محاضرات في تاريخ الدولة العباسية/الباب الثاني، الفصل الثاني: الدولة الطولونية في مصر والشام


الفصــل الثاني

١ - الدولة الطولونيـة فـي مصـر والشام

(٢٥٤ - ۲۹۲هـ/ ٨٦٨ - ٩٠٥م)

هجرية ميلادية
١ - أحمد بن طولون ٢٥٤ ٨٦٨
٢ - خمارويه بن احمد ٢٧٠ ٨٨٢
٣ - أبو العساكر جيش بن خمارويه ٢٨٢ ٨٩٥
٤ - هارون بن خمارويه ٢٨٣ ٨٩٦
٥ - شيبان بن أحمد ٢٩٢ - ٢٩٢ ٩٠٤ - ٩٠٥

أحمد بن طولون (٢٥٤ -٢٧٠هـ):


ظلت مصر بعد قيام الدولة الأموية في حالة ضعف وجمود في كل ناحية من نواحي الحياة، إلا في فترات قليلة عمل فيها ولاة هذه البلاد على تقدمها ورقيها، كمسلمة بن مخلد (٤٧ - ٦٢هـ)، وعبد العزيز بن مروان (٦٥ - ٨٦هـ)، وموسـى ابن عيسى الذي ولى مصر ثلاث مرات (في سني ۱۷۱، ۱۷۰، ۱۷۹هـ) علـى أن هذه البلاد أخذت تنتعش منذ قامت الدولة الطولونية التي استقلت بحكمها استقلالاً يكاد يكون تاماً. وعلى الرغم من أن عمر هذه الدولة لم يزد على ثمانٍ وثلاثين سنة، أخذت مصر بقسط موفور من التقدم والإصلاح.

کان احمد بن طولون مؤسس هذه الدولة تركياً، وكان أبوه أحد الأتـــــــراك الذين كان يرسلهم الولاة من بلاد ما وراء النهر إلى الخلفاء العباسيين ضمـــــــن هداياهم. وقد كثر هؤلاء الأتراك منذ ولى المعتصم الخلافة (٢١٨هـ) إذ كانت أمه تركية، فاعتمد على العنصر التركي، واتخذ من الأتراك حرساً له، وأسند إليهـم مناصب الدولة، كما كان يفعل الخلفاء العباسيون من قبله من تولية الفرس مناصب الدولة. فولى المأمون عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر صلاتها وخراجهـا (۲۱۱ - ۲۱۳هـ)، وولى المعتصم آشناس التركي مصر (۲۱۹ - ۲۲۹هـ)، وقلـد الواثق إيتاخ (٢٣٤ - ٢٣٥هـ). وكان هولاء الولاة يستخلفون عنهم نواباً يحكمون البلاد باسمهم، ويدعون لهم على المنابر بعد الخليفة، وينقشون اسمهم على السكة، إن لم يكن من السهل عليهم أن يتركوا دار الخلافة وما فيها من نعيم وترف ويأتــــــوا إلى مصر للإقامة فيها. ولما أسقط الخليفة المعتصم العرب من ديوان العطـاء واعتمد على الأتراك، انتشر العرب في ريف مصر، واحترفوا الزراعة وغيرها طلباً للرزق، وأخذ العنصر العربي يضعف شيئاً فشيئاً، وبدأ ظل الولاة من العرب يـزول بإحلال ولاة من الأتراك محلهم. ولم يل مصر بعد ذلك عربي إلا عنبسة بن إسحاق (۲۳۸ - ٢٤٢هـ).

تقلد "باكباك" التركي مصر، فاستخلف عليها ابن طولون وجعله علـى حاضرتها، وضم إليه جيشاً فدخلها في شهر رمضان سنة ٢٥٤هـ. وكان ولاة مصر في ذلك العصر لا ينيبون عنهم شخصاً واحداً في هذه البلاد، وإنما كانوا يقسمون أعمالها بين عدة أشخاص ليكون كل واحد منهم عيناً على الآخر، فلا يتطلع أحدهـم إلى الاستقلال بها في يده خشية اتفاق الآخرين عليه. وكان هؤلاء الأتـــــــــــــراك يسندون القضاء والخراج لغير هؤلاء الولاة، وبذلك كانت أعمال مصر عندما دخلهـا أحمد بن طولون مقسمة بين عدة أشخاص: فكان على الإسكندرية إسحاق بن دينار، وعلى برقة أحمد بن عيسى الصعيدي، وعلى القضاء بكار بن قتيبة، وعلى البريد شقير الخادم غلام قبيحة أم المعتز، وعلى الخراج أحمد بن المدبر.

