مجلة الرسالة/العدد 661/فلسطينيات:

مجلة الرسالة/العدد 661/فلسطينيات:

ملاحظات: بتاريخ: 04 - 03 - 1946



أخيال أم حقيقة؟

فلسطين بعد ربع قرن!. . .

للأستاذ نجاتي صدقي

سيقول ولدي: اذكر أنني في ليلة من ليالي الشتاء القارس جلست إلى جانب والدي وقد حاطني بذراعيه وكان يمتحنني في دروسي، ولما تطرقنا إلى الجغرافيا وأوضاع الدول والأمم، سألني في أية سنة تم تقسيم فلسطين يابني؟ فاجبته على الفور: سنة 1950 يا والدي!.

فربت على كتفي وقال: عافاك الله، حقا انك لتلميذ نبيه، ولكن هل طالعت شيئا عن تاريخ ذلك التقسيم وكيف حصل؟

قلت: قرأت في كتاب تاريخ فلسطين للأستاذ سعيد الزيتاوي الصادر في يافا سنة 1965، والذي أقرته وزارة المعارف العربية الفلسطينية، أن مشروع التقسيم لاقى وقتئذ مقاومة عنيفة من العرب واليهود على السواء. وكانت وجهة نظر العرب في ذلك كما أوجزها الأستاذ الزيتاوي في كتابه تتلخص في أن الموافقة على التقسيم يعني الاعتراف بحقوق اليهود في جزء من فلسطين وانه يخول اليهود حق إقامة دولة لهم في أراضيهم وتأليف جيش وفتح باب المهاجرة إليها على مصراعيه، ثم انه يمكنهم من تصميم الصناعات في دولتهم الأمر الذي يهدد كيان الدولة العربية الاقتصادي، وان الدولة اليهودية في ذلك الجزء من فلسطين ستصبح المخفر الأول للرأسمال الأمريكي في الشرق الأوسط!. . كما أنها ستكون مصدر متاعب لا نهاية لها للجمعية العمومية الدوليه، ولمجلس الأمن العالمي!

وهنا قاطعني والدي وقال: ولكن ألم يكن اليهود أحرارا في تل أبيب والمستعمرات اليهودية؟ ألم تكن لهم مجالسهم البلدية وصناعاتهم المحلية، ومدارسهم الأهلية؟ وهل كان العرب يتدخلون في شئون اليهود الخاصة؟ أو هل كان بمقدور أية أسرة عربية أن تسكن تل أبيب؟ أو هل كان يحق لعربي أن يقيم له حانوتا في مستعمرة (بني براك) مثلا؟ أذن كان التقسيم واقعا فعلا قبل سنة 1950، وكل ما فعلته لجنة التقسيم الدولية أنها خ الحدود، وعينت منطقة الحرام!.

ارتبكت لدى سماعي اعتراض والدي هذا والتزمت الصمت، إلا انه ابتسم وقال: يظهر أن معلومات الأستاذ الزيتاوي كانت غير كافية، فجاء كتابه التاريخي هذا ناقصا، وهذا عيب لا يغتفر للمؤرخ النزيه.

واسترسل والدي قائلا: شرحت لي وجهة نظر المعارضين من العرب لمشروع التقسيم فهل لك الآن أن تبين لي وجهة نظر ذلك الفريق من العرب الذين أيدوا مشروع التقسيم بواسطة حزبهم المعروف بحزب الديمقراطية الأحرار العرب؟

قلت: روى لنا الأستاذ الزيتاوي في الصفحة 97 من كتابه المذكور، أن أنصار التقسيم من العرب رأوا في التقسيم الحل الوحيد للقضية الفلسطينة، لأنه يضع حدا فاصلا للمطامع الصهيونية، ويمكن العرب من إقامة دولة مستقلة لهم في فلسطين، فيضربون حولها نطاقا حديديا قوامه الخنادق والمخافر والأسلاك الشائكة المكهربة، والجيش العربي الفتي المتيقظ المجهز بأحدث الأسلحة؛ ثم أن العرب إذا ما رأوا أنفسهم في جوار دولة مالية صناعية مخيفة تمسكوا بناموس المنافسة والتطور واستنجدوا برؤوس الأموال العربية وأرسلوا أبناءهم إلى البلاد الراقية ليتخصصوا في مختلف العلوم والصناعات، وهكذا فلا تنفضي حقبة من الزمن حتى يكون العرب قد أقاموا في فلسطين مجتمعا عربيا راقيا فاضلا تتضاءل إزاءه أخطار الدولة اليهودية، ويصير مصيرها إلى التلاشي أو إلى البقاء في الشرق كما هي أمارة تنشتاين في الغرب!

قال والدي: أحسنت الجواب. . . لكن هلا حدثتني عن موقف اليهود من مشروع التقسيم وكيف قبلوه؟

قلت: هذا ما افتقر إليه كتاب الأستاذ الزيتاوي ولم يتطرق إليه إلا لماما واذكر انه قال: أن غلاة الصهيونيين عارضوا مشروع التقسيم بشدة. فمنهم من نعته ب (غيتو) يهودي كبير ومنهم من قال أن الدولة اليهودية بمقتضاه تكون بمثابة (معتقل) للمهاجرين اليهود! وان المهاجرين لن يجدوا متسعا لهم في تلك الرقعة الضيقة فيزاحم بعضهم بعضا فينغص عليهم عيشتهم، وتتحول دولتهم إلى جحيم لا يطاق! أما أنصار التقسيم منهم، فيدحضون هذه المخاوف بقولهم: ستنمو الدولة اليهودية عموديا لا أفقيا! فقاطعني والدي قائلا: وما الذي تفهمه بالنمو العمودي لا الأفقي؟

تلعثمت بالجواب واحمر وجهي خجلا، وقلت: لا ادري!

فقال: عيب عليك أن تتلفظ باصطلاحات وأنت تجهل معناها أأنت ببغاء؟ فالتطور العمودي هي ناطحات السحاب التي تراها اليوم في بعض مناطق الدولة اليهودية المجاورة، والتي أقامها أصحابها لضيق الرقعة، وكثرة السكان. . . أما التطور الأفقي فهو التوسع على حساب الأراضي العربية، وهذا غير ممكن، لأنه يؤدي إلى وقوع حرب بين الدولتين، لن يسمح بها مجلس الأمن الدولي!

وإذ هم والدي بطرح أسئلة مضنية أخرى، طرق باب الدار، وكان الطارق السيد عبد الحليم الملاح صاحب جريدة (الكوكب) وكان من عادته أن يسهر ووالدي ويتبادل وإياه أطراف الأحاديث. فرحب به والدي كعادته، وأجلسه على الأريكة إلى جانبه، وكان مدار حديثهما أخبار الحدود، فروى السيد الملاح خبر اكتشاف قوة الحدود العربية نفقا نقبه اليهود تحت الحدود، كانوا يهربون منه البضائع المصنوعة في تل أبيب، وان مصلحة الجمارك اليهودية القائمة بالقرب من مرج بني عامر أو (ايمك) صادرت سلعا عربية غير مجمركة، وان عربيا حاول الانتقال من يافا إلى تل أبيب بلا جواز سفر، فاعتقل وظل طيلة يومه في استجواب مستمر، ولم يفرج عنه إلا بعد أن اثبت للمسئولين انه يجهل وجود دولة يهودية مجاورة، وما إلى ذلك من أخبار الحدود المتعاقبة يوميا!

وهنا أخذني النعاس واستغرقت في نوم عميق، تاركا والدي وصديقه يتناوبان أحاديث السهرة. . .

نجاتي صدقي