مجلة الرسالة/العدد 9/في الأدب الغربي

مجلة الرسالة/العدد 9/في الأدَب الغربيّ

​عنزة المسيو سيغان
La chèvre de monsieur Seguin​
 المؤلف ألفونس دوديه
ترجمةمحمد كزما
في الأدَب الغربيّ
ملاحظات: عنزة المسيو سيغان هي قصة قصيرة للكاتب الفرنسي ألفونس دوديه. نشرت أول مرة في صحيفة L'Événement في 14 سبتمبر 1866، ثم نشرت في مجموعة "رسائل من طاحونتي" Lettres de mon moulin عام 1869. نشرت هذه الترجمة في مجلة الرسالة بقلم محمد كزما وذلك في العدد التاسع الذي صدر بتاريخ 15 مايو 1933.



عنزة المسيو سيغان

لألفونس دوديه

إلى الشاعر الملهم بيبر غرينفوار - بباريس

ستظل طول حياتك على حالك التي عهدتها يا صديقي البائس!

كيف تعرض عليك وظيفة مخبر لإحدى كبريات الجرائد في باريس ثم ترفض! تأمل في حالك أيها المسكين! أنظر إلى ثوبك الممزق وإلى حذائك البالي، والى وجهك الضعيف الشاحب، أذلك ما أجداه عليك غرامك بالشعر. وهذا جزاء خدماتك الجلى (لأبولو) مدة عشر سنوات. . . ألا تخجل من نفسك بعد هذه النتيجة؟

إقبل هذه الوظيفة أيها الغبي! إعمل مخبراً! ستكسب الدنانير الجميلة فتستطيع بها أن تأكل في المطعم أكلا شهياً وأن تلبس في أول الشهر معطفاً جديداً. . .

ألا تريد أن تقبل؟ أترفضها إذن؟ تريد أن تبقى حراً إلى الأبد. . . أصغ إذاً إلى قصة عنزة المسيو سيغان لتعلم ما يجنيه المرء من الإخلاد إلى حياة الحرية!

لم يلاق المسيو سيغان حظاً في اقتنائه المعز. فقد خسر أعنزه كلها بطريقة واحدة: كانت تقطع حبلها في الصباح لتهرب إلى الجبل حيث يفترسها الذئب. فلا وداعة سيغان ورفقه، ولا اسم الذئب وبطشه، