تنسب حريق مكتبة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب المشهور له بوفور العقل الدى جميع الأمم ولذا لم يذكرها احد من المؤرخين المعاصرين له فلو فرض صدور أمره بإحراقها لما كان إلا لمقدار قليل فإن معظمها احرق في عهد الملك توديوس آه.

ولما انتقلت الخلافة إلى بني العباس ورسخت قدمهم شرعوا بتشييد نهضة علمية فكنت ترى دور الخلفاء مجمع الأدباء والشعراء والعلماء وذلك لرغبة الخلفاء وميلهم للعلم وإجلال أهله وقد بالغوا في أكرام العلماء وقربوهم وجالسوهم وواكلوهم وحادثوهم وعولوا على آرائهم حتى لم يبق ذو علم أو أدب أو قريحة إلا وقصد دار السلام ونال جائزة أو هدية أو راتباً وكم تجود قريحة العالم عند ما يرى نفسه مبجلاً محترماً مقدوراً تعبه حق قدره وأفكاره ترتع في رياض الحرية ليس لأحد عليه سلطة يجاهر بكل ما يعتقده ما دام الدليل حليفه والبرهان مجنه وليس شيء ادعى لقتل الأفكار والمعتقدات من التحكم بها وقد اشتهر بنو العباس بأنهم حماة الرأي ناصروا العلماء حتى المخالفين لهم في المعتقدات وهي مزية عظيمة بها نضجت ثمار العلم وطاب مذاقه والعلم لا ينضج إلا إذا كان تحت عناية أمير تربيته والناس على دين ملوكهم.

أول من اعتنى بالترجمة من العباسيين أبو جعفر المنصور وكان شديد الكلف بعلم النجوم وقد تقرب إليه كثيراً من علماء الفرس إذ كانت لهم معرفة زائدة بهذا العلم وأشهر من تقرب للمنصور توبخت المنجم الفارسي ترجم له كتباً كثيرة وكان يصحبه حيثما توجه وممن خدم المنصور في النجوم إبراهيم الفزاري وابنه محمد وعلي بن عيسى الاسطرلابي المنجم وقد قصد المنصور رجل من الهند سنة 156هـ - قيم في حساب الهند وعرض عليه كتاباً في النجوم مع تعاديل معمولة على مذاهب الهند فأمر المنصور أن ينقل هذا الكتاب إلى العربية وان تؤلف فيه كتاب يتخذه العرب أصلاً في حركات الكواكب فتولى هذا الأمر إبراهيم الفزاري وعمل كتاباً سماه المنجمون السند هند الكبير وظل أهل هذا الزمن يعملون به إلى أيام المأمون. وممن تقرب إلى المنصور جورجس وهو أول من ابتدأ بنقل الكتب الطبية إلى العربية عندما استدعاه المنصور وكان كثير الإحسان إليه ومنهم البطريق كان أيام المنصور قد نقل كتباً كثيرة في الطب من تأليف ابوقراط وجالينوس وكان اهتمام المنصور بنقل الكتب الطبية لا يقل عن اهتمامه بالنجوم فقد بعث بطلب جورجيس بن بختيشوع السرياني الذي كان ماهراً بالطب ذكياً فطناً ذا هيبة ووقار وذلك على اثر علة أصابت المنصور فلما شفي ورجع إلى مزاجه منعه من الرجوع إلى بلده وجعل له مكاناً علياً لما فطر عليه من الصدق والأمانة والتدين وكان جورجيس هذا يعرف اللغة اليونانية فضلاً عن السريانية والفارسية والعربية ونقل كتباً كثيرة من اليونانية إلى العربية وقد مال إليه المنصور ميلاً شديداً حتى جعله طبيب أسرته وممن علت منزلته عند المنصور عبد الله المقفع وكان فاضلاً كاملاً وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية الثلاثة وهي كتاب قاطيغورياس وكتاب باري ارمينياس وكتاب انالوطيقا ترجم كل ذلك بعبارة سهلة وترجم مع ذلك كتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة والخلاصة أن المنصور كانت جل عنايته مصروفه لإيجاد مترجمين توسد إليهم هذه الصناعة الجليلة ولم يأل جهداًُ في هذا السبيل وترجم في خلافته كثير من كتب الهندسة والطب والنجوم. وفي زمن المنصور عرب كتاب بطليموس في الغناء واللحون الثمانية وأيضاً كتاب ارسوا عربه عبد المسيح الحمصي.

