محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني: النزاع بينهما وبعض وجوهه الجغرافية/الجزء الثالث

محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني: النزاع بينهما وبعض وجوهه الجغرافية
المؤلف: أسد رستم


[1]

محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني

العوامل الجغرافية والاقتصادية في النزاع بينهما

–٣–

﴿الخمور والتبغ﴾ تحریم احتساء الخمور وسائر المشروبات الروحية في مصر الإسلامية كان سببا في أن كثيرين من أهلها باتوا في بعض الأحيان لا يعرفون الاعتدال في تدخين التبغ. ومع أن الجدل في مصر على فائدة التبغ كان عنيفا في خلال القرن السابع عشر فانه ما جابت أوائل القرن التاسع عشر حتى اصبح تدخين عاما الى حد كبير وقد انبأنا «کارن » الذي مر بصر حوالي سنة ۱۸۳۰ بانه كان شائعة في القاهرة حتى بين السيدات . وكان اهل المدن المصرية في تلك الأيام يفضلون التبغ السوري على التبغ البلدي لبب لم يقف عليه كاتب هذه المقالة فكانت البلاد تستورد منه مقادیر كبيرة في كل سنة فاستوردت في سنة ۱۷۹۹ من اللاذقية وحدها ٤۰۰۰ بالة زنة كل منها ٤۰۰ رطل وأصدرت اليها صور في السنة نفسها من ٤٠٠ بالة إلى ... وقد أيد هذه الحقيقة بوجه الاجمال ما كتبه سنت جون وديسال اللذان أرتادا مصر في العقد الثالث من القرن الماضي

﴿التجارة ﴾ ولقد كانت سورية منذ عصور غابرة منفذة من المنافذ الكبرى لتصريف تجارة اسيا الوسطى والهند وجانب كبير من العراق والاناضول فصمغ ایران وراوند الصين وقر من شمال العراق وار مبنيا الصغرى وعفص الاناضول كانت ترسل كلها إلى مصر وغيرها من بلدان البحر الأبيض المتوسط عن طريق سور بة . ولا تزال آماء بعض الأقمشة الحربية الى يومنا هذا ندل دلالة كافية على ما كان انا في العصور الوسطى وما لنا اليوم من الصلات بآسيا الوسطي . فان حریر فنا وحرير ساتان المعروفين عندنا الآن أصلها على الغالب من اسيا الوسطى . وكثير من الحجارة الكريمة التي كانت تباع في اسواق الشرق في ايام محمد علي و قبل ايامه كانت ترد كذلك من ایران و اسيا الوسطى ولم تكن هذه الساع كبيرة الحجم فكان الحجاج بنقلونها معهم في ذهابهم الى الحج اذ كان يجتمع ألوف منهم في دمشق كل عام ومن هناك بسيرون مما إلى مكة والمدينة . وفي بعض الأعوام كانوا يقيمون شهر او شهرين في سوريا فيساعدون بذلك على ترويج تجارتها وصناعاتها [2] بود الشافي رواجا عظيما وهكذا كانت سوريا مصر مما ينفقها من حاجاتها الاقتصادية وتقدم لمحمد على كل ما يحتاج اليه ﴿رباح الخمسين﴾ يضاف إلى هذا كله ان احوالا طبيعية وجغرافية كانت تجعل سورية وقيلبقية ضرور بتين جدا لوالي مصر فان ريح الخمسين التي نهب برملها على وادي النيل اتلفت ما كان محمد علي باشا قد استورده حديثا من اور با من الآلات ذات الأجزاء الدقيقة. كذلك اضرت الارض الرملية الواقعة على حافة العراء مما كان عنده من قطعان غنم المر پنو و بصوفها الناعم النفيس لان عراعي هذه الاغنام كانت إما في مراع رملية واما في مراع رطبة وغير صحية أما الأراضي الجيدة التربة فقد كان يصعب تحويلها الي مراع الاشية لغلاء ثمنها ووفرة ريعها من الحاصلات الأخرى المتنوعة وفوق ذلك فان هذه القطعان لم تكن تجد في صيف كل سنة ما تتفيه من خلال اشجار الاقليم الذي ألفته وكانت لا تجد حظائر تبيت فيها في الشتاء

أما في سوريا فالاحوال الطبيعية كانت تختلف عن ذلك كثيرة اذ لم يكن فيها اذ ذاك سيارات فورد او سواها تملأ جوها غبارة . ثم أن هواء لبنان وامانوس بضارع في صفائه ونقاوته هواء اي صقع من اصقاع اور با . وفي جبالها كل ما كان محمد علي في حاجة اليه من المعادن ومناجم الفحم اللازمة لمصانعه وكان بعض من بقاع سور يا يصلح لتربية اغنام المربينو كما يصلح لها شمال ايطاليا وهو وطنها الأصلي فاقليم سوريا ومراعيها كانت تصلح جدا لهذه الغاية

