مجلة الرسالة/العدد 735/القسم السابع:

مجلة الرسالة/العدد 735/القسم السابع:

ملاحظات: بتاريخ: 04 - 08 - 1947



فرنسا ومستعمراتها الاعتداء على الجزائر

للأستاذ أحمد رمزي بك

(يا ويلاه! أن المصائب والنكبات وامتحان الدهر ليست وحدها

العائق الذي يعترضنا في الحياة بل أن أعمالنا وجهودنا نفسها

كثيرا ما تكون حربا علينا)

(فاوست)

ليذكر العرب جميعا والعالم الإسلامي وسائر أمم الأرض أن فرنسا اعتدت بلا مبرر، بل بسبق إصرار وتربص على حرية الأمة الجزائرية، وكان ذلك بغير إعلان حرب ولا أخطار للدولة صاحبة السيادة، وإنما جمعت وحشدت الجنود وأنزلتها في يوم 19 يونية سنة 1830 عند الصباح في مرسى سيدي فرج، حيث انسحبت قوات والي الجزائر من البرج القائم حقنا للدماء وإثباتاً للتعدي أمام طوفان الفرق التي جاءت من فرنسا بمدافعها وعتادها الحربي.

هذا اليوم يجب أن يبقى خالدا في ذكريات كل فرد منا، مهما كانت ثقافته ومهما كانت آماله، ولأهل الجزائر أن يرفعوا أيديهم بالاحتجاج على هذا العدوان، وأن تنصت السماوات العلى إليهم، وتستمع الأرض ومن عليها لشكواهم وآلامهم.

وليتخذ أبناء العروبة هذا يوم حداد لهم يقفون دقائق معدودة تحية للمجاهدين والمقاتلين الذين جادوا بأرواحهم دفاعا عن حريات الأمة الجزائرية في كفاحها الطويل وجهادها، وليبق هذا اليوم الأسود قائما بيننا حتى يصفح الله عن شعبه وأرضه ويرد إليه حقه، والى أن تعود الحياة والنور إلى الشعب الجزائري على الثرى الذي حمل أمجاده والذي هو له وحده.

كان هذا الاحتلال نكبة كبرى على العروبة والإسلام، لا للحوادث التي تمخض عنها من ضياع استقلال تونس ومراكش، ولا لحوادث الكفاح والقتال والتصادم التي دامت سنوات عديدة، ولا لما أثاره من المعارك والمقاتل والأيام المشهودة، وإنما كان محنة إزاء ما تبينه العالم من صمت المسلمين وجمودهم وتفرق كلمتهم. لقد كشفنا هذا العدوان الفرنسي أمام الدنيا وشعوبها. كنا قوة تخشاها أحداث الزمن، فإذا نحن لا شئ. كان العالم يحسب ألف حساب للروح التي تفيض حماسة وقوة ورفعة تلك الروح التي أفرغتها تعاليم الإسلام على الأفراد والجماعات والشعوب فإذا هذه الروح لا وجود لها، أنها قد ماتت ولم يعد لها بقاء ولم تقم لها قائمة، ولهذا حمل أهل الجزائر عبء القتال وحدهم، وكان عبئا ثقيلا عليهم. حقا انهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ولكن للطاقة البشرية حدا، انهم دافعوا دفاع المستميت حتى القوا في النهاية أسلحتهم.

هذه ناحية جديرة بالبحث والتحقيق، نقول ماذا دهى العالم الإسلامي وأهله؟ ماذا أصاب هذه الشعوب التي عهدناها في التاريخ زاحفة على الأخطار تتلقاها بصور ملاها الايمان، لا تلين يوم ترجف الراجفة ولا تخضع ولا تستأمن وإنما تقوم للأحداث وتقعد أين ذهبت تلك الحيوية التي كانت تتبع الرادفة بالرادفة، وتهز بعزائم أهلها الدنيا وتواجه بصدور أهلها طوفان الحوادث فتعلو عليه والنصر من كل جانب يواتيها؟

