مجلة الرسالة/العدد 772/مجلس الشورى لا إبليس

مجلة الرسالة/العدد 772/مجلس الشورى لا إبليس

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 04 - 1948



لشاعر الهند المرحوم الدكتور محمد إقبال

بمناسبة أسبوعه الذي سيقام في (لاهور) آخر هذا الشهر

احتفالاً بذكراه

ترجمة الدكتور السيد محمد يوسف

كلمة المترجم

لا يزال العالم مسرحاً للنزاع بين الحق والباطل ولئن كانت كفة الحق رجحت في فترات من التاريخ ولا سيما إبان ظهور الإسلام ففي عصرنا هذا نرى الدنيا تعاني نظاماً إبليسياً يقوم على أساس استعباد الإنسان للإنسان. ومما يدعم هذا النظام أن الدين لم يعد يلعب دوراً إيجابياً في الحياة البشرية مع أنه بقى منه عناصر شتى في صورة مشوهة ممسوخة تعمل عمل الأفيون في تنويم الطبقات المهضومة الحقوق، مثل الاعتقاد بقضاء الله وقدره، ولكن أصبح من المقرر أخيراً أن الإنسانية متبرمة من هذا النظام وربما ظهرت هناك تيارات في الفكر واتجاهات في العمل تدل على أن الإنسان قد بدأ يتفقد نوع النظام الذي يكفل له ما يعوزه تحت النظام الحاضر، فتارة تسمع الأصوات تعلو مدوية ب (الحكم للأمة) وتارة أخرى نرى الناس يعجبون بتعاليم ماركس، ويهرعون إلى مبادئ الشيوعية التي كانت الفاشستية تعد قوتها لمناوئتها والقضاء عليها حين نظم الدكتور إقبال أبياته للترجمة فيما بعد في سنة 1936 - نعم نلاحظ جميع هذه التيارات المتضاربة فيخل إلينا أن النظام الإبليسي قد صار على وشك الانهيار وأن فجر السعادة سينبلج عن قريب. ولا غرو إذا غرو إذا أستدعى هذا الحال عقد جلسة هامة لمجلس الشورى لإبليس يوم كانت بوادر الحرب الماضية قد لاحت في الأفق لكل ذي بصيرة وخبرة. وها هو ذا الشاعر يطلعنا على ما جرى في تلك الجلسة بين إبليس ومستشاريه. والآن بعد أن اشتعلت الحرب العالمية ثم وضعت أوزارها، وفرعت الشعوب المختلفة من وضع القائمة لربحها وخسارتها - الآن نحن في موقف يسهل علينا فيه أن نحكم على حسن تدبير إبليس أو بعبارة أخرى صدق تبؤ الدكتور إقبال وبعد نظرة فيما صرح به من أن جميع الحركات الإصلاحية ليست في الحقيقة إلا أجزاء من خطة واحدة مدبرة من تلقاء إبليس الذي لا يهدر سلطانه إلا الإسلام.

أما الإسلام فإنه وإن كان خطراً عظيماً بالقوة لكنه ليس بخطر بالفعل؛ لأن المسلم قد فقد الإيمان برسالته والثقة بنفسه؛ فأعتزل معترك الحياة وتنازل عن الدنيا فلا يهمه مصير الإنسانية وأوضاع العالم إذا هو شغل فكره في الترف العلمي المفسد لقوة العمل مثل الإلهيات والكلام؛ وإذن فليس على إبليس للاحتفاظ بسيادته على الأرض إلا أن يستمر في صرف نظر المسلم - عدوه الوحيد - عن الحياة والجهاد في سبيلها.

ولكن مهما يكن الحال باعثاً على الاطمئنان من ناحية المسلم فالخطر لا يزال متمثلاً أمام إبليس في طبيعة الإسلام وجوهره؛ لأن الإسلام ينطوي على استنكار الاستعباد بجميع أنواعه وتزكية الثروة وجعلها أمانة في يد المنعمين. وهاتان الناحيتان - السياسية والاقتصادية - هما اللتان تهمان الإنسانية في الوقت الحاضر. فلو اهتدت بمقتضى الظروف إلى اكتشاف مبادئ الإسلام - الملك لله والأرض لله - لفسد الأمر على إبليس فلذلك نراه يسهر على حجب هذا الطريق المستقيم عن أنظار الجمهور المتلمسين طريقه في الظلام ليبقوا حيارى متطرفين تارة إلى اليمين وتارة إلى الشمال.

ومما يجب التنبيه إليه أن رسالة إقبال - رسالة الجد والعمل المنتجين - هي تسخير الأسباب المادية والسيطرة التامة على الأحوال والنظم الاجتماعية دون الخضوع لها؛ فهو دائماً شديد الاغتباط بمظاهر الحركة والنشاط حتى في حياة إبليس ولا يملك الاستهزاء بالركود والجمود في الملائكة المشتغلين بالتسبيح والتقديس فقط كأنه يريد التأكيد بأن الفضل كل الفضل في المغامرة والمخاطرة لا في الانحياز وسلامة النفس. وهذا أسلوب مطرد للدكتور إقبال في معالجته لشخصيات موسوليني ولينين وماركس؛ فإنه ينوه بحيويته دون أن يتقيد بمراميهم. وسنرى هذا الأسلوب ينجلي أمامنا بصورة بارزة في هذه الأبيات المترجمة.

السنة سنة 1936 م

إبليس - هذه الدنيا لعبة العناصر من قدم، تقطعت أمال سكان العرش الأعظم حسرات عليها قد أزمع الآن على خرابها ذلك المصرف للأمور الذي سماها عالم الكاف والنون أما أنا فقد أريت الإفرنج حلم الملوكية وأبطلت سحر المسجد والدير والكنيسة، وإني لقنت المعدمين درس القدر؛ وألهمت المنعمين جنون الرأسمالية. أفيطيق أحد إطفاء النار المستعمرة فيما تستند وقائعها إلى لوعة في قلب إبليس؟ وهل يطيق أحد قلع تلك النخلة التي تمتد أغصانها بتربيتنا نحن؟

المستشار الأول - لا شك أن هذا النظام الإبليسي محكم، إذ تأصل من جرائه العوام في طريق الاستعباد. هؤلاء المساكين قد قدر عليهم السجود من الأزل حتى أصبحت الصلاة بدون القيام من مقتضيات فطرتهم، لا يمكن أبداً يتولد فيهم أمل. ولئن ولد أحياناً فلابد من أن يموت أو يبقى فجاً ناقصاً. أن من معجزات سعينا المتواصل أن أصبح المتصوفون وأئمة الدين كلهم من عباد الفردية وإنما هذا الأفيون يوافق طبع الشرق، وإلا فعلم (الكلام) لا يقل شيئاً عن مزامير القوال. ولو بقى الاحتفال بالطواف والحج يهمنا من أمره؟ إذ أن سيف المؤمن المسلول قد فُل، وعلى قنوط مَن يدل هذا الفرمان الجديد أي قولهم أن الجهاد محرم على المسلم في هذا العصر؟

المستشار الثاني - أخبر هذا الضجيج بشأن (الحكم للجمهور) أم إذ لست مطلعاً على الفتن الناشئة في الدنيا

المستشار الأول - إني على علم، ولكن خبرتي بالدنيا ترشدني إلى أنه لا داعي للخطر أبداً من ناحية ما هو قناع للملوكية ليس إلا. نحن بأنفسنا خلعنا على الملوكية زي الجمهورية إذا تنبه ابن آدم قليلاً إلى عرفان نفسه وتقدير ذاته. أن أمر الملكية يمتاز بماهيته الخاصة بحيث لا يقتصر أبداً على وجود (الأمير والسلطان) سواء أكان هناك مجلس الملة أم أركان دولة أبرويز، (السلطان) عبارة عن كل ما يطمح ببصره إلى زرع غيره. أو لم تر إلى النظام الجمهوري في الغرب؟ الظاهر مشرق، أما الباطن فهو أظلم من جنكيز!

المستشار الثالث - كلما بقيت روح الفردية فلا داعي إلى الاضطراب. ولكن كيف تتسنى المعارضة لفتنة ذلك اليهودي الذي هو الكليم؟ إلا أنه ينقصه التجلي وهو المسيح؛ بيد أنه ليس معه صليب. ما هو بنبي ولكنه متأبط كتاباً. يعوزني التعبير عن نظرة ذلك الكافر الهتاك للأستاذ كأنما هي القيامة لأقوام الشرق والغرب. وهل يكون هناك أشنع من فساد الطبع هذا؟ أعنى أن الأرقاء قوضوا إطناب خيام مواليهم.

المستشار الرابع - انظر تر معارضة تلك الفتن في إيوان روما الكبرى؛ فإنا نحن قد جعلنا آل قيصر يحلمون بحلم قيصر مرة ثانية. من الذي يلتف بأمواج بحر الروم، يعلو تارة مثل الصنوبر، ويزمجر تارة أخرى مثل الرباب؟

المستشار الثالث - أنا لا أسلم في التبصر في العواقب لمن فضح سياسة الإنجليز بمثل هذا الطريق.

