نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم الثاني/الجزء الثاني


إن هذا الجزء الثاني من الإقليم الثاني تضمن في حصته من الأرضين بقية صحراء نيسر وجملة أرض فزان بما فيها من المدن وكذلك أيضاً تحصل فيه جملة بلاد من أرض زغاوة السودان وأكثر هذه الأرضين صحار متصلة غير عامرة وجهات وحشة وجبال حرش جرد لا نبات فيها والماء بها قليل جداً لا يوجد إلا في أصل جبل أو في ما اطمأن من سباخها وبالجملة إنه هناك قليل الوجود يتزود به من مكان إلى مكان وأهل تلك الأرضين يدلون في أكنافها وطرقاتها ويجولون في ساحاتها ووهادها وجبالها.

وفي هذه الصحاصح المذكورة يقع أقوام رحالة ينتقلون في أكنافها ويرعون مواشيهم في أدانيها وأطرافها وليس لهم ثبوت في مكان ولا مقام بأرض وإنما يقطعون دهرهم في الرحلة والانتقال دائماً غير أنهم لا يخرجون عن حدودهم ولا يفارقون أرضهم ولا يمتزجون بغيرها ولا يطمئنون إلى من جاورهم بل كل أحد منهم يأخذ حذره وينظر لنفسه قدر جهده وأهل المدن الذين يجاورونهم من أجناسهم يسرقون أبناء هولاء القوم الرحالة الذين يعمرون هذه الصحارى ويسرون بهم في الليل ويأتون بهم إلى بلادهم ويخفونهم حيناً من الدهر ثم يبيعوهم من التجار الداخلين إليهم بالبخس من الثمن ويخرجونهم إلى أرض المغرب الأقصى ويباع منهم في كل سنة أمم وأعداد لا تحصى وهذا الأمر الذي جئنا به من سرقة قوم أبناء قوم في بلاد السودان طبع موجود فيهم لا يرون به بأساً.

وهم أكثر الناس فساداً ونكاحاً وأغزرهم أبناء وبنات وقلما توجد منهم المرأة إلا ويتبعها أربعة أولاد وخمسة وهم في ذاتهم كالبهائم لا يبالون بشيء من أمور الدنيا إلا بما كان من لقمة أو نكحة وغير ذلك لا يخطر لهم ذكره على بال.

وفي بلاد زغاوة من المدن والقواعد سغوة وشامة وبها قوم رحالة يسمون صدراتة يقال إنهم برابر وقد تشبهوا بالزغاويين في جميع حالاتهم وصاروا جنساً من أجناسهم وإليهم يلجؤون فيما عن لهم من حوائجهم وبيعهم وشرائهم ومن مدن زغاوة شامة وهي مدينة صغيرة شبيهة بالقرية الجامعة وأهلها في هذا الوقت قليلون وقد انتقل أكثر أهلها إلى مدينة كوكو وبينهما ست عشرة مرحلة وأهل شامة يشربون الألبان ومياههم زعاق وعيشهم من اللحوم الطرية والمقددة والأحناش يتصيدونها كثيراً ويطبخونها بعد سلخها وقطع رؤوسها وأذنابها وحينئذ يأكلونها والجرب لا يفارق أعناق هؤلاء القوم بل هو فيهم موجود وهم به مشهورون وبه يعرف الزغاويون في جميع الأرض وقبائل السودان ولولا أنهم يأكلون الأحناش لتقطعوا جذاماً وهم عراة يسترون عوراتهم فقط بالجلود المدبوغة من الإبل والبقر ولهم في هذه الجلود التي يستترون بها ضروب من القطع وأنواع من التشريف يحكمونها.

ولهم في أعلى أرضهم جبل يسمى جبل لونيا وهو عالي الارتقاء صعب لكنه ترب وترابه أبيض رخو وفي أعلاه كهف لا يقربه أحد إلا هلك ويقال إنه فيه ثعبان كبير يلتقم من اعترض مكانه على غير منه بذلك وأهل تلك الناحية يتحامون ذلك الكهف وفي أصل هذا الجبل مياه نابعة تجري غير بعيد ثم تنقطع وعليه أمة تسمى سغوة من قبائل زغارة وهم قوم ظواعن رحالة والإبل عندهم كثيرة اللقاح حسنة النتاج وهم ينسجون المسوح من أوبارها والبيوت التي يعمرونها ويأوون إليها ويتصرفون في ألبانها وأسمانها ويتعيشون من لحومها والبقول عندهم قليلة وهم يزوعونها وينتجونها وأكثر ما يزرعه أهل زغاوة الذرة وربما جلبت الحنطة إليهم من بلاد وارقلان وغيرها.