من ذلك نرى أن ولاية مصر لم تصف لابن طولون، لأنه إنما تقلد قصبة هذه البلاد دون غيرها، إذ كان يحكمها باسم واليها باكباك، وفي استطاعته أن يعزلـه إذا لم يحز رضاه، هذا فضلاً عما كان من منافسة ابن المدبر عامل الخراج في مصر ومثابرته على الإيقاع به عند الخليفة، ومن قيام الثورات التي أضرم نارها الخوارج في مصر ومن بينهم ابنه العباس، إلى ما كان من سخط أبي أحمد طلحة ولي العهـد عليه وعمله على صرفه عن هذه البلاد فلم يكن بد من أن يعمل ابن طولون علـى التغلب على هذه الصعاب وتثبيت قدم أولاده من بعده.

قتل باكباك فتولى مصر يارجوخ صهر أحمد بن طولون، فكتب إليه " تسلم من نفسك لنفسك ". وبذلك أقره على ما بيده، وزاد في سلطته بأن استخلفه علـى مصر كلها، وزاد قلق ابن المدبر عامل الخراج، الذي أثار سخط المصريين بزيادته الضرائب، واستعماله القسوة في جبايتها، وعمل على عزل ابن طولون، وخشي عاقبة أمره في مصر، فطلب صرفه من خراجها، وتقلد خراج دمشق وفلسطين والأردن فـي سنة ٢٠٧هـ، وتقلد خراج مصر من بعده أحمد بن خالد.

وفي شهر رمضان سنة ٢٥٩هـ مات يارجوخ صاحب إقطاع مصر الذي كان ابن طولون يحكمها نيابة عنه ويدعو له على منابرها بعد الخليفة، فتوطدت قدمه في هذه البلاد وأصبح والياً عليها من قبل الخليفة مباشرة. وفي سنة ٢٦٣هـ كتـب الخليفة المعتمد (٢٥٦ - ٢٧٩هـ) إلى ابن طولون يستحثه على إرسال الخـــــــراج، فرد عليه: لست أطبق ذلك والخراج في يد غيري"، فقلده خراج مصر، وولاه الثغور الشامية، وبذلك أصبحت جميع أعمال مصر الإدارية والقضائية والعسكرية والمالية في يده.

بعد أن قضى ابن طولون على الصعاب التي قامت في وجهه في مصـــــــــر، اعترضته صعوبة كادت تقضي على آماله، لولا ما أوتيه من حسن السياسة وعلو الهمـة ورباطة الجأش. وكان مصدر هذا الشر أبو أحمد الموفق طلحة، الذي غلب أخيـه الخليفة حتى أنه لم يبق له من الخلافة إلا إسمها. كما أن ثورة الزنج الطاحنـة أثارت عداء الموفق لابن طولون والي مصر، الذي وقف على مدى الخطر الـذي هدد سلامة الدولة العباسية من ناحية الزنج، فبعث إلى الموفق بمليون ومائتـي ألف دينار استقل هذا المال، وبعث إلى ابن طولون بكتاب ينطوي على الجفـاء والشر، فرد عليه بكتاب شديد اللهجة.

