مجلة الرسالة/العدد 661/مقالات في كلمات

مجلة الرسالة/العدد 661/مقالات في كلمات

ملاحظات: بتاريخ: 04 - 03 - 1946



للأستاذ علي الطنطاوي

1 - حرية الكتابة

لست أدعو في هذا الكلمة إلى سلب الكتاب حرية الكتابة، ولكني أدعو إلى الإبقاء على حرية الناس في التدوين والتخلق بكريم الأخلاق. وان لكل حرية حدوداً، لا ينبغي لها أن تعدوها وإلا كانت حرية المجنون الذي يفعل ما شاء وشاء له الجنون. أنت حر في دارك ولكنك لا تستطيع أن تتخذ منها أتونا للفحم ولا ماخورا للفجور، ولا تستطيع أن تحرقها أو تنسفها بالبارود. وأنت حر في نفسك ولكنك لا تقدر أن تبسط سفرتك فتأكل في المحراب يوم الجمعة والناس في الصلاة، ولا تقدر أن تلقى الصحون وتصلي على المائدة ساعة الوليمة في الحفل الحاشد، أو أن تحضر المحاضرة بلباس الحمام، أو أن تصرخ في المستشفى أو تغنى في المأتم. وأنت حر في قلمك، ولكنك لا تملك ان تدعو إلى هدم استقلال وطنك، والخروج على قوانين بلادك. إنهم يمنعونك ويسكتونك ويضربون ان فعلت على يدك.

فلماذا لا يمنعونك أن تكفر بالله، وتهدم الأخلاق، وتخرج الناس على الدين، والأخلاق أساس الاستقلال والدين أولى من القانون؟ وكيف صح ذلك المنع، وساغ، ولم يمش حرمة هذه الحرية، ولم ينل من قدسيتها، ولا يصح هذا ولا يسوغ ولا يكون إلا عدوانا على حرية الكتابة، وإلحادا فيها.

أو ليس من عمل الحكومة الذي كانت من اجله الحكومات ان تقر الأمن والسلام في الأمة، وتضمن لها العزة والسيادة بين الأمم؟ إنه لا يكون أمن أو تكون عزة إلا بالخلق المتين وبالدين، فإن ذهبا لم يخلفهما شئ. . . وما القانون؟ هو الشرطي. . فإن أمن العاصي أن يراه الشرطي أو يدري به القاضي، أو يناله العقاب، ركب في طريق الغواية رأسه فلم يرده شئ، أما المؤمن فيردعه عن المعصية علمه أن الله مطلع عليه في سره وعلنه، وأما صاحب الخلق فربما رده خلقه، وعصمه الله به، فلماذا نهدم بأيدينا هذين الحصنين، وندع الضعف والهوان يدخلان علينا بدخول الإلحاد والفجور.

أو من العدل أن تحفظ الحكومة أموال الناس من اللصوص وتضيع عقائدهم؟ وتح جسمهم من القتلة وتبيح قلوبهم؟ وتقيم الحراس يحرسون البيوت والأثاث وتدع أعراض البنات وأخلاق الصبيان هملا يسرقها ويعبث بها، كل صحفي مفسد، وشاعر ماجن، وكاتب خبيث؟

سيقولون: حرية الكتابة. . .

نعم إنها حرية ينبغي أن تصان وتضمن، ولا يعتدي عليها، ولا ينال منها، ولكن الدين والأخلاق، ينبغي كذلك أن يصانا وان يضمنا، وألا يعتدي عليهما ولا ينال منهما، فإن تعارض الأمران، فلنحمل أخف الضررين، ولنقبل بأهون الشرين، وأهونهما أن نخسر حرية الكتابة (أحيانا) لنحفظ الدين والشرف، لا أن نخسر الدين والشرف لنحفظ (حرية الكتابة)، ونقول لكل صاحب نحلة ضالة، أو هوى خبيث، أو رأي هدام: اكتب ما تريد، واطبعه، وهاته نقرأه على أبنائنا وبناتنا، ونصبه في عقولهم وننشئهم عليه!

ونحن اليوم في مطلع حياة جديدة، وقد غيرت هذه الحرب المقاييس، وبدلت قيم الأشياء في إفهام الناس، وكانت امتحانا قاسيا للأمم لم تنجح فيه أمة فشا فيها الفجور، وعمت الفاحشة وضعفت الرجولة، ونسيت العقيدة، ولن يدوم نجاح لأمة لا تزال تستهين بالعفاف وتميل إلى المجون وتؤمن بالكفر. . . وحسبنا فرنسا مثلا معروضا لكل ذي عينين تبصران وعقل يفكر فلنعتبر بغيرنا قبل أن نصير عبرة للمعتبرين، ولتفهم حكومتنا انه لا حياة لنا إلا إذا أنشأنا من أبنائنا جيلا مؤمنا متين الخلق، ظاهر الرجولة، مقبلا على الجد، عارفا بالواجب عليه فإذا تركت الحكومات الصحفيين والكتاب (اعني بعضهم) ينقض كل يوم حجرا من صرح الأخلاق، ويوهي جانبا وينشر في الناس حديث الشهوة الهيمية، ويستكثر من القراء بإثارة أحط الغرائز البشرية، لم ننشئ والله إلا جيلا رخوا ضعيفا همه شهوته، ومطلبه لذته، قد ضاعت رجولته وذهبت قوته ثم نبي بهذا الجيل مجدنا ونقيم عزنا ونأخذ بين الأمم مكاننا!

