محلى ابن حزم - المجلد الثالث/الصفحة الثانية والسبعون


كتاب الحجر

1395 - مسألة: والمريض مرضا يموت منه أو يبرأ منه، والحامل مذ تحمل إلى أن تضع أو تموت، والموقوف للقتل بحق في قود أو حد أو بباطل، والأسير عند من يقتل الأسرى أو من لا يقتلهم، والمشرف على العطب، والمقاتل بين الصفين كلهم سواء، وسائر الناس في أموالهم، ولا فرق في صدقاتهم، وبيوعهم، وعتقهم وهباتهم وسائر أموالهم.

وقال قوم: بالحجر على هؤلاء فيما زاد على الثلث. وقال أبو سليمان: وأصحابنا كقولنا إلا في العتق خاصة فقط، فإنهم قالوا: عتق المريض خاصة دون سائر من ذكرنا لا ينفذ إلا من الثلث، سواء أفاق من مرضه، أو مات منه أي مرض كان.

وروينا من طريق ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق أنه سئل عمن أعتق عبدا له في مرضه وليس له مال غيره فقال مسروق: أجيزه برمته، شيء جعله الله لا أرده وقال شريح: أجيز ثلثه وأستسعيه في ثلثيه. قال الشعبي: قول مسروق أحب إلي في الفتيا، وقول شريح أحب إلي في القضاء وقول النخعي كقول شريح.

ومن طريق قتادة عن الحسن، عن ابن مسعود فيمن أعتق عبدا له في مرضه لا مال له غيره قال: اعتق ثلثه.

ومن طريق معمر عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن عبد الرحمن أن رجلا اشترى جارية في مرضه فأعتقها عند موته فجاء الذين باعوها بثمنها فلم يجدوا له مالا فقال ابن مسعود: اسعي في ثمنك.

ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن الحسن سئل علي عمن أعتق عبدا له عند موته، وليس له مال غيره وعليه دين قال: يعتق ويسعى في القيمة وقال النخعي فيمن أعتق عبدا عند موته لا مال له غيره وعليه دين: أنه يسعى في قيمته فيقضي الدين، فإن فضل شيء فله ثلثه وللورثة ثلثاه. وقال الحسن، وعطاء: عتق المريض من الثلث، وهو قول قتادة، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وسليمان بن موسى، ومكحول ثم اختلفوا، فمن مرق منه ما زاد على الثلث، ومن معتق لجميعه ويستسعيه فيما زاد على الثلث.

وأما بيعه وشراؤه: فروينا من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبي: في المريض يبيع ويشتري، قال: هو في الثلث وإن مكث عشر سنين.

وأما الحامل: فروينا من طريق سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن الشعبي عن شريح أنه كان يرى ما صنعت الحامل في حملها من الثلث قال سفيان: ونحن لا نأخذ بهذا، بل نقول: ما صنعت فهو جائز، إلا أن تكون مريضة من غير الحمل، أو يدنو مخاضها يريد أن يضر بها الطلق وقال عطاء: ما صنعت الحامل في حملها فهو وصية قلت: أرأي قال: بل سمعناه

وهو قول قتادة: وعكرمة وقال الحسن، والنخعي، ومكحول والزهري: عطية الحامل كعطية الصحيح.

ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه سمع القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: ما أعطت الحامل لوارث، أو لزوج، فمن رأس مالها، إلا أن تكون مريضة وقال ربيعة: كذلك، إلا أن تثقل، أو يحضرها نفاس. قال ابن وهب وأخبرت بهذا أيضا، عن ابن المسيب، ويحيى بن سعيد، وابن حجيرة الخولاني وهو قول أحمد، وإسحاق وقال النخعي، ومكحول ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، والشافعي في عطية الحامل كقول سفيان الثوري وهو قول أبي حنيفة.

وروي عن سعيد بن المسيب: عطية الغازي من الثلث وقال مكحول: بل من رأس ماله، إلا أن تقع المسايفة وعطية راكب البحر كذلك. وقال الحسن: هو كالصحيح، وكذلك راكب البحر، ومن كان في بلد قد وقع فيه الطاعون. وقال مكحول: كذلك في راكب البحر ما لم يهج البحر. وقال الحسن في إياس بن معاوية لما حبسه الحجاج: ليس له من ماله، إلا الثلث، فقال إياس إذ بلغه قوله: ما فقه أحد إلا ساء ظنه بالناس. وقال الشعبي: ما صنع المسافر فمن الثلث من حيث يقع رحله في الغرز قال النخعي: بل من رأس المال. وقال الزهري: ما صنع الأسير فمن الثلث.