وفي جهة الشمال وعلى ثماني مراحل من موضع قبيلة سغوة مدينة خراب تسمى نبرنته وكانت فيما سلف من المدن المشهورة لكن فيما يذكر أن الرمل تغلب على مساكنها حتى خربت وعلى مياهها حتى نشفت وقل ساكنها فليس بها في هذا الزمان إلا بقايا قوم تشبثوا بمقامهم في بقايا خرابها حناناً للموطن وبهذه المدينة في جهة شمالها جبل يسمى غرغة حكى صاحب كتاب العجائب أن فيه نملاً على قدر العصافير وهي أرزاق لحيات طوال غلاظ تكون في هذا الجبل ويحكى أن هذه الحيات قليلة الضرر والسودان يقصدون إلى هذا الجبل فيصيدون به هذه الحيات ويأكلونها كما قدمنا ذكره قبل هذا.

ومن مدينة نبرنته إلى مدينة تيرقى من بلاد ونقارة التبر سبع عشرة مرحلة.

ويلي أرض زغاوة أرض فزان وبها من البلاد مدينة جرمة ومدينة تساوة والسودان يسمون تساوة جرمى الصغرى وهاتان المدينتان يقرب بعضهما من بعض وبينهما نحو مرحلة أو دونها وقدرهما في العظم وكثرة العامر سواء ومياههم من الآبار وعندهم نخيلات ويزرعون الذرة والشعير ويسقونهما بالماء نكلاً بآلات يسمونها انجقة وتسمى ببلاد المغرب هذه الآلة بالخطارة وعندهم معدن فضة في جبل يسمى جبل جوجيس وفائده قليل وقد ترك الطالبون عمله واستخراجه لمن قصده ومن تساوة إلى هذا المعدن نحو من ثلاث مراحل لمن قصده ومن مدينة تساوة إلى قبيل من البربر في جهة المشرق نحو من اثني عشر يوماً ويسمون آزقار وهم قوم رحالة وإبلهم كثيرة وألبانهم غزيرة وهم أهل نجة وقوة وبأس ومنعة لاكنهم يسالمون من سالمهم ويميلون على من حاولهم وهم يصيفون ويربعون حول جبل يسمى طنطنه وفي محيطه من أسفله ينابيع وعيون مياه جارية ومناقع كثيرة تجتمع بها المياه وينبت عليها الحشيش كثيراً وإبلهم ترعى هناك وينتقلون منه إلى أمكنة عن عاداتهم المقام بها.

ومن هذا الجبل الذي يستدير حوله آزقارة إلى أرض بغامة عشرون مرحلة في أرضين خالية من الأنيس قليلة المياه منحرقة الهواء دارسة المسالك دائرة المعالم ومن قبيلة آزقار إلى مدينة غدامس ثماني عشرة مرحلة ومن آزقار أيضاً إلى مدينة شامة نحو من تسع مراحل وبينهما مجابتان مياههما قليلة وربما أفرطت الريح بهما مع حر الهواء فنشفت المياه حتى لا توجد البتة.

وأهل آزقار فيما يذكره أهل المغرب الأقصى أعلم الناس بعلم الخط الذي ينسب إلى دنيال النبي عليه السلام وليس يدرى بجميع بلاد البربر على كثرة قبائلها قبيلة أعلم بهذا الخط من أهل آزقار وذلك أن الرجل منهم صغيراً كان أو كبيراً إذا تلفت له ضالة أو عدم شيئاً من أموره خط لها في الرمل خطاً فيعلم بذلك موضع ضالته فيسير حتى يجد متاعه كما أبصره في خطه وربما سرق الرجل منهم متاع صاحبه ويدفنه في الأرض بعيداً أو قريباً فيخط الرجل الذي فقد متاعه ويقصد موضع الخبية ويخط بإزائها خطاً ثانياً ويقصد بعلمه إلى موضع الخبية فيستخرج منها متاعه وما ضاع له ويعلم مما خطه الرجل الذي تعدى على أخذ متاعه ويجمع أشياخ القبيلة فيخطون له خطاً فيعلمون من ذلك البرئ من الفاعل وهذا عند أهل المغرب مشهور مذكور ولقد أخبر بعض المخبرين أنه رأى رجلاً من هذه القبيلة في مدينة سجلماسة وقد خبيت له خبية بحيث لا يعرف فخط لها خطاً وقصد موضعها فاستخرجها وأعيد عليه العمل بذلك ثلاث مرات فاستخرجها في الثانية والثالثة مثل ما فعل في المرة الأولى وهذا شيء عجيب من قوتهم على هذا العلم على كثرة جهلهم وغلظ طبعهم وفيما جئنا به في ذلك كفاية والحمد لله على ذلك.

نجز الجزء الثاني من الإقليم الثاني والحمد لله ويتلوه الجزء الثالث منه إن شاء الله.