كتاب الزهرة/الباب الخامس والسبعون ذكر من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه


الباب الخامس والسبعون ذكر من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه

قال المتلمّس:

تحلَّمْ عن الأدنين واستبقِ منهُمُ
ولن تستطيعَ الحلمَ حتَّى تحلَّما
وكنَّا إذا الجبار صعَّر خدَّه
أقمنا له من مَيله فتقوَّما
فلو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي
جعلتُ لهم فوقَ العرانين ميسما
وهلْ كنت إلاَّ مثل قاطع كفّه
بكفٍّ له أُخرى فأصبح أجذما
يداه أصابتْ هذه حتفَ هذه
فلم تجدِ الأُخرى عليها مُقدَّما
فلمَّا أقاد الكفّ بالكفّ لم يكنْ
له دركٌ في أن تَبينا فأحجما
فأطرقَ إطراق الشُّجاع ولو رأَى
مَساغاً لنابيه الشُّجاعُ لصمّما

وقال آخر:

قومي هُمُ قتلوا أميم أخي
فإذا رَمَيْتُ أصابني سهمي
فلئن عفوتُ لأعفوَنْ جَلَلاً
ولئن ضربتُ لأُوهننْ عظمي

وقال آخر:

وذي خَطَل في القولِ يَحسب أنَّه
مُصيبٌ فما يُلممْ به فهو قائله
عَبأت له حلماً وأكرمتُ غيرَهُ
وأعرضت عنه وهو بادٍ مقاتله

وقال وعلة بن الحرث الجرمي:

ما بالُ من أسعى لأجبر عظمه
حفاظاً وينوي من سَفَاهته كسرِي
أعودُ علَى ذي الجهل والذّنب منهمُ
بحلمي ولو عاقبتُ غرَّقهم بحرِي
أناةً وحلماً وانتظاراً لهم غداً
فما أنا بالواني ولا الضّرعَ الغمرِ
ألم تعلموا أنِّي تُخافُ غَرامتي
وأنَّ قناتي لا تلينُ علَى الكسرِ

وقال ابن صريم الجرمي:

أردُّ الكتيبةَ مغلولةً
وقد تركت ليَ أحسابَها
ولستُ إذا كنت في جانب
أذمُّ العشيرة مُغتابها
ولكن أُطاوع ساداتها
ولا أتعلَّمُ ألقابَها

وقال آخر:

وإنا لنعطي الضَّيم من لا نضيمُهُ
يُقرُّ ونأبى نخوة المتظلّم
أناةً وحلماً ثمَّ كانَ لقاؤها
رهيناً بيومٍ كاسف الشَّمس مظلم

وقال آخر:

إن كنتَ لا ترهبُ ذمِّي لما
تعلمُ من صَفْحي عن الجاهلِ
فاخشَ سُكوتي إذْ أنا منصتٌ
فيك لمسموعِ خنَا القائلِ
فسامعُ السُّوء مشيرٌ به
ومُطعمُ المأكولِ كالآكلِ
مقالة السّوء إلى أهلِه
أسرعُ من مُنحدرٍ سائلِ
ومن دعا النَّاس إلى ذمّه
ذمُّوهُ بالحقِّ وبالباطلِ

وفي نحوه:

فإن أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ قائلاً
ضحكت له كيما يلجُّ ويستشري

وفي نحوه:

بني تميم ألا كفُّوا سفيهكُمُ
إنَّ السَّفيه إذا لم يُنْهَ مأمور

وفي نحوه يقول عمار بن ياسر:

توخَّ من الطُّرق أوساطها
وعَدِّ عن الجانبِ المشتبَه
وسمعَكَ صُنْ عن سماع القبي
ح كصون اللّسان عن اللّفظ به
فإنَّكَ عند استماع القبيح
شريك لقائله فانتبه

قال لقيط بن زراة:

أغرَّكُمُ أنِّي بأحسن شيمةٍ
بصير وأنِّي بالفواحش أخرقُ
وإنك قد شاتمتني فقهرتني
هنيئاً مريئاً أنت بالشرِّ أحذقُ

وقال طرفة:

وكلام سيّئٍ قد وَقَرتْ
أُذني عنه وما بي من صَمَم
فتصافحت لكيما لا يرى
جاهلٌ أنِّي كما كانَ زَعَم

قال لبيد، وهذه تعرف للكميت:

ستذكرنا منكم نفوسٌ وأعين
ذوارف لم تَضنن بدمع غُروبُها
وهل يعدُوَنْ بين الحبيب فراقُهُ
نَعَمْ داءُ نفسٍ أن يبينَ حبيبُها
رأيتُ عذاب الماء أن حِيلَ دونها
كفاك لما لا بدَّ منه شريبُها
وإن لم تكن إلاَّ الأسنَّة مركبٌ
فلا رأي للمحمول إلاَّ ركوبُها
تعاتبني في النُّصح فهرُ بن مالكٍ
ولم تدرِ ما يُخفي الضَّميرُ عيوبها
ولو ماتَ من نُصحٍ لقوم أخوهُمُ
لقد لقيتني بالمنايا شعوبُها
أُطيِّبُ نفسي عن لؤي بن غالبٍ
وهيهاتَ منِّي ثمَّ هيهاتَ طيبُها
أبوها أبي الأدنى وأُمِّي أُمُّها
فمن أين رابتني وكيفَ أريبها
ألا بأبي فهرٌ وأُمي ومالك
وإن كثُرتْ عندي وفيَّ ذنوبها