وقال أبو حنيفة: ليس للمريض أن يقضي بعض غرمائه دون بعض. ورأوا محاباته في البيع، وهباته، وصدقاته، وعتقه، كل ذلك من الثلث إن مات من ذلك المرض، إلا أن العتق ينفذ كله ويستسعى فيما لا يحمله الثلث منه، فإن أفاق من ذلك المرض نفذ كل ذلك من رأس ماله.

وأما المحصور، والواقف في صف الحرب فكالصحيح.

وأما الذي يقدم للقتل في قصاص، أو رجم فكالمريض.

ومن اشترى ابنه في مرضه الذي مات فيه فإن خرج من ثلثه عتق وورثه، وإن لم يخرج من ثلثه عتق ولم يرثه، واستسعى فيما زاد على الثلث كسائر الورثة، فإن أقر بولد أمته في مرض موته لحق به وورثه، وإن وطئ أمة في مرض موته فحملت فهي أم ولد من رأس ماله ويرثه ولدها. ووافقه على ذلك كله أبو يوسف، ومحمد، إلا أن الذي يشتري ولده في مرضه، ولا يحمله الثلث فإنهما قالا: يرثه على كل حال، ويستسعى فيما يقع من قيمته للورثة فيأخذونه. وقالوا كلهم: إنما هذا في المرض المخيف كالحمى الصالب والبرسام، والبطن، ونحو ذلك، ولم يروا ذلك في الجذام، ولا حمى الربع، ولا السل، ولا من يذهب ويجيء في مرضه.

وقال مالك: كقول أبي حنيفة في كل ما ذكرنا إلا في الحامل فإن أفعالها عنده كالصحيح إلى أن تتم ستة أشهر، فإذا أتمتها فأفعالها في مالها كالمريض. حتى أنه منعها من مراجعة زوجها الذي طلقها طلاقا بائنا واحدة أو اثنتين وإلا الأستسعاء فلم يره، بل أرق ما لم يحمل الثلث منه، وإلا فيمن اشترى ابنه في مرضه ولم يحمله الثلث فإنه أعتق منه ما حمل الثلث وأرق الباقي.

وقال الشافعي، وسفيان الثوري للمريض أن يقضي بعض غرمائه دون بعض

وقال الشافعي: فعل المريض مرضا مخيفا من الثلث، فإن أفاق فمن رأس ماله واختلف قوله في الذي يقدم للقتل فمرة قال: هو كالصحيح ومرة قال: هو كالمريض.

قال أبو محمد: أما قول مالك، وأبي حنيفة: أنه ليس للمريض أن يقضي بعض غرمائه دون بعض: فخطأ في تفريقهما في ذلك بين الصحيح، والمريض، والحق في ذلك هو أن رسول الله أمر بأن يعطى كل ذي حق حقه، فهو في إنصافه بعض غرمائه دون بعض معطي ذلك الذي أنصف حقه، ومن فعل ما أمر به فهو محسن، والإحسان لا يرد، فإن كان الذي لم ينصفه حاضرا طالبا حقه فهو عاص في أنه لم ينصفه، وهما قضيتان أصاب في إحداهما، وظلم في الأخرى والحق لا يبطله ظلم فاعله في قصة أخرى وحق الغريم إنما هو في ذمة المدين لا في عين ماله ما دام حيا لم يفلس، فإذ ذلك كذلك فقد نفذ الذي أعطى ما أعطاه بحق ولزمه أن ينصف من بقي إذ حقه في ذمته لا في عين ما أعطى الآخر ولم يأت نص في الفرق بين صحيح، ومريض، وما نعلم لهما في قولهما هذا سلفا.

وأما قولهما فيمن اشترى ولده في مرضه فلم يحمله الثلث أنه لا يرثه، فإن حمله الثلث عتق وورث: فقول في غاية الفساد والمناقضة، ولا نعلم لهما فيه سلفا متقدما؛ لأنه إن كان وصية، فالوصية للوارث لا تجوز فينبغي على أصلهم أن لا ينفذ عتقه أصلا حمله الثلث أو لم يحمله وقد قال بهذا بعض الشافعيين. وقال آخرون منهم: الشراء فاسد؛ لأنه وصية لوارث وإن كان ليس وصية فما باله لا يرث وقد صار حرا بملك أبيه له، ثم مناقضتهم في المريض يطأ أمته فتحمل أنها من رأس ماله حرة ويرثه ولدها، فإن قالوا: حملها ليس من فعله، قلنا: لكن وطأه لها من فعله، وإقراره بولدها من فعله، وعتق الولد في كل حال ليس من فعله.

