مجلة الرسالة/العدد 228/أبو الفرج الببغاء

مجلة الرسالة/العدد 228/أبو الفرج الببغاء

مجلة الرسالة - العدد 228
أبو الفرج الببغاء
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 11 - 1937


للأستاذ عبد العظيم علي قناوي

- 3 -

لأبي الفرج الببغاء في أحاديث الطيف ومناجاة الخيال شعر أفعم حسنا وجودة وعذوبة وحلاوة، ومعان ملئت جمالاً وروعة وصفاء ورقة؛ حتى لكأني به قصد إلى أن يميل ذوي الصبوة والهوى إلى وصال طيف الحبيب ورسمه لا شخصه وجسمه، فهو يعلمهم كيف يتسلون بمناجاة القلوب عن مداعبة المحبوب، ويدعوهم مفتنا إلى هذا اللون من الوصال الذي لم يدعهم إليه قبله أحد في مثل رشيق تعليله وبديع تصريفه وعجيب لعبه بالخيال وجميل استلهامه المعاني، فمن ذلك قوله:

علمت طيفك إسعافي فما هجعت ... عيناي إلا وطيف منك يطرقني

فكيف أشكر من إن نمت واصلني ... بالطيف منه وإن لم أغف قاطعني؟

فمن من العشاق المولهين لا يرقب أن يسعده ذلك الطيف الطارق، ولا يشتري الكرى بكل ما يملك إذا علم أنه لا سبيل سواه إلى الوصال، وهو داعية المتعة بالحسن والجمال، وإن الغفوة نهزة رسول الحبيب، ينتهزها ليشفي بها حر الوجيب؟ وأين من هذا قول ابن المعتز في مثل هذا المعنى وهو ملك الشعر ولاسيما في هذا الضرب:

شفاني الخيال بلا حمدة ... وأبدلني الوصل من صده

وكم نومة ليَ قوَّادة ... تقرب حِبي على بعده

وإنها لجفوة جافية - لا نعرفها في ابن المعتز - ألا يحمد من يشفيه، وألا يستحق شكره مبعوث حبيبه المصطفيه، وينسب ذلك إلى نومة قوادة لا تستأهل حمداً، ولا يستجيز لها أحد شكراً، لأنها أتت شيئاً نكراً لا أظن ابن المعتز يستميحه لنفسه في اليقظة، فكيف يستملحه في الغفوة؟ ولو أنه قال:

وكم نومة لي مزدانة ... بوصل حبيبي على بعده

لكان - فيما أرى - أكثر توفيقاً وأنبل خيالاً وأعف لفظاً وأكرم حباً. ومما قاله أبو الفرج في الطيف أيضاً:

يا طيف من أنا عبده من أين لي ... شكر يقوم ببعض ما توليه ينأى فتدنيه إليَّ على النوى ... فأراه كالتحقيق في التشبيه

ما كان أحسن حالتي لو أن ما ... أوتيت من كرم وعطف فيه

ولا يساورني شك في أن هذه الأبيات أروع خيالاً وأسطع في معناها جمالاً من أبيات تحاكيها للبحتري قال:

طيف الحبيب ألمَّ من عُدَوائه ... وبعيد موقع أرضه وسمائه

يهدي السلام، وفي اهتداء خياله ... من بعده عَجَب وفي إهدائه

لو زار في غير الكرى لشفاك من ... خبل الغرام ومن جوى برحائه

الحق أن ديباجة أبيات البحتري ناصعة مجلوة، ونسجها مجمل مفوف، ولكني مع هذا أرى العجب العاجب من عَجَب البحتري لاهتداء خيال محبوبه إليه من بعيد عدوائه ونائي صحرائه وإهدائه السلام إليه. فكيف يكون حبيباً من يضل محبة طيفه مهما نأى عنه جسمه؟ ومن هو أولى من المحب المستهام بإهداء السلام؟ ولعل خبل الغرام هو موحي ذلك الخيال، وإلا فمن يجحد حتى غير العشاق - أن الأرواح تتناجى وتتواصل، والقلوب تتآلف فتتراسل؛ سواء في ذلك تباعدت الأجسام أو تقاربت، وتناءت الأبدان أو تدانت؛ فتلك حقيقة لا سبيل إلى نكرانها. وهلا قال كما قال أستاذه أبو تمام:

استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خيفة واكتتام

فالليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرعته النوى من الأيام

يا لها ليلة تنزهت الأر ... واح فيها سراً من الأجسام

مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام

واستمع إلى هذا العتب الحلو العبارة، الرقيق الإشارة، والاستعطاف البارع اللطيف يكشف به لحبيبه عن غرام ويستوحيه فيه وصله، إذ يريه أن خياله أعظم به رأفة وطيفه أكثر عليه عطفاً، إذ يواصله في غفوة العيون؛ ولو أنه وجد سبيلا إلى المواصلة في اليقظة وعلى مسمع الرقباء لفعل؛ لحظره عليه السِّنة ومنعه عنه النوم، قال:

خيالك منك أعرف بالغرام ... وأرْأف بالمحب المستهام

فلو يستطيع حين حظرت نومي ... عليّ لزار في غير المنام

ومن غزله العذب ووصفه الدقيق الممتع قوله: يا من تشابه منه الخَلق والخُلق ... فما تسافر إلا نحوه الحدق

توريد دمعي من خديك مختلس ... وسقم جسمي من جفنيك مسترق

لم يبق لي رمق أشكو هواك به ... وإنما يتشكى من به رمق

ومثله قول أبي فراس الحمداني، وكأني بهما ينهلان من معين واحد، أو أن أبا الفرج جرى في ميدانه لما أعجبه حسن بيانه؛ وما من عابٍ عليه أن يسير على نهج أبي فراس، فهو في الشعراء ملك وفي العلياء فلك، قال:

وشادن قال لي لما رأى سقمي ... وضعف جسمي والدمع الذي انسجما

أخذت دمعك من خدي وجسمك من ... خصري وسقمك من طرفي الذي سقما

وترى أن بيتي أبي فراس أنضر معنى وأوفر حسناً، وأجزل رقة وأجمل دقة من أبيات أبي الفرج، وإن كلمة تسافر لنابية في مكانها، قلقة في موضعها، لأن الحدق لا يسافر، وإنما هو ينتقل أو يتحول، كما أن السقم لا يسترق إلا إذا كان مسترقه يسعى إلى حتفه بظلفه كما يقولون

ولو أنا أردنا لغزله العنيف استقصاء، ولنسيبه الطريف إحصاء، لطال بنا الشوط وما بلغنا الغاية؛ فلنختم غزله بأبيات بعث بها إلى حبيب رمدت عيناه فأبدع أيما إبداع في الأسى لأساه ووصف حمرة عيني حبيبه، وهي تلك التي تقذى لرؤيتها العيون، وتتأذى من النظر إليها الأبصار وصفاً جعلها مما يسعد لرؤيتها الطرف، وصورها تصويراً تطمئن له النفس، قال:

بنفسي ما يشكوه مَن راح طرفه ... ونرجسُه مما دهى حسنه ورد

أراقت دمي ظلماً محاسن وجهه ... فأضحى وفي عينيه آثاره تبدو

غدت عينه كالخد حتى كأنما ... سقى عينه من ماء توريده الخد

لئن أصبحت رمداء مقلة مالكي ... لقد طالما استشفت بها أعين رمد

والوصف في شعر أبي الفرج له المقام الأول، فجل فنون شعره يحليها الوصف، وتنتظم التشبيهات الدقيقة الخلابة، والأوصاف البارعة الجذابة؛ وإن وصفه ليبلغ ذروة الإجادة والإحسان، ويصل إلى منتهى الجمال والجلال عندما يصف الحرب، أو ما يتصل بها من حشد الكتائب وتسيير الجحافل؛ وقد عرفنا أن طبيعة كل امرئ أن يحسن فيما يحبه، وأن يجيد القول فيما يرغبه، فلعلَّ أبا الفرج كان من رجال الحرب وأبطالها. أصخ إليه يصف جيش سيف الدولة، فإنه ليصك الآذان بريح الحرب تدوي في قصيده، فقصف الرعد وزمزمته دون صهيل الخيول، ووميض البرق ولمعانه لا يبلغان بريق السيوف، وحوافر الخيل أهلة ونجوم تنافس ذكاء، تلك تضيء في السماء، وهذه تتطاير رجوماً للأعداء، وعين الشمس قد طرفها بعثيره ولكنها احتملته وجعلت منه إثمداً تحتكل به وتستشفى؛ كل ذلك في ألفاظ جزلة وعبارات ضخمة، وطبع قوي، وخيال سري؛ لا ينال من جماله ناقد، ولا يحط من جلاله حاقد، قال:

قاد الجياد إلى الجياد عوابساً ... شُعثاً ولولا بأسه لم تنقد

في جحفل كالسيل أو كالليل أو ... كالقطر صافح موج بحر مزبد

متوقد الجنبات يعتنق القنا ... فيه اعتناق تواصل وتودد

مثعنجر بظبا الصوارم مبرق ... تحت الغبار وبالصواهل مرعد

رد الظلام على الضحى فاسترجع ال ... إظلام من ليل العجاح الأربد

وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناطرين أهلة في الحلمد

وكأن طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد

وهذه أبيات من قصيدة أخرى يمدح بها أبا شجاع فاتك بن يانس، ويصف فيها إحدى وقائعه الحربية التي خلدتها هذه القصيدة بما جاء فيها من تشبيه رائع، ووصف جامع. وأي خلود لموقعة انقلب نهارها ليلاً غاسقاً، لا يكشف حلكته إلا كر الفرسان في الميدان ومبادلة الضراب والطعان، بأسياف لامعة، وصوارم بارقة قاطعة، حتى استحال البر بحراً بما سال في جنباته من دماء الشجعان، ورأى الأعداء أن الفرار رمز الانتصار، وأن أعظم فروسية يعتز بها أن يستطيعوا إعطاء الجياد القياد، لا أن يثبتوا للجلاد والذياد. قال:

واليوم من غسق العجاجة ليلة ... والكر يخرق سجفها الممدودا

وعلى الصفاح من الكفاح وصدقه ... روع أحال بياضها توريدا

والطعن يغتصب الجياد شياتها ... والضرب يقدح في التريك وقودا

وعلى النفوس من الحمام طلائع ... والخوف ينشد صبرها المفقودا

وقد استحال البر بحراً والضحى ... ليلا ومنخرق الفضاء حديدا وأجل ما عند الفوارس حثها ... في طاعة الهرب الجياد القودا

حتى إذا ما فارق الرأي الهوى ... وغدا اليقين على الظنون شهيدا

لم يغن غير أبي شجاع والعلا ... عنه تناجى النصر والتأييدا

وتكفينا في وصف الحرب هاتان القطعتان فهما تغنيان عن قصائد وتبينان عما له في الوصف الحربي من قدم راسخة وأخيلة سامية؛ ولنعرض لأشياء أخرى وصفها فأجاد، فمن ذلك قوله يصف فرساً:

إن لاح قلت: أدُمية أم هيكل؟ ... أو عنَّ قلت: أسابح أم أجدل

تتخاذل الألحاظ في إدراكه ... ويحار فيه الناظر المتأمل

فكأنه في اللطف فهم ثاقب ... وكأنه في الحسن حظ مقبل

وهو من أجود ما وصفت به الجياد، ومن أحسن ما استحدث في تشبيهها بالفهم الثاقب والحظ المقبل، كما أنه أتى في وصف سرعتها بما لم يأت به الكثير ممن وصفوها قبله؛ فأي سرعة تلك التي تتخاذل الألحاظ دون إدراكها، ويحار الطرف المتأمل في معرفة كنهها؟ ومن قصيدة له في وصف النرجس وهي من خير ما قيل فيه:

ونرجس لم يعد مبيضه ال ... كأس ولا أصفره الراحا

تخال أقحاف لجين حوت ... من أصفر العسجد أقداحا

كأنما تهدِي التحايا به ... لطفاً إلى الأرواح أرواحا

يلهى عن الورد إذا مارنا ... ويخلف المسك إذا فاحا

أحبب به من زائر راحل ... عوض بالأحزان أفراحا

فانتهز الفرصة في قربه ... وكن إلى اللذات مرتاحا

وله يصف الورد، وقد ألمَّ في الأبيات بوصف مجلس الأنس فأبدع في الغرضين، وفوق فأصاب في الرميتين، وأتى بأنواع من البديع أزهر من أزهار الربيع، فأشرقت ديباجة شعره عن در منضود وأسفرت عن جوهر منظوم قال:

زمن الورد أظرف الأزمان ... وأوان الربيع خير أوان

أدرك النرجس الجني وفزنا ... منهما بالخدود والأجفان

أشرف الزهر زار في أشرف الده ... ر فَصِلْ فيه أشرف الإخوان واجلُ شمس العقار في يد بدر ال ... حسن يخدمك منهما النيران

وأدرها عذراء وانتهز الإم ... كان من قبل عائق الإمكان

وقال يصف قدحاً أزرق قد صورت عليه تهاويل ورسم عليه نقوش وتصارير، تحسده عليها كؤوس لم تنل ما نال من زينة منحته شعراً خالداً:

كم منة للظلام في عنقي ... بجمع شمل وضم معتنق

وكم صباح للراح أسلمني ... من فلق ساطع إلى فلق

فعاطنيها بكراً مشعشعة ... كأنها في صفائها خلقى

في أزرق كالهواء يخرقه اللح ... ظ وإن كان غير منخرق

كأن أجزاءه مركبة ... حسناً ولطفاً من زرقة الحدق

مازلت منه منادماً لعباً ... مذ أسكرتها الشفاه لم تفق

تختال قبل المزاج في أزرق ال ... فجر وبعد المزاج في الشفق

تغرق في أبحر المدام فيسْ ... تنقذها شربنا من الغرق

فلو ترى راحتي وزرقته ... من صبغها في معصفر شرق

لخلت أن الهواء لاطفني ... بالشمس في قطعة من الأفق

وحسبنا من وصفه الممتع ما قدمناه ففيه صورة رائعة له، ورسم صادق لشعره، يملأ النفس روعة وإعجاباً. وإلى عدد تال نذكر أمثلة لبقية أغراض شعره ونماذج من نثره إن شاء الله

عبد العظيم علي قناوي