مجلة الرسالة/العدد 159/ذات الثوب الأرجواني

مجلة الرسالة/العدد 159/ذات الثوب الأرجواني

مجلة الرسالة - العدد 159
ذات الثوب الأرجواني
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 20 - 07 - 1936


للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

(تنبيه: الكلام خيالي ولا أصل له)

- 6 -

كذبت على الله وعلى نفسي حين زعمت أني معجب بالسمراء وأني لا احب الثوب الأزرق. . لا والله. . فما أبالي السمراء ولا إعجاب لي بها. وكل ما في الأمر أنى رايتها كثيرة المرح فراقني أن تتلقى الحياة هاشة باشة، وأن تضحك للدنيا، ولكن هذا قد يكون عن خفة لا عن فلسفة، وأنا مفطور على الجد، ولهذا سهل أن أتعود الاحتشام، ولكن وطأة الحياة ثقلت على كاهل صبري، فأنا لا أزال أتلمس التسرية والترفيه بما يدخل في طوقي من الوسائل، ومن هنا هذا التناقض الذي يراه الناس في طباعي. ولا تناقض هناك فيما اعلم، وأني لكما كنت طول عمري، وإنما اختلفت المظاهر، وأولاي معقودة بأخراي، ولقد كنت في صباي يائساً من الخير والسعادة في هذه الحياة، وأنا الآن اكفر بهما، ولكني كنت في حداثتي يحزنني عجزي عن الاطمئنان إلى الخير فاكتئب وأتجهم وأروح أعذب نفسي واقطع قلبي حسرة، وأغراني هذا بالزهادة ونشدان الراحة - على الأقل - بتوطين النفس على اليأس ورياضتها على السكون إليه، وكنت أقول لنفسي جاداً أني تهالكت فما أفدت إلا الحرمان وإلا الظمأ والالتياح، وإني طلبت اللذات فما وجدت فيها لعاقل غناء. . فلعل الزهادة تحسم داء لم أجد في الطلب شفاء منه. ولكني ما لبثت أن وجدت أن رفض الحياة يزيد المرء إحماءً، وأن الزهد ليس منجي، وأن النفس تخسر به طيبها ورضاها، وأن الذي لا يمد يده ليجني ويقطف لا يحق له أن يزعم أنه حرم الثمار التي يراها علا أفنان الشجرة، وقد لا يفوز الطالب الساعي بكل ما يبغي، ولكنه لاشك خليق أن يظفر بكثير مما هو دونه، فإذا فاتتك الغاية القصوى فقد لا يفوتك ما دونها من المتع، فالطلب أولى، والسعي أوجب، لأن الطلب والسعي من مقتضيات الحياة، والحياة هي الحركة لا السكون ولا الجمود، والزهد قهر للنفس، والطلب فيه كذلك قهر للنفس، وقهر النفس مع إفادة ما يمكن أن يفاد خير من قهرها مع الحرمان، والدنيا تسير على مقتضى نواميسها هي، لا على هواناً نحن، فسيان أن تضحك لها وان تعبس، وللضحك إذن خير واحزم وأولى بالعاقل

وعلى ذكر الضحك أقول أنى اعجب لذات الثوب الأرجواني لماذا لا أراها تضحك أبداً؟؟ إن من تعاريف الإنسان أنه حيوان يضحك - أي يستطيع الضحك - ولكن هذه لم أرها تضحك إلا مرة واحدة، فعظم وقع ذلك في نفسي لندرته ولأنه كان فلتة مفردة، فوجهها كالقمر - سوى أن ماء الحياة والشباب والصحة يجري فيه - أعني إن تعبيره لا يتغير ولا يختلف ولا يتعدد، وقاتل الله البعد! وما يدريني؟؟ فلعلها تبتسم ولكني لبعدها لا أراها رؤيتها، ولست أذكر أني رأيت وميض عينيها، أو أن عذوبة نظرتها أو قوتها حركت قلبي، أو أن ابتسامتها الحلوة أو الساخرة أغرتني بالأمل أو الحزن. . ولكني على هذا سمعت صوتها. . نعم سمعته على الرغم مما يفصلنا من البعد. . وكانت الليلة مظلمة والحر شديدا، وكنت قاعدا في الشرفة والشجر على جانبي الطريق كأنه صور مرسومة من فرط الركود، فرأيتها تميل على جانب الشرفة؛ فنظرت فإذا جارتها في شرفتها وبينهما نحو مترين أو زيادة، وانطلقتا تتحدثان بصوت خفيض في أول الأمر، ولم اكن أرجو أن اسمعهما، ولا كنت آمل ذلك وإذا بالصوت يرتفع في الليل الساكن وإذا بصوت فتاتي يحمله إلي. . ماذا؟ لا ادري! فما كان هناك نسيم حتى أقول انه حمله. . ولكنه صافح أذني على كل حال، وقد شق علي أن أكون بحيث اسمع حديثهما، ولكني لم أكن أتسمع، وكان بيني وبينهما عشرون أو ثلاثون متراً - إذا حسبت الارتفاع - فإذا كانتا قد شاءتا أن تتكلما بصوت يسمعه الجيران فأظن إن هذا ليس ذنبي. ولولا الحر والركود الخانق لدخلت حجري وأويت إلى حيث لا يبلغني الصوت، وكنت ساعة تهدى إلى الصوت انظر إلى الطريق الخالي الموحش في هذا الليل الساكن - ولو شئت لقلت الراكد ولكني شاكرٌ - وكنت ربما رفعت عيني إلى النجوم الخفاقة اللمعان، وإذا بالصوت يقع في مسمعي فيكاد قلبي يقف. . . فلم يخالجني شك في أن هذا صوتها هي لا صوت الجارة. . ولا ادري من أين جاءني هذا اليقين؟! ويا له من صوت!!. رنان. . نافذ. . عميق الوقع. . فلو كنت تغنين لما كان أحلى ولا أسحر. . بل أنت كنت تغنين. . فما يرتفع الصوت بهذا الوضوح البلوري ولا يخفت - في غير عمود - إلى مثل الهمس، ويبريه الشجى أحياناً، ثم يعلو كأنه صيحة الحرية، ثم يضطرب ويتردد كأنه زفرة الأسى التي تتمرد على الكتمان - أقول ما يكون الصوت هكذا إلا في الغناء. . ولا ادري لماذا، ولكني لم أكد أسمع صوتك حتى خيل إلى أنى أسمع (أورفيوس) يناشد حبيبته ويدعوها إليه ويصيح (ماذا تراني اصنع بغير يوريديس؟). نعم. . كذلك بدا لي أن صوتك الذي هفا إلي على جناح النسيم الراكد. . صوتك الحافل بالأسى المكتوم والرغبة المكبوتة. ينادي. . . ويدعو. . ثم لم اعد أدري ماذا جرى لي ولا ماذا أصاب الدنيا حولي؟. وأحسست إن حياتي التف عليها صوتك كما تلف الحبال على أعضاد الأسير. . وكأنما تسرب وجودي في وجودك الغامض. . . وأطفئت الأنوار. . وازداد الليل حولي ظلاماً وصار السكون اعمق، وأنا واقف لا اشعر إلا بخفق هذا الصوت الملائكي في نفسي، وطلع النهار - نهار الناس - وأنا ماثل على حافة الشرفة انظر ولا أرى. . .

وقد صارت لي بعد تلك الليلة حياتان تتصارعان - أنا الذي كنت لو تصدقنني، اقضي أيامي ساكناً لا يكاد يسرني أو يسوءني شيء - أما الآن فإني أثب وأتنقل من الرغبة الجامحة إلى عقل الجاف الممحل. وأحس دمي الحار ينبض في عروقي - لا بل أراه - وقلبي يثب إلى حلقي وتتعلق أنفاسي وتكاد تحتبس، ثم تغمرني موجة من المرارة الأليمة. . ويسخر مني عقلي ويهزأ مما تخيلته من صيحة أورفيوس إذ يدعو إليه يوريديس. وما دعا إلا قلبي، وأين مني أورفيوس؟ وأين منك تلك التي لم اعرفها إلا من (جلوك)

وليت من يدري أين أنت الساعة؟؟ إن الليل ساج كليلتنا تلك، والدنيا ساكنة تنتظر أن تخرجي إليها في هالة من الحسن، وأنفاسي معلقة وأذني مرهفة لأسمع، ولي على هذه الشرفة ثلاث ساعات طويلات المدد، ولست أحس تعباً أو اشعر بقلق، فإني كالمجنون أو المخمور، وإني لأرسل إليك من صيحات القلب ما لا يسمعه سواك لو انك تصغين. . ثلاث ساعات وأنا أدعوك وأنت لا تجيبين. . كلا!! صوتك الملائكي لا يسمع مرة اخرى، ولا ينطلق في هذا الليل الساجي لينعشه ويحييه. وان نوافذ بيتك لمفتوحة، وان الحجرات لمضاءة، ولكنها ساكنة كأنها مهجورة، حتى ليفزعني النور الذي يخرج منها

