مجلة الرسالة/العدد 29/الشافعي واضع علم أصول الفقه

مجلة الرسالة/العدد 29/الشافعي واضع علم أصول الفقه

مجلة الرسالة - العدد 29
الشافعي واضع علم أصول الفقه
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 01 - 1934


للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب

- 7 -

أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي. ب - أهل الرأي وأهل الحديث

ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث آثاره وكتبه

د - وضع الشافعي علم أصول الفقه

ومذهب الشافعي الجديد وصل إلينا فيما ألفه بمصر من الكتب وقد سرد البهيقي المتوفى سنة 458هـ - 1065 - 1066م كتب الشافعي ولخصها عنه ابن حجر في ص78

(الرسالة القديمة، ثم الجديدة - اختلاف الحديث، جماع العلم - أبطال الاستحسان - أحكام القرآن - بيان الفرض - صفة الأمر والنهي - اختلاف مالك والشافعي - اختلاف العراقيين - اختلافه مع محمد ابن الحسن - كتاب علي وعبد الله - فضائل قريش - كتاب الأم -. . .)

وعدة كتب الأم: مائة ونيف وأربعون كتاباً وحمل عنه حرملة كتابا كبيرا يسمى (كتاب السنن) وحمل عنه المزني كتابه (المبسوط) وهو المختصر الكبير والمنثورات وكذا المختصر - المشهور - قال البهيقي: وبعض كتبه الجديدة لم يعد تصنيفها وهي: الصيام - والصداق - والحدود - والرهن الصغير - والأجارة - والجنائز فانه أمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد وأمر بتحريق ما يغاير اجتهاده قال: وربما تركه اكتفاء بما نبه عليه من رجوعه عنه في مواضع أخرى.

قلت: وهذه الحكاية مفيدة ترفع كثيرا من الإشكال الواقع بسبب مسائل اشتهر عن الشافعي الرجوع عنها وهي موجودة في بعض هذه الكتب.

ثم نقل ابن حجر: إن لأصحاب الشافعي من أهل الحجاز والعراق عنه مسائل وزيادات قال: وهذا يدل على إن (كتبا أخرى حملها عنه هؤلاء لان هذه المسائل ليست في الكتب المقدم ذكرها) وقد ترك ابن حجر في تلخيصه: كتاب (مسند الشافعي) ولا ندري: إن كان البهيقي قد تركه أيضاً أم لا؟ ويقول الرازي (ان كتابه المسمى (بمسند الشافعي) كتاب مشهور في الدنيا، ص146) كان اتجاه المذاهب الفقهية قبل الشافعي إلى جمع المسائل وترتيبها وردها إلى أدلتها التفصيلية عندما تكون دلائلها نصوصا.

وأهل الحديث لكثرة اعتمادهم على النص كانوا اكثر تعرضا لذكر الدلائل من أهل الرأي.

فلما جاء الشافعي بمذهبه الجديد كان قد درس المذهبين ولاحظ ما فيهما من نقص بدا له أن يكمله واخذ ينقض بعض التفريعات من ناحية خروجها عن متابعة نظام متحد في طريق الاستنباط.

وذلك يشعر باتجاهه في الفقه اتجاه جديدا هو اتجاه العقل العلمي الذي لا يعني بالجزئيات والفروع.

ويدل على إن اتجاه الشافعي لم يكن إلى تمحيص الفروع: ما نقله ابن عبد البر في (الانتقاء) من: إن احمد ابن حنبل قال: (قال الشافعي لنا: أما انتم فاعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث صحيحا فأعلموني أن يكون كوفيا، أو بصريا أو شاميا اذهب إليه إذا كان صحيحا) ص75.