ولما انتقلت الخلافة إلى هرون الرشيد قام احسن قيام بالنهضة العلمية وكان من أفاضل الخلفاء وفصائحهم وكرمائهم وقد انتشر العلم في زمانه انتشاراً هائلاً قال درابر في كتابه تنازع العلم والدين: أن الرشيد قد أمر بإضافة مدرسة إلى كل جامع في جميع أرجاء ملكه. وفي أيامه تقاطر إلى بغداد كثير من الأطباء وعلماء السريان والفرس والهند وطفقوا يتعلمون اللغة العربية ليستطيعوا الترجمة ويحكموا أصولها وكان الرشيد مشغوفاً بالعلوم ونقلها إلى لسانه فقد بذل الأموال الطائلة وكافأ كل من يأتيه بكتاب قديم واتفق له في أثناء إغارته على بلاد الروم أن عثر في أنقرة وعمورية وغيرهما على كتب كثيرة حملها إلى بغداد وأمر طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها وقد علت منزلة يوحنا عند الرشيد فقر به إليه حتى وضع جميع المدارس تحت مراقبته وكان فاضلاً طبيباً محترماً عند الملوك خدم الرشيد والمأمون والواثق والمتوكل وعدا عن الكتب التي ترجمها فقد كان له تأليف عظيمة منها كتاب البرهان وكتاب الحميات والكناش المعروف بالمشجر. وممن تقرب إلى الرشيد بختيشوع الطبيب وجبريل ولده ونقلوه كتباً متعددة. وممن اشتهر بالنقل الحجاج بن مطر نقل كتاب إقليدس النقلة الأولى ويسمى الهازونية تمييزاً له عن كتاب إقليدس الذي نقل في زمن المأمون ثم أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قره الحراني وكان فيلسوفاً عظيماً بلغ درجة لم يدانه بها احد وله تأليف كثيرة في المنطق والطب والرياضيات وقد قربه المعتضد حتى علت منزلته على الوزراء.

والخلاصة أن الرشيد قد افزع قصارى جهده بنقل الكتب ورفع أعلام العلم وكان يصرف قسماً كبيراً من أوقاته في هذا الشأن حتى أن العلماء والأدباء كانوا لا يفارقونه وإذا اجتمعوا بداره سما إلى مناظرتهم من حيث العلم والتواضع لا من حيث السيادة عليهم وهو بموضعه الجليل من الخلافة وقد بلغ به التواضع أن معاوية الضرير المحدث إذ جلس أمامه إلى طعامه قام الرشيد من موضعه وصب على يده الماء.

على أن الباحث يعلم أن معاوية هذا لم يبلغ درجة من العلم يضارع بها الرشيد وكان جل عمله محصوراً بالحديث فأين هو من الرشيد الذي كان يضرب بكل علم بسهم صائب وإنما حمل الرشيد على التواضع لمعاوية أمر مهم وهو الترغيب فإن الناس إذا رأوا العالم يصل إلى هذا المقام من الاحترام حتى من العظماء وتنهال عليه المبرات المادية والمعنوية يتسارعون إلى طلب علم.

ولما انتقلت الخلافة إلى المأمون نهض لخمة العلم أيما نهضة وأتم ما بدأ به سلفه من الترجمة والتأليف وكان مفطوراً على محبة العلم والعلماء بل لم ير في أولاد الملوك من تعشق العلوم الحمية والفلسفية مثله على حداثة سنة وقام بين العلماء قيام الأسد لمناظرتهم في جميع أنواع العلوم فمن كانت هذه سيرته في حداثة سنة فما بالك به وقد بلغ مبلغ الرجال واستلم زمام الخلافة وكان مع سعة عمله كثير الميل إلى القياس العقلي وطالع أكثر الكتب التي ترجمت إلى عهده وقد بلغ مبلغاً من العلم قل من يدانيه به فنقل عنه انه أولم يوماً وليمة لخاصة العلماء المقربين إليه وقد ظن بعض الحاضرين انه وضع أكثر من ثلثمائة لون وكلما وضع لون نظر المأمون إليه وقال هذا يصلح لكذا وهذا نافع لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم ورطوبة فلتجنب هذا ومن كان صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن أحب الزيادة في لحمة فليأكل من هذا ومن كان قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا وما زالت تلك الحالة حتى رفعت الموائد فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين أن خضنا في الطب فأنت جالينوس وفي معرفة النجوم فأنت هرمس أو ذكرنا السخاء فأنت فوق حاتم أو في الفقه كنت علياً ابن أبي طالب أو ذكرنا صدق الحديث كنت أبا ذر في صدق لهجته. وكان أحب إليه من الملاهي لعب الشطرنج يمارسه كأبيه لاستنباط الحيل فيه حتى لم يكن في الناس من يفضله فيه وهو القائل في الشطرنج:

أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين ألفين موصوفين بالكرم تذكرا الحرب فاحتالا لها تبهاً ... من غير أن يسعيا فيها بسفك دم

هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحرب لم تنم

فأنظر إلى الحرب قد جالت بمعركة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم

ويتبين لنا شدة ميل المأمون للعلم وأهله من قوله عن العلماء هم صفوة خليفة الله وأفضل عباده وانفعهم لأنهم ارصدوا حياتهم لتربية مواهبهم الطبيعية وان الذين يعلمون العلم والحكمة للناس هم مصابيح العالم ولولاهم لارتكس الخلق في عماية الجهالة وغياهب البربرية.

أما عناية المأمون بنقل الكتب فهي في أقصى ما يتصوره العقل لا سيما في نقل كتب المنطق والفلسفة وقيل أن المأمون نقل إلى بغداد مائة حمل بعير من الكتب وكانت إحدى شروط معاهدة الصلح بينه وبين الإمبراطور ميشيل الثالث أن يعطيه إحدى مكاتب القسطنطينية التي كان فيها بين الذخائر كتاب بطليموس في الرياضيات السماوية فأمر المأمون بترجمته وسماه المجسطي وقد جعل الترجمة عامة لكل مؤلفات أرسطو في الفلسفة وغيرها وكان يحرض الناس على مطالعة تلك الكتب ويرغبهم في تعلمها وكان مثابراً على حضور أكثر الدروس التي يلقيها المدرسون واقتجى بالمأمون كثير من أهل دولته وجماعة من أهل الوجاهة والثروة في بغداد وتقاطر إليه المترجمون من أنحاء الجزيرة العربية والعراق والشام وفارس وفيهم النساطرة واليعاقبة والصائبة والمجوس والروم والبراهمة يترجمون من اليونانية والفارسية والسريانية والسنسكريتية والنبطية واللاتينية وغيرها وكثر في بغداد الوراقون وباعة الكتب وتعددت مجالس الأدب والمناظرة وأصبح هم الناس البحث والمطالعة وظلت تلك النهضة مستمرة بعد المأمون حتى نقلت أهم كتب قدماء اليونان إلى العربية.

