مجلة الرسالة/العدد 1003/القيم الأخلاقية والوظيفة الحكومية

مجلة الرسالة/العدد 1003/القيم الأخلاقية والوظيفة الحكومية

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 09 - 1952



للدكتور عمر حليق

شغل المجمع الأمريكي للعلوم السياسية والاجتماعية في إحدى حلقاته الأخيرة بموضوع هام يتعلق بجوهر النظام الديمقراطي الذي هو مقياس الرقي للشعوب الحية. فقد تختلف النظم الفكرية في تحديد معنى الديمقراطية وأهدافها إلا أنها لا تختلف في ناحية واحدة على الأقل وهي نزاهة ومسئولية الوظيفة الإدارية مهما كان نوع الحكم الذي يعيش عليه المجتمع

والذي دفع المجمع الأمريكي إلى الاهتمام بهذا الموضوع هو الاستياء الشديد الذي أعربت عنه الأوساط الواعية في الولايات المتحدة الأمريكية أثر الكشف عن سلسلة من الفضائح في دوائر ضريبة الدخل والتجارة ومؤسسات الإقراض الحكومية التي توفر للزراع والصناع قروضاً طويلة الأمد بفوائد زهيدة في حالات الضيق الاقتصادي، وفي دواوين حكومية أخرى كانت مسؤولية بعض الموظفين فيها نزاهتهم موضع الشبهات

وقد أحب المجمع أن يعين الحكومة المركزية في مواجهة هذه المشكلة وجعل حركات التطهير مستندة إلى دراسة علمية ترتفع عن مآرب السياسة الحزبية وأهواء ذوي النفوذ والمصالح. وقد عقد المجمع حلقة لدراسة القيم الأخلاقية في الوظيفة الحكومية اشترك فيها نفر من أئمة العلوم السياسية والاجتماعية ومن كبار رجال السلك المدني وأعضاء البرلمان. وقد نشرت محاضر جلسات هذه الحلقة في سجل استند إليه كاتب هذه السطور في وضع هذا المقال في آونة يشغل بها الرأي العام العربي في هذا النوع من النشاط الاجتماعي

الوعي القومي في المجتمعات الديمقراطية يفترض احتراماً وتقديراً لمسؤولية الحكم والإدارة. وهذا يعني أن نظرة الناس إلى الوظيفة الحكومية يجب أن تستند إلى نوع من الاحترام شبيه الذي يحظى به أصحاب المهن الحرة من أطباء ومحامين وكتاب وعمال ومدرسين ومن يعملون في شتى أنواع العيش الشريف. فإذا اعترى السلك الحكومي ما يدفع الناس إلى وصمه بغير النزاهة فإن الأساس الديمقراطي الذي يدعم الدولة والمجتمع يصبح معرضاً إلى الانهيار

والوعي يستلزم يقظة مستديمة لمحاسبة المسئولين عن الأمانة الشعبية في جهاز الحكم والإدارة. فالمسؤولية الإدارية كانت منذ أقدم الأزمنة معرضة للإغراء؛ وندر أن تجد مجتمعاً من المجتمعات القديمة أو الحديثة خلا من هذه المحاسبة. وقد تتخذ هذه اليقظة طابعاً حزبياً في بعض الحالات إلا أنها على وجه العموم تستند إلى طبيعة السلطة وطبيعة السلوك الإنساني وغلى تأصل القيم الأخلاقية في المجتمعات مهما تراكم على هذه القيم من الأطمار البالية

إذن فتعريض القيم الأخلاقية في الوظيفة الحكومية إلى المحاسبة الحزبية أو الشعبية مسؤولية ديمقراطية، وحد اجتماعي مهما صاحب هذه المحاسبة من نزوات الساسة ومآرب الذين يصطادون في الماء العكر

وقد وجد أعضاء المجمع الأمريكي للعلوم السياسية والاجتماعية أن دراسة القيم الأخلاقية في الوظيفة الحكومية اجتهاد يتطلب أكثر من الأمانة العلمية - يتطلب لباقة وسعة صدر تأخذ بعين الاعتبار نقاط

الضعف في الطبيعة البشرية؛ وتشعب المسؤولية الحكومية وتعرضها إلى ضغط أو إغراء أسبابهما في تضارب المصلحة الشعبية العامة مع المصلحة الخاصة لأرباب النفوذ من علية القوم أو من أرباب المصالح الاقتصادية والسياسية؛ ومن ثم يتيقن من أن مصادر الشبهات التي تحوم حول المسؤولية الحكومية المتهمة ليست مصادر مغرضة. فحقائق هذه الشبهات قد تضع في كثير من الحالات في ثنايا الاجتهاد الخاطئ الذي تنشره الصحافة في الرأي العام لأسباب تتعلق بفن السبق الصحفي ونفسية القارئ وإدراك الصحفي للعوامل المثيرة التي تستجلب انتباه القراء. والناس أميل إلى أن تحمل نوعاً من الحسد الدفين لذوي السلطان ومن هم في مركز إداري مسؤول، والناس أميل إلى تناقل الأنباء السيئة منهم إلى التحدث عن الأمور الحسنة التي ينظر إليها الناس على أنها من تحصيل الحاصل لا تتطلب تعليقاً