وطريقة علاجه لمسائل العلم تدل على منهجه قال أبو محمد بن أخت الشافعي عن أمه قالت: ربما قدمنا في ليلة واحدة ثلاثين مرة أو اقل أو اكثر المصباح بين يدي الشافعي، وكان يستلقي ويتذكر ثم ينادي الجارية هلمي مصباحا فتقدمه ويكتب ما يكتب ثم يقول: ارفعيه، فقيل لأحمد: ما أراد برد المصباح؟ قال: الظلمة أجلى للقلب. مفتاح السعادة ج2ص91.

وليس هذا النوع من التفكير الهادئ في ظلمة الليل تفكير من يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع.

بل يعني بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها، وذلك: هو النظر الفلسفي.

قال ابن سينا في الشفاء (إنا لا نشتغل بالنظر في الجزئيات لكونها لا تتناهى وأحوالها لا تثبت وليس علمنا بها من حيث هي جزئية تفيدنا كمالا حكيما أو تبلغنا غاية حكيمة، بل الذي يهمنا هو النظر في الكليات).

وكان احمد يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة - واختلاف الناس - والمعاني - والفقه (الرازي ص35)

وقد حاول الشافعي: ان يجمع أصول الاستنباط الفقهي وقواعدها علما ممتازا وان يجعل الفقه تطبيقا لقواعد هذا العالم.

وبهذا يمتاز مذهب الشافعي من مذهب أهل العراق وأهل الحجاز.

د - وضع الشافعي لعلم أصول الفقه.

إذا كان الشافعي هو أول من وجه الدراسات الفقهية إلى ناحية علمية فهو أيضا: أول من وضع مصنفا قي العلوم الدينية الإسلامية على منهج علمي بتصنيفه في أصول الفقه، قال الرازي: اتفق الناس على: إن أول صنف في هذا العلم - أي علم أصول الفقه - الشافعي وهو الذي رتب أبوابه وميز بعض أقسامه من بعض وشرح مراتبها في القوة والضعف.

وروى: أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقران والسنة، والإجماع والقياس، وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص فوضع الشافعي رضى الله عنه (الرسالة) وبعثها إليه.

فلما قرأها عبد الرحمن بن المهدي قال: ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل ثم قال الرازي: واعلم: أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة (ارسططاليس) إلى علم (المنطق) وكنسبة (الخليل) بن احمد إلى علم (العروض).

وذلك لأن الناس كانوا قبل (أرسططاليس) يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة لكن ما كان عندهم قانون مخلص في كيفية ترتيب الحدود والبراهين.

فلا جرم. كانت كلماتهم مشوشة ومضطربة فأن مجرد الطبع إذا لم يستعن بالقانون الكلي، قلما أفلح. فلما رأى (أرسططاليس) ذلك اعتزل عن الناس مدة مديدة واستخرج علم (المنطق) ووضع للخلق بسببه قانونا كليا يرجع إليه في معرفة الحدود والبراهين.

وكذلك الشعراء كانوا قبل (الخليل بن احمد) ينظمون أشعارا وكان اعتمادهم على مجرد الطبع فاستخرج (الخليل) علم (العروض) فكان ذلك قانونا كليا في معرفة قانون الشعر ومفاسده فكذلك هنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل (أصول الفقه) ويستدلون ويعترضون، ولكن مكان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضتها، وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم (أصول الفقه) ووضع للخلق قانونا كليا يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع 00 ثم يقول الرازي: واعلم إن الشافعي صنف كتاب (الرسالة) ببغداد ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب (الرسالة) وفي كل واحد منهما: علم كثير ص 89 ـ102

ويقول (بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي) المتوفي سنة 749هـ 1391 ـ1392 في كتاب في أصول الفقه المسمى بالبحر المحيط (فصل): الشافعي أول من صنف في (أصول الفقه) صنف فيه كتاب (الرسالة) وكتاب أحكام القرآن واختلاف الحديث وأبطال الاستحسان وكتاب (جماع العلم ـ كتاب القياس ـ الذي ذكر فيه؛ تضليل المعتزله ورجوعه عن قبول شهادتهم)