وأما قول مالك في الحامل فقول أيضا لا نعلم له فيه سلفا، واحتج له بعض مقلديه بقول الله تعالى: {فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما}.

قال أبو محمد: وهذا إيهام منهم للأحتجاج بما لا حجة لهم فيه أصلا؛ لأن الله تعالى لم يقل إن الإثقال لم تكن إلا بتمام ستة أشهر: فظهر تمويههم بما ليس لهم فيه متعلق. ثم ليت شعري من لهم بأن الإثقال جملة يدخلها في حكم المريض، وقد يحمل الحمال حملا ثقيلا فلا يكون بذلك في حكم المريض عندهم. فإن قالوا: قد تلد لستة أشهر

قلنا، وقد تسقط قبل ذلك، والإسقاط أخوف من الولادة أو مثلها فظهر فساد هذا القول جملة. وبالله تعالى التوفيق.

قال علي: ثم نأخذ بحول الله تعالى وقوته في قول من قال: بأن أفعال المريض، ومن خيف عليه الموت من الثلث

قال أبو محمد: احتجوا بالخبر الثابت المشهور من طريق ابن سيرين، وأبي لمهلب، كلاهما عن عمران بن الحصين: أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعاهم رسول الله فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة. وجاء في بعض الروايات: أنه عليه السلام قال فيه قولا شديدا. وبالخبر الصحيح الثابت من طريق مالك؛ وابن عيينة، وإبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: جاءني رسول الله يعودني من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله قد بلغني من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأتصدق بثلثي مالي قال عليه السلام: لا، قلت: فالشطر قال: لا، ثم قال عليه السلام: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وذكر باقي الخبر قالوا: فلم يأذن له عليه السلام بالصدقة بأكثر من الثلث. وبخبر رويناه من طريق محمد بن عبد الملك بن أيمن، حدثنا يزيد بن محمد العقيلي، حدثنا حفص بن عمر بن ميمون عن ثور بن يزيد عن مكحول عن الصنابحي عن أبي بكر الصديق أن رسول الله قال: إن الله قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم رحمة لكم وزيادة في أعمالكم وحسناتكم.

ومن طريق سليمان بن موسى سمعت أن رسول الله قال: جعل لكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم.

ومن طريق معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال النبي في خبر عن الله تعالى: أنه قال: جعلت لك طائفة من مالك عند موتك أرحمك به.

ومن طريق معمر عن قتادة قال: قال رسول الله : ابتاعوا أنفسكم من ربكم أيها الناس، ألا إنه ليس لأمرئ شيء، ألا لا أعرفن امرأ بخل بحق الله حتى إذا حضره الموت أخذ يذعذع ماله ههنا ههنا.

ومن طريق وكيع عن طلحة، هو ابن عمرو المكي عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : إن الله تصدق عليكم بالثلث من أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم.

ومن طريق سعيد بن منصور، حدثنا هشيم أنا حجاج، عن العلاء بن بدر عن أبي يحيى المكي: أن رجلا أعتق غلاما له عند موته ليس له مال غيره، وعليه دين، فأمره رسول الله أن يسعى في قيمته.

ومن طريق سعيد بن منصور، حدثنا هشيم أنا خالد عن أبي قلابة عن رجل من بني عذرة أن رجلا منهم أعتق غلاما عند موته ولم يكن له مال غيره، فرفع ذلك إلى رسول الله فأعتق منه الثلث واستسعى في الثلثين: وقالوا قد صح عن أبي بكر، أنه قال لعائشة، رضي الله عنها، عند موته " إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا من مالي فلو كنت جددتيه وحزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث " قالوا: فأخبر أبو بكر بحضرة الصحابة أن من قارب الموت فماله مال الوارث. وقالوا: قد جاء ما أوردنا عن علي، وابن مسعود، ولا مخالف لهما يعرف من الصحابة رضي الله عنهم فهو إجماع، وقالوا: قسناه على الوصية.

قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا به، وكله لا حجة لهم فيه: أما حديث رجل من بني عذرة: فمرسل، وعن مجهول، ثم لو صح لكان مخالفا لقول مالك، والشافعي؛ لأنهما لا يريان الأستسعاء.

وأما خبر أبي يحيى المالكي: فهالك؛ لأنه مرسل، وعن حجاج، وهو ساقط، ثم لو صح لكان مخالفا لقول مالك والشافعي.

وأما حديث أبي هريرة: ففيه طلحة بن عمرو المكي وهو كذاب.

وأما حديث قتادة: فمرسل، ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة؛ لأن البخل بحق الله تعالى لا نخالفهم أنه لا يحل، وأن ذعذعة المال ههنا وههنا لا تجوز عندنا، لا في صحة، ولا في مرض، فليس ذلك الخبر مخالفا لقولنا. وأما حديث أبي قلابة: فمرسل، وكذلك حديث سليمان بن موسى.

وأما حديث أبي بكر فسنده غير مشهور، ولا ندري حال حفص بن عمر بن ميمون، ثم لو صح هو وجميع الآثار التي ذكرنا لم يكن لهم في شيء منها حجة أصلا؛ لأنه ليس فيها كلها إلا أن الله عز وجل تصدق علينا عند موتنا بثلث أموالنا: فهذا يخرج على أنه الوصية التي هي بلا خلاف نافذة بعد الموت، ومعروف في اللغة التي بها خاطبنا رسول الله أن العرب تقول: كان أمر كذا عند موت فلان، وارتدت العرب عند موت رسول الله وولي عمر عند موت أبي بكر هذا أمر معروف مشهور. فجميع هذه الأخبار خارجة على هذا أحسن خروج، وموافقة لقولنا على الحقيقة، حاشا خبر العلاء بن بدر عن أبي يحيى المكي، فإنه لا يخرج لا على قولنا، ولا على قول أحد منهم، فليس لهم أن يحتجوا بخبر يخالفونه؛ لأن أبا حنيفة يقول: إن كان الدين لا يستغرق جميع قيمة العبد فإنما يسعى في الدين فقط، ثم في ثلثي ما يبقى من قيمته بعد الدين فقط، وهو قولنا إذا أوصى بعتقه، ونحن نقول: إن كان الدين يستغرق جميع قيمته؛ فالعتق باطل، وهو قول مالك، والشافعي. فكل طائفة منهم قد خالفت ذلك الحديث. ثم جميعهم مخالف لجميع هذه الآثار؛ لأنه ليس فيها إلا: " عند موته، وعند موتكم " وليس في شيء منها ذكر لمرض أصلا، فالمرض شيء زادوه بآرائهم ليس في شيء من الآثار نص منه، ولا دليل عليه، وقد يموت الصحيح فجأة، ومن مرض خفيف، فاقتصارهم على المرض من أين خرج وهلا راعوا ما جاءت به الآثار من لفظ " عند موته " فجعلوا من فعل ذلك " عند موته " صحيحا فعله أو مريضا من الثلث، وجعلوا ما فعلوا في صحته أو مرضه مما تأخر عنه موته من رأس ماله فظهر أن جميع هذه الآثار مخالفة لقولهم، وأنها من النوع الذي احتجوا به لأقوال لهم، ليس منها شيء فيما احتجوا له به، وهذا إيهام منهم قبيح، وتدليس في الدين فسقط تعلقهم بها.

وأما حديث سعد: فإنا رويناه من طريق سفيان الثوري عن سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.

ومن طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه.

ومن طريق مروان بن معاوية الفزاري عن هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن عامر بن سعد عن أبيه.

ومن طريق عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.

ومن طريق أيوب السختياني عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد سعد، كلهم عن سعد.

ومن طريق قتادة عن يونس بن جبير عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.

ومن طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد بن أبي وقاص.

ومن طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعد، وعائشة أم المؤمنين، كلهم قال في هذا الخبر: أفأوصي بمالي أو بثلثي مالي يا رسول الله ثم بنصفه وهو خبر واحد.

فصح أن الذين رووا لفظ " أفأتصدق " عن الزهري إنما عنوا به الوصية بلا شك، لا الصدقة في حال الحياة؛ لأنه كله خبر واحد، عن مقام واحد، عن رجل واحد، في حكم واحد؛ وكل وصية صدقة. وليس كل صدقة وصية. نعم: وروينا هذا الخبر من طريق أبي داود، حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: نا عبد العزيز بن الماجشون،، وإبراهيم بن سعد، كلاهما عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: مرضت مرضا شديدا فأشفيت منه فدخل علي رسول الله فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وإنما ترثني ابنة لي واحدة، أفأتصدق بمالي كله قال: لا، قلت: فأوصي بالشطر، قال: لا قلت: يا رسول الله فبم أوصي قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. فروى مالك؛، وابن عيينة عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أفأتصدق وروى إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه مرة: أفأتصدق، ومرة: أفأوصي وروى معمر، وسعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه أفأوصي وليسا دون مالك، وابن عيينة. واتفق سائر من ذكرنا على لفظ: " أوصي " فارتفع الإشكال جملة.

وأيضا: فليس في هذا الخبر نص، ولا دليل بوجه من الوجوه على أن ذلك الحكم في المرض خاصة دون الصحة، فمن قال: إنه في المرض خاصة فقد كذب وقول رسول الله ما لم يقل، وهذا من أكبر الكبائر.

وأيضا: فقد علم رسول الله أن سعدا سيبرأ وتكون له آثار في الإسلام، فبطل أن يكون ذلك حكم المرض الذي يموت المرء منه: روينا من طريق أبي داود، حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله قائما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا أخبر به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علم أصحابي هؤلاء أنه ليكون مني الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه فإذا رآه عرفه.

قال أبو محمد: وسعد قد فتح أعظم الفتوح، وأنزل ملك الفرس عن سريره، وافتتح قصوره، ودوره، ومدائنه، فبطل أن يكون لهم بهذا الخبر متعلق أصلا.

وأما خبر عمران بن الحصين في الستة الأعبد، فأولى الناس أن لا يحتج به: أبو حنيفة، وأصحابه الذين لا يستحيون من أن يقولوا: إنه قمار، وإنه فعل باطل، وحكم جور شاه وجه من قال ذلك في حكم رسول الله فبقي الكلام فيه مع المالكيين والشافعيين، وأصحابنا القائلين به:

قال علي: فنقول وبالله التوفيق: إنه لا حجة لهم فيه أصلا لوجوه ثلاثة:

أولها: أنه ليس فيه إلا العتق وحده، فإقحامهم مع العتق جميع أفعال المريض خطأ وتعد لحدود الله تعالى، والقياس باطل، ولو كان حقا لكان ههنا باطلا؛ لأنهم يفرقون بين حكم العتق وسائر الأحكام، فيوجبون فيمن أعتق شقصا له من عبد أن يقوم عليه باقيه فيعتقه، ولا يرون فيمن تصدق بنصف عبده أو أوقف نصف داره، أو نصف فرسه، أو تصدق بنصف ثوبه أو بنصف ضيعته: أن يقوم عليه باقي ذلك، وينفذ فعله في جميعه: فمن أين وجب أن يقاس على العتق ههنا ولم يجب أن يقاس عليه هنالك إن هذا لتحكم فاسد والوجه الثاني: أنه ليس فيه: من فعل المريض كلمة، ولا دلالة، ولا إشارة بوجه من الوجوه: إنما فيه " أعتق عند موته " فكان الواجب عليهم: أن يجعلوا هذا الحكم فيمن أعتق عند موته صحيحا أو مريضا. فمات إثر ذلك، لا فيمن أعتق مريضا، أو صحيحا، ثم تراخى موته، فإن هذا لم يعتق عند موته بلا شك وهذا مما خالفوا فيه الخبر الذي احتجوا به فيما فيه، وأقحموا فيه ما ليس فيه واحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء أصلا، وهذه قبائح موبقة نعوذ بالله منها. والثالث: أن هذا الخبر حجة لنا عليهم قاطعة؛ لأن هذا الإنسان لم يبق لنفسه شيئا أصلا، هكذا في الحديث أنه لم يكن له مال غيرهم، وهذا عندنا مردود الفعل صحيحا كان أو مريضا، ولا يجوز لأحد في ماله عتق تطوع، ولا صدقة تطوع، ولا هبة يبت بها إلا فيما أبقى غنى، كما قال عليه السلام الصدقة عن ظهر غنى. وقد أبطل رسول الله عتق إنسان صحيح لم يكن له مال غيره:

كما روينا من طريق البخاري، وأحمد بن شعيب، قال البخاري: حدثنا عاصم بن علي،

وقال أحمد: أنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي وعمي هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثم اتفق عاصم، وسعد، ويعقوب أبناء إبراهيم، قالوا كلهم: حدثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق عبدا له لم يكن له مال غيره فرده رسول الله وابتاعه منه نعيم بن النحام قال الزهريون في روايتهم: فرده عليه السلام: فهذا إسناد كالشمس لا يسع أحدا خلافه.