وعلى الرغم من أن الخليفة العباسي كان يميل إلى ابن طولون، أرغم علـى عزله من ولاية الثغور الشامية، لكنه لم يلبث أن ردها إليه بعد أن اضطربت أحوالها. ووجد ابن طولون الفرصة سانحة لأخذ بلاد الشام بعد وفاة واليها ماجور لاشتغال الموفق بحرب صاحب الزنج، وخشي ضياع ولاية الثغور منه بسبب وقـوع بلاد الشام بينها وبين مصر، وسار بجيشه نحو بلاد الشام، فدانت له أمهات مدنها، ودعي له على منابرها (٢٦٤ - ٢٦٥هـ)، ولكنه اضطر إلى العودة إلى مصر لقمـع ثورة ابنه العباس. ثم خرج ابن طولون إلى الشام (جمادى الأولى سنة ٢٦٩هـ) بعد أن اتصل به نبأ خروج لؤلؤ والي الرقة عليه والضمامه إلى الموفق، واستخلف علـى مصر ابنه خمارويه. وبينما هو في طريقه إليها، بلغه خروج أهل طرسوس عليه، فعول على المسير إليها. ولكنه لما وصل إلى دمشق جاءه كتاب الخليفة العباسي ينبئه فيه بالمسير إليه والاحتماء به. ورحب ابن طولون بهذه الفكرة لما تنطوي عليـه من تقوية شأنه في مصر. ولكن ابن كنداج عامل الموصل والجزيرة قبض على الخليفـة المعتمد وساقه إلى سامرا، وكوفيء بولاية مصر.

وقد فعلت سياسة الموفق فعلها في الناس، فقد كان من أثر لـعـن الخليفة ولعن ابنه المفوض وأخيه الموفق لابن طولون، وانضمام لؤلؤ ومن معه من القـــــــواد ومنافسة ابن كنداج له وتوليته على مصر والشام، أن ضعف نفوذه الأدبي في البـلاد التي دانت لسلطاته. فحلت الهزيمة بجيشه في مكة، ولعن في المسجد الحـــــــــــرام وكان من أثر هذه الدعاية الواسعة التي نشرها الموفق ضد عدوه ابـن طـولـون، أن حلت به الهزيمة لأول مرة في طرسوس ومات أكثر جنده من البرد بسبب غرق أمتعتهم.

وسار ابن طولون بعد ذلك إلى المصيصة وأقام بها ثلاثة أيام. وهنا عرضت له علته التي أودت بحياته.

قال الكندي: وتزايدت علة أحمد بن طولون، فأمر الناس بالدعاء له فغدا الناس بالدعاء له إلى مسجد محمود بسفح المقطم يوم الإثنين لست خلون من شوال سنة سبعين ومائتين. وحضر معهم القصاص فدعوا له، ثم غدوا أيضاً بالدعاء لـه وحضرت اليهود والنصارى معتزلين عن المسلمين، وحضروا أيضاً اليوم الثالث النساء والصبيان، وأقاموا على ذلك أياماً. ثم توفي ليلة الأحد لعشر خلت مـن ذي القعدة سنة سبعين ومائتين وله من العمر خمسون سنة وشهر وسبعة عشر يوماً، ودفن باليحموم بسفح المقطم بعد أن حكم نيفاً وستة عشر سنة، وترك من الأولاد ثلاثـة وثلاثين، منهم سبعة عشر من الذكور وستة عشر من الاناث.

كان ابن طولون بعيد النظر عالي الهمة قوي البأس شديد المراس. اتسع ملكه حتى امتد من العراق إلى برقة ومن النوبة إلى آسيا الصغرى، وخشي بأسـه إمبراطور الروم، على ما بين بلاديهما من بعد الشقة ووعورة الطريق، فأهدى إليـه عدة مصاحف للقرآن الكريم، وأرسل إليه من تحت يده من المسلمين.

وكان ابن طولون سياسياً محنكاً، وقائدا ماهرا، خبيرا بأساليب الحـــــــروب وتعبئة الجيوش، كما كان إدارياً حازماً، وقف على موارد الثروة على اختلافهـا، وعرف كيف يستغلها لمصلحة دولته من غير أن يرهق الأهلين بالمكوس والضرائب، وعمل على ترفيههم ونشر العدل بينهم، فاستتب الأمن واستقرت الامور وســـــــادت الطمأنينة بين الناس. وشمل الرخاء البلاد في عهده، حتى بيع عشرة الأرادب من القمح بدينار واحد.

هذا، إلى تحصينه الثغور والاحتفاظ بجيش كامل العدد والعدة. كمـا ضرب بسهم وافر في سبيل الاصلاح، فاهتم بالزراعة وعني بإقامة الجسور وحفر الترع.

