مجلة الرسالة/العدد 802/الأزهر والإصلاح

مجلة الرسالة/العدد 802/الأزهر والإصلاح

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 11 - 1948



للأستاذ محمد السيد أحمد الشال

- 2 -

تكلمت في المقال السابق عما أراه يحاك للأزهر مما ظاهره أنه توسع في التعليم وتشعب في الثقافة وإني لا أعتب على القائمين بشئون التعليم أن يفكروا مثل هذه التفكير ويتجهوا مثل هذا الاتجاه، فلهم في هذا بعض العذر أمام وقوف الأزهر وعدم مسايرته للتطورات الحديثة في الدراسات وطرقها، وإنما أعتب العتب كله على رجال الأزهر أنهم لم يرسموا لأنفسهم نهجا من الإصلاح يسيرون عليه. ولا يكفي أن يفكروا فيه في غدوهم، ورواحهم وأن يكون شغلهم الشاغل كما ذكر الأستاذ دنيا ما دام يظهر لهذا التفكير وهذا الشغل أثر ينم عليه.

ولقد بدأ الأستاذ المراغي عليه رحمة الله الإصلاح ورسم له من الطرق ما أعتقد أنه ينهض بالأزهر ويجعله يؤدى رسالته؛ ثم مرت مدة من الزمن وقف فيها رجال الأزهر على الكثير من المآخذ على هذه النظم مما تسمع حديثه في الكثير من مجالسهم وترى آثار التبرم والسخط بادية على الكثير من رجال. ولكن هذه الأحاديث لا تعدو أن تكون تفريجا عما في النفوس ثم لا يكون لها من الأثر ما يتجاوز هذه المجالس. وقد يكون هناك فريق إذا ما ذكر أمامه الإصلاح أراح نفسه من حديثه بقوله أنه لم يمض على هذه النظم من الوقت ما يكفي للحكم عليها. وإذا استعرضنا قانون الأزهر كما قدمه المرحوم الأستاذ المراغي وصدر به المرسوم الأخير للإصلاح ونظرنا ما وضعه من النظم في مراحل التعليم المختلفة نجده بصفة إجمالية قد أثقل طالب الابتدائي بالعلوم الرياضية بعد أن منعها من القسم الثانوي. وفي رأيي أنه لو بقيت الرياضة موزعة بين الابتدائي والثانوي كما كان الحال قبل صدور المرسوم الأخير لكان أفضل وأجدى على الطالب وأنفع له. وأما توزيع باقي المواد سواء منها المواد الأزهرية أو المواد الاجتماعية في القسمين فهو توزيع حسن يتناسب مع مقدرة الطالب وكفايته في المرحلتين.

بقى علينا أن ننظر إلى توزيع المواد في الكليات المختلفة، فأقول أن هذا التوزيع قد راعى فيه واضع القانون جهة الاختصاص فقط وأهمل ناحية أخرى هامة وهي شدة الصلة وقوة الارتباط بين المواد الأزهرية بحيث لا ينفعك البحث في إحدى من أن يجر الباحث إلى أن يتعرض إلى قضايا مختلفة من المواد الأخرى لا غنى له عن استيعابها حتى يمكن الباحث ملما إلماما تاما بما يعترضه من قضايا المواد الأخرى لا يمكنه أن يتم بحثه على الوجه الذي يتطلبه التحقيق العلمي. والأمثلة على هذا كثيرة يدركها جميع رجال الأزهر. فدارس التفسير لا يمكنه أن يستغني عن دراسة الأصول فضلا عن دراسة مواد اللغة. ودارس الأصول لا يستغني عن دراسة المواد اللغوية أيضا. وطالب كلية الشعرية وأصول الدين لا يكفيه في دراسة اللغة ما حصله في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ونحن نعلم أن الدراسة فيهما تكاد تكون تلقينية. أضف إلى ذلك تركه في هذه المواد في مرحلة الكلية، مما يجعله ينسى الكثير من قضاياها. والدارس في كليتي اللغة وأصول الدين لا يستغني عن دراسة الأصول بل هو في أمس الحاجة إليه حينما يدرس شيئاً من التفسير والحديث. ولا يكفي ما هو مقرر فيهما من المذكرات الموضوعة في هذه المادة فهي لا تعدو سرد القضايا دون التعرض لتفهمها وعرضها عرضا يتذوق منه الطالب جمال هذه المادة ويدرك حاجته إليها في الكثير من المواد.

