مجلة الرسالة/العدد 811/خواطر سياسية وأدبية

مجلة الرسالة/العدد 811/خواطر سياسية وأدبية

ملاحظات: بتاريخ: 17 - 01 - 1949



للدكتور السيد محمد يوسف الهندي

إن للأقوام أمزجة وطباعاً كما أن للأفراد ميزات وخصائص. وقد عرفت حينما كنت بالهند أن مما يمتاز به الشعب المصري شدة التأثر بالحاضر، وانشغال القلب بالحال إلى حد تكييف الماضي به وعدم المبالاة بالمستقبل في بعض الأحيان، وربما اتخذت هذه الميزة مظهرين لها اعني قوة الانفجار والوثوب لمكافحة الشر المستفحل الماثل أمام العين، والركون إلى كل قليل أو كثير يبشر بالخير ولو إلى وقت ما.

كنت أعرف هذا على طريق الإجمال قبل ورودي مصر، ثم صادف أن ألقيت عصا التيار بشط وادي النيل وقضيتها معروضة على مجلس الأمن، فحرصت على أن أتتبع الحوادث والتطورات مع آراء الرجال واتجاهات الأحزاب إزاءها، كما اقرأها على صفحات الجرائد وأشاهدها بعيني في الشوارع والأندية. فبينما أنا معجب كل الإعجاب بروح العداء للاستعمار الأجنبي السياسي (أخص بالذكر (السياسي) لأنني مع الأسف لم ألمس نفس تلك الروح في ميادين الاقتصاد والتقاليد الاجتماعية ومنهاج الفكر) التي أيقنت إنها عمت الشعب كافة، إذا بسيل من الكلمات تتدفق على صفحات الجرائد داعية إلى خطة التقرب من الدب نكاية بالأسد على اثر تأييد روسيا لمطلب مصر الخاص بالجلاء (دون اتحاد السودان معها)، فأسهب المحررون والكتاب في التنويه بصداقة روسيا وضرورة استيراد القمح منها وإنشاء العلاقات الاقتصادية والتجارية معها هي ومن تسايرها من الأمم مثل بولندا دون الأمم الانجلوسكسونية.

وقفت حائراً أمام هذا الموقف المفاجئ أفكر في نفسي في مدى جدوى مثل هذه الحماسة البالغة في الاعتراف بالجميل وتقديم الشكر عليه في ميدان السياسة الدولية في القرن العشرين، ولكن الأمر كان بالطبع موكولاً إلى الأيام أن تثبت هل ستستقر سياسة العرب على هذا التحول الجديد أم لا؟

ثم حدث أن رأيت الشبان يثورون على البن ويثأرون من أصله (البرازيلي)، وما لبثت ثائرتهم أن سكنت بمجرد محو اسم البرازيل من واجهة المحل مع بقاء جميع الأوضاع كما هي حسبما أعلم، كما انهم يقتنعون بلصق لافتات (إنقاذ فلسطين) على أبواب المحلات الكبرى بشارع فؤاد وهم يعلمون حق العلم أن أصحابها اليهود هم في الحقيقة عماد الصهيونية في الشرقين الأدنى والأوسط، وانهم إنما يستغلون الوطنية والجنسية المصرية بدون أن يشاركوا المصريين في آمالهم أو يواسيهم في آلامهم.

هذا، ومما زادني دهشة أن اتفق زعماء الأحزاب على ركوب سيارة واحدة تطوف بهم حول القنصليات لتأدية واجب الشكر لبعض الدول والشكاية إلى بعضها الآخر، وخطب ود (أو بالأحرى صوت) جميعاً، وربما كانوا مصيبين في خطتهم هذه تظاهراً بإجماع رأيهم واتحاد كلمتهم، ولا سيما إذا هم عجزوا عن الظهور في مظهر أروع من ذلك، ولكن آلمني كثيراً البيان الذي أدلوا به أمام سفير فرنسا. ومن شاء فليراجع (الأهرام) فقد لهجت ألسنتهم بذكر الآمال الجليلة التي كان العرب عقدوها بفرنسا منذ بداية العصر الحديث، ومن بينها الأمل الضائع (لا قدر الله له أن يتحقق) في مزاحمة فرنسا للاستعمار البريطاني في مصر!

أنا واثق بأن كلاً من هؤلاء الزعماء الكرام لا يريد إلا الاستقلال التام لبلاده، ولكن من الصعب أن يجد أحد أي مبرر ولو في اشد الأوقات حرجاً لتوجيه مثل هذه الدعوة إلى دولة قد ذاق العرب في مختلف الجهات ولا يزال إخوانهم في المغرب يذوقون الأمرين من جراء استعمارها، وعلى الأقل فهي الغاية لقصر النظر في الأحوال والظروف الطارئة من يوم إلى يوم

لم يمض إلا وقت قليل حتى كشرت روسيا عن أنيابها، فكانت من اشد الأنصار لتقسيم فلسطين، وبلغ الحال أن بدأ ممثلو العرب وزعماؤهم يستغلون موقف روسيا العدائي لتخويف أمريكا وبريطانيا بعد أن ضيعوا أنفاسهم واتعبوا أقلامهم يستنجدون بصداقتها ضد تينك الدولتين منذ بضعة أشهر فقط.

وأخيراً لم يتمالك عرب فلسطين أن بادروا إلى رفع أعلام أمريكا على بيوتهم والهتاف بحياتها في الميادين والشوارع حينما خيل إليهم أن أمريكا نفضت يدها من مشروع التقسيم. وما من شك أن مثل هذه المظاهرة لا يمكن أن تكون طبيعية، إنما كانت مدبرة من الزعماء الذين تسرعوا في الاعتزاز بأنفسهم والتبشير لشعبهم والتسليم لأمريكا بما يتاجرون به من صداقة العرب.

لا أدري ماذا صنعوا بتلك الأعلام في اليوم التالي حينما صرح الرئيس ترومان بأن العرب أو زعماءهم جاوزوا الحزم في حمل موقف أمريكا الجديد على التبرؤ من فكرة التقسيم. لا ادري ماذا صنعوا بتلك الأعلام؟ هل نكست ومزقت وحرقت، أو ادخرت لمناسبات أخرى في المستقبل؟ وعلى كل حال فقد تبين أن السياسة القصيرة المدى التي تعيش بها من اليد إلى الفم ربما تؤدي إلى مهازل وفضائح ومآسي، وإنما مرد ذلك إلى أن الزعامة لا تزال بأيدي رجال لا يتعدى فكرهم نطاق التحين للفرص، فهم يتهيبون ويماطلون في كل خطوة إيجابية جريئة ترمي إلى قلب الأوضاع وخلق الظروف المواتية لقضيتهم، وذلك أول الوهن.

إنما سردت ما سردت من تأثراتي لأهم ما وقع في العالم العربي السياسي أثناء البضعة أشهر الماضية لأخلص منها إلى الكلام عن أهم حادث في العالم الأدبي، أعني ظهور (الفتنة الكبرى - عثمان بن عفان) من تصنيف الدكتور طه حسين. وقد أتفق لي أن قرأت انتقاد الأستاذ محمود محمد شاكر لهذا الكتاب قبل أن تتاح لي الفرصة لمطالعة الكتاب نفسه.

نعم، قرأت انتقاد الأستاذ على صفحات (الرسالة)، فعجبت لما بذل من جهد في سبيل إقامة الحجج والبراهين على عداء اليهود للمسلمين والإسلام. وما أغناه عن ذلك فإنها حقيقة أظهر من الشمس لكل ذي عينين نبه عليها القرآن وأكدها النبي وصدقتها التجارب المتكررة، إنما جبن المسلمون فتعمدوا نسيانها والإعراض عن الشهادة بها حينما ذهبت ريحهم فأصيبوا بمركب النقص في تفكيرهم حتى بدءوا يلتمسون الرقي والتقدم في محاكاة الأمم الغربية المتحكمة فيهم، فأقاموا حياتهم السياسية الحديثة على أساس النظريات الأجنبية غير الإسلامية من القومية والوطنية، وأرادوا أن يستمدوا القوة من الاشتراك في الماء والهواء وبعض الأغراض المادية التي هي الأصل عند الكفار، والمشركين الذين لا يعيشون إلا لها. أما المسلم، فإنما يعيش بها لتحقيق المبادئ السامية والقدور العالية والأخلاق الفاضلة ومقاييس الصواب والخطأ والحلال والحرام التي هي المقومات الجوهرية لكل حلف دائم ليتتبع ولاء صادقاً، والتأمين على الغش وطغيان طائفة على أخرى، ولكن أتى على المسلمين زمن سولت لهم أنفسهم فيه أن يخجلوا ويتبرءوا من كل ما ينم عن فكرة دينية، حتى ولو كان من المبادئ المقررة والحقائق التاريخية الثابتة لكي يتسنى لهم الحصول على لقب (المستنيرين) من عدوهم الذي بهرهم بقوته وشوكته.

قد فعل المسلمون ذلك وظنوا ولا يزال كثير منهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، ولذلك استبشرت بخير كثير حينما قرأت مقال الأستاذ محمود محمد شاكر يحدثنا فيه عن العلاقات بين المسلمين واليهود عسى أن تسفر محنة فلسطين عن نعمة عظمى، إلا وهي الانقلاب في للفكر السياسي عند العرب بحيث يتأكدون أن التسامح لا مقام له أي وزن إلا إذا من قوي يقظ شديد المراس مستكمل المدة، مستقل بنفسه، قادر على قلب ظهر المجن عند ظهور أولى بوادر الشر، ولن يتأتى للمسلمين مثل هذه القوة إلا إذا كانت حياتهم منسقة على أسس دينية بحتة، وما من شك في أن كل من يتأمل هذه الحقيقة لا بد أن تختلج بين يديه الحركات والمنظمات السياسية الحالية للعرب بأسرها بما فيها الجامعة العربية