أما أخلاقه وصفاته، فقد كان مضرب الأمثال في الكرم والجود، وفي الشجاعة والبسالة، وفي صدق الفراسة، وفي العدل والتواضع. وكان يقرب إليه العلمـاء ويجزل لهم العطاء، كما كان يتصدق على الفقراء. فقد أثر عنه أنه كان يتصدق كـل شهر بألف دينار. وكان - إلى جانب ذلك - يبذل في أعمال الخير ألف دينار في كل يوم.

قال المقريزي (خطط جـ ۱ ص ٣١٦): "وكانت صدقاته على أهل المسكنـة والستر من الضعفاء والفقراء وأهل التجمل متواترة. سوى مطابخه التي أقيمت في كل يوم للصداقات في داره وغيرها، ويذبح فيها البقر والكباش ، ويغرف للناس فـي الفخار والقصاع على كل قدر أو قصعة أربعة أرغفة، في اثنين منها فالـوذج والاثنان الآخران على القدر. وكانت تعمل في داره وينادى: من أحب أن يحضـر دار الأمير فليحضر وتفتح الأبواب ويدخل الناس، وابن طولون ينظر ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون فيسره ذلك ويحمد الله على نعمته".

ويعد ابن طولون من حفظة القرآن المعدودين، ولذلك كان من اكثـر الولاة احتراما لحفاظه.

خمارويه (۲۷۰ - ۲۸۲هـ):


بعد وفاة ابن طولون، اجتمع الجند - على ماقضت به العادة في ذلك الوقت - وولوا مكانه ابنه خمارويه: ولم يستطع الخليفة العباسي إلا الموافة علـى تعيين الوالي الجديد وله من العمر عشرون سنة. ولم تكن ولاية مصر قد توطـدت أركانها لآل طولون، وأصبح خمارويه أمام عدة صعاب لا سبيل إلى التغلب عليها إلا بالقوة حيناً وبالدهاء حيناً آخر.

ولا غرو، فقد ظلت مصر في عهد خمارويه كما كانت في عهد أبيه، محـط أطماع المتنافسين من القواد الأتراك، ومثار حسد أبي أحمد الموفق، فواصل لعن الموفق على المنابر، وبعث الواسطي كاتب أبيه بجيش كثيف، وعززه من البحـر بأسطول قوي: وخرج الموفق من بغداد، وانضم إليه ابن کنداج والي الموصل، ومحمد ابن أبي الساج والي أرمينية والجبال، واستولوا على دمشق. فلم ير خمارويه بداً من الخروج بنفسه، فدخل دمشق سنة ٢٧٣هـ، ثم واصل السير لقتال ابن كنداج فـي أعماله، وتم الصلح بين والي مصر ودار الخلافة، وكتب الموفق والخليفة المعتمد وابنه المفوض كتاب الصلح بأيديهم - ويتضمن تولية خمارويه وأولادخ من بعـده على مصـر والشام ثلاثين سنة. هنا أمر خمارويه بالكف عن لعن الموفق على المنابر والدعاء له مع الخليفة.

وكان من أثر هذا الانتصار أن استولى خمارويه على الرقة، واعترف بولايتـه على الموصل والجزيرة، ودعي له على منابرها، كما اخضع ابن أبي الساج (٢٧٦هـ / ۸۸۸م)، وطارد جيوشه إلى مدينة (بلد) على نهر دجلة، حيث بنى على شاطئه سريراً من الذهب ليجلس عليه، إشارة بما حازه من نصر مؤزر. كما كان من أثر هذا الانتصار أن اعترف بسلطانه والي طرسوس (٢٧٦هـ)، بعد أن كان قد نبذ طاعة الطولونيين سنة ٢٧٠هـ، ولم تقتصر أعمال خمارويه الحربية على ما تقدم، بل اتسع نفوذ مصر في عهده إلى ما وراء ولاية طرسوس، فغزت جيوشه الولايات الرومانية عدة مرات (۲۷۷ - ۲۷۹هـ).

وقد ساعد موت الموفق وابن كنداج (سنة ٢٧٨هـ) والخليفة المعتمد (سنة ۲۷۹هـ) على توطيد سلطان خمارويه الذي استطاع أن يكسب رضا الخليفة المعتضد بهدايا، فأقره على ولاية البلاد الممتدة بين الفرات وبرقة ثلاثين سنة، وجعلهـا لأولاده من بعده. وكان من أثر سياسة حسن التفاهم أن عرض خمارويه زواج ابنته أسماء التي تلقب بقطر الندى من ابن الخليفة العباسي، ولكن الخليفة اختارهـا لنفسه.

توفي خمارويه في سنة ٢٨٢هـ وكان محبا للترف يبذل الأموال الضخمة على أبهة بلاطه ومبانيه الفخمة ومتنزهاته وغير ذلك. وقد بلغت نفقات جيشه تسعمائـة ألف دينار كل سنة، وكانت رواتيهم وأرزاقهم تدفع إليهم بانتظام. هذا إلى ماعرف عن خمارويه من كثرة إنفاقه على مطابخه، حتى بلغت نفقاته كل شهر ثلاثة وعشريـن ألف دينار (٢٧٦٠٠٠ دينار في السنة). ولا شك أن كثرة هذا المبلغ وتسمية مطبخه مطبخ العامة يدلان على أنه نسج على منوال أبيه في حبه للجود والكــــــــــرم وشغفه بمد يد المساعدة إلى الفقراء والمعوزين، هذا إلى ما أطلقه من الأرزاق لجواريه وأولاده ومن يقوم بخدمتهم.

زوال الدولة الطولونية (۲۸۲ - ۲۹۲هـ):


ولي مصر بعد خمارويه ثلاثة من آل طولون لم يزد حكمهم على عشر سنين، لم تستفد البلاد فيها شيئاً غير انتشار الفوضى، وتألب الجند وتنازع السلطة بين المتنافسين، وانتصار الجند لفريق دون فريق. ذلك أنه لما توفي خمارويه بـدمـشـق (ذو القعدة ٢٨٢هـ) عاد ابنه أبو العساكر جيش إلى مصر، حيث أخذ الناس عليه أموراً أثارتهم عليه، فاستوحش من كبار الجند وتنكر لهم، فعملوا على الكيد لـه والخلاص منه، وفر بعضهم إلى الخليفة العباسي، وخلع طاعته طغج بن جف (أبو محمد الإخشيد مؤسس الدولة الإخشيدية بمصر) عامل دمشق. وقد آل جيش علـى نفسه ليشعلن نار الفتن والثورات، فقتل عمه مضر بن أحمد بن طولون، فوثب عليه الجند وخلعوه، ثم جمعوا الفقهاء والقضاة فتبرؤا من بيعته، وانضموا إلى الجند في خلعه (١٥ جمادى الآخرة سنة ٢٨٣هـ) وذلك بعد نيف وستة أشهر من ولايته، فظل في سجنه إلى أن مات بعد أيام.

اجتمع الجند يوم خلع جيش وولوا - على ما جرت به العادة في ذلك الوقت - أبا موسى هارون بن خمارويه. وكان صغيراً لم تزد سنه على الرابعة عشرة، فلم يكن يصلح للولاية والحكم. وربما كان ذلك مما دفع بطائفة من الجند إلى عدم الرضا بتوليته، فكاتبوا رجلاً آخر من بني طولون، هو ربيعة بن أحمد بن طولون، وكان في الإسكندرية، وطلبوا إليه أن يسير إلى مصر، ووعدوه أن يقدموا لنصرته. فليس من عجب إذا صادفت هذه الدعوة قبولاً في نفس ربيعة الذي جمع من أهل البحيرة ومن البربر وغيرهم جيشاً كثيفاً سار على رأسه حتى نزل قريباً من الفسطاط. على أن حال هؤلاء القوم مع ربيعة كانت أشبه من بعض الوجوه بحال أهل الكوفة مع الحسين ابن علي، فقد خذلوا ربيعة وقعدوا عن نصرته، ولم يحولوا على الأقل دون خروج جند هارون الذين قاتلوه وأسروه (شعبان سنة ٢٨٤هـ) ثم أسخنوه بالسياط، حتى قيل أنه ضرب ألفاً ومائتي سوط، ومات تحت الضرب.