لم أسمع صوتك بعد ذلك ولكني رأيت الوردة التي في يدك وكنت تنفضين عنها الطل أو الماء، ثم غبت بها واختفيت بعدها كأنما يكفي غذاء لروحي أن أرى معك وردة حمراء. . . كلا. . . لست أريد ورداً وإنما أريد أن اسمع ذلك الصوت وانعم به، وان اجتلي عينيك وأرى في صقالهما روحي، وأن أرى رجفة شفتيك وأنت تبادلينني الأعراب عما ضاق الصدر بما اجن منه والقلب بما وجد، وأن أحس خفق قلبك وتحسين دقات قلبي. . . فإذا كنت تؤمنين بما أؤمن به - وما أؤمن من الناس إلا بكِ وحدكِ لا شريك لكِ - وإذا لم تكوني خيالاً ينسخه النور. . وإذا كنت أنثى. . وكان لك قلب، فبالله ألا ما أسمعتني هذا الصوت مرة أخرى!! وهل أقل من ذلك؟؟

إنك جميلة وحزينة يا من لا أعرف اسمها - ولو كنت اعرفه لظننت به على الدنيا التي تجملينها - هذا ما قاله لي صوتك حين سمعته في فحمة الليل الساكن. وقد رأيتك بعد ذلك في الشرفة وفي يدك الوردة الحمراء ونظرت إلى عينيك الواسعتين تحت حاجبيهما المستقيمين فأعادت على نظرتهما ما كان صوتك قد أوحى به إلي - وإلا فلماذا يرتخي الهدب الطويل الأوطف إلا ليحجب ما عسى أن تشي به النظرة من الخواطر؟؟ ورأيت فمك الجميل وشفتيك الورديتين خلقة لا صناعة. . . شفتيك اللتين لا تعرفان كيف تبتسمان. . وفكرت في هاتين العينين اللتين لا اجتلى فيهما البشر والرضى، وفي هذا الفم الحلو الذي لا تريدين أن تدعيه يفتر عن ابتسامة - ولو ساخرة - فكرت في ذلك لحظة وان كانت عيناك وشفتاك جديرة بالتأمل دهراً كاملاً. . . ومن أعاجيبك أنى أراك أحياناً مسرورة ويبدو لي أنك قريرة العين ولكن لا ابتسام، ولا ضحك، ولا شيء من مظاهر السرور المألوفة. . . فقد لاحظتك ودرستك وخبرتك بقدر ما يتيسر ذلك لبعيد مثلي لا يراك إلا من النافذة، وأعجبت بشبابك وجمالك ورزانتك وكبريائك أيضاً، وبذوقك السليم في الثياب والزينة. . ودرست الذين حولك من أهلك. . . واحسب هذا الرجل المحتشم أباك وأظنك ورثت عنه هذا الجد الصارم والتحفظ الشديد. . وتلك احسبها أمك وان كانت تبدو اصغر من أن تكون أماً. ويعجبني منك ومنها إنكما تبدوان كصديقتين لا كأم وابنتها. والآخرون. . ولكن مالي وهؤلاء جميعاً؟؟

وقد رأيتك أمس تخرجين مع أمك أو يحسن أن اسميها صديقتك فإنها أشبه بذاك - وكنت واقفة بالباب تنتظرين أن تلحق بك وفي يدك وردة صغيرة تشمينها. . وإني لمجنون. . وإن لك أن تقولي إني طفل يرجو ويؤمن، أو رجل يحلم، ولكني اعتقد أن هذه الحركة الرقيقة كنت أنا المقصود بها، فما كان في الطريق ولا في النافذة غيري. . ونظرت إلى ناحيتي ثم رفعت الوردة إلى انفك الجميل وبعثت إليّ بهذه الوسيلة رسالة. . رسالة من مجهولة إلى مجهول. . وخيل إليَّ - وقد أكون واهماً - إني لمحت امتقاعاً في لونك حينئذ فزادت الرسالة غموضاً على جمالها. . ثم مضيت وما لبثت أن غبت عن عيني. . وبقيت أنا مسمراً في مكاني لا أبرحه انتظاراً لعودتك. . مضت ساعة وأخرى وثالثة وأنت لا تعودين. . وإذا بك في الشرفة!! فإن كنت قد دخلت قبل ذلك بكثير ورأيت عيني التي لا ترفع عن الطريق حتى لا يفوتها منظرك وأنت عائدة، فلا شك إنك قد ضحكت من هذا الأبله المخبول الذي ينظر ولا يرى من فرط الاضطراب. . لا بأس. . وإذا كنت لم أرك فإنك في قلبي. . قلبي الذي صار محراباً لحسنك. . وإني لاحس أني أصبحت شيئاً مقدساً بحلولك فيه. . . .

إبراهيم عبد القادر المازني