ومقاييس القيم الأخلاقية في الوظيفة الحكومية هي مقاييس غامضة لا يمكن بالضبط تحديدها على أساس مثال صادق , فأكثرنا يميل إلى وزن هذه القيم الأخلاقية بمقاييس معينة منها الاختلاس أو الرشوة أو ما شكلهما من أنواع المنفعة المادية. ولكن سوء استعمال المسؤولية الحكومية لا تقتصر على مثل هذه المقاييس فقط، بل يدخل في نطاقها الوساطة الشخصية لمآرب لا صلة لها بمنفعة مادية للوسيط أو للموظف المسؤول. وهذا يعني أن وزر الاعوجاج يقع على الطرفين. ومن الصعب في مثل هذه الحالات تحديد القيم الأخلاقية إذ أن فيها تقارباً بين مسؤولية الإدارة والحكم

ومن النقاط الطريفة التي أثارها أعضاء المجمع الأمريكي في معرض تحديده لمقاييس القيم الأخلاقية في المسؤولية الإدارية إشارته إلى أن هذه المقاييس تختلف باختلاف الزمان والمكان والمجموعة الإنسانية التي تنفذ فيها المسئولية الإدارية

ففي المجتمع الريفي الشرقي مثلاً تتخذ رشوة صاحب المصلحة للموظف المسؤول طابع (الهدية) والاعتراف بالجميل والود الخالص والاحترام والتقدير. وهذا النموذج من نماذج السلوك الريفي يتخذ في المدن لوناً مغايراً. فصاحب الحاجة في العاصمة حين يقدم للموظف (هدية) نقدية كانت أم غير ذلك يدرك تمام الإدراك أنه يتعمد رشوة الموظف المسؤول. فطابع هذه الرشوة لا يوحي إلى صاحب الحاجة باحترام الموظف أو الاعتراف له بالجميل والشكر والتقدير. والموظف نفسه لا يفترض هذا الاحترام. وبين هذين السلوكيين الريفي والحضري (ممثلاً في عاصمة الدولة) يوجد نموذج ثالث هو بين هذا وذاك. ففي المدن الصغرى يشترك الموظف المعوج مع صاحب الحاجة في تعيين نوع (الهدية) وكلاهما يعلل نفسه بأن هذا التعامل نوع من العادات الاجتماعية ليس طابعها ارتشاء محض أو أمانة مطلقة. وعلى ذلك فإن الصلة بين الموظف المعوج وصاحب الحاجة في هذا النموذج من السلوك المدني صلة (تجارية)

وهكذا نرى الصعوبة في تحديد مقاييس القيم الأخلاقية للوظيفة الحكومية وللوعي المدني ما دام للعوامل الاجتماعية ولنماذج السلوك صلة وثيقة بهذه المقاييس - صلة تتعارض في بعض الحالات مع النظرة الأخلاقية الصرفة

والعلاقة بين المسؤولية الحكومية والوعي المدني ذات صلة بجدل قديم العهد بالفلسفة وعلم الاجتماع. فمن قائل بأن عناصر النزاهة والأمانة في الفرد قد يقدر لها أن تظل خالية من الشوائب لولا تعكير المجتمع الفاسد لها، على اعتبار أن للمجتمع شخصية (فردية) مستقلة عن شخصية الأفراد الذين يشكلونه. ومن قائل بعكس ذلك

فالنظرية التي تعتبر الإنسان فاضلاً في فطرته معرضاً للفساد حين يتأثر بالصلات التي تفرضها عليه علاقته الأبدية بالمجتمع - هذه النظرية تتلخص فيما يلي: كلنا معرض للخطيئة؛ وأكثرنا تعرضاً أولئك الذين لهم نفوذ وسلطان. وقد يقدر لنا أن نعصم أنفسنا عن الحرام لولا أن طبيعة النفوذ والسلطان التي نوفرها الظروف لبعضنا تجعله عرضه للإغراء وهدفاً مستمراً له