فصح أن النبي إنما رد عتق أولئك الأعبد؛ لأن معتقهم لم يكن له مال غيرهم، وكان عتقه عليه السلام لثلثهم والله أعلم كما روي في بعض الأخبار: أنه عليه السلام قال لكعب بن مالك إذ جعل على نفسه إذ تاب الله عليه: يجزيك من ذلك الثلث وإن كان هذا اللفظ لا يصح، لكنه عليه السلام قال له: أمسك عليك بعض مالك؛ فأمسك سهمه بخيبر، فقد يكون ذلك المعتق له في أربعة منهم غنى. وبرهان هذا: أن الرواية الثانية في ذلك الخبر: أنه عليه السلام إنما أعتق اثنين، وأرق أربعة ولم يذكر قيمة، والثلث عند المحتجين بهذا الخبر لا يكون هكذا أصلا، ولا يكون إلا بالقيمة. ووجه رابع وهو أننا روينا هذا الخبر من طريق مسلم، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، هو ابن راهويه، وابن أبي عمر كلاهما عن الثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين: أن رجلا أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا.

فصح أن ذلك العتق إنما كان وصية، ولا خلاف أنها الصحيح والمريض سواء، ولا تجوز إلا بالثلث، فإن كانت الروايتان حديثا واحدا وهو الأظهر الذي لا يكاد يمكن، ولا يجوز غيره فقد ارتفع الكلام، وبطل تعلقهم به، وإن كانا خبرين وهذا ممكن بعيد فكلاهما لنا، وموافق لقولنا ومخالف لقولهم، وعلى كل حال فليس في شيء منه ذكر لمرض، ولا لفعل في مرض أصلا، ولا لأن الرد إنما كان؛ لأن العتق وقع في مرض وبالله تعالى التوفيق فبطل عنهم كل ما موهوا به من الآثار التي هم أول مخالف لها، وعادت كلها لنا عليهم حجة.

وأما ما رووا في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم فكذلك أيضا، وإنما هم ثلاثة: أبو بكر، وعلي، وابن مسعود: فأما أبو بكر فإنما تعلقوا عنه بقوله: وإنما هو اليوم مال الوارث وهذا لا متعلق لهم به أصلا؛ لأنه لا يختلف اثنان وهم معنا أيضا في أنه رضي الله عنه إنما عنى أنه مال الوارث بعد موته، وأنه لم يعن بذلك أن مال المريض الذي يموت من ذلك المرض للوارث ما دام شيء من الروح في المريض، ولا خلاف في أن أسماء لو ماتت إذ قال أبو بكر هذا القول لها لما ورث عبد الله، وعروة، والمنذر، أولادها من مال أبي بكر حبة خردل، ولا قيمتها، فما فوق ذلك. ولو كان مال المريض. قد صار مالا للوارث في مرضه لورثه عنه إن مات ورثته في حياة المريض، وهذا لا يقوله أحد، ولا أحمق، ولا عاقل.

وأيضا فلا خلاف منا ومنهم في أن الوارث لو وطئ أمة المريض قبل موته لكان زانيا يحد حيث يحد لو وطئها وهو صحيح، ولا فرق وأنه لو سرق من ماله قبل موته شيئا في مثله القطع لقطعت يده حيث تقطع يده لو سرق منه وهو صحيح: فظهر تمويههم وبردهم وتدليسهم في الدين بإيهامهم الباطل من اغتر بهم، وأحسن الظن بطرقهم. فإن أتونا في صرف الأخبار التي ذكرنا قبل عن ظاهرها ببرهان مثل هذا وجب الأنقياد للحق، وإن لم يأتونا إلا بالكذب البحت، وبالظن الفاسد، وبالتمويه الملبس، فعار ذلك وناره لا زمان لهم، لا لنا وبالله تعالى التوفيق فبطل تعلقهم بخبر أبي بكر رضي الله عنه جملة.

