مجلة الرسالة/العدد 842/ترميم الجامعة العربية

مجلة الرسالة/العدد 842/ترميم الجامعة العربية

مجلة الرسالة - العدد 842
ترميم الجامعة العربية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 08 - 1949


للأستاذ نيقولا الحداد

تقرر أن تجتمع اللجنة السياسية للجامعة العربية في 20 أغسطس الحالي. وقد نشرت جريدة المصري مجموعة الاقتراحات التي تقدمت بها الحكومات العربية وستكون جدول أعمال اللجنة. وهي مستخلصة في 12 مادة. وبالاطلاع على هذه المواد رأيت أن المقصود من التعديلات المقترحة هو ترميم الجامعة كترميم منزل آيل إلى السقوط وتلافي سقوطه أو تأجيل سقوطه إلى أجل قصير، كالبت في موضوع الأمانة العامة وربما كان هذا أهم موضوع عند المرممين. ثم يليه في الأهمية الروابط الاقتصادية والثقافية والمواصلات. ثم مشروع الدينار العربي وبنك الجامعة إلى غير ذلك مما لا يمكن أن يتقرر ما دامت الجامعة متداعية إلى السقوط. ليس في هذه الاقتراحات والتعديلات المطلوبة ما يبني جامعة عربية بل ستبقى في تداعيها وتزعزعها بحيث يستحيل أن تتعدل هذه التعديلات والجامعة في هذا الوهن المتناهي والتقلقل المنذر بالهبوط العاجل.

فبل أن تفكروا يا قوم بالأمانة العامة والدينار والاقتصاديات الخ يجب أن تهدموا هذه الجامعة إلى الحضيض وتقذفوا بأنقاضها إلى البحر أو إلى الصحراء وثم تبنوها من جديد على أساس متين بمواد قوية وبنيان راسخ.

والمقترحات المقترحة آنفاً إنما هي مقترحة على هيئة سياسية إدارية غير موجودة ولا وجود إلا لظل لها - فظل جامعة أو جمعية لا يمكن أن ينشئ بنكاً ولا يقرر ضريبة ولا ينظم علائق اقتصادية الخ - لابد من وجود الجامعة أو الهيئة أولا، والجامعة غير موجودة. كانت خيالاً وقد أمحى الخيال حين طلعت شمس الحقيقة

شمس الحقيقة التي طلعت ومحت الظل هي انخذال 30 مليون عربي أمام 3 أرباع مليون صهيوني وقيام دولة إسرائيل أمام الدولة العربية المزعومة وتشرد مليون عربي أمام 3 أرباع مليون يهودي وانصباغ فلسطين بالصبغة اليهودية أمام كلمة فلسطين عربية وستبقى عربية للعرب. ولم يبقى للعروبة إلا استجداء حقوق عرب فلسطين من أيدي اليهود. واليهود لا يتكرمون إلا بعودة مائة ألف من المليون عربي اللاجئين إلى فلسطين ممن ينتقيهم اليهود ليكونوا فعلة وخداماً عند اليهود وعبيداً وإماء.

هذه هي الحقيقة التي طمست معالم الجامعة العربية.

الجامعة العربية صارت في خبر كان، والزائل لا يرمم، والذي مات لا يقوم من الموت قبل يوم الحشر. نحن الآن في حاجة إلى جامعة عربية جديدة توجد مادة وروحاً وقوة.

الجامعة لا تكون باجتماع وفود من الدول العربية تحت رئاسة أمين عام. ما هذه جامعة. هذه جمعية لا تمثل إلا الأشخاص المجتمعين فيها. الجامعة العربية ليست الجماعة التي لا تمثل إلا أشخاصها ولا التي تمثل الدول التي أرسلتها. الجامعة العربية هي التي تمثل الأمم العربية أنفسها تمثيلاً حقيقياً بمعنى أن يجوز لكل فرد عربي أن يقول إني ممثل شخصياً في جامعة العرب (لا حكومتي بل أنا شخصياً).

الجامعة العربية الحقيقية هي التي تجمع أفراداً عرباً ينتخبهم العرب لا التي توفدهم دولهم كما حدث في الجامعة الحالية التي حبطت وأمحى ظلها.

الجامعة العربية الحقيقية هي برلمان عربي أعلى والنواب فيه يمثلون الأفراد العرب كل نائب يمثل مليوناً أو نصف مليون. ينتخبه أفراد العرب من مثقفين أكفاء خبيرين لا من ذوي الأملاك أو ذوي الثروات.

ويكون لهذا البرلمان (الجامعة العربية) السلطة العليا الدفاعية على جميع الدول العربية المشتركة فيه. وليس للدولة مهما كانت عظيمة وقوية سلطة على هذا البرلمان أو الجمعية.

يقتصر اختصاص هذا البرلمان على الإدارة الدفاعية عن جميع الدول العربية. ولهذا يجب أن تنتقل قوة الدفاع الجندية من أيدي الدول إلى يد هذا البرلمان. ولا يبقى للدولة من القوى الجندية سوى قوة البوليس وقوة الجندية (المليشيا) المحدودة اللازمة لحفظ الأمن في الدولة.

بناء على هذا يجب أن يكون تحت أمر البرلمان الدولي العربي المذكور لا أقل من ربع مليون جندي وإذا لزم الأمر فنصف مليون أو أكثر حسب اللزوم. تؤخذ هذه الجنود من الأمم العربية بالنسبة العددية المعلومة.

ثم هذا البرلمان يجبي من جميع الدول بنسبة عدد السكان المال اللازم للدفاع عن وجوهه بحيث لا يقل عن مائتي مليون جنيه. وإذا لزم أكثر فأكثر يجبيها هذا البرلمان من جميع الأمم العربية من غير اعتراض ولا تمنع أو نقاش. هذا المال هو حق للدفاع عن الأمم العربية قاطبة وهو واجب على هذه الأمم.

تكون سلطة هذا البرلمان نافذة لا مرد لها. وهو ينفذ مقتضياتها بما له من السلطة المسلحة.

يتولى هذا البرلمان سياسات الدول العربية الخارجية.

هذا البرلمان يفض خلافات الدول الدولية العربية وينفذ أحكامه بقوة السلاح.

يكتسب هذا البرلمان هذا الحق لأنه ممثل جميع الأمم العربية.

قد يعترض عليه لأن لبعض الأمم كمصر مثلاً نصف البرلمان تقريباً ولهذا تكون أحكامه متحيزة لمصر. ولتلافي هذا التحيز يختار مجلس شيوخ إلى جانبه لا يكون أعضاؤه بنسبة عدد الأهالي بل كعدد الأمم الممثلة فيه عضو أو عضوان عن كل أمة صغيرة أو كبيرة على حد مجلس الشيوخ الأمريكي.

هذا البرلمان الشامل المجلسين يعتبر (الجامعة العربية) القانونية النافعة الذي يستطيع أن يحمي ذمار العرب ويدافع عن العروبة.

هذا البرلمان سيختار قيادة الجيش العليا ومجلس أركان الحرب وهو يقرر الحرب أو الصلح. وليس لأية دولة حق التدخل بشئونه. يكفي أن يكون لكل أمة ممثلون فيه يحرصون على حقوقها وحياتها.

إذا شبت الجامعة على هذا النحو أمكن الأربعون مليون عربي أن يرغموا أنف مليون إسرائيلي أو مليونين وإلا فالمليون إسرائيلي يستعبدون الأربعون مليون عربي.

في أقل من خمس سنين يتم هذا الحلم لإسرائيل فليفتح العرب عيونهم وآذانهم قبليروا أنفسهم أمام الأمر الواقع.

في عشرين الجاري سيجتمع أعضاء الجامعة العربية لكي يفضوا هذه الجامعة ويبددوا أنقاضها فنطالبهم بما يأتي:

1 - أن يطردوا الخونة من بينهم سواء كانوا وفوداً أو دولاً أو ممثلي دول.

2 - عليهم أن يقدموا حساباً عن كل ما دخل إلى خزينة الجامعة تبرعاً أو اشتراكات دول - حساباً صريحاً واضحا من داخل وخارج بالتفصيل وأن يعلن في الجرائد العربية.

متى تكونت الجامعة على هذا الشكل يشرع البرلمان العربي الأعلى الذي يعتبر جامعة العرب - يشرع أن يعمل الإصلاحات المطلوبة المقترحة على اختلاف أنواعها من بنوك واقتصاديات وجمركيات و. . . الخ هذا العمل الإنشائي يجب أن يشرع به حالاً وأن ينجز حالاً لأن اليهود لا يصبرون. فقد وضعوا عيونهم على جبال أراراط وأعالي النيل وما بينهما.

نقولا الحداد