مجلة المقتبس/العدد 89/في ديار الغرب

مجلة المقتبس/العدد 89/في ديار الغرب

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 6 - 1914



قل سيروا في الأرض

ليس كالسياحة تجدد الحياة وتزيد الاختبار وتعلم وتهذب وتزيد في الاعتبار بحوادث الليل والنهار. وإني لا تمنى لكل من ساعدته الحال أن ينهض ليعتبر ويتعلم ويتسلى فان النفس في قرارها تصدأ كما يصدأ الحديد بالرطوبة فهي تحتاج للنور وللحرارة وإلا فتذبل كالزهرة.

قال وليم هازلت من مفكري الانكليز أن الوقت الذي أمضيناه في السياحة الأجنبية مقطوع من عمرنا مفصول من حياتنا إلى وصله ولا وسيلة إلى إدماجه والمرء خارج وطنه رجل آخر غير الذي كان هنالك حتى أن المسافر ليودع نفسه فيمن يودع ولله در القائل خرجت من موطني ومن نفسي فمن أراد أن ينسى الحزن والشجن فليذهب إلى غير بلده من بلاد الله يجد في عجيب المناظر وغريب الأحوال سلوة وروحاً وتغيب من عينه مذكرات الهموم وباعثات الأسى ولذلك كنت انفق حياتي خارج بلادي لو وجدت من يقرضني حياة أخرى أنفقها في وطني حتى اقضي حقوقه.

كلمات حكمة وخبرة ولذلك ترى أكثر الأمم رقياً أكثرها سياحاً والعكس بالعكس.

والانكليز والأميركان هم في المقدمة ثم يجيء الألمان والفرنسيس وغيرهم من أمم المدينة الحديثة وامتنا العربية يكون محلها في قائمة السياح في الآخر بالطبع لأنها اعتادت سير القهقري وأنا لو أخرجنا المصريين من جملة السائحين في الغرب لا تجد لنا إلا عدداً يضحك بالنسبة لأرباب الرحلات من الأمم. أما العرب السوريون ممن يهاجرون إلى أمريكا فهؤلاء لا يقصدون من رحيلهم إلا الكسب ولا يعرفون على الأغلب كيف يستفيد المرء من سياحته علماً وعملاً.

نتمنى لامتنا أن يسيح منها العلماء والوجهاء والتجار والموظفون وأرباب الصنائع والزراعات الواسعة ممن يمكنهم ولو بعض الشيء تطبيق ما رأوه عند من ارتقوا عنهم مراحل. فهذه الطبقات الغنية هي التي تستفيد بالاحتكاك بغيرها من أهل طبقتها في الغرب إذا أخذت على نفسها البحث والدرس خلال التنقل وترويح النفس.

السياحة لا تكلف اليوم من العناء والمال ما كانت تكلفة منذ مئة سنة فان العارف قد يستطيع أن يطوف أهم عواصم العالم ولا ينفق في يومه أكثر من ليرة مرفهاً رفاهية لا تتيسر له في بلده ولو كان من أغنى أغنيائها لان البلاد في الغرب كلها منظمة ومعظم الفنادق والبيوت سواء في الأخذ بأسباب الراحة. وللعيش فيما خلا العواصم الكبرى سهل للغاية وهو ارخص مما هو في بلادنا فان المصطاف أو المشتي في سويسرا قد يستطيع أن يكون في عائلة ولا ينفق في شهره ثمن الطعام والمنام الجيد أكثر من 150 فرنكاً وهذا قلما تجد له مثيلاً في بلدة أوربية اللهم إلا في المدن الصغرى أو القرى وكل مدينة من مدن سويسرا حرية بأن يتعلم فيها الشرقي سنين لا أياماً ومن رأى مدينة أو ثنتين يكون قد رأى نموذجاً صالحاً من هذه المدينة الفاضلة.

بيد أن من يسيح في الغرب لا يصح له أن يتخلى عن غثيان العواصم الأمهات مقر المدنيات الضخمة كرومية ولندن وباريز وبرلين وفينا وهذه العواصم يكتفي منها للسائح ببضعة أيام والأولى أن ينظر إلى دولاب الحركة في المدن الصغرى إذ يستطيع أن يحيط بها فكرة أما العواصم الكبرى فان أهلها قد ضاعوا فيها ولا تكاد تجد واحداً منهم يعرفها حق معرفتها فباريز مثلاً كلما غبت عنها أشهراً وعدت إليها تجد فيها غرائب جديدة وجواد فخمة لم تكن من قبل وكل شيء فيها يزداد على الزمن فخامة وعظمة فالفرع الواحد فيها إذا أراد درسه السائح الشرقي لا يتيسر له في اقل من بضعة أشهر ولكن النظرة الإجمالية يكفي لها خمسة عشر يوماً ومثلها سائر العواصم وأصعبها على السائح إحاطة لندن مدينة الثمانية ملايين نسمة ونيورك مدينة الخمسة ملايين.