قال معاوية بن أبي سفيان:

إذا لم أعدْ بالحلم منّي عليكُم
فمن ذا الَّذي بعْدي يُؤمَّلُ للحلم
خُذيها هنيئاً واذكري فعل ماجدٍ
حباك علَى حرب العداوة بالسَّلم

ولبعض الأعراب:

وأغضي عن العوراء حتَّى يُقال لي
بأذنيَ وقرٌ عندها حين أطرقُ
وعندي جوابٌ حاضرٌ لو أردتُهُ
من الصّاب في فيه أمرُّ وأعلقُ
حياءً وإكراماً لعرضي أصونُهُ
وما خيرُ عرضٍ لا يزال يُمزَّقُ
إذا بعتُ عرضي لم يُذمَّ مُهذَّباً
وآخذُ مذموماً به اللؤمُ مُلصقُ
إذا بعتهُ منه أخذتُ ندامةً
وخسرانَ بيعٍ إذْ علَى الكفِّ يُصفقُ

وقال آخر:

وإنِّي لأُعطي المالَ من ليسَ سائلاً
وأصفحُ عن بادي السَّفاه سليمِ
وأحمي ذمامَ المرء أعلمُ أنَّني
عليه بظهر الغيب غير كريمِ

وقال آخر:

فلو بي بدأتُمْ قبلَ من قد دعوتُمُ
لفرَّجْتُها وحدي ولو بلغت جهدي
إذا المرءُ ذو القربى وذو الرّحم أجحفت
به سُنَّةٌ سلَّت مصيبته حقدي

ولبعض الأعراب:

قومي إذا فرطت منهم بوادرهُمْ
لا يقرعون عليها السنَّ من نَدمِ
منّا العفافُ ومنّا العفو عائدةً
إنّا كذلك عوَّادون بالنعمِ
إنّا إذا ما قدرنا واستعيد لنا
فالعفوُ فيما نرى أدني إلى الكرمِ

ولأبي هلال الأسدي:

دع عنك مولى السوء والدَّهر إنَّه
سيكفيكهُ أيامهُ ونوائبُه
ويلقى عدوّاً من سواك يردُّهُ
إليك فتلقاه وقد لانَ جانبُه

وقال آخر:

وتجزعُ نفسُ المرء من سَبِّ مُرَّةٍ
فيسمعُ ألفاً مثلها ثمَّ يصبرُ
فلا تعذراني أن أُسيء فإنَّما
شِرارُ الرّجال من يُسيء ويُعذرُ

وقال آخر:

يا أيُّهاذا الشاتمي ظالماً
والظُّلمُ مردودٌ علَى الشَّاتمِ
أرحمُ من يبكي بشتمي ومن
أولى بأن يُرحمَ من آثمِ

ولمحمود الورّاق:

إنِّي شكرتُ لظالمي ظُلمي
وغفرتُ ذاك له علَى علمي
ورأيتهُ أسدى إليَّ يداً
لمّا أبانَ بجهله حلمي
ما زال يظلمني وأنصفُه
حتَّى بكيتُ له من الظُّلمِ

وقال آخر:

وليس يتمُّ الحلمُ للمرء راضياً
إذا هو عند السُّخطِ لم يتحلَّمِ
كما لا يتمُّ الجودُ للمرء موسراً
إذا هو عند العُسر لم يتجشَّمِ

وقال معن بن أوس المُزني:

لعمرُكَ ما أدري وإنِّي لأوْجَلُ
علَى أيّنا تغدُو المنيَّةُ أوَّلُ
وإنِّي أخوكَ الدائمُ العهد لم أحُلْ
إن آذاك خصمٌ أوْ نبا بك منزلُ
أُحاربُ من حاربتَ من ذي قرابةٍ
وأحبسُ مالي إن غرمتَ فأعقلُ
وإن سُؤتني يوماً صفحتُ إلى غدٍ
ليُعْقِبَ يوماً منك آخرُ مقبلُ
ستقطعُ في الدُّنيا إذا ما قطعتني
يمينك فانظر أيَّ كفّ تبدَّلُ
إذا أنت لم تُنصفْ أخاكَ وجدتَهُ
علَى طرف الهجران إنْ كانَ يعقلُ
ويركبُ حدّ السَّيف من أن تضيمَهُ
إذا لم يكنْ عن شفرةِ السَّيف مَزْحَلُ
وفي النَّاسِ إن رثَّتْ حبالُكَ واصلٌ
وفي الأرض عن دار القلى مُتحوّلُ
إذا انصرفتْ نفسي عن الشَّيء لم تكدْ
إليه بشيءٍ آخرَ الدَّهر تُقبلُ