ولا يليق بطالب كلية اللغة والشريعة أن يتخرج وهو لا يعلم شيئاً عن أصول الأديان والعقائد مكتفيا بما عرفه من دراسة القليل من علم التوحيد في كتبه الموروثة في المرحلتين السابقتين وهي كتب لا تشفي غلة ولا تبل صدى.

هذا من ناحية القصور العام في توزيع المواد في الكليات؛ وإذا انتقلنا إلى الدراسة في التخصصات ونظرنا إلى المواد المقررة في تخصص التدريس مثلا عجبنا كيف يرضى رجال الأزهر لناشئته أن يضيع من سني حياتهم سنتان في دراسة طرف من علم النفس والتربية وتاريخها وبعض المواد الأخرى مما يمكن أن يستوعبه الطالب بأقل مجهود أو بدونه في سني الدراسة في الكليات، وكان الأولى أن ينظم هذا التخصص وأن يزاد في سني دراسته سنة ثالثة وأن يقرر فيه دراسة بعض المواد الأساسية في الكليات المختلفة دراسة تمتاز عن دراسة الكليات بسعة البحث والتعمق فيه وتنوع طرقه مما يعد الطالب إعداداً كاملا؛ وأظن في وجود هذا التخصص على هذا النحو استغناء عن تخصص المادة.

وهكذا لا يعدم الباحث في شأن التخصصات الأخرى جميعها من أن يرى بعض النقص الذي يستوجب تداركه.

وإني إن اذكر ذلك لا أدعو إلى إدماج الكليات والرجوع بالأزهر إلى نظامه القديم، ولكني أقول أن اللازم أن يراعي في تقسيم الكليات صلة المواد بعضها ببعض فوق ما هو مراعي من جهة الاختصاص، فلا يقطع بين الطالب وين جميع المواد الأساسية في كلية أخرى؛ بل يدرس في كل كلية ما لا يستغني عنه عالم أزهري رسالته الأولى الدعوة إلى هذا الدين والدفاع عنه. فيعمم في جميع الكليات دراسة أصول الأديان جميعها وما طرأ على فروعها المختلفة من تغيير أو انحراف أو جمود وأسباب ذلك، وحال المسلمين الآن والوسائل الناجعة لتوحيد كلمتهم ورجوعهم إلى دينهم. كما يدرس في كل كلية من القضايا الأساسية في كل مادة أصلية في كلية أخرى تمس الحاجة إليه دراسة توسع وبحث واستيعاب لا دراسة سرد قضايا وتعداد أحكام كما هو الحال في دراسة الأصول في كليتي اللغة وأصول الدين. وتدرس جميع المقررات في الكليات ولا يكتفي بدراسة البعض والامتحان فيه كما هو الحال الآن. بل تقسم المادة إلى قسمين قسم يقوم بدراسته أستاذ المادة يتناسب مع الزمن المقرر لها بحيث يلتزم الأستاذ بالانتهاء منه، وقسم يترك للطالب تحصيله واستيعابه بحيث يكون الامتحان في جميع المادة. وهذا العمل فوق فائدته التامة للطالب من ناحية دراسته لكل المادة له فائدة أهم وهي تعويده الاعتماد على نفسه في دراسة ما يترك له مما يكون له شخصية مستقلة لا تركن في كل ما يعن لها إلى السؤال والاستفهام. بل تركن إلى البحث والتنقيب.

ورأيي أيضاً أن ينظر إلى الكتب المقررة نظرة فاحصة ليختار لكل مادة من الكتب ما تكون بعيدة عن الحشد والتعقيد والاستطراد وسرد المسائل التي لا يستفيد منها الطالب إلا تضييع الوقت وتعويده التشكك في كل ما يعن له من بحث. وأى فائدة تعود على الطالب الذي يريد دراسة مادة من المواد من صرف جل وقته أو كله في تصحيح عبارة أو الوقوف على خطأ تعريف أو معرفة الأولى إلى غير ذلك مما يضيع عليه الكثير من معرفة قضايا المادة وحقيقتها. ولو كان هذا بقدر حتى ينبه الذهن إلى تجنب الخطأ لكان حسناً، أما أن يكون هذا سبباً في صرف كل المجهود إليه فهذا ما لا يقره منطق.