أن مدينة الغرب متشابهة في أكثر الأوضاع فمن رأى نموذجاً منها اكتفى والزيادة على ذلك من النوافل. من زار باريز مثلاً أعظم نموذج في الحضارة الحديثة.

وخير لمن يعرف لغة مملكة في الأكثر أن يذهب إليها. وان كان من يعرف لغة أوربية كبرى مثل الفرنسية أو الانكليزية يستطيع أن يسيح بدون عناء في كل مملكة وبتفاهم مع أهلها ولا سيما أهل الطبقة العليا والتجار والعلماء.

ثلاث لغات أصول هي التي تفرعت منها لغات القارات الثلاث أوربا وأميركا واوستراليا الانكلوسكسونية واللاتينية والسلافية فمن عرف الروسية مثلاً لا يشق عليه السياحة في البلقان واكثر النمسا ومن عرف الانكليزية استطاع السياحة في أميركا الشمالية واوستراليا ومن عرف الافرنسية كانت عليه سياحة ايطاليا واسبانيا والبرتغال والبرازيل والأرجنتين مثلاً من أسهل الأشياء.

أما من لم يكتسب له الأخذ بحظ من هذه اللغات وأراد الاستفادة من الغرب فليس أحسن له من استصحاب ترجمان من بلاده ويكون ممن سبقت له الرحلة إلى ديار الغرب وإذا أريد الاقتصاد فالأولى أن يجتمع كل ثلاثة أو أربعة أشخاص ويرافقهم ترجمان مؤتمن عندهم وعندها تقل النفقة نحو الثلث. ولقد شاهدنا كثيراً من أغنياء مصر ساحوا أوربا وهم لا يعرفون لغة من لغاتها ولكنهم بواسطة التراجمة استطاعوا أن يحسنوا التصرف بيد أن الأولى أن يكون المرء نفسه عارفاً بإحدى لغاتهم وهناك حدث ما شئت أن تحدث عن استفادته وسروره.

وبالجملة فإن الخوف من السياحة توهم ليس في محله فلا المال وقلته ولا عدم الإحاطة بلغة إفرنجية بل أن المحرك الأعظم في السياحة الإرادة ومن صحت عزيمته زعزع الجبال فما بالك بالسياحة وأبناء السابعة والثامنة اليوم يسيحون في أوربا وأميركا بدون أن يخشوا ضرراً والفتيات الجميلات يضربن في البر والبحر ولا من يتعرض لهن بسوء فهل من العجل أن يكون فتيان الغرب وفتياته أرقى منا كعباً وأكثر إقداماً ما دامت لنا في السياحة فوائد لا يقدرها الخامل في بلده والسياحة مدرسة لتعليم الكبار كما أن المدرسة هي المعلمة للصغار فاللهم علم كبارنا وصغارنا علماً نافعاً.

نحن في البلاد الفرنسوية

ليس عجباً أن ترى العثماني والإيراني وغيرهما من سكان أسيا الغربية والساحل الشمالي من افريقية يطربون في البلاد الفرنسوية ويؤثرونها على غيرها من بلاد الغرب في التجارة والتعلم والنزهة فإن معرفة لغة قوم هي مفتاح جميع هذه الأعمال وتعليل صحيح لعامة هذه الأحوال.

انتهت فرنسا قبل غيرها لاستتباع الشرق الأقرب بتعليمه على مناحيها وتلقينه لغتها فكانت منذ زهاء قرنين تبعث البعوث وترسل المعلمين بمدينتها ولغتها فلم يمض زمن طويل وفرنسا إذا ذاك صاحبة الكلمة الأولى في السياسة الغربية قبل انكلترا وألمانيا وروسيا إلا والخاصة في هذه البلاد يعرفون الافرنسية ويأخذون عنها ويؤثرون الفرنسيس على غيرهم لأنهم لم يعرفوا غيرهم خصوصاً وان المرونة التي يجونها عندهم تشبه مرونتهم والفرنسيس عرفوا بلين الجانب وكثرة التفاني بتعليم ما عندهم لغيرهم لأنهم يرون لغتهم أرقى اللغات الأوربية وامتهم في مقدمة الشعوب التي قاتلت لأجل الحرية.