وقد تقرب جماعة من المأمون واختصوا بالنقل والترجمة منهم الحجاج بن مطر الشهير وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وممن كانت لهم منزلة الرفيعة يعقوب ابن اسحق الكندي فيلسوف العرب خدم المأمون والمعتصم وابنه احمد ينتهي نسبه إلى الأشعث بن قيس من أصحاب النبي () وله مصنفات جليلة ورسائل كثيرة في جميع العلوم منها الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد ورسالة في انه لا تنال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات وله كتاب في الحث على تعلم الفلسفة وكتاب في أن أفعال البارئ كلها عدل لا يجوز فيها ورسالة الاحتراس من خدع السوفسطائية ورسالة في نقص مسائل الملحدين وتزييف أقوالهم ورسالة في صحة النبوات وإنها ممكنة عقلاً وممن علت منزلته عند المأمون في الترجمة سهل بن سابور ابنه وأيضاً حنين ابن اسحق العبادي شيخ المترجمين وهو من نصارى الحيرة ولد سنة 194هـ - وكان أبوه صيرفياً وانتقل في حداثة سنه إلى البصرة فتلقى فيها العربية ثم انتقل إلى بغداد ليشتغل بصناعة الطب فلقى في ذلك مشقة لا الأطباء خصوصاً أهل جند يسابور كانوا يكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء التجار وكان أعمر مجالس الطب يومئذ يوحنا بن ماسويه احد بلغاء مارستان جندريسابور فجعل حنين يحضر هذا المجلس ويلازم ماسويه فاتفق له أن سأله مرة مسألة مما كان يقرأه عليه فغضب يوحنا وقال: ما لأهل الحيرة وصناعة الطب فاذهب إلى فلان قرابتك حتى يهب لك خمسين درهماً تشتري بها قفافاً صغاراً بدرهم وزرنيخاً بثلاثة دراهم واشتري بالباقي فلوساً كوفية وفارسية وزرنخ القادسية في تلك القفاف واقعد على الطريق وصح الفلوس الجياد للصدقة والنفقة وبع الفلوس فإنه أعود عليك من هذه الصناعة ثم أمره أن يخرج من داره. فخرج حنين باكياً حزين القلب كئيباً وقد بعثه ذلك على زيادة النشاط للسعي في تعلم الطب بلغته الأصلية فغاب هذا المسكين عن بغداد سنتين ثم عاد وقد تعلم اليونانية وآدابها في الإسكندرية وحفظ أشعار هوميروس فأصبح اعلم أهل زمانه بالسريانية واليونانية والفارسية فضلاً عن العربية وأضحى أطباء بغداد بحاجة إلى لنقل الكتب حتى أن يوحنا بن مأسويه نفسه قد استخدمه لنقل الكتب جالينوس إلى السريانية وبعضها إلى العربية واحتذى فيهما حذو الاسكندريين وترجم أيضاً لجبريل بن يختيشوع كتاب التشريح لجالينوس وكان جبريل يخاطبه بالتبجيل والتعظيم فيقول له: يا معلمنا حنين.

ولما أراد المأمون نقل فلسفة اليونان إلى العربية سأل عمن يستطيع ذلك فأرشدوه إلى حنين لأنه لم يكن ثمة من يضاهيه وهو لا يزال شاباً فوسد المأمون هذا الأمر إلى جماعة من المترجمين وهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلك صاحب بيت الحكمة وغيرهم ورأس عليهم حنيناً المذكور يهذب كل ما يترجمونه وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله إلى العربية مثلاً بمثل فكان من دهاء حنين يكتب الترجمة بحروف غليظة على ورق غليظ واسطر متفرقة وذلك لتعظيم حجم الكتاب وتكثر وزنه وذكر بعضهم أن حنيناً ذهب بإيعاز المأمون بطلب الكتب في بلاد الروم.

كان لحنين ولدان داود واسحق صنف لهما كتباً كثيرة من مؤلفات جالينوس فافلح اسحق وتميز واشتغل بالترجمة مثل أبيه من اليونانية إلى العربية وترجم أيضاً بعض كتب الحكمة مثل كتاب ارسواطاليس وغيره من الحكماء وممن تقرب إلى المأمون جيش من الحسن الأعسم الدمشقي احد تلاميذ حنين والناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي وممن برع بالترجمة واشتهر قسطا بن لوقا البعلبكي وهو من نصارى الشام وكان طيباً حاذقاً وفيلسوفاً نبيلاً رحل إلى بلاد الروم في طلب العلم وكان عالماً بالسريانية واليونانية والعربية ونقل كتباً كثيرة من اليونانية إلى العربية وكان جيد النقل أصلح نقولاً كثيرة وألف رسائل عديدة وتأليف جليلة تزيد على مائة كتاب قال أبو الفرج الملطي لو قلت حقاً لقلت انه أفضل من صنف كتاباً بما احتوى عليه من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للألفاظ وجمع المعاني وتوفي بارمينيه عند بعض ملوكها ومن المترجمين موسى بن خالد ويعرف بالترجمان نقل كتباً كثيرة من الستة عشر لجالينوس وهو دون حنين ومنهم أبو عثمان الدمشقي كان من النقلة المحيدين ومنهم أبو بشر متّى بن يونس من أهالي دير قنى وممن اشتهر بالنقل من اللغة الهندية منكه الهندي كان مع اسحق بن سليمان لن علي الهاشمي وابن دهن الهندي كان عالماً بالهندية والعربية وانتهت إليه رئاسة مارستان البرامكة.