ولقد افتتحت هذا المقال بجعله من فاوست قالها جوتة الشاعر الألماني، هي تلخص حال المسلمين في افتتاح القرن الماضي، إذ كانت قد خفتت منذ سنوات وقرون أصوات المعارك الزاحفة، وانهدرت صروح الممالك القوية، وتفككت عرى الدنيا الإسلامية حينما أطلت طلائع القرن التاسع عشر علينا فأصبحت المدن التي كانت عامرة أنقاضاً وهبط عدد المسلمين في مصر وفارس وسوريا والمغرب، وضعف شان المسلمين كل جانب ومنذ ابتداء القرن الثامن عشر لم يبقى لهم إلا دولة آل عثمان التي وصلت جحافلها إلى فينا مرتين، ثم إذا هي تواجه الهجمات المتتالية في جبهة البلقان والمجر وتدافع ببطولة واستماتة؛ فمن كان بوسعه أن يخترق حجب الغيب قبل وقوع هذا الحدث الأعظم بثلاثة قرون، ويجاهر المسلمين بان مصائب القرن التاسع عشر وأرزاءه كانت نتيجة للأخطاء التي ارتكبها أسلافهم بحروبهم وسياستهم وتفرق كلمتهم؟

لم يبقى من شك في أن الحروب التي شنها سليم الأول على مصر وإيران اضعف الكيان الإسلامي كقوة فعالة، ولا سيما إذا حللنا على ضوء المنطق الأسباب التي دفعته إليها، فقد كانت مشاكله مع الدولتين من الأمور التي كانت بوسعه حسمها بدون أن يتورط في معارك مع دول إسلامية بطبيعتها حليفة له. فكان من اثر حروبه أن زالت من الوجود دولة مصر التي كانت الحروب الصليبية في مواجهة أوربا، وناهيك بذلك مفخرة لها.

أن الضربة التي وجهت إلى مصر في سنة 922 هـ، كانت ضربة ضد العروبة الإسلام إذ كان من أثرها أن انهار ركن من دعائم دنيا المسلمين كان المقام الأول في الدفاع عن أراضيهم وصد أعدائهم، وسرعان ما ظهرت للعيان فداحة هذا الرزء حينما لم يمض نصف قرن حتى أعقب ذلك هبوط سريع في عدد السكان، ونقص في العمران الذي كان قائما بأراضي مصر والشام، بل أن اثر الفتح العثماني كان شديدا حتى على الحركة العلمية والأدبية التي كانت سائدة بمدارس القاهرة ودمشق، فلم نعد نسمع بمصر عن رجال من أمثال ابن خلدون والسيوطي والقريزي وغيرهم من أئمة الدين والفقه والشريعة، ثم انظر إلى اثر هذا العدوان ضد بلاد الإسلام في العقلية الأوربية نفسها، فهذه جمهورية البندقية استمرت في علاقات حسنة مع مملكة مصر طول القرون الوسطى. وانك إذا ذهبت إلى المدينة وزرت قصر الدوجات تجد في إحدى قاعات العرش رسما كبيرا يمثل سفراء إيران بين يدي عاهل البندقية أن هذه الصور توحي بأشياء كثيرة فان هذه الجمهورية بعد زوال مصر أخذت تبحث عن حلفاء لها من بين المسلمين.

والمعروف أن دوج البندقية كان عدوا للأتراك العثمانيين، فهو يضع في مواجهة العالم اعتزازه بتحالفه مع أعداء الدولة العثمانية من المسلمين وليس ابلغ للدلالة على تفرق كلمة المسلمين وتشاحنهم بعد حروب سليم من هذه الصور القائمة حتى اليوم درسا وعبرة لمن يريد أن يعتبر.

وما يقال عن إيران ينصب على سلطنة مراكش، فهي تمد عاشت أكثر من ثلاثة قرون في شبه عزلة تامة نتيجة للسياسة العامة التي وضعها سليم بضرورة فرض سيادة الخاقان الأعظم على بلاد المسلمين وممالكهم وهي سياسة لم تكن تسمح بإيجاد علاقات واضحة صريحة مع دولة مراكش المستقلة ولم يكن نتيجتها سوى توالي المحن والنكبات، وتحضير الظروف وتوطئة الأحوال الملائمة لذلك الهجوم الفرنسي الذي تمثل في الاعتداء على القطر الجزائري الشهيد.

قارن هذه السياسة المبينة على الدعوة إلى السيطرة العامة والخضوع لسلطان الخلافة مع المرونة التي أظهرها ملوك مصر ابتداء من الملك الظاهر بيبرس مع خانات التتار والقبيلة الذهبية وأصحاب عروش الفنجان في روسيا، تجد انهم نقلوا هذه البلاد من الوثنية إلى الإسلام.

أما السياسة العثمانية فلم تنجح مع أنها كانت قريبة منهم لأنها جاءت لملوك هذه البقاع وفضلت فرض نوع من الوحدة والسيادة عيهم، وكان هؤلاء في عنفوان قوتهم فرفضوا الإذعان لسلاطين آل عثمان وكانت دولة الخلافة في أبان مجدها وفتوتها فتمسكت بسياستها، وبعد قرنين ضعف الجانبان ودخل خانات القرم طوعا تحت كنف السلطان الأعظم، فإذا هو عاجز عن حمايتهم، وإذا بالقوى تتجمع ضد الدولة العثمانية، وكان أول من جاهر بالعصيان جماعات القوزاق الذين خضعوا لملوك المسلمين أباطرة وقياصرة، وكانت قلاع العثمانيين على نهر الدنيير في شمالي رومانيا وفي وسط بلاد المجر كافية لصد جموع أوربا مجتمعة، ولكن ماذا تفعل الجحافل العثمانية وقد امتدت الجبهة شرقا وظهر عدو جديد هو الروسيا التي أخذت تكتسح الإمارات الإسلامية حتى وصلت إلى شواطئ البحر الأسود الذي عرفته القرون بحيرة إسلامية؟

لقد ظهرت للعيان أخطاء قرنين من الزمن لان حلفاء الدولة العثمانية الطبيعيين هم سكان نهر الفولجان المسلمين وأمراء القرم وهم الذين كان بوسعهم دفع الشر أبان قوتهم وكان المنطق والعدل والاخوة تملي بتقوية هذه الإمارات وتشجيعها بدلا من مناوأتها فإذا هي أول ضحايا الزحف المسكوبي وإذا بالجبهة العثمانية تنهار بسرعة إذا بمجهود السلطنة والخلافة ينصرف من يوم حصار فينا إلى عهد حملة نابليون 1812 في صد الهجمات المضادة التي شنتها أوربا فإذا وفقت في صدها عالجها الذئب الروسي الأسيوي مستعينا بمن كانوا حلفاءها، لقد كانت محنة كبرى ولكنها من صنع أيدينا قبل أن تكون من عمل أعدائنا. فالويل إذا تكررت مرة أخرى.

فهل كان من حرج على سلاطين آل عثمان لو اتبعوا أساليب وسياسة سلاطين القاهرة في علاقتهم مع مسلمي الفولجا والقرم؟ لقد أثبتت الأيام أن ملوك مصر كانوا ابعد نظرا وأكثر انتباها.

ولذلك لم تكسب الدولة العثمانية كثيرا في سياستها الإسلامية وجاء اتساع رقعة أراضيها فلم يمكنها من أن تصير دولة متماسكة قوية ومع خدماتها الجلى للإسلام جاء وقت كانت هي وحدها الدولة الإسلامية التي تتلقى الصدمات التي يوجهها أعداء الإسلام وخصومه إلى أممه. وفي غمرات هذه الحالة جاءت حملة فرنسا على القطر الجزائري فإذا القوى مبعثرة والأيدي مغلولة وأراضي المسلمين الشاسعة خالية من السكان.

نذكر هذا ونكرره إزاء الصيحات التي نسمعها نحو الوحدة وتأليف دولة موحدة إسلامية ونحن نبادر إلى القول بان المتناقضات لا تزال قائمة في داخلية العالم الإسلامي هذه المتناقضات التي أورثتها لنا الأطماع والحزازات والعقد النفسية، فلنحذر من الوقوع في أخطاء السلف لان هذه الأخطاء قد تكون أكثر وبالا علينا من المصائب والنكبات التي يسببها الأعداء لنا.