أن ميل الفرنسيين للابتكار في كل شيء دعا إلى نشر أفكارهم وأوضاعهم في بلادنا كتب احدهم مقالة افتتاحية في جريدة الايكودي باري قال: انه مما أثبتته التجارب أن الفرنسوي خلق مخترعاً وقد اتى الفرنسيس أمثال لافوزايه وكوفيه وكلود برنارد وبيشا وباستور من الأعمال العلمية ما استحقوا به أن يكونوا مؤسسين لجميع العلوم الحياتية والكيمياء والتشريح والفسيولوجيا وقمت أهم الاختراعات الغربية في الأربعين سنة الأخيرة على أيدي الفرنسيس فهم الذين اخترعوا سر التلغراف بلا سلك واوجدوا صناعة الاوتوموبيلات وعملوا مدفعاً من عيار 75 وعثروا على الأسباب الرئيسية التي سمحت بالطيران. وهكذا في السياسة فان الفرنسيس أول من اوجدوا في أوربا وحدة وطنية وهي الوحدة الفرنسية وأول من أسسوا وطناً وهو الوطن الفرنسوي وهم كانوا أول الناشرين تحت ستار الحرية والمساواة الأفكار الثورية.

فالفكر الفرنسوي حاد ينتبه بسرعة للصلات المجهولة في الأشياء وهو براق يدرك بدون كبير عناء المؤثرات التي تحدث بين أجزاء عناصر المادة فهو ذو خاصة تخدم حاجته للمعقول وحبه للوضوح. الفرنسوي جريء على مثال لويس الثالث عشر ونابليون والموت الذي كثيراً ما يكون جزء المخترع قلما يفرغه بل يبعث همته ويشحذ بكثير من الضباط أن يتجشموا الأخطار إلى آسيا وافريقية لفتح أراض جديدة واسعة وهذا الذوق هو الذي ساق فيما مضى النورمانديين والبروتونيين إلى سلوك البحار التي لم يسلكها احد ليؤسسوا مدائن في الشواطئ البعيدة.

هذا هو الوجه الحسن وإذا جئنا إلى نقيضه نرى الفرنسوي يخترع ولكنه ما قط عرف الانتفاع ثمرة اختراعه ولا يحقق وينظم ما اخترعه. وخفته العقيمة تحمل إلى غير الانتفاع بتطبيق ما أوجده هو. فهو يفتح المستعمرات بدمه وماله ولكن الألمان والايطاليين أو الاسبانيين هم الذين يستثمرونها. اختراعاته في العلوم لا يقع عليها حصر ولكنه لم يستعملها قط لتحسين أدواته أو حاصلاته فقد أسس مثلاً الكيمياء ولكن الألمان هي التي وجدت في الصناعة الكيماوية مورداً عظيماً من الثروة أي مليار وستمائة ألف مليون من الحاصلات السنوية منها نحو سبعمائة مليون صادرات وأنشأت تسعة ألاف معمل فيها مائتا ألف عامل يدفع إليهم 260 مليون فرنك مشاهرات وأجوراً.

- الفرنسوي يتحرك في الهواء أسرع من الطير. وهو طيار خارق للعادة بجرأة طبيعية فيه تظنها بلادة منه. ولكنه يستطيع أن يجعل للطيارين ولمراكز الطيران نظاماً معقولاً وإذا سقطت في درجات الأشياء الصغرى ترى الفرنسوي على هذه الصورة من الاضطراب وعدم الانتظام وقلة الاهتمام. ويقال في ذلك أن الفرنسوي يكره وهو على هذه الصورة من الحركة أن ي \ نشئ إلى ذروة انتباه طويل متساوق ويشعر بأنه يخنع إذا لم ير نفسه مائلة إلى الأعمال المختلفة التي تحثه وإذا وجب عليه أن يعمل عملاً مجهولاً يحتاج إلى صبر. أما الألماني فهو على العكس من ذلك له قليل جداً من النبوغ في الاختراع والإيجاد بل لا يكاد يذكر له شيء منه ولكنه مختص كل الاختصاص بالانتفاع بما اخترع وتنظيمه.

وما عدا الفلاسفة والموسيقيين في ألمانيا القديمة الذين اخترعوا واوجدوا فان الألماني لا يخترع لا فكرة ثقيل وبطيء ومفكر لم يختلق لهذه الأنوار الفجائية التي توحي بالمجهول ولكنه متى اخترع فهناك حدث ما شئت أن تحدث عن حسن استخدامه له فهو يحب العمل الذي يحتاج لثبات ولا يستعجل لان الضروري عنده أن لا يعمل بسرعة بل أن يعمل بجودة وان يكون على استعداد لحين الحاجة فيكون مجهزاً لساعة العمل ولا يبدأ قط بطيئاً.

