مجلة الرسالة/العدد 661/الكذب والنسيان

مجلة الرسالة/العدد 661/الكذب والنسيان

ملاحظات: بتاريخ: 04 - 03 - 1946



كما يراها (أبو العلاء المعري)

للأستاذ كامل كيلاني

(تتمة ما نشر في العددين السابقين)

18 - شعر الضب:

ويندد في رسالة الأغريض بالرواة الكاذبين فيقول: (وقد تمادى بأبي يوسف - رحمة الله - الاجتهاد في إقامة الاستشهاد، حتى انشد رجز الضب، وان معدا من ذلك الجد مغضب. أعلى فصاحته يستعان بالقرض، ويستشهد بأجناس الأرض. ما رؤية عنده بنصير، فما قولك في ضب دامي الأظافير.

19 - كذب النجوم

وقد خشي أن يصل الكذب إلى الكواكب والنجوم فقال:

(فيا ليت شعري هل تُراعُ من الروى ... وتركَعُ نُسكا بالعشاء وبالظهر

وتكذب أن المين في آل آدم ... غرائز جاءت بالنفاق وبالعهر

20 - حديث مهلهل

ويسأل عدي بن ربيعة المعروف بمهلهل التغلبي، اخبرني لم سميت مهلهلا فقد قيل إنك سميت بذلك لأنك أول من هلهل الشعر، أي رققه. فيقول: إن الكذب لكثير. وإنما كان لي أخ يقال له امرؤ القيس، فأغار علينا زهير بن جناب الكلبي، فتبعه أخي في زرافة من قومه، فقال في ذلك:

لما توقل في الكراع هجينهم ... هلهلت اثأر مالكا أو حنبلا

وكأنه باز، علته كبرة ... يهدي بِشِكته الرعيل الأولا

فسمى مهلهلا، فلما هلك شبهت به، فقيل لي مهلهل. فيقول الآن شفيت صدري بحقيقته اليقين.

21 - حديث المرقش ويسال المرقش الأكبر عن الأبيات التي يرويها له بعض الناس:

(تخيرت من نَعمانَ عُودَ أراكة ... لهند، ولكن من يبلغه هِندا

خليلي جوزا - بارك الله فيكما ... وان لم تكن هند لأرضكما قصدا

وقولهما لها:

ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جُزنْا لنلقاكم عمدا)

ويقول له: ولم أجدها في ديوانك، فهل ما حكي صحيح عنك؟) فيقول المرقش: (لقد قلت أشياء كثيرة، ولكني سرفتها (أي: غفلت عنها وجهلتها) لطول الأبد.

وينعطف إلى المرقش الأصغر، فيسأله عن شانه مع بنت المنذر، وبنت عجلان فيجده غير خبير، قد نسى لترادف الأحقاب. فيقول: (ألا تذكر ما صنع بك جناب. فيقول: وما صنع جناب؟ لقد لقيت الأقودين (أي: الدواهي) وشربت الأمرين.

22 - نطق اللسان

ومن ابرع ما قاله في التنديد بالكذب قوله في رسالة الغفران: (وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان، لا ينبئ عن اعتقاد الإنسان لان العالم مجبول على الكذب والنفاق ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تدينا، وإنما يجعل ذلك تزينا يريد أن يصل به إلى ثناء أو غرض من أغراض الخالية أم الفناء. ولعله قد ذهب جماعة هم في الظاهر متعبدون وفيما بطن ملحدون. وما يلحقني الشك في أن (دعبل بن علي) لم يكن له دين، وكان يتظاهر بالتشيع وإنما غرضه التكسب، وكم اثبت نسبا بتنسب.

ولا ارتاب إن دعبلا كان على رأي الحكمي وطبقته. والزندقة فيهم فاشية ومن ديارهم ناشية.

23 - الكذب الفني

أما الكذب الفني الذي كان يضطر إليه إليه الخيال، فقد أبدع شاعرنا في الاعتذار عنه في مقدمة سقط الزند - كما قلت في رسالة الهناء - حين عرض لتسويغ اضطراره إلى حذف أسماء من غلي في مجاملتهم، وأسرف في تخيل المزايا الباهرة التي نحلها إياهم في قصائده، معتذرا عما ارتكبه من الشطط بأنه لم يعن أحدا منهم بما قال، ولم يقصد - بما نظم في ربان الحداثة (أول الشباب) وجن النشاط (شدة المرح) إلى غير مرانة الطبع ورياضته، ثم شفع ذلك الاعتذار بآخر فقال: (ولم اطرق مسامع الرؤساء بالنشيد، ولا مدحت طالبا للثواب، وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السوس (الطبع) فالحمد لله الذي ستر بعفة من قوام العيش، ورزق شبعة من القناعة أوفت على جزيل الوفر).

ولكنه لم يلبث أن عزف عن هذا الباطل ونفر طبعه من تلك الأكاذيب فهجر الشعر قائلا في مقدمة سقط الزند: (ثم رفضته (يعني الشعر) رفض السقب غرسه، والرأل (ولد النعام) تريكته (بيضته التي خرج منها وهو فرخ)، رغبة عن أدب معظم جيده كذب ورديئة ينقص ويجدب (يعيب) وهنا يقول: (وما وجد لي من غلو، علق - في الظاهر - بآدمي، وكان مما يحتمله صفات الله - عز سلطانه - فهو مصروب إليه.

وقد اخذ نفسه - في قابل أيامه - بهذا العهد فوقف تمجيده وإجلاله على خالقه وحده، كما ترى ذلك في اللزوميات ورسالة الغفران، والفصول والغايات.

24 - المثل العليا

وقد أشار في تلك المقدمة النفيسة إلى مبدأ جليل ما اجدر محبي الأدب العربي أن يتنبهوا إلى خطره ونفاسته، فآثر أن يوجه مدائحه إلى المثل العليا - حيثما وجدت - في أفذاذ الموهوبين، من سالف القدامى الغابرين، وقابل الذراري القادمين، فقال: (وما صلح لمخلوق سلف من قبل أو لم يخلق بعد، فإنه ملحق به). ثم أعلن براءته مما جمح به طبعه فقال مستغفرا نادما: (وما كان من محض المين لا جهة له، فأستقبل الله الثرة فيه).

ثم وصل إلى ذروة التوفيق في تعليل الكذب الفني وتسويغه، فقال: (والشعر للخلد، (للنفس أو القلب) مثل الصورة لليد، يمثل الصانع مالا حقيقة له، ويقول الخاطر (القلب)، ما لو طولب به لأنكره).

ثم لخص دستور الشعراء ومن لف لفهم من رجال الفنون فقال: (ومطلق - في حكم النظم - دعوى الجبان: انه شجيع، ولبس العزهاة ثياب الزير، وتحلى العاجز بحيلة الشهم، الزميع (النشيط الجريء).

ومما نقتبسه في هذا الباب قوله في رسالة الشياطين 139:

وزعم صاحب المنطق في كتابه الثاني من الكبت الأربعة: أن الكذب ليس بقبيح في صناعة الشعر والخطابة. ولذلك أستجازت العرب أن تقول فتفرط، وتسرف في الشيء فتغرف.

كامل كيلاني