وكلمة هادئة نسوقها هنا وهي: إننا من دعاة حرية الشعوب الإسلامية ولكن مع الإسراع في الأخذ بمدنية القرن العشرين ومع العمل على نقل الشعوب إلى وعي قومي صحيح مبني على العلم والنور وفهم الحقائق والتثبت منها، بحيث لا يمكن التأثير عليها وقيادتها إلى أعمال تحمل من المبدأ جراثيم الفشل وتنتهي إلى نكبات ومحن تضعف من شان المسلمين، فعلى ضوء تجارب الماضي ودروسه القاسية تبنى وتؤسس دعائم المستقبل فنحن طلاب حرية وتقرير مصير واستقلال كل شعب داخل نطاق حدوده القومية والتاريخية، ولسنا من أمصار الفكرة العثمانية الني رأينا أثرها بعد ثلاثة قرون ممثلة في ضياع شمال أفريقيا، وإنما ندعو إلى تأسيس علاقات جديدة بين الوحدات العربية والإسلامية تنو على ضوء التجارب مع الزمن نحو التحالف والتكاتف والتعاون، حتى يعاد العمران وتنشا المواصلات وتختفي الأنقاض والخرائب وتحطم أغلال الجهل التي أورثتها لنا أجيال عشنا منها تحت كنف الاستعمار والاستعباد.

هذه ناحية هامة أعادتها إلينا ذكرى احتلال الجزائر وما لمسناه من خمود أية فكرة عليا للدفاع عن هذا القطر الشهيد؛ فلننظر من ناحية أخرى لهذا الحدث الكبير في تاريخنا لنعرف الدوافع الكامنة وأثرها.

لقد رأينا جيوش المسلمين تسير لتحرير العالم، حتى إذا انتهت إلى إسبانيا عبرت جبال البرانس ودخلت فرنسا بقيادة عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي في سنة 732 ميلادية.

وكانت انتصاراته سهلة على حكام البلاد فوصل زحفه إلى وادي نهر اللور، ولكن في وسط الوديان الشاسعة بين بلدتي تور وبواتييه، حيث المروج الخضراء، التقت جموع العرب لأول مرة مع جموع عنصر أوربي مقاتل عم الجرمان وعلى رأسهم شارل مارتل، ودارت رحى معركة قال عنها كتاب أوروبا (هي المعركة الفاصلة الإسلام والمسيحية لان اغلب مقاتلة الجرمان كانوا وثنيين، ولكن الدعاية والرغبة في التهويل والتفخيم أسبغت على هذه المعركة ثوبا فضفاضا لان نتيجتها كانت انسحاب العرب من وسط فرنسا إلى جبال البرانس، فقالوا هنا التقت أوربا واسيا، وفي هذه المعركة انهزمت قوى الإسلام ومن الغريب أن يذكر بعض المؤرخين أن بين من حارب في صفوف المسلمين أمراء مسيحيين.

لقد شاءت الروح الصليبية السائدة في أوروبا أن تجعل من معركة تور وبواتييه ابتداء الهجوم المضاد على المسلمين، لا في فرنسا وحدها بل في إسبانيا، واستمرت هذه الدعوة القائمة على الكراهية والإفناء سائدة لمدة ثمانية قرون وهي تلاحق العرب حتى صفيت المشكلة الإسلامية فيبحر من الدماء والمذابح في إسبانيا وغادر آخر ملوك غرناطة ساحل الجزيرة الخضراء.

ولقد ظن المسلمون أو خيل إليهم أن نكباتهم قد انتهت وان جحافلهم قد أن لها أن تستريح وكانوا في ذلك من الواهمين لأنه لم تمض ثلاثة قرون حتى لاحقتهم الحروب في عقر ديارهم، وقذفت فرنسا التي حكمها العرب وفتحوا ديارها بحملة قوامها أربعة وثلاثون ألفاً من خيرة جنودها وحملوها على أسطول عدته أربعمائة سفينة أنزلت مع الحملة مائة وعشرين مدفعا تجرها الخيل.

ولم تكن هذه أولى الحملات بل تقدمتها محاولات أخرى لقيت فيها مدينة الجزائر الكثير من عبثهم وهدموا أحياء منها، ويذكر التاريخ مثل هذا الهجمات على مدن السواحل الأفريقية كلها حتى مدينة الإسكندرية وبيروت وسواحل الشام أصيبت في عهد الدول العثمانية وقبلها بشيء من هذا العدوان على أيدي قراصنة الأوروبيين.

ومع ضعف المسلمين وتفرق كلمتهم تمكن أهل المدن الساحلية وهم أهل المتاغرة والرباط من رد هذه الحملات إلى البحر والمحافظة على السواحل الإسلامية واسترجاع المناطق التي سيطر العدو أحياناً عليها، ولعل هذه الانتصارات السهلة هي التي جعلت أمراء المماليك بمصر يستصغرون شان الحملة الفرنسية عليهم، وكانوا في هذا من المخطئين فدفعوا الثمن غاليا بهزيمتهم وموتهم وأضاعوا البلاد من أيديهم.