أن المسالة اكبر من أن نلوك فيها هذه الألفاظ (حرية الكتابة) (وحرية الفكر). . . إنها مسالة حياة أو موت!

2 - أمثلة على حرية الكتابة

وما في نشر الفاحشة صعوبة، ولا يحتاج إلى عبقرية أو بلاغة أو أدب أو نبوغ، وحسب الرجل ان ينشر في كتاب ما يطوى في الخلوة، أو أن يظهر في صورة ما يستر من العورة، حتى ينال منه ما يريد.

فتجرأ الناس على الأدب، واقتحموا حماه من غير أن يعدوا لذلك عدته من وقوف على اللغة وأساليبها، واطلاع على صرفها ونحوها، ونظر في رسائل بلغائها ودواوين شعرائها. وفيم هذا العناء كله، وأدب الشهوة، لا يحتاج إليه، ولا يعتمد عليه؟ وما هي إلا سهرة في الخمارة، أو ليلة في (المرقص. . . .) حتى تجمع أسبابه كلها ومقوماته.

طبع في دمشق منذ سنة كتاب صغير، زاهي الغلاف ناعم ملفوف بالورق الشفاف الذي تلف به علبه (الشكولاته) في الأعراس، معقود عليه شريط احمر كالذي أوجب الفرنسيون أول العهد باحتلالهم الشام وضعه في خصور (بعضهن) ليعرفن به، فيه كلام مطبوع على صفة الشعر فيه أشطار طولها واحد، إذا قستها بالسنتمترات. . يشتمل على وصف ما يكون بين الفاسق القارح، والبغي المتمرسة المتوقحة وصفا واقعيا لا خيال فيه، لأن صاحبه ليس بالأديب الواسع الخيال، بل هو مدلل، غني، عزيز علي أبويه وهو طالب في مدرسة. . وقد قرا كتابه الطلاب في مدارسهم، والطالبات.

وفي الكتاب مع ذلك تجديد في بحور العروض، يختلط فيه البحر البسيط بالبحر الأبيض المتوسط، وتجديد في قواعد النحو لأن الناس قد ملوا رفع الفاعل، ونصب المفعول، ومضى عليهم ثلاثة آلاف سنة وهم مقيمون عليه فلم يكن بدمن هذا التجديد. ومع ذلك فقد قرانا في الجرائد من نحو شهر، أن صاحب هذا الكتاب قد دعي إلى محطة الإذاعة في القاهرة، ليذيع منها شعره، رغبة منهم بنشر الأدب السوري، وتوثيقا للتعاون الثقافي بين الأقطار العربية!!

وهاكم مثالا اخر، هو الكتاب الذي صدر في دمشق منذ عهد قريب، واسمه (مختصر تاريخ الحضارة العربية)، وقد وضع لطلاب المدارس الثانوية ونصف مباحثه، في القرآن وعلومه، والحديث وفنونه والفقه أصوله وفروعه، والكلام، والفرق الإسلامية وعقائدها، والذي راع صدوره العلماء لما فيه من التخليطات التي يكفر بمثلها المؤمن، ويجهل العالم، ويضحك منه على ذقن قائله، وألف مفتي الجمهورية لجنة للنظر فيه فنظرت فوجدت فيه من الغلطات ما لا ينتهي العجب من صدوره ممن ينتسب إلى العلم ولو من وراء خمسة جدود. . . فكان مثال مؤلفيه فيه - كالنحوي إذا ألف في علم التشريح، والكيميائي إذا كتب في فن التمثيل.

على أن النظر في الغلاف إلى اسم مؤلفيه يبطل هذا العجب، لأن أحدهما اسمه جورج حداد - والأخر اسمه من أسماء المسلمين ولا اعرف عنه ولا عن زميله شيئا، ولكن أبحاث الكتاب تدل على ان هذا المسلم اجهل بعلوم المسلمين من الخوجه جورج! إنها (حرية الكتابة)، فليتعلم طلابنا الأباطيل على إنها حقائق، والأوهام على إنها الإسلام، ويحفظونها ليؤدوها يوم الامتحان، ما دامت هذه الحرية مصونة، والكلام في الحد منها عدوان على الفكر المقدس.

(دمشق)

علي الطنطاوي