مجلة الرسالة/العدد 659/بعد إباحة الهجرة الصهيونية

مجلة الرسالة/العدد 659/بعد إباحة الهجرة الصهيونية

مجلة الرسالة - العدد 659
بعد إباحة الهجرة الصهيونية
ملاحظات: بتاريخ: 18 - 02 - 1946



اللغة الوحيد التي يفهمها الإنجليز

للأستاذ سيد قطب

كتبت في (الرسالة) بتاريخ 26 نوفمبر الماضي كلمة تحت عنوان: (أيها العرب. استيقظوا واحذروا). واليوم وبعد أن قررت الحكومة الإنجليزية إباحة الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، على رغم أنف العرب، وأنف الكتاب الأبيض الإنجليزي أيضاً. اليوم يهمني أن أعيد نشر الفقرات الأولى من هذا المقال، قبل التعليق على هذا القرار الأخير:

(إن قضية العرب في فلسطين تتأخر ولا تقدم!

(ويسوءني أن أكون نذير سوء؛ ولكن لأن نواجه الحقائق الواقعة، خير من أن نستنيم للأحلام. . .

(حينما صدر الكتاب الأبيض الإنجليزي، أعلن كل عربي مخلص أنه لا يرضى عن هذا الكتاب، وأنه صدمة لآمال العرب بما تضمنه من استمرار الهجرة الصهيونية فترة أخرى - وأن تكن موقوتة - تصبح الهجرة بعدها مرهونة بمشيئة العرب، أن شاءوا أمضوها، وأن شاءوا لم يسمحوا من بعد بها.

(واليوم يتمسك العرب بسياسة الكتاب الأبيض، ويدعون إنجلترا للمحافظة عليها.

(إذن قضية العرب في فلسطين تتأخر ولا تتقدم!

(تتأخر، فيصبح الكتاب الأبيض الذي كان بالأمس موضع شكوى العرب، هو موضع رجائهم، وينقلب الحد الأدنى - أو ما هو دونه - حداً أعلى لآمال العرب، أو الناطقين باسمهم في هذه الأيام!

(ألا إنها المحنة التي يجب أن تتفتح عليها الأبصار!

(فلننظر فيم كان هذا الانقلاب؟

(صدر الكتاب الأبيض بالأمس ترضية للعرب الثائرين الساخطين. فرفضوه واستصغروه. فلما سرى البرد إلى دمائهم الفائرة، ودب الخدر إلى أعصابهم الثائرة، رضوا عن الكتاب الأبيض، ووقفوا ينتظرون. . .

(وألغى الكتاب الأبيض اليوم ترضية للصهيونيين الثائرين المعتدين، وهم يرفضون إلغاءه، ويستصغرون اقتراحات (بيفن) الأخيرة، لأن العرب لا يزالون في خدر لذيذ يستنيمون إليه. . . ذلك أنهم يثقون بالضمير البريطاني!!!

(ومن هنا نستطيع أن نعرف: متى يسترضينا الإنجليز، ومتى يسترضون الصهيونيين؟!). ثم قلت في نهاية ذلك المقال:

(والآن. . . ما هو طريقنا المأمون؟

(طريقنا ألا نثق بضمير أحد، فما لأحد في العالم الغربي ضمير! لقد برهنت هذه الحضارة الغربية على إفلاس في الضمير لا عهد للعالم به في جميع الحضارات السابقة

(وقبل أن نثق بالضمير الأوربي أو الأمريكي، يجب أن نتذكر لفرنسا حوادث سوريا ولبنان - وهي قريبة لم تغب عن العيان - ويجب أن نذكر لإنجلترا يوم 4 فبراير الشنيع، ثم موقفها في إندونيسيا - وهو حاضر الآن - ويجب نذكر لأمريكا نداء (ترومان) ونصرته للصهيونيين!