المستشار الخامس - (مخاطباً إبليس): يا من بحرارة أنفاسه يقوم أمر العالم! كلما شئت أنت هتكت آية خبية. بفضل حرارتك يتحول (الماء والطين) إلى عالم الحرقة والزمجرة؛ كما بأنه بإرشادك يصبح أبله الجنة بصيراً بالأمور. أن الذي يعرف بين العباد الساذجين باسم (الرب) لا يبزك أبداً في الخبرة بفطرة آدم. أن الذين يشتغلون بالتسبيح والتقديس والطواف لا غير، لا يزالون خجلين ناكسي الرؤوس أمام غيرتك. لئن كان جميع السحرة الإنجليز مطيعين لإرشادك على الرغم من ذلك فإني فقدت الثقة بفراستهم. ذلك اليهودي الفاتن الذي برز فيه مزادك قد أوشك أن يتمزق كل رداء من جراء جنونه. وقد أصبح الزاغ الصحراوي مساوياً لشاهين والصقر. ما أسرع طبيعة الدهر تبدلاً! تلك التي ظنناها قبضة من الغبار قد تبعثرت وحجبت الأملاك، وبلغ الذعر من الفتنة المنتظرة بالغد إلى أن ارتعدت منه الجبال والمروج وضعاف الأنهار. يا مولاي أن العالم الذي يعول على سيادتك فقط، ذلك العالم على وشك الانقلاب إبليس - (يخاطب مستشاريه): أن عالم اللون والرائحة بما فيه من الأرض والشمس والقمر والسماء طبقاً على طبق، إنما هو طوع بناني. وسيشهد الشرق والغرب بعينها ما يعجبهما إذا ما أحميت أنا دم أقوام أوربا. إنما تكفى صرخة واحدة منى لحمل كل إمام من أئمة السياسة وشيوخ الكنيسة على الغلواء. ولو كان أحد من السفهاء يرى أن الثقافة الحاضرة من صنع الزجاج فليجرب بنفسه كسر أدواتها من الكأس والكوب. أن الجيوب التي مزقتها يد الفطرة لا يمكن أبداً أن ترفأ بإبرة المنطق المزدكي. أنى يمكن أن يهولني هؤلاء الشيوعيون المترددون إلى الأزقة قلقي الأحوال موزعي الفكر مختلطي الأصوات؟ ولكن لو كنت أشعر بخطر فهو من جهة تلك الأمة التي ما تزال شرارة الأمل مخبأة تحت رمادها. لا يزال بين هؤلاء القوم عدد قليل من الظالمين الذين يتوضئون بالدموع بالأبكار. كل مطلع على بواطن الأيام يتأكد من أن فتنة الغد هي الإسلام لا المزدكية.

- 2 -

أنا أعرف أن هذه الأمة لم تبق حاملة للقرآن، وأن الرأسمالية هي بعينها أصبحت ديناً للعبد المؤمن. ولا يغيب عنى أن أكمام شيوخ الحرم من اليد البيضاء للإضاءة في ليل الشرق البهيم. ولكني أخاف من مقتضيات هذا العصر أن تؤدي إلى تبيان الشريعة النبوية. وحذار ثم حذار من الدستور النبوي فأنه حافظ لناموس المرأة، ومبتلي المرء ومكونه. إنما هو إنذار بالموت لجميع أنواع الاستعباد حتى لا يبقى بعده لا الفغور أو الخاقان ولا المسكين المرابط بالطريق. هو يطهر الثروة ويزكيها من كل رجس ويجعل المنعمين أمناء على المال والثروة. وهل يكون انقلاب في الفكر والعمل فوق هذا: (الأرض لله لا للملوك) يا حبذا لو بقى دستور كهذا مخبأ عن عيون العالم. ومن المغانم أن المؤمن نفسه يعدم اليقين والخير في أن يبقى هو مشتبكاً في الإلهيات مشغولا في أوجه تأويل كتاب الله.

- 3 -

لا أضاء الليل المظلم للمتقي الذي تبطل تكبيراته طلسم الجهات الستة! هل مات ابن مريم أم هو حي خالد؟ هل صفات ذات الحق هي عين الذات أو منفصلة عنها؟ هل المقصود من (الموعود) هو المسيح الناصري أو المجدد المتصف بصفات ابن مريم؟ هل ألفاظ كلام الله قديمة أو حادثة؟ بأية عقيدة تنحصر نجاة الأمة المرحومة؟ هذه المجموعة من اللات ومناة من صنع الإلهيات. أولاً هي لشغل المسلم في هذا العصر؟ عليكم أن تجنبوه عالم العمل حتى تفشل كل خطة له في ميدان الحياة. الخير كله في أن يبقى المؤمن مستعبداً إلى يوم القيامة، متنازلا لمصلحة الآخرين عن هذا العالم الذي لا ثبات له. إنما يليق به الشعر والتصوف اللذان يحجبان عن نظرة مسرح الحياة. أنا لا أزال متخوفاً كل لحظة من يقظة هذه الأمة التي تنطوي حقيقة دينها على احتساب الكائنات. عليكم أن تشغلوه عن نفسه بالذكر والفكر وأن تحصروه في المزاج الخانقاهي (أي الرهبانية).

السيد محمد يوسف الهندي