وممن عانى صناعة الترجمة يوحنا القس وأبو سهل الفضل بن نوبخت وله نقل من الفارسي ومنهم ابن الخمار من السرياني إلى العربي ومن نقله كتاب الآثار العلوية ومقالة في الأخلاق ومنهم ماسرجيس وكان من الأطباء ونقل من السرياني إلى العربي ومنهم هوينان الطبيب النسطوري ترجم كتباً لأرسطو وأفلاطون وهيبوكرات وغاليان.

وممن مارس النقل الحسن بن البهلول الأواني الطبرهاني وأبو البشر متى والتفليسي ومرلاحي ودار يشوع وإبراهيم بن بكس وأيوب بن قاسم الرقي وأبو الريحان البيروني وابن وحشية وسعيد الفيومي وشهدي الكرخي وابن شهدي وابن جلجل وأبو عبد الله الصقلي وحبيب بن بهريز مطران الموصل وممن نقل عن السريانية كثيراً أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار ويحيى بن عدي اليعقوبي ونقل من اليونانية نظيف القس الرومي.

وكان عبد المسيح بن عبد الله الناعمي الحمصي المعروف بابن ناعمة متوسط النقل وهو إلى الجودة وفي درجته زوربا بن ما نحوه (مانجوه) الناعمي الحمصي وكان هلال بن أبي هلال الحمصي صحيح النقل ولفظه مبتذل وكذلك كان فتيون الترجمان يلحن ولا علم له بالعربية وكان أبو النصر بن أيوب قليل النقل لا يعتد بما نقل ويفوقه بسيل المطران وكان إلى الجودة اقرب ومن المتوسطين في نقلهم اسطاث وحيرون بن رابطة وإبراهيم ابن الصلت وثابت الناقل ويوسف الناقل ومنصور بن باناس وعبد يشوع بن بهريز وابراهيم بن بكس.

هؤلاء التراجمة الذين عرفناهم في الإسلام وأكثرهم كانوا يرتزقون من نقلهم ويعملون مدفوعين بتنشيط الملوك والأمراء والحريصين على خدمة العلم إلا يعقوب بن اسحق الكندي فيلسوف العرب واحد أبناء ملوكها فإنه كان ينقل لنفسه ولم يرتزق بما يكتسب.

وعلى الجملة فإن العباسيين عنوا بنقل الكتب وصرفوا الأموال الطائلة في هذا السبيل الشريف وقد شيدوا مدرسة لتربية المترجمين سموها مدرسة الألسن لا يدخلها إلا من أراد أن يختص بالنقل والترجمة وكانت تحت نظارة طبيب نسطوري.

هذا ملخص تاريخ الترجمة في زمن الأمويين والعباسيين ولا سيما المنصور الرشيد والمأمون ولولا اهتمامهم بنقل العلوم لما نهضت اللغة العربية في ذلك الزمن واستجر العمران وأضحت مدنية العرب من أرقى المدنيات يحق لكل عربي أن يفاخر بها ولكن ذكرى السلف لا تجد بنا نفعاً إذا لم نسلك طريقهم وننسج على منوالهم فنرفع أعلام العلم ونتربى على أدب النفس والدرس ولا بأس من ذكر ما قاله المؤرخ الشهير سيديو عن التمدن العربي إذ بذلك نذكر الذين يغمطون من قدر العرب ولا يعترفون لهم بمدنية علمية أخلاقية وهو قول من لم يفقه كلمة واحدة من التاريخ الإسلامي قال: أن التمدن العربي قد تمكنت أصوله في آفاق الدنيا أقوى تمكن ولا تزال إلى الآن نرى آثاره حين نبحث عن أصل مبادئ ما نحن عليه من المعلومات الأوربية فان العرب في غاية القرن الثامن بعد الميلاد فقدوا الحمية الحربية وشغفوا باقتناء المعارف حتى أخذت عما قليل مدائن قرطبة وطليلة والقاهرة وفارس ومراكش والرقة وأصفهان وسمرقند تفاخر بغداد بنيل العلوم والمعارف وقريء ما ترجم للعربية من كتب اليونانية في المدارس الإسلامية وبذل العرب همتهم في الاشتغال بجميع ما ابتكره الإفهام البشرية من المعلومات والفنون وشهروا في غالب البلاد خصوصاً بلاد النصرانية من أوربا بابتكارات تدل على أنهم امتنا في المعارف ولنا شاهد اصدق على علو شأنهم الذي تجهله الإفرنج من أزمان مديدة الأول ما أوثر من تواريخ القرون المتوسطة وأخبار الرحل والإشعار ومعاجم ما اشتهر من الأمكنة والرجال والمجاميع الشاملة لكثر من الفنون الفاخرة والثاني ما كان لديهم من الصناعات الفائقة والاكتشافات المهمة في الفنون وما وسعوا دائرته من علوم الطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء الصحيحة والفلاحة والعلوم التي مارسوها بغاية النشاط في القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر من الميلاد.