ثم إن هناك النظرة الميكيافيلية لمسؤولية الحكم، ولمقاييس القيم الأخلاقية. وهذه النظرة لا تزال تشكل عنصراً هاماً من عناصر السلوك السياسي والإداري في كثير من المجتمعات والنظم - ديمقراطية وغير ديمقراطية - على رغم أن الجميع يرمون ماكيافيلي بالكفر والإلحاد السياسي. ونظرية ماكيافيلي تقول بأن رجل الحكم حين يوكل إليه تنفيذ مسؤولية إدارية يشعر بأنه ملوم بأن يفعل ذلك في ظروف تستوجب مراعاة نواحي الضعف والقوة في الطبيعة البشرية؛ فليس من الحكمة والصواب - في رأي ماكيافلي - أن نزن رجال الحكم بمقاييس أخلاقية مستمدة من نظريات مثالية ينقصها الاختبار العملي بطبيعة السلوك الإنساني في مادته الخام. فما دام رجل الحكم قد تولى المسؤولية ومارسها برضى الناس فلا مفر له من أن يعالج الأمور ونصب عينيه أهواء الناس وحقائق طباعهم البشرية، وهي حقائق لا تقاس في بعض الحالات بمقاييس القيم الأخلاقية الفاضلة، النظريات المثالية الرفيعة. ويرى - ماكيافيلي - أن رجل الحكم وصي على أمور الناس، فإذا واجه ضغطاً من بعض هؤلاء الناس لتنفيذ غير ما نصت عليه الشرائع والأمانة الإدارية فإنه يفعل ذلك تلبية لأهواء هؤلاء الناس أو على الأقل أهواء نفر منهم ذوي حول وقوة ونفوذ. والنفع الذي يجنيه رجل الحكم حين يحيد عن القانون المدون في أغلب الحالات أقل في ناحيتها المادية من النفع الذي يجنيه الحزب أو الوسيط أو صحاب الحاجة. وعلى ذلك فإن عواقب الاعوجاج في السلوك الحكومي تقع في أغلب الحالات على صغار رجال الإدارة لأنهم لصغرهم (في النفوذ والمكانة والدخل) أميل إلى تقبل الإغراء في صفقة يكون النصيب الأكبر من الربح فيها عائداً إلى صاحب الحاجة. وهذا الاعوجاج إذا مارسه كبار رجال الإدارة والحكم كان نفعه عليهم أعم واستفادتهم منه أعظم

ورجل الحكم الذي يفوز بحصة الأسد من سوء استعماله للأمانة الحكومية يكون عادة رجلاً نافذ المكانة مهابته تفوق أهمية الوظيفة الحكومية التي يشغلها. وصاحب الحاجة من أفراد الأمة حين يحاول أن يتغلب على الأمانة والنزاهة الحكومية يعلم أنه يرتكب نوعاً من الجريمة عقابها كامن في طبيعة الصفقة؛ وهذا الارتكاب يفرض على صاحب الحاجة المغامرة والإقدام. والمقامر لا يرضى عادة بالربح الطفيف ويترك حصة الأسد الموظف الذي اشترك معه في الإجرام. فإذا كان هذا الموظف ذا مكانة ونفوذ (اجتماعي أو سياسي أو مالي) تفوق حدود وظيفته كان نصيبه في النفع من الصفقة نصيب الأسد

وهكذا يتبين لنا حقيقة طالما تجاهلها الناس في معرض حديثهم عن الاعوجاج في الخدمة المدنية ومن الانحلال في القيم الأخلاقية لبعض رجال الإدارة والحكم؛ وهي أن وزر الاعوجاج في تنفيذ الأمانة الشعبية يقع قسطه على الموظف وعلى صاحب الحاجة من المواطنين. والقسط الأكبر من النفع الذي يصيبه الغالب على صغار المسؤولين الذين أساءوا استعمال الأمانة

وإلى أن يدرك المواطن أن الوزر في سوء استعمال الأمانة الحكومية يقع عليه كما يقع على الموظف المعوج - كبيراً كان أم صغيراً أم متوسطاً! - فإن دارسو القيم الأخلاقية ومحاسبة الوعي المدني لها ستظل عديمة الجدوى. ومع أن القانون يدين كلا الطرفين بالإجرام إلا أن الرأي العام يميل إلى تركيز التهمة على الموظف ويتجاهل اعوجاج المواطن، وكما أنك لا تستطيع أن تقدر القيمة الفنية للصورة الجملية إلا إذا كان لديك استعداد ثقافي معين فإنك لن تستطيع أن تقدر شناعة الانحلال الخلقي في الوظيفة الحكومية إلا إذا أشركت المواطن المعوج فيها ووفرت لنفسك ثقافة (مدنية) تعينك على إدراك الصورة الكاملة لشناعة الإجرام. وهذا ما يتطلبه الوعي المدني الصادق في المجتمع السليم

نيويورك

عمر حليق