وقال آخر:

بلاءٌ ليس يُشبههُ بلاء
عداوةُ غير ذي حسبٍ ودينِ
يُبيحُكَ منهُ عِرْضاً لم يصنْهُ
ويرتعُ منك في عِرض مَصونِ

وقال أبو الدّلف:

إذا نطق السفيه فلا تُجبْهُ
فخير من إجابتهِ السُّكوتُ
سكتُ عن السفيه وظنَّ أنِّي
عييتُ عن الجواب وما عَييتُ
سفيهُ القوم يشتمني فيحظى
ولو دمَهُ سفكت لما حظيتُ

أنشدني البحتري لنفسه:

دعاني إلى قول الخنى واستماعه
أبو نَهْشلٍ بعد المودَّة والحلفِ
وأخطرني للشّاتمين ولم أكُنْ
لأُشتم إلاَّ بالتكذّب والعَرفِ
فما ثلموا مجدي ولا فتلوا يدي
ولا ضعضعوا عزّي ولا زعزعوا كهفي
ولما تبارينا فررت من الخنى
بأشياخِ صدق لم يفرّوا من الزحفِ
وإنَّ جديراً أن تبيت ركائبي
بديمومةٍ تسفي بها الريح ما تسفي
وأجبُنُ عن تعريض عرضي لجاهلٍ
وإن كنت في الإقدام أطعنُ في الصّفِّ
وإنِّي لئيمٌ إن تركتُ لأسرتي
أوابدَ تبقى في القراطيسِ والصّحفِ

وقال آخر:

وإنِّي لأُقصي المرءَ عن غير بِغْضةٍ
وأُدني أخا البغضاء منّي علَى عَمْدِ
ليُحدثَ ودّاً بعد بغْضاءَ أوْ أَرَى
له مصرعاً يُردي به الله من يُردي

وقائل هذه الأبيات غير داخل في باب الصفح عن المجرمين بل هو داخل في باب انتظار الفرصة لمعاقبة المذنبين، وليس ذلك لعيب في كل الحالان إذْ في الأحوال ما يكون الصفح عن المجرم جرماً عظيماً، وفساداً كثيراً، لأن العقاب على ثلاثة أضرب، فعقاب يدخل في باب التشفي، وعقاب يدخل في باب التأديب، وعقاب يدخل في باب الحدود. وإنَّما يصلح الصفح فيما يدخل في باب التّشفي وحده. نحو ما قدمنا في صدر هذا الباب ذكره، ولا يصلح في النوعين المذكورين بعده. فأمَّا ترك العقاب الداخل في باب التأديب فداعٍ إلى فساد التدبير، وعائد بالضرر على المعفو عنه وفي نحو ذلك يقول أبو تمام:

كانت لكم أخلاقُهُ معسولةً
فتركتموها وهي ملحٌ علقَمُ
فقسا لتزدجروا ومن يكُ حازماً
فليقس أحياناً علَى من يرحمُ
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم
إن الدمَّ المغترَّ يحبُسهُ الدمُ
وندمْتُم ولو استطاع علَى جوى
أحشائكم لوقاكم أن تندموا

على أنَّه ينبغي للمعاقب التأديب ألا يزيد على مقدار الاستحقاق فيدخل في باب الظلم كما قال أشجع:

منعت مهابتك النفوس حديثها
بالأمر تكرهُهُ وإن لم تعلم
لا يُصلحُ السلطانَ إلاَّ شدَّة
تغشى البريء بفضل ذنب المجرم

وأمَّا ترك العقاب الَّذي يدخل في باب الحدود فمعصية لله عز وجل، ومن أعظم الجهل طلب المكارم بالدخول في باب المحارم كما بلغنا عن عبد الملك بن مروان أنَّه أراد قطع يد رجل سرق فكتب إليه من الحبس:

يدي يا أمير المؤمنين أعيذها
بعفوكَ أنْ تلقى مكاناً يَشينُها
ولا خير في الدُّنيا وكانت حبيبةً
إذا ما شمالي فارقتها يمينُها

فأبى إلاَّ قطعها، فدخلت عليه أمُّه فقالت يا أمير المؤمنين: واحدي وكاسبي. فقال: بئس الكاسب كاسبُك، وهذا حدٌّ من حدود الله لا أُعطّله. فقالت: يا أمير المؤمنين: اجعله من الذنوب الَّتي يستغفر الله منها، فعفا عنه. وهذا الفعل لا يُسمى عفوا، لأن العفو إنَّما هو ترك المرء ماله وترك مال غيره ممَّا قد جُعل هو القيّم عليه باستيفائه. فهو بباب التصنيع والإثم أشبه منه بباب العفو والحلم.