وقال أيضاً وقد حفظت العرب مؤلفات اليونان واستعدت لتجديد المعارف في أوربا فكانوا رابطة بين هذين الزمنين وبذا يثبت فضل العرب على الإفرنج الذي حاول بعضهم خفض فضائل العرب الواضحة كالشمس في رابعة النهار ويعلم أن لا موقع لافتخار المتأخرين من أهل أوربا بتصورات أكثرها للعرب وسبق لك ما كان لعلماء المدرسة البغدادية من الحكم النافذ في الغرب والشرق.

وبعد فإن الباحث في نهوض الأمم يرى أن مبدأ الارتقاء لا يكون إلا بنقل الكتب العلمية ولولا اهتمام محمد علي باشا بإرسال البعثات العلمية إلى بلاد الغرب واعتنائه بترجمة كثير من كتب العلم إلى العربية لما رأينا في مصر تلك النهضة التي تنير العالم العربي اجمع ولقد رأينا أن الأمويين والعباسيين لم يستطيعوا تشييد مدينة عظيمة إلا باعتمادهم على نقل الكتب والعلوم التي لم تكن معهودة لديهم كما أن الغربيين لما ضاقت صدورهم من الجهل المخيم على بلادهم وأرادوا أن يكونوا مدينة علمية بدأو أولاً بالترجمة وقد انبرى كثير من رجالهم ونقلوا كثيراً من الكتب العربية إلى لغتهم فإن جيراردي كريمونا كان مؤلفاً ينقل تأليف العرب في فنون الحكمة وقد أتقن العربية فعرب إلى اللاتينية ما يربو على ستين مؤلفاً جليلاً لمشاهير العلماء كالرازي وابن سينا في الرياضيات والهيئة والطب. وممن تصدى للنقل ميشال سكوت الذي انكب في طليطلة على إتقان العربية ولما رسخت ملكته شرع بالترجمة ونقل عدداً وافراً من أكثر العلوم ومنهم روجار باركول الذي كان نسيج وحده في العلوم الفلسفية والطبيعية فإنه افرغ جهده في نشر الدروس الشرقية وعلى الأخص الدروس العربية ثم استجرت تلك النهضة فعمت أكثر أقطار أوربا وتوفر عدد الدارسين للغات الشرقية وحفلت المكاتب بآثار العرب لا سيما خزائن كتب باريس ومجريط وليدن وأكسفورد ولندن ونشرت تأليف عربية لأعظم علماء العرب وأدبائهم وقد أنشأت فرنسا سنة 1795 مدرسة لتعليم اللغات الشرقية الحية ومما زاد الفرنسيس نهوضاً في الآداب الشرقية أن نابليون لما دخل مصر سنة 1798 كان بصحبته كثير من العلماء فانتهزوا تلك الفرصة وتعلموا اللغة العربية من المصريين ولما عادوا إلى فرنسا نشروا تلك اللغة في بلادهم وصار هم كثير من العلماء البحث والتنقيب عن كتب العرب.

والخلاصة فإن شعور الأمة بنقل الكتب العلمية إلى لغتها دليل على نهضة وخير عظيم وان تلك الكتب تنشىء رجالاً عظاماً يحدثون انقلاباً كبيراً في الأفكار. واللغة ميزان الأمة ولا نهضة إلا بنهضة اللغة ولا يكتب لها النهوض أن لم تكن لغة العلوم المادية والمعنوية فأين علماؤنا الذين يغارون على تلك اللغة الشريفة. ويؤلفوا جمعية للنقل والترجمة فعلى العلماء أكثر من غيرهم تنوء التبعة والسلام على العاملين المخلصين.

دمشق:

عبد الفتاح السكري الركابي.