وأما الخبر، عن ابن مسعود فمرسل؛ لأن الحسن، والقاسم بن عبد الرحمن، لم يدركاه ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة؛ لأن في إحدى الروايتين عنه: أنه ابتاعها في مرضه، فأجاز بيعه وأعتقها عند موته، فأمرها بأن تسعى في ثمنها للغريم. وفي الأخرى أعتق عبده في مرضه لا مال له غيره، فقال ابن مسعود: عتق، ثلثه والقول في هذا كالقول في بعض الأخبار المتقدمة من أنه إنما رد ذلك؛ لأنه لم يكن له مال غيره، فراعى ما أبقى له غنى. وقد روينا من طريق ابن أبي شيبة، حدثنا حفص، هو ابن غياث عن حجاج عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أعتقت امرأة جارية لها ليس لها مال غيرها، فقال عبد الله بن مسعود: تسعى في قيمتها فهذا عبد الله قد رأى السعي في قيمتها إذ لم يكن له مال غيرها، ولم يذكر أن ذلك كان في مرض أصلا، فعاد فعل ابن مسعود لو صح حجة عليهم، فكيف، ولا حجة في قول أحد، ولا فعله دون رسول الله فبطل تعلقهم بابن مسعود ولاح خلافهم له وأما الرواية عن علي فمنقطعة؛ لأن الحسن لم يسمع من علي شيئا، ثم لو صحت لما كان لهم بها متعلق أصلا؛ لأنه لم يقل علي رضي الله عنه أنه إنما فعل ذلك؛ لأنه أعتقه في مرضه ألبتة، ولا في تلك الرواية ذكر: أن ذلك كان في مرض لا بنص، ولا بدليل، وإنما فيه: أنه أعتقه عند موته فقط، والأظهر أن عليا إنما أوجب الأستسعاء في ذلك؛ لأنه لم يكن له مال غيره وعليه دين، فهذا هو نص الخبر، وهو قولنا لا قولهم كلهم، وكذلك نقول بالأستسعاء في هذا إذا فضل من قيمة العتق عن الدين شيء قل أو كثر، وليس في ذلك الخبر خلاف لهذا، فلاح ولله الحمد كثيرا أن كل ما احتجوا به من أثر صحيح أو سقيم، أو عن صاحب فليس منه شيء أصلا موافقا لقولهم، وأن إيرادهم لكل ذلك تمويه، وإيهام بالباطل، والظن الكاذب، وأن كله أو أكثره حجة لنا، وموافق لقولنا والحمد لله رب العالمين.

وأما احتجاجهم بالتابعين، ودعواهم الإجماع في ذلك فغير منكر من استسهالهم الكذب على جميع أهل الإسلام وقد أوردنا في صدر هذه المسألة بأصح طريق عن مسروق خلاف قولهم، وأن عتق المريض من رأس ماله، وإن مات من مرضه ذلك، وأنه إنما قال بذلك؛ لأنه شيء جعله لله تعالى، فلا يرد.

فصح أن كل ما فعله المريض لله تعالى فمات من مرضه أو عاش، فمن رأس ماله عند مسروق، فظهر كذبهم في دعوى الإجماع، فكيف وإنما جاءت في ذلك آثار عن أربعة عشر من التابعين فقط شريح، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وسالم، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعكرمة، ومكحول، وعطاء، والحسن، وقتادة، أكثر ذلك لا يصح عنهم؛ لأنها من طريق جابر الجعفي ومثله. ثم هم مختلفون، فمنهم من رأى المسافر من حين يضع رجله في الغرز لا ينفذ له أمر في مال إلا من ثلثه ومنهم من يرى ذلك في الحامل جملة. ومنهم من يرى ذلك في الأسير جملة، والمالكيون، والحنفيون، والشافعيون: مخالفون لكل هذا. ثم قولهم في تفسير الأمراض مخالف لجميعهم، فإن كان هؤلاء إجماعا فقد أقروا على أنفسهم بخلاف الإجماع، وإن كان ليس إجماعا فلا حجة لهم في قول من دون الصحابة إذا لم يكن إجماعا عندهم، فكيف وقد روينا عن مسروق، والشعبي، خلاف هذا.

وروينا من طريق محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي قال: إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها في مرضها فهو جائز، وقال سفيان: لا يجوز: فصح أن إبراهيم إنما عنى مرضها الذي تموت منه، ولم يراع ثلثا، ولا رآه وصية.

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز في الرجل يتصدق بماله كله قال: إذا وضع ماله كله في حق فلا أحد أحق بماله منه، وإذا أعطى بعض الورثة دون بعض فليس له إلا الثلث.

قال أبو محمد: لا يخلو عمر بن عبد العزيز من أن يكون أراد الصحيح، والمريض معا، أو المريض وحده، أو الصحيح وحده: فإن أراد الصحيح فقط فقد رد فعله في صدقته بماله كله، وإن كان أراد المريض: فقد أمضى فعله في ماله كله فهذا خلاف ظاهر.

ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع: أن رجلا رأى فيما يرى النائم: أنه يموت إلى ثلاثة أيام فطلق نساءه طلقة طلقة، وقسم ماله فقال عمر بن الخطاب له: أجاءك الشيطان في منامك فأخبرك: أنك تموت إلى ثلاثة أيام فطلقت نساءك وقسمت مالك رده ولو مت لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال فرد ماله ونساءه، وقال له عمر: ما أراك تلبث إلا يسيرا حتى تموت.

ومن طريق حماد بن سلمة، حدثنا يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين: أن امرأة رأت فيما يرى النائم أنها تموت إلى ثلاثة أيام فشذبت مالها وهي صحيحة، ثم ماتت في اليوم الثالث فأمضى أبو موسى الأشعري فعلها. فإن كان للموقن بالموت حكم المريض في ماله فقد أمضاه أبو موسى، فهذا خلاف قولهم، وإن كان له حكم الصحيح فقد رده عمر، ولم يمض منه ثلثا، ولا شيئا، وهذا خلاف قولهم وبالله تعالى التوفيق ومن أقبح مجاهرة ممن يجعل مثل من ذكرنا قبل إجماعا ثم لا يبالي بمخالفة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالد بن الوليد، وأبي موسى، وابن الزبير، وغيرهم، وطوائف من التابعين في القصاص من اللطمة، وضربة السوط، لا مخالف لهم يعرف من الصحابة، ومثل هذا كثير جدا قد تقصينا منه جزءا صالحا في موضع آخر.

وأما قولهم: قسنا ذلك على الوصية، فالقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل؛ لأن الوصية إنما تنفذ بعد الموت وهي من المريض. والصحيح سواء بلا خلاف لا تجوز إلا في الثلث فما دونه، فإذا قيس فعل المريض عليها وجب أن يكون في الحياة فعل المريض كفعل الصحيح سواء سواء.

وأيضا: لو كان القياس حقا لكان لا شيء أشبه بشيء وأولى بأن يقاس عليه من شيئين شبه رسول الله بينهما: وقد روينا من طريق أحمد بن شعيب، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو الأحوص عن أبي حبيبة عن أبي الدرداء أن رسول الله قال: الذي يعتق عند الموت كالذي يهدي بعد ما يشبع.

قال علي: ولا يختلفون في أن الذي يهدي بعد ما يشبع فهديته من رأس ماله، فإن كان القياس حقا فالمعتق عند الموت مثله سواء سواء، فواجب أن يكون من رأس ماله، قال تعالى: {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} وهذا نص جلي لا يحتمل تأويلا على جواز الصدقة للصحيح والمريض ما لم يأته الموت ويجئ حلول أجله دون تأخير قريب أو بعيد، ولكنهم لا النصوص يتبعون، ولا القياس يحسنون.

وأيضا: فلا خلاف بينهم أصلا في أن ما اشتراه المريض من فاكهة، ولحم، ونحو ذلك مما هو عنه في غنى، وما تصدق به على سائل بالباب، فإنه من رأس ماله، فلو كان فعله في مرضه من الثلث لكان هذا من الثلث، بل لو لم يكن له من ماله إلا الثلث، في مرضه الذي يموت منه لما وجب أن يعد أكله ونفقته على نفسه وعياله إلا من الثلث؛ لأن باقي ذلك لا حكم له فيه وهم لا يقولون بهذا فظهر من تخاذلهم وتناقضهم وفساد أقوالهم في هذه المسألة ما بعضه يكفي وبالله تعالى التوفيق.

محلى ابن حزم - المجلد الثالث/كتاب الحجر
كتاب الحجر (مسألة 1394) | كتاب الحجر (تتمة مسألة 1394) | كتاب الحجر (مسألة 1395) | كتاب الحجر (مسألة 1396) | كتاب الحجر (مسألة 1397 - 1402)