(وطريقنا ألا نستنيم لمخدرات التأجيل، إلا إذا وقفت الهجرة وقفاً تاماً حتى يتم التحقيق. فلقد رأينا أن الزمن ليس في صالحنا. وإذا شاء أحد أن يستنيم، فليتذكر متى صدر الكتاب الأبيض بوقف الهجرة الصهيونية في موعد محدد، ولماذا صدر هذا الكتاب؟ ثم ليتذكر متى ألغى الكتاب الأبيض وأبيحت الهجرة من جديد، ولماذا كان هذا الانقلاب؟

(صدر الكتاب الأبيض ترضية للعرب الساخطين الثائرين، وصدر تصريح (بيفن) الأخير ترضية لليهود المعتدين الإرهابيين)

قلت ذلك من نحو ثلاثة أشهر، فقال لي قوم ممن يسمونهم (العقلاء!): لا تنس أن إباحة الهجرة الصهيونية مرهونة بمشيئة العرب، وأن مستر (بيفن) قدم قراره الأخير في صورة (اقتراح)، فإذا رفض العرب، فلن تكون هجرة للصهيونيين!

ثم هاهو ذا مستر (بيفن) يقرر تنفيذ اقتراحه، بعد أن رفضه العرب وأبلغوه قرار الرفض مجتمعين!

ذلك أن قرار الرفض من جانب العرب لم يبلغ للمستر (بيفن) باللغة الوحيدة التي يفهمها الإنجليز! فهم معذورون حين لا يفهمون!

ومصيبتنا الكبرى - سواء في قضية فلسطين أو في قضايا البلاد العربية جميعاً - أننا لا نخاطب الإنجليز باللغة الوحيدة التي يفهمونها كل حين!

ويبلغ بنا البله والغفلة أن نخاطبهم باللغة الدبلوماسية - وهم لا يفهمون هذه اللغة مع الأسف من الشعوب الصغيرة، بل هم لا يفهمونها من الشعوب الكبيرة في بعض الأحايين!

والضمير السياسي البريطاني؟ تلك الخرافة التي يتعلق بها ساستنا حينما تضعف نفوسهم عن اختيار الطريق الوحيد المؤدي إلى حقوقنا الوطنية، وتعجز ألسنتهم عن اللغة الوحيدة التي يفهمها الإنجليز.

هذه الخرافة التي لم ننكب مرة واحدة إلا عن طريق التعلق بها، ولم ننجح مرة واحدة إلا عن طريق اليأس منها. . ومع كل التجارب الماضية يوجد بيننا من لا يزال يثق في هذا الضمير

هاهي ذي الهجرة الصهيونية تباح أيها الواثقون بالضمير السياسي البريطاني. فماذا أنتم قائلون؟ بل ماذا أنتم فاعلون؟

مذكرات ديبلوماسية! وبيانات ديبلوماسية! وانتظار للردود على هذه البيانات والمذكرات، تأتيكم أو لا تأتيكم بعد حين!

والهجرة تستمر، والصهيونيون يدخلون!

أيتها الأمة العربية:

أفيك رصيد مذخور، أم أنت من الهالكين؟ فأما أن تكن الأولى أيتها الأمة فخاطبي القوم باللغة الوحيدة التي يفهمون، وأما أن تكن الثانية، فإن الإنجليز معذورون، والصهيونيين محقون!

أيتها الأمة العربية: لا تعتمدي على رجال السياسة، فقد تكون لهم قيود وحدود. ولكن اعتمدي على نفسك، وادفعي إلى الأمام ليتخطوا هذه السدود والقيود!

أيتها الأمة العربية:

(احذري رجال السياسة من أبنائك، لا لأنهم قد يخونونك أو يخدعونك؛ ولكن لأنهم هم قد يخانون ويخدعون. ولأن كراسي الحكم والمناصب، قد تكون في بعض الأحيان وثيرة إلى حد تستنيم له الأعصاب الثائرة، وتخمد فيه الدماء الفائرة!

أيتها الأمة العربية: خذي الأمر في يديك من جديد. فأني أرى الموقف يستدعي جهود الشعوب نفسها، لا جهود زعماء الشعوب!

وما يخدعك أيتها الأمة - في كل قضاياك الوطنية لا في قضية فلسطين وحدها - إلا مخدوع، يقصيك عن الأمر ويستنيم للوعود!)

تلك صيحتي لك بالأمس، وأنها لصيحتي لك اليوم. فخاطبي القوم باللغة الوحيدة التي يفهمونها، وإلا فسيذهب صوتك الديبلوماسي الناعم صرخة في واد. والأمر إليك، فانظري ماذا تأمرين!

سيد قطب