ونحن الآن نرى تطلع المسلمين إلى الأزهر وحاجتهم إلى علمائه يبصرونهم بدينهم ويهدونهم إلى شريعتهم. وليس كل المسلمين ولا غالبيتهم ممن يعرفون العربية أو يفهمونها. فالأزهر الآن في أشد الحاجة إلى دراسة اللغات الأجنبية في جميع سني الدراسة حتى يمكنه أن يؤدى رسالته على الوجه الأكمل سواء في المحيط الإسلامي أو في المحيط العالمي. فالعالم الآن على متفرق الطريق يتطلع إلى خير النظم التي تكفل الاستقرار والسلامة لجميع الناس، ويتخبط المفكرون منهم في بيداء التفكير والبحث علهم يقفون على طريق يوصل إلى الغاية؛ وليس هناك من طريق موصل إلا طريق الإسلام.

وأني للعالم أن يهتدي إلى ذلك إذا لم يقم رجال الأزهر بنشر دعوته وتبيين حقيقته ودحض المفتريات التي يذيعها المغرضون أو الجاهلون عن الدين مما ينشر كل يوم باللغات المختلفة ولا نعلم من أمره شيئاً.

وفي السكوت على نشر مثل هذه المفتريات وعدم تجلية حقيقة هذا الدين للعالم تقصير عن أداء رسالة الإسلام. ولقد اتخذ كثير من كتاب الغرب حال المسلمين وما هم عليه من جهل بدينهم وانحراف عنه وتأخرهم وانحطاطهم حجة يقوون بها مفترياتهم ويؤيدون بها دعاواهم في أن هذا الدين لا يصلح لتنظيم المجتمعات ولا لإسعاد الجماعة.

هذه ناحية أخرى وهي أنه يوجد بين أضابير المكتبة الأزهرية كثير من الرسائل في المواد المختلفة تقدم بها إما طلاب منتهون لنيل الشهادات النهائية، وإما أجلة العلماء للحصول على عضوية هيئة كبار العلماء. ولقد عفى على هذه السائل الزمن وعلاها كثير من الغبار ولا يسمع أحد بها ولا يطلع أحد على ما فيها؛ ولم لا تتخذ هذه الرسائل نواة لإصلاح الكتاب؟ وهل هذه الرسائل لا يرتفع قدرها إلى قدر ما كتب منذ ثمانية قرون أو يزيد على طرق من البحث وأساليب من التفكير تتناسب والعصور التي كتبت فيها.

وإذا لم يكن لهذه الرسائل من التقدير ما يجعلها أرفع شأناً مما كتب في تلك العصور فلم قدرت من اللجان التي نظرتها تقديراً استحق صاحبها بسببه أن ينال شهادة أو يظفر بشرف العضوية؟

ولا أدري سبباً لإهمال هذه الرسائل اللهم ألا أن تكون هناك عقيدة لتقديس الآثار فظن من تمسك بها أن الخير كل الخير في التعليق بها، وأن الشر كل الشر في الخروج عليها، وأتباع ماجد من البحوث والأفكار. ولعل في الرجوع إلى هذه الرسائل وبعثها وتقدير ما يصلح منها للدراسة تشجيعا لمن يريد البحث وحثا له على بذل كل في وسعه لوضع ما يقدر عليه فيما يرزفية فيكون في هذا العمل تشجيع للتأليف والمؤلفين وتوسعه للبحث وإنهاض للباحثين فيتسع مجال التفكير ويكثر الإنتاج الأزهري كما كثر الإنتاج الجامعي.

هذا قليل من كثير مما يتعلق بالبرامج العامة للدراسة وما يتعلق بالكتاب.

أما إصلاح الطالب فيكون بإصلاح نظم الامتحانات والرجوع به إلى رفع درجة النجاح إلى 60 % وعدم السماح للطالب بدخول الدور الثاني إذا قصر في أكثر من مادتين. وفي المادتين لا يسمح له بالامتحان إذا لم يحصل على نصف النهاية الصغرى لكل مادة. وأخذه بالحزم والشدة في جميع التشكيلات ويكون هذا بالعقوبات الرادعة النافذة.

وأما إصلاح المدرس ففي إصلاح البرامج ونظم الدراسة والكتاب ما يكفي لإصلاحه. وهناك ناحية كان لها شأنها في العصور الخالية واستمرت إلى عهد قريب وهي الصلة العلمية بين الطالب وأستاذه حتى كان الطالب يفخر بأنه تلقى العلم على فلان. وكان لكل أستاذ من الصبغة العلمية والفكرية ما يظهر أثره في مدرسته وتلاميذه. وخير شاهد على ذلك المدرسة القريبة العهد بنا وهي مدرسة الأستاذ جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الإمام الشيخ محمد عبده. ولقد امتازت مدرسة الشيخ محمد عبده بما امتاز به أستاذها من استقلال الفكر وتعمق البحث والتحرير من الجمود وعدم التقيد بالموروث. فإذا أمكننا أن نحيي هذه المدارس فأحياؤها لا يكون إلا على يد هيئة كبار العلماء بتكليف رجالها بإلقاء دروس للعلماء الناشئين، ولا يقل ما يلقيه كل منهم عن درسين أو ثلاث في الأسبوع يتخذ كل منهم مادة من المواد يدرسها دراسة توسع وبحث دون تقيد ببرامج أو خضوع لزمن، ويكون له في دراستها طابع خاص يمتاز به.

وفي هذا العمل من الفوائد ما لا يخفى على من أدرك الأستاذ الإمام وساعده الحظ بالجلوس في مجالسه والاستماع إلى دروسه.

ولا زالت الصلة العلمية بين الأستاذ وطلابه المنتهين موجودة في النظم الجامعية الغربية. وكانت هذه الصلة سببا في المحافظة على الطابع العلمي والجامعي وهذه بضاعتنا نبت زرعها وترعرع بين جدران الأزهر واستمر حقبا طويلة ثم تركها الأزهريون ففقدوا كثيراً من طابعهم الجامعي! فهلا رجعنا إليها حتى نصل ما انقطع ونجني ما درس.

ولا يكفي ما يقال من أن كل عضو من أعضاء الهيئة الموقرة يقدم بحثا في كل عام، وأي أثر ظاهر لهذه البحوث؟ وهل سمع بها أحد أو أطلع عليها أحد أو استفاد منها أحد؟ وهل هذه البحوث أصلحت كتابا أو هذبت مادة أو تعرضت لما يعن للعالم من مشاكل اقتصادية أو اجتماعية أو كشفت ما غشاه من إلحاد أو هدته إلى الخروج من حيرته.

وهل يكفى أن يقال إن تراثنا التشريعي غني بما حواه من أفكار القدامى وأبحاث السلف. وإذا كان غنياً فلم لم يتخذ منه الباحثون أداة للإصلاح التشريعي العام؟ ولم لم يعملوا على عقد الصلة بين هذه الأبحاث وبين ما يعرض للناس من نظم مالية واقتصادية وصلات عمرانية واجتماعية وتطورات أخلاقية؟

وهل يكفي أن نتغنى بأمجاد السلف ونأسف على أيامهم، ونقف حيارى لا نهتدي إلى سبيل والعالم بتقدم ويجد فيه من الأحداث ما يقتضي تطور التشريع وتغير الحكم؟ ونكتفي بأن نقول إن التشريع الإسلامي صالح لكل زمان ومكان. وأي صلاحية تبقى له إذا تركناه كما هو يسرد قضايا قد ذهب زمنها وبعدد أحكاماً قد ولى رجالها وتختلف فيما بيننا هل باب الاجتهاد مفتوح أم ذهب زمنه ورجاله؟ لا، لا يليق بمن يبغي البقاء أن يقف والعالم يتطور. ولو بقى على حالة أخشى أن يذهب به إعصار أو يتخلف عن الركب.

ولعلي بهذا أكون أديت بعض ما يجب على نحو الأزهر الذي أعتز بالانتساب إليه وحققت بعض دعوة الأستاذ دينا. هدانا الله وإياه إلى معرفة طرق الإصلاح والأخذ بأسباب النجاح

محمد سيد أحمد الشال

مندوب الأزهر لتدريس الشريعة بكلية المقاصد الإسلامية

بيروت - لبنان