وبهذه الحملة انتقلت حلقات الهجوم المضاد لمعارك تور وبواتييه إلى الشاطئ العربي وبدأت حرب الموت والفناء تشنها قوة تعتقد أنها تستعيد مجد روما على الرمال التي حملت أعلام روما القاسية، وتستوحي في قتال المسلمين ذكريات الحروب الصليبية ومعارك لويس التاسع في أفريقيا، وهكذا شاءت فرنسا أن نعيش نحن معاشر العرب بأفريقيا الشمالية في غمرات الهجوم المضاد الذي بدأه الجرمان شارل مارتل علينا.

ولم يكن هناك ما يبرر هذا العدوان فقد تقرا الكثير مما ذكره المؤرخون عن حادث إهانة الوالي حسين باشا للجنرال دوفال قنصل فرنسا حينما قدم عليه للتهنئة بعيد الفطر سنة 1234 هجرية وما سبق هذا من النزاع على الديوان التي ماطلت فرنسا في دفعها لحكومة الجزائر والدور الذي لعبه كل من يعقوب كوهين بلري وميخائيل أبو زناك اليهودي في هذه القضية وهل ترفع إلى مجلس الجزائر أو إلى محاكم باريس التجارية للفصل فيها ثم احتجاج القنصل ومغادرته البلاد ومن معه من التجار الفرنسيين وما قيل من أن هذا القنصل تعمد إيجاد هذا الحادث بتوجيه عبارة غير لائقة للوالي حينما طلب إليه إجابة صريحة من حكومته فرد عليه انه ليس من عادة ملك فرنسا أن يكاتب من هو دونه بغير واسطة فأثار بقوله غضب الوالي.

إذ ما الفائدة في تعرف أسباب العدوان بين القوي والضعيف والنية مبيتة والاستعداد قائم، ولم يكن اختيار الجنرال ليرأسها وهو عسكري إلا توطئة وتحضير للأعمال الحربية القادمة.

ووقعت الواقعة في التاسع عشر من يونية سنة 1830 إذ أقدمت فرنسا بغير إعلان حرب ولا أخطار للدولة صاحبة السيادة أو إنذار للوالي فأنزلت عساكرها في مرسي سيدي فرج، وهي بقعة خالية من الناس لا تحرسها غير قوة صغيرة من الجنود في برج قائم رأت أن تنسحب بغير قتال حقنا للدماء أمام طوفان الفرق النازلة من الأسطول بمدافعها وعتادها الحربي.

فلنذكر جيدا هذا اليوم ولا ننسه، لأنه يحمل ذكريات العدوان الفرنسي على الأرض الأفريقية على بر الجزائر الشهيد. وبعد مائة عام أي في 19 يونية 1930 احتفلت فرنسا بهذا اليوم فأثارت بعملها حمية شر ذمة من أباة الجزائريين واحرارهم وخرجوا من ديارهم يجوبون المماليك حتى لا يروا بأعينهم في ديارهم وأوطانهم ذل يوم يحتفل فيه الغاصب ويرفع أعلامه على أنقاض الوطن الجريح والشعب الشهيد، فلقيني جماعة منهم في مدينة استنبول، وذكروا لي مشاهد عما يلقونه من عنت وما صارت إليه أوطانهم ومرابعهم وهي البلاد العزيزة التي حملت أعلام المرابطين والموحدين وقبائل المسلمين من العرب والبربر، وكانت لهم السيادة والقيادة والحول والقوة أيام كانت ترتج أمام أمجادهم وعزائمهم جحافل الفرنجة وتخشاهم الدنيا.

وجاء منهم فريق إلى مصر، فأمضى أياما من غير أن يسمع لهم صوت أو أنين ولما جاء الفوج الثاني أرجعهم بوليس مصر وشرطة المواني بحجة أن مصر لم تكن موقعة على جوازات سفرهم وضحكت من الأيام التي جعلت بولسينا حريصا على تنفيذ تعليمات حكومة الاستعمار الفرنسية متيقظا إلا يدخل مصر العربية من هم من اقرب الشعوب إلينا وألصقهم بنا، ومن يحملون تأشيرة مصرية قانونية، ولا ادري من الذي لفت الأنظار إليهم ومن حال بينهم وبين مصر ومن أعطى التعليمات بإعادتهم.