ثم تبعه المصنفون في علم الأصول، قال احمد بن حنبل (لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي)

وقال الجويني في شرح الرسالة: لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف (الأصول) ومعرفتها، وقد حكي عن ابن عباس (تخصيص عموم) وعن بعضهم (القول بالمفهوم) ومن بعدهم لم يقل في الاصول شئ ولم يكن لهم فيه قدم فانا رأينا كتاب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم فما رأيناهم صنفوا فيه (من نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس)

ويقول ابن خلدون في المقدمة: (وكان أول من كتب فيه أي في (علم أصول الفقه) الشافعي رضي الله عنه أملى فيه (رسالته المشهورة) تكلم فيها في: الأوامر والنواهي، والبيان، والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة، من القياس

ثم كتب (فقهاء الحنفية) فيه، وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضاً) ص 397

وفي كتب (طبقات الفقهاء) للقاضي شمس الدين العثماني الصفدي: وابتكر الشافعي ما لم يسبق إليه من ذلك (أصول الفقه) فانه أول من صنف (أصول الفقه) بلا خلاف

ومن ذلك: (كتاب القسامة ـ وكتاب الجزية ـ وكتاب قتال أهل البغي) من نسخة خطية بدار الكتب الأهلية بباريس

ويقول صاحب كتاب (كشف الظنون): وأول من صنف فيه (الإمام الشافعي) ذكره الأسنوي في التمهيد وحكى الإجماع فيه ص 334 والباحثون في هذا الشأن من الغربيين يرون في (الشافعي) واضعاً (لأصول الفقه) يقول (جولد زيهر) في مقالته في كلمة (فقه) في دائرة المعارف الإسلامية: (واظهر مزايا محمد بن إدريس الشافعي): انه وضع نظام الاستنباط الشرعي من أصول الفقه وحدد مجال كل أصل من هذه الأصول وقد ابتدع في (رسالته) نظاما للقياس العقلي الذي ينبغي الرجوع إليه في التشريع من غير إخلال بما للكتاب والسنة من الشان المقدم ريث الاستنباط من هذه الأصول ووضع القواعد لاستعمالها بعدماكان جزافاً).

على أنا نجد في كتاب الفهرست في ترجمة (محمد بن الحسن) ذكر كتاب له يسمى (كتاب أصول الفقه).

ويقول الموفق المكي في كتابه (مناقب الإمام الأعظم) نقلا عن طلحة بن محمد بن جعفر؛ إن ابا يوسف أول من وضع الكتب في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة ج 2 ص245 ونقل ذلك طاش كيري زاده في كتابه (مفتاح السعادة) ج 2 ص 102

ولم يرد كتاب في هذا العدد فيما أورده صاحب (الفهرست) لأبي يوسف من الكتب وإذا صح. إن لأبي يوسف أو لمحمد كتاباً (في أصول الفقه) فهو فيما يظهر كتاب لنصرة ما كان يأخذ به أبو حنيفة ويعيبه أهل الحديث من الاستحسان.

وقد يؤيد ذلك، إن صاحب (الفهرست) ذكر في أسماء كتب أبي يوسف. كتاب الجوامع ألفه ليحيى ابن خالد يحتوي على أربعين كتاب، ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به ولم يكن فيه طبيعة مذهب أهل الرأي الذين كان من همهم؛ إن يجمعوا المسائل ويستكثروا منها، النزوع إلى تقييد الاستنباط بقواعد لا تتركه متسعا رحبا على إن القول بان أبا يوسف هو أول من تكلم في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة لا يعارض القول بان الشافعي هو الذي وضع (أصول الفقه) علما ذا قواعد عامه يرجع إليها كل مستنبط لحكم شرعي وقد لا يكون بعيدا عن غرض (الشافعي) في وضع (أصول الفقه): إن يقرب الشقة بين أهل الرأي وأهل الحديث ويمهد للوحدة التي دعا إليها الإسلام.