﴿الحدود الجغرافية﴾ زد على هذا أن حكام مصر من أقدم العصور كانوا يجدون مشقة عظيمة في السيطرة على حدود صحراء سيناء وفي ايام الاحتلال الفرنسوي كان البدو ينجرون في المعرات الحربية المهربة بين هر وسوريا فتعذر على الفرنسوبين منع هذه التجارة بسبب طبيعة البلاد ولم تتغير هذه الحالة على الاطلاق في مدة حكم محمد علي حتى جاء وقت كان البدو فيه اشد ازعاجا له ما كانوا على عيد الاحتلال الفرنسوي فسلبوا في سنة ۱۸۱۲ قائلة خاصة بها بينما كانت سائرة من السويس الى القاهرة وفروا بغنيمتهم من الجمال والسلام ولما حاول محمد علي أن يقتص منهم لجأوا إلى حدود سورية . وهكذا نجا اپنا بعض رعایا محمد على نفسه وكثيرون من أعدائي وما حادثة فرار ۱۰۰۰۰ او ۱۲۰۰۰ من الفلاحين الى تخوم سورية في سنة ۱۸۲۹ والتجاوم جلد ۱۷ (36) [3] القطن الي حدود عكا الا واحدة من حوادث كثيرة من هذا القبيل ولم تكن تلك الحادثة وحدها علة حرب سنة ۱۸۳۱ بل كانت احدی عللها الحقيقية وهكذا لم يجد محمد علي بدا من ضم جنوب سوريا الى مصر صونا للنظام وتوطيدة للامن في . السياسة والحزب المعارض با وعلاوة على هذا كان محمد علي بحس ان بن القاهرة عاصمة ولايته حزبا قويا معارضا لحكمه وكان يعرف جيدا ان الفلاح لا يميل الى اسلو به النظامي الجديد في الحكم حتي آن نفرة من المصريين كانوا يمقتون اصلاحاته الزراعية وكانت أشد عناصر السكان تعصبا غير محبذة لبعض اصلاحاته الاجتماعية بل انه كان على بينة من أن له اعداء من ذوي النفوذ ينفرون في السنوات العشرين الأخيرة ويتحينون الفرص لشق عصا طاعته ولهذا كله اشتدت رغبته في محاربة السلطان محمود حرب الحياة والموت بعيدة عن مصر وعن حزبها المعارض وفي بلاد غربية كورية ليكون اكثر اطمئنانا الى السكان الوطنيين في میدان الحرب بسبب سياسته

  • * *

ولكن ليس هذا كل ما دفع به الى اختيار سور یا میدان الحرب بل أن سورية وقيليقيه وهما بلادان جبلينان كانتا من أصلح الحدود التي تحيط بممتلكاني الافريقية فقد كانت مساحة مقاطعة ادنه قبل الحرب ۰۰۰ ۰۰۰ ۰۲ دوئم منها . اراض جبلية و و ۰۰۰ ۹۰۰۰ بطائع ومستنقعات و۰۰۰ ۰۰۰ ۲۰ فقط اراضي لا تصلح الاغراض الدفاع في الحرب ومثلها كانت سور با بجبالها الشاهقة واوديتها العميقة وشعابها الضيقة - هذه وتلك كانا حاجزا طبيعيا دون تقدم جيوش السلطان محمود جنو با از لم تكن فيهما طرق صالحة لسير الجيوش فكانت خطرة على كل جيش معادی وكان على الجيش التركي الذي يريد غزو سورية المصرية ان يجتاز ايضا جبال طوروس من طريق واحد او من طريقين وهذا امر كان يعوق نقدية كثيرة وكان عليه ان ينقل كل محياته ومنه في طريق وعر فاذا أكره على التراجع استهدف لخطر كارثة تحل به في ارتدادم على عقبيه لاجتياز جبال طوروس ثانية أما محمد على باشا فكان له وراء هذا الخط الأول من خطوط الدفاع خط ثان في لبنان حيث كان في وسعي أن يعتمد على تأبد الأمير بشير الشهابي الكبير وحزبه [4]كذلك كان له خط ثالث في جبل الكرمل وخط رابع هو خط هيأته الطبيعة خصيصا في صحراء سيناء

كان جانب عظيم من ساحل سوربا قاحلا مجدا وكانت فيه صخور قليلة هنا وهناك ولكنه كان في معظم امتداد مستقية اجزاؤه المتعرجة قريبة إلى منحدرات الجبال المجاورة له بحيث كان من الميسور اتخاذها حصونا له فباستيلاء محمد علي على سوربا حمي جناحه من الاستهداف لهجات اسطول السلطان

وقد كان جميع المغيرين على سوريا يتجنبون غالبا انزال جنودهم إلى البر قبل ان تصبح البلاد الواقعة وراء الساحل في قبضتهم فتحوتمس وستي ورمسيس والاسكندر و نابوليون اغاروا على سوريا من طريق البر غیر آن ساحلا كساحل سورية كان على الضد من ذلك ذا فائدة حقيقية لمحمد علي في حربه مع السلطان محمود اذ استطاع بما كان له من القواعد البحرية في گریت والاسكندرونة وعكا أن يدافع عن مصر بحرة وكانت سوريا ايضا طريقا عاما بين آسيا وافريقية وقنطرة عظيمة تصل أملاك محمد علي باملاك السلطان محمود ولهذا السبب كان ينبغي أن تكون السيطرة عليها الوالي مصر

وان من ينعم النظر في ما أبداه محمد علي من الهمة في تشييد المباني في سورية بين سنة ۱۸۳۱ وسنة ۱۸۶۰ يغلب آن يؤي بد صحة تعليلنا هذا للبواعث التي دفعت به الى فتح سور یا فانه حصن شعاب طوروس وجدد بناء حصون عكا ورميم طريقا حربيا كبيرا بين شمال سوريا ومصر وشرع في تحويل الإسكندرونة الى قاعدة بحرية ثم ان ما كان شدة تصميم إبراهيم باشا على اخذ ادنه من السلطان علاوة على سوریا لا ينام الا على الوجه الذي عطلنا به بواعث ابيه

وقصارى القول أن سورية ومصر كانتا منذ مائة سنة تؤلفان وحدة اقتصادية وبمعنی ما وحدة جغرافية طبيعية وقد اعترف محمد علي بهذه الحقيقة منذ أوائل عهد ولايته ورغب بحر به مع الباب العالي في أن يجعل البلادين وحدة سياسية أيضا آه جامعة بيروت الأميركية     الدكتور اسد رستم

---