وبمناسبة ذكر الجامعة العربية أقول: أو ليس من العجب أن يتنكب ويتنصل المؤتمر الثقافي العربي من عرض الإسلام كعامل لم يزل ولا يزال، على الرغم من أهواء المستنيرين والمتقدمين، يلعب دوراً هاماً في حياة معظم أفراد الشعب العربي طيلة القرون الثالثة عشرة الماضية؟

ومما يزيدني عجباً أن أصحاب المؤتمر اجترءوا على ارتكاب مثل هذا الخطأ الفني في حين قد بدأ مفكرو الغرب يعترفون علنا بأثر الدين بتكوين النفسية وتزكية العقل وتوجيه العواطف التي هي مبدأ جميع الأعمال الإنسانية. أفلا يستحق الدين أن يلقى عناية من الباحثين العرب ولو من الناحية الفنية؟ ولو فرض جدلاً إنه يحق للزعماء أن يتناسوا الدين لأغراض سياسية في الحال الحاضر فليت شعري من أين استمدوا سلطتهم على الماضي حتى يقترحوا تنشئة الجيل الجديد على ذكرى أمجاد العرب بدون أن يوفوا الإسلام حقه؟ ما أجدرهم أن يدركوا أن التعصب للوطن أو الجنس (وقد بكى شعراء العرب قديماً ضياع الأنساب واختلاط الأحساب) ربما يكون أشنع وأضر بالإنسانية من التعصب الديني! فهل يحتاج أحد إلى التذكير بأن العرب لم يشيدوا ما شادوا من صروح المجد، لأنهم كانوا ينطقون اللغة العربية (وحاشا الله أن أنكر لتلك اللغة، لغة الإسلام - وقاها الله شر اللهجات - فضلها) أو لأنهم تأثروا بالفكر الروماني أو تحضروا بحضارة البحر المتوسط؟ إنما شادوا ما شادوا وبنوا ما بنوا لأنهم كانوا مسلمين قبل ومسلمين بعد، ولن يأتوا بمثل ذلك أبداً إلا إذا أخلصوا للإسلام وجهروا به لا في العبادة فحسب، بل وفي تنظيم حياتهم الاجتماعية والسياسية، وتنسيق شؤونهم المادية والاقتصادية جميعاً.

أما الخطة التي بسطها أخيراً نبيه أمين فارس في كتابه (العرب الأحياء) - وهي مع الأسف الخطة التي تسير عليها الحياة السياسية في الممالك العربية - فهي أخطر على الإسلام والمسلمين من شبح الشيوعية التي لا يتوانى ولاة الأمر في مكافحتها باستغلال العاطفة الدينية بدون أن يصرفوا همهم إلى تنفيذ مبادئ الإسلام الاقتصادية مثل فرض الزكاة وما إلى ذلك.

نعم، إن الخطة التي دعا إليها نبيه أمين فارس، والتي تهدف إلى جعل محمد بطلاً من أبطال القومية (معاذ الله من ذلك) - وبالفعل وصف محمد بهذه الصفة في الرسالة التي تفضل بها أحد رؤساء العرب بمناسبة عيد الميلاد - ليست إلا ستراً لضعف المسلمين، ومكيدة لحل قواهم، وضربة قاضية على كيانهم، إن محمداً لم يجمع كلمة العرب فحسب، بل جمع كلمة العرب والعجم جميعاً، ثم كيف يفوت أحداً أن يتساءل: على أي شيء جمع كلمتهم؟ العروبة أو الإسلام؟ أقسم بالله أني لم أتألم من قراءة أي كتاب حتى ما كتبه المستشرقون من الطعن في الإسلام بقدر ما تألمت من قراءة هذا الكتيب الذي أعده أحق بالمصادرة من جميع ما تصدر الأحكام بمصادرته من يوم إلى يوم، ولكن ماذا نصنع إذا تخلى الأزهر الشريف عن وظيفته فصار يسير في موكب الساسة وولاة الأمور دون أن يسمو إلى توجيههم وإرشادهم لوجه الله، فهل يصدر الفتوى ضد الشيوعية وضد بيع الأراضي ليهود فلسطين ليساعد الحكومة في بعض أعمالها ويسكت عن أشياء ليتجنب معارضة الساسة وعرقلة الحكومات (حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء)، وليس هذا شأن أهم وأقدم مؤسسة للعلوم والثقافة الإسلامية التي لا تصور فصل الدين عن الدنيا بأي حال من الأحوال. أفلا يجدر بالأزهر والمنتسبين إليه أن يترفعوا عن الحزبية والإقليمية اللتين ربما سببتا إقفال أبوابه، ثم يشنوا حملة شعواء على ما يجدونه في الشوارع والأندية والملاهي من العناصر والمظاهر والتقاليد غير الإسلامية في حياة الأمة بأسرها بما فيها السياسة والحكومة والآداب الاجتماعية والأخلاق الفردية؟!

(البقية في العدد القادم) السيد محمد يوسف الهندي