جاء الألماني بعد الفرنسوي في الطيران ولكنه أدهش العالم بتنظيمه له فلم يخبط على غير هدى بل رأى بسرعة كل ما ينبغي أن يرى ووفاه حقه. له قليل من المستعمرات ولكنه يسكن مستعمرات غيره فينزلها التجار والصناع الذين يبعث إليها بهم. الألماني لم يخترع التلفون لألمانيا الآن نحو مائتي ألف كيلو متر من الأسلاك التلفونية أي أكثر من فرنسا وعدوا المخابرات التلفونية في بلاده ب - 800 مليون لقاء 190 مليوناً في فرنسا وما من قرية ألمانيا مهما صغرت وهي مرتبطة بتلفون تخابر به وإدارتها في البريد أول إدارة في العالم. وهي تعترف أن ليس بين كيماوييها الكثار واحد مثل لافوزيه وبرتلو ولكن لها معامل تجريبية تعينها الحكومة والمدن والنقابات الصناعية. أن كان الفرنسوي مخترع الأصباغ الصناعية فالألماني بفضل مدارسه ومعامله أتى فيها بالعجائب حتى يكاد يختص بتجارة الأصباغ. وما من بلد يعني بتجديد إدارته على الدوام لتكون كاملة من كل وجه على احدث طرز كما يعني في ألمانيا. وإلقاء أدنى نظرة على محطة من محطات يككهم الحديدة تشهد لهم بذلك الخ.

ثم انتبه الانكليز والأميركان والطليان للأمر ولكن بعد أن رسخ التمدن الفرنساوي في النفوس وكثر أنصاره بطبيعة الحال مع انه ربما كان في أوضاع الأمم الأخرى ما يماثله أو يفوقه. وإذ قبلت مصر والعثمانية وإيران أن تعلم الافرنسية بصفة إجبارية في مدارسها مثل لغة البلاد كان ذلك من اكبر المعونات على بث هذه اللغة البديعة فاتخذناها لغة التخاطب والتكاتب في التجارة والسياسة.

للبلاد المصرية والعثمانية والإيرانية في البلاد الفرنسوية اليوم مئات من الطلبة يدرسون العلوم المنوعة في مدارسها في حين لا تجد سوى عدد محدود من الطالبين في مدارس انكلترا وأميركا وأكثرهم من المصريين والهنود أما في ألمانيا والنمسا وايطاليا وروسيا فان عددهم يعد على الأنامل والإيرانيون أكثر الشرقيين اختلافاًَ إلى مدارس روسيا للجوار والسياسة.

فإذا طربت النفس يود دخولها ارض فرنسا وسويسرا الفرنسوية وبلجيكا الفرنساوية فذلك لأننا نشعر بأننا بين قوم يفهمون من نحن ونفهم من هم أننا نستفيد هنا إضعاف استفادتنا في أي ارض سواها لأننا لا نجد تقارباً في الأفكار والمناحي ولأننا نعرف تاريخ هذه البلاد كما نعرف تاريخ بلادنا وقد حصلت لنا على الزمن آنسة بأوضاعها المرنة اللطيفة ومن تعلم لغة قوم قلت ما بينه وبينهم من الفوارق وتيسر له أن يشاركهم ويشاركونه في كل ما لا يضر بعاداته وأخلاقه الخاصة.

أن المدينة الأوربية تتسرب كل يوم إلى عقولنا في طرق تنقلها الصحف والسياح والمدارس والجيش والأسطول بل ينقلها البرق والهواء ونحن لو أردت أن تجردنا مما استفدناه منها منذ عهد محمد علي الكبير وسليم الثالث لرجعت بنا قروناً إلى الوراء ظننتنا نعها من أهل القرن السابع أو الثامن للهجرة على نحو ما تشاهده اليوم الأفغانيين أو المراكشيين أو الجلويين بين الذين سدلوا دون مدينة الغرب حجاباً كثيفاً فحرموا من حسناتها ولم ينجو مثل غيرهم من شرورها.

أن سكان الشرق الأقرب إذ ذكروا الفرنسيس كثيراً فذلك لأنهم يعتقدون فرنسا فاتحة العالم على نحذو ما كانت على عهد نابليون الأول ففرنسا هي التي وضعت في الحقيقة أساس النهضة المصرية الحديثة وفرنسا هي التي كانت كذلك في سورية منذ جاء نابليون عكا طعاماً في فتحها لأنها كانت مفتاح سورية حتى إذا جاءت حادثة الستين المشؤمة. وكان لفرنسا اليد الطولى في إعطاء لبنان استقلالاً إدارياً عظمت تلك المنة على أهلها وعمت المدينة الافرنسية بلاد الشام من طرق مختلفة خاصة وعامة وطينة وأجنبية رسمية وغير رسمية.

نحن اليوم إذا لجانا إلى فرنسا في معظم حالاتنا فللأثر الناتج من تلك التربية والدعوة الطويلة المتأصلة ولا يضرنا الأخذ من مدينة القوم ولكن يضرنا العلو والجمود فكما أن الفرنسيس أنفسهم لا يستنكفون أن يقتبسوا ما عند الأمم الأخرى كالانكليز والألمان والأميركان مثلاً مما ليس في أوضاعهم فنحن من مصلحتنا أن لا نكون حكرة لأمة فنأخذ عن كل قبيل أحسن ما عندهم ولا نقول هذا سويسري وذاك بلجيكي وهذا فرنسوي وآخر ألماني وغيره ايطالي أو انكليزي فكلهم أرقى منا مراحل ونحن في حاجة لكن من يعلمنا مدينة تنهض بنا من خمولنا ليساوا بنا بنفسه بعد وتعد شيئاً مذكوراً في سلسلة المراتب البشرية.

رأيت كثيراً من خاصة الطليان والألمان والانكليز يشيرون إلى أن السوريين خاصة من بين سكان الشرق الأدنى يغالون بحب الفرنسيس وليس حتى في البلاد التي حكمتها فرنسا في أقطار الشرق بلد كسورية يحسن أهلها الظن بالفرنسيس فكنت أقول لهم أن ذلك صحيح ولكن لا على إطلاقه فان القوم هناك درجات ومن يحبون الفرنسيس هم الذين أحسن هؤلاء إليهم بتعليمهم على أساليبهم وتلقينهم لغتهم العذبة فأممكم أيضاً إذ مدت يدها لسورية تعلمها لغاتها وأمجادها يعترف السوريون لها بصنيعها ويصبحون زبنها في التجارة. وكيف يحب السوري ألمانيا مثلاً وهو لا يعرف عنها إلا ما يقرأه في الجرائد الفرنسية والكتب الافرنسية وألمانيا حتى الآن لم تفتح لها مدرسة راقية في سورية والفرنسيس ملأ وأسهلنا ووعرنا بمدارسهم الدينية والعلمانية على اختلاف درجاتها لا ينال المرء إلا بقدر ما بذل والأمم الانكلوسكسونية هي أرقى الأمم بأخلاقها وآدابها ولكن أنانيتها الكثيرة دعتها إلى أن أحبت في العهد الأخير الانتفاع من الشرق دون أن تبذل في سبيل رقيه درهماً أو تخطو إلى أعلاه شأنه قدماً. ولذلك يبقى الشرق الأقرب يتغنى بالفرنسيس والفرنسوية حتى ينافسهم غيرهم من أمم الحضارة الحديثة منافسة حقيقية. ولا عار علينا إذا صرحنا بأننا نطرب في ارض فرنسا لأننا لا نعرف غيرها في الواقع ونفس الأمر فقد سبقت فعلمتنا آدابها وذكرتنا أمجادها فنحن بها عرفنا الغرب والمرء لا ينفق إلا مما عنده وعرفان الجميل لأهله طبع الكرام ولا ينسى الأيادي التي لك عندهم إلا اللئام والسلام.

الحياة السياسية والاقتصادية في بلاد المجر

تسكن بلاد المجر عناصر مختلفة قد يثور بينها ثائر الخلاف أحياناً ولذلك كان لمسألة الجنسيات في الأرض المجرية شأن عظيم وحروب إقليمية ولسانية لا تكاد تهدأ وتدور المناقشات في الغالب على برامج المدارس وعلى القدر الذي يجب أن يعطى للغة المجرية في التعليم في المقاطعات التي فيها رومان وسلوفاكيون وصربيون. وهناك اضطرابات تحدث زمن الانتخابات النيابية تتدخل فيها القوة المسلحة لتحمي حرية الانتخاب وأزمات وزارية وربما أطلق بعضهم عياراً نارياً على خصمه أو هدده بالقتل أو ضربه بكتاب ودواة كما حدث ولا يزال يحدث.

نحو نصف سكان بلاد المجر هم من العنصر المجري والنصف الآخر من عناصر مختلفة (ألمان وسلوفاكيان ورومانيون وروتنيون وخراتيون وصربيون) بلاد أشبه ببرج بابل اختلطت فيها الألسن وتبلبلت والمجريون يحاولون بكل ممكن أن يحترم غيرهم جنسيتهم باحترامهم لغتهم والاعتراف بتقدمهم السياسي والمدني وهذه هي الحالة هي حالة المجر ولولا أن العناصر غير المجرية مؤلفة من أجناس كثيرة ليس بينها اقل صلة وطريق الانتخابات النيابية الجارية في المملكة تحول دون أدنى مقاومة لما تم للمجر هذا التقدم على غيرهم.

ولئن حاول الإمبراطور فرنسيس يوسف ملك النمسا والمجر أن يصلح أسلوب الانتخاب بوضع الاقتراع العام منذ سبع سنين فان مسائل الجنسيات ما برحت مقدمة على المسائل الاجتماعية وقد وقع التحكيم على أن تكون النمسا متجانسة بالجرمانية وان يكون للمجرية حق التقدم في هنغاريا (بلاد المجر) وقد كان في مجلس النواب المجري سنة 1911 - 453 مبعوثاً. منهم 387 مجرياً و40 خرواسياً و24 وطنياً وهذه نسبة تستدعي الاستغراب والمجلس الأعلى أو مجلس الأعيان مؤلف من أعضاء وراثيين مثل البالغين من الارشيدوقة وأعضاء الأسر الشريفة التي تدفع على الأقل ضريبة عن عقارتها لا يقل عن 6000 كورون ومن أعضاء يعينهم الملك مدة حياتهم بإنهاء رئيس المجلس ومن أرباب المناصب العليا مثل كبار الحكام ومن 33 اسقفاً كاثوليكياً و98 أساقفة روم أرثوذكس و6 يمثلون المذاهب اللوثرية والكالفانية البرتستاتية ومن ثلاثة ينتسبهم مجلس نواب خرواسيا.

وللمجلس الأعلى أن يرد ما يشاء من المشاريع والقوانين التي يقررها مجلس النواب ولكنه لا يستعمل هذا الحق إلا نادراً لأن مجلس النواب موقر في صدره وغاية ما يستطيع عمله أن يرجئ الإقرار على قرار مجلس الأمة.

ومن الأمراض التي أصيبت بها بلاد المجر كما أصيبت بها فرنسة والعثمانية مرض كثرة الموظفين الذي يزداد استحكاماً اليوم بعد اليوم ففي إحصاء رسمي أخير في المجر 301480 موظفاً في شعب لا يتجاوز احد وعشرين مليون نسمة فان الوزارة التي تولت شؤون المجر منذ سنة 1906 - 1910 قد أحدثت عملاً ل - 45 ألف رجل والوزارة التي خلفتها أحدثت في العشرة الأشهر الأولى لتوليها الأمر ثلاثين ألف وظيفة، وهذا السواد العظيم من الموظفين ينفع الحكومة مدة الانتخابات النيابية لأنه يمثل نحو ثلث المنتخبين بيد أن كثرة الموظفين في الحكومة لا يفسر بان الأشغال تمشي بسرعة على طريقة حسنة بل أن الوقت والمال والقوة تضيع في هذا التطويل والقيود. يساعد على ذلك الإهمال المغروس في طبيعة الموظفين على الأغلب ولا سيما في المجريين فمن لم يتابع البحث عن لوراقه ويلحقها من ديوان إلى آخر ويوصي صاحب الشأن تضيع وتهمل ولا نغالي إذا قلنا أن المجر على كثرة تغاليهم في التغاني باستقلالهم قد فتحوا للحكومة من أبواب التدخل في أمرهم حتى في المسائل الخاصة ما يصح معه أن يحكم بان البلاد المجرية أكثر الممالك التي جعلت نفسها تحت وصاية حكومتها في كل شأن من شؤونها.

ولقد عددت مجلة القرن العشرين الحرة وهي لسان علم الاجتماع في بودابست عدة أحوال نابت فيها سلطة الحكومة مناب الأقدام الخاص والتبعة الشخصية فقالت أن الحكومة تعطي راتباً للكاهن الذي يعمد الوليد وللموظف الذي يقيده في السجل وترزق المعلمين وتوصي الطابعين وصناع الأدوات المدرسية وتدفع لمؤلفي الكتب المدرسية ولنقادها ولإنشاء دكات للمدارس ويستعمل خشب الحكومة وحديدها والحكومة تعاون المطابع ومخازن الدخان وعمال الدخوليات (اوكتروا) والكتاب والإخباريين وغيرهم والجمعيات العلمية والصناعية والزراعية والنقلية والمجمع العلمي والممثلين والمغنين وكل من لهم مشاريع يريدون إبرازها إلى حيز الوجود ولأرباب الضجة والسكوت وتدر المال على الصانع الأهلية واستملاك محال الوقود وتساعد العامل الصغير والصانع الكبير ومنها بطلب الممثل قرضاً والصراف مالاً.

هذا وحرية الأديان والمساواة لم تتم في المجر إلا سنة 1895 وكان للكثلكة المقام الأول ولرجال الدين سلطة نافذة ويكفي أن يقال أن مساحة بلاد المجر تبلغ 324850 كيلومتراً مربعاً تملك الأسقفيات والأديار والبيع 12 ألف كيلو متر مربع منها وبذلك يحكم رجال الدين لأن من المال قوة فكيف فيمن اجتمعت له القوتان القوة الروحية والقوة المالية.

أهم القوانين الدستورية في المجر 45 قانوناً يرد عهد الأول منها إلى القرن التاسع أي إلى احد عشر قانوناً وأهمها قانون سنة 1732 و1848 وضم النمسا والمجر سنة 1867 الذي تم الاتفاق بين المجر والنمسا على أن يدافع المجر عن مملكة النمسا كما يدافعون عن مملكتهم أنفسهم ويكونون مستقلين إلا في الجيش والبحرية والأمور الخارجية فيدفعون قسطاً صالحاً من المال لمعاونة حكومة فينا وتتعهد الأسرة المالكة النمساوية بالمحافظة على استقلال المجر وحرية البلاد واستعمال جميع قوة النمسا للدفاع عن سلامة الأملاك البحرية وملك النمسا يحكم المجر كما يحكم بلاده ولكنه يمثل مملكتين متباينتين ولا يكون ملك النمسا ملكاً شرعياً إلا إذا اقر على تتويجه مجلس المجر ويقضي القانون الأساسي في البلاد أن يقيم الملك ستة أشهر في فينا وستة أشهر في بودابست ولكن هذه العاصمة لا تنال حظ قدومه سوى مرة واحدة على الأغلب وهو يتلطف التلطف مع الأمة المجرية إلا أن هذه لا تنسى ما نالها من سحق النمساويين لها في ثورة 1848 التي لا يبرح المجر يذكرونها ويحتفلون كل سنة بذكرى مقتل الثلاثة عشر قائداً مجرياً الذين اعدموا سنة 1849 لاشتراكهم بحرب الاستقلال ضد النمسا ويسمونهم الثلاثة عشر شهيداً وترفع الإعلام السوداء على النوافذ وقد كانت جنازة كوشوت سنة 1894 من أعظم الدلائل على ذلك كما كان الاحتفال بافتتاح قبته سنة 1909 بالغاً حداً دل على مبلغ تعلق هذه الأمة برجالها الذين سعوا لاستقلالها.

للمجر أنشودتان الملك والجيش وأنشودة ولهما عيدان وطنيان الأول في 15 آذار والثاني في 11 نيسان فالأول هو عيد المجر الحقيقي يحتفل بذكرى سنة 1848 وقد قرر مجلس الأمة المجرية اشتراك الإشراف في جميع التكاليف العامة وإلغاء حقوق السادة وحرية الصحافة وفي 11 نيسان هو اليوم الذي صدق فيه الملك فرد ديناند على القوانين الدستورية.

لا يحب المجر النمساويين ويريدون أن يخالفوهم في كل شيء ولو بالصورة الظاهرة وما انس لا انس يوم اجتاز بنا القطار من الأرض النمساوية وابتعدنا ساعتين عن فينا ودخلنا في الأرض المجرية فان الأرض تكاد تلبس خلة غير الحلة الأولى وقال لي رفاقي في القطار وكانوا مجريين أنت الآن في ارض هنغاريا يا مولاي ثم خرج الشرطة والمفتشون كأننا دخلنا إلى مملكة أخرى وان ما بين فرنسا وألمانيا من التباين لا يشعر به على الحدود بأكثر مما يشعر بالتباين بين المجريين والنمساويين.

والمجر يطلبون إشارات خاصة لعسكرهم كما يطلبون أن يكون التعليم العسكري باللسان المجري ولهم مطالب أخرى يسعون لئلا يكون للنمساويين عليهم اقل سلطة وتأثير وان كان لهؤلاء تأثير كبير في الأمور الاقتصادية والعلمية كما للألمان هذا مع أن بلاد المجر غنية بصناعتها وزراعتها وعلمائها ويكفي بان ثروة المجر قدرت سنة 1911 بثمانية عشر مليار فرنك قيمة أملاكها العقارية وخمسة مليارات قيمة أموالها غير المنقولة ومثلها صناعتها وباثني عشر مليوناً نقودها وبثلاثمائة مليون أموالها في الخارج أي بأربعين مليون مليار وثلاثمائة مليون فرنك يخرج منها ديونها العمومية خمسة مليارات ونصف.

هذا حال مملكة أفقدتها النمسا استقلالها ولكنها لم تقض أو لم تستطع القضاء على حياتها الوطنية والاقتصادية كما فعلت روسيا مع بولونيا وبقيت بولونيا بحالها أو زادت ولولا معاونة روسيا للنمسا ما استطاعت هذه أن تغلب المجريين.

ليست الأمة المجرية عريقة في المدينة كالأمم القديمة في أوربا فقد جاءت حوالي القرن التاسع وانضمت إلى أهل أوربا ونزلت بلادها اليوم ولذلك تجد فيها حتى الآن شيئاً من أوضاع القرون الوسطى في نظاماتها الاجتماعية فان تسعة أعشار من يعملون في الحقول المجرية إلى اليوم هم من السلافيين الصقالبة أو الرومانيين المغلوبين على أمرهم افتتح المجر البلاد وامتلكوا الأراضي وما زالوا يستثمرونها بأيدي غيرهم ولم يبرحوا في كثير من البلاد على طريقة القرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر.

وإذا تأملت ملياً في حال المجري تجده يشبه التركي في كثير من أحواله فانه يعمل القدر اللازم حتى لا يموت جوعاً هكذا شأن الفلاح والصانع وكذلك شأن طالب العلم وصاحب المنصب كأن حكم العثمانيين على بودابست مئة وخمسين سنة قد طبعهم بطابع تركي فقد رأيت المجريين يشكون من ضعفهم وقلة توفرهم على العمل ويقولون أن منا كثيرين من يعملون شهرين وينقطعون عن العمل عشرة أشهر وهذا عبء كبير في مجتمعنا.

تقدر مساحة أملاك صغار الفلاحين في المجر بعشرة ملايين هكتار أي أن يكون الواحد يملك ستين هكتاراً والوسط الذي يملك ستمائة هكتار يقدر بثلاثة ملايين وكبار المزارعين بستة ملايين ومجموع ما تملكه الحكومة والمدن والمقاطعات والكنائس والأديار بعشرة ملايين هكتار.

وقد أصيبت بلاد المجر بداء الهجرة فهاجر منها منذ سنة 1900 إلى 1910 سبعمائة ألف رجل فارتفعت أجور العملة وبيعت أملاك صغار الفلاحين من أواسطهم وكبارهم ومهاجرهم مقتصد بحيث يرسل مهاجروهم إلى بلادهم كل سنة مئة وستين مليون كورون ومن يعودون إلى بلادهم أغنياء وقليل ما هم والعائدون يبتاعون الأراضي بالأثمان الفاحشة.

وللإسرائيليين المقام الأول في تجارة البلاد تعرفهم بسيماهم ولا سيما في بودابست عاصمة البلاد فان ثلث سكان هذه العاصمة من الإسرائيليين أي ثلثمائة ألف من أصل تسعمائة ألف وبيدهم التجارة والصرافة والصناعة وهم أكثر الأمة تعلماً وأقدمهم على الأعمال هذا مع أنهم ليسوا قدماء في البلاد بل أن هجرتهم إليها ترد إلى العهد الذي طردت فيه اسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلاد القاع الإسرائيليين من بلادها فوجدوا في بلاد المجرد صدراً رحباً وخلفوا اليونان في التجارة. وحيث توطدت قدم التاجر الرومي يصعب على التاجر الإسرائيلي أن ترسخ قدمه والرومي كالإسرائيلي بشوش لين العريكة يعرف من أين تؤكل الكتف في التجارة بخلاف المجري.

يقدر عدد الإسرائيليين في المجر بثمانمائة وأربعين ألفاً منهم ستمائة ألف تمجروا أي أصبحوا مجراً حتى في أسمائهم ومناحيهم ولا يزال عددهم ينمو فان كان أبناء إسرائيل يقبلون على التوطن في هنغاريا فليس لان التجارة والصناعة والصرافة تستميلهم إلى نزولها بل لان جميع الصناعات الحرة مفتحة الأبواب أمامهم.

هذه معلومات قليلة عن بلاد المجر التقطها في يومين اثنين صرفتها في عاصمة بلادهم ازور معاهدها البديعة وبودابست من أجمل عواصم أوربا وهي مدينتان في مدينة أي بودا وبست يفصل بينهما نهر الطونة وترتبط البلدان بأربعة جسور كبرى بديعة من أجمل ماهندس المهندسون والجسران الجديدان الأخيران هما من صنع مهندسين مجريين أما المدينة فمقسمة شوارع فخمة فسيحة وهي نظيفة لا تقل عن أحسن العواصم.

وأهل المجر يحبون الأتراك ولا يزالون يذكرونهم بالخير لأنهم يرون أن إخواننا أسدوا إليهم جميلاً غير مرة وآخر مرة في ثورة المجر الأخيرة يوم لجأ زعماء الثورة إلى الأرض العثمانية فحماهم سلطان العثمانيين وأظنه المرحوم السلطان عبد المجيد من أن تنالهم يد النمسا التي طلبت بإلحاح تسليمهم واثر أن يشهر حرباً على النمسا أو تشهرها عليه على أن يسلم من دخل حماه ولذلك ترى المجر يذكرون هذه المنة على الدهر ويشفعونها بالشكر وحسن الذكر.