لم يفلح المناوئون لحكم هارون فيما دبروه، بل لم تعد نصرتهم لربيعة حد التدبير والكتابة. وفي عهد هارون خرج القرامطة بالشام (٢٩٠هـ) وكانت تابعة لمصر، فأنفذ والي مصر جيشاً لِمحاربتهم، ولم يستطع هذا الجيش إخراجهم من الشام، بل حلت به الهزيمة، وأدى هذه الضعف إلى تجديد رغبة الخلافة العباسية في إعادة مصر إلى سلطانها المطلق، فبعث الخليفة المكتفي (٢٨٩ - ٢٩٥هـ) محمد بن سليمان الكاتب لاستردادها من هارون، فنزل بحمص وبعث بأسطول إلى سواحل هذه البلاد، ثم واصل السير إلى فلسطين. وخرج هارون بن خمارويه لدفع سليمان عن دخول مصر، وسيّر المواكب الحربية لقتاله. وفي تنيس التقى الأسطولان العباسي والمصري، فحلت الهزيمة بأسطول مصر، ووقعت تنيس ودمياط في يد محمد بن سليمان. رأى هارون أنه لا طاقة له بهزيمة الجيش العباسي، فصم على الفرار، ولجأ إلى العباسة، ومعه أهله وأعمامه ونفر يسير من جند. وفي هذا المكان قتله عمـاه شيبان وعدي ابنا أحمد بن طولون، وهو منشغل باللهو ثمل بالخمر (صفر سنة ٢٩٢ھـ) ولم يناهز حينذاك الثانية والعشرين من عمره.

هكذا انتهت ولاية هارون الذي قتل بيد عميه، فكان طبيعيا إذا أن يؤول أمر هذه الولاية إلى أحد قتلته. وقد آلت فعلا إلى عمه شيبان الذي لم يلبــــث أن سار إلى الفسطاط ليتسلم مقاليد هذه الولاية. بيد أن هذا العمل لم يرض الجند، بل أغضبهم بمقدار ما أغضبهم قتل مضر بن أحمد بن طولون على يد ابن أخيه جيـش ابن خمارويه من قبل. وأنكر القواد جميعاً، ما أتاه شيبان وأخوه، ولم يعترفوا بولاية شيبان، وكاتبوا محمد بن سليمان وطلبوا منه المسير إلى مصر، فسار حتى نــــــــــزل العباسة حيث لقيه طغج بن جف في جمع كثير من القواد، وصحبوه الى الفسطاط. وهنا انضم إليهم أصحاب شيبان الذي لم يجد بداً من طلب الأمان من محمد بــــــــن سليمان. وفي شهر ربيع الأول من سنة ٢٩٢هـ خرج شيبان، ولم يكن قد مضى علـى ولايته غير اثني عشر يوماً، ودخل القائد العباسي مدينة القطائع، وألقى فيها النار، ونهبت رجاله الفسطاط وكسروا أبواب السجون وأخرجوا أولاد ابن طولون وأنصارهـم من القواد. وهكذا زالت الدولة الطولونية بعد أن حكمت هذه البلاد ثماني وثلاثين سنة.

على أن الاضطرابات استمرت في هذه البلاد، بسبب ضعف الخلفاء العباسيين، وعجزهم عن المحافظة على سلطانهم فيها، ثم لاستبداد الأتــــراك بالسلطة، وضعف مصر نفسها وقيام المنافسة بين الولاة وعمال الخراج. هذا إلـى أن مصر قد تعرضت في ذلك الوقت لغزوات الفاطميين، الذين أسسوا دولتهم فـي بلاد المغرب سنة ٢٩٦هـ، وحاولوا الاستيلاء على مصر مرات لاتخاذها مركزاً لنشر دعوتهم، ومقراً لخلافتهم وبسط نفوذهم في الشرق، وظلت مصر على هذه الحال، إلى أن ولاها محمد بن طغج الإخشيد، فدخلت في عهده في طور جديد من التقدم والإصلاح.