وارتجت مدن الجزائر في يونية 1830 وقامت القائمة فيها، والوالي يجمع جنده ويحشدهم ويرسل إلى البلاد والأقاليم يدعو للجهاد والدفاع ويطلب النجدة من وهران وقستنطينة وخرجت الجموع لمهاجمة معسكر الفرنسيين، فاقتحموا المراكز الأمامية أمام تراجع الجنود الفرنسية حتى إذا صاروا تحت مرمى المدفعية حصدتهم بنيرانها حصدا، فاختلت صفوفهم وأخلوا الأماكن التي احتلوها وتعقبهم الفرنسيون وكانت هذه أول ملحمة على ارض الجزائر في يوم 25 يونية 1830.

وكانت قوات والي الجزائر محتشدة داخل حصون في ناحية أبي جارية، فخرجت منها للقتال والتحمت مرة ثانية مع الفرنسيين فلم تصبر على النيران وارتدت وأخلت هذا المعسكر فاحتله القدو ثم تقدموا منه واحتلوا بساتين المدينة وأطرافها وبدءوا حصارها.

وبعد أيام اخذوا في إطلاق نيران المدفعية فأصابت قذائفها برج مولاي الحسن وكانت فيه مخازن البارود. فأصابتها قنبلة سببت انفجارا هائلا. فاندك البرج على من فيه وتطايرت حجارته وتهدمت عدة منازل ومات خلق كثير تحت الأنقاض.

وبهذه النائبة اهتزت أركان المدينة وفقدت روح المقاومة واستولى الرعب والقلق على السكان فقرر الوالي تسليم المدينة.

وفي صباح يوم 6 يولية 1830 المحرم 1246 دخلت جيوش فرنسا من الباب الجديد وأنزلت الأعلام العثمانية من القصبة والأبراج ورفعت الرايات الفرنسية واحتلت الجنود القصبة والقلاع والشواطئ وزالت من الوجود حكومة الجزائر الإسلامية.

وتم العدوان على الأرض التي أمضت فرنسا السنين تحلم بوضع اليد عليها بعد أن فقدت أملاكها في الهند وأمريكا وجزائر المحيطات، ولم يرد في ذكر شروط الهدنة والتسليم نص على الاحتفاظ بحقوق الأهالي وتقرير مصيرهم سوى النص الاستعماري الذي وضعه نابليون في مصر وهو: احترم الديانة المحمدية وعدم التعرض لنساء المسلمين.

وهو النص الذي ما انفك دعاة الاستعمار يرددونه في كتبهم وأبحاثهم وخطبهم دليلا على روح التسامح، ويقولون وماذا يريد المسلمون وقد تركنا لهم حرية التدين وحفظنا لهم أعراضهم كان حياتهم وقف على هذا لا تتعداه أو كأنهم أهل آخره لا تشغلهم أمور الدنيا فلا تهمهم العاجلة ما داموا قد ضمنوا الآجلة واخذوا بأيديهم مفاتيح الجنان.

ويقولون مؤرخو المسلمين: اهتزت لهذه النائبة المشارف والمغارب وكانت من اعظم النوائب. والحقيقة أن العالم الإسلامي الذي عهدناه يهتز لما يحدث في كل ركن منه لم يتحرك لهذه الكارثة ولا لما تلاها من نكبات وإنما تحرك القطر الجزائري وحده أمام العدوان وقامت قبائله ورجاله يذودون عن حياضهم وانضموا تحت لواء الأمير عبد القادر، يكتبون بدمائهم ملحمة من ملاحم الحروب القاسية، في تاريخ الإسلام الذي واجه الحقائق وقال:

(لقد تبينت ما قدر على وهاأنذا مستعد للأقدام).

ولكن بعد مضي قرن من الزمن يقف أهل الجزائر مرة أخرى للامتحان أمام فرنسا ويرددون هذا القول لقد عرفوا وتبينوا ما كتبته لهم الأقدار فهل عم على عهد الأقدام قائمون؟

هذا ما ستفسره الأيام.

وسنرى في القسم التالي ما كان من هذه الواقعة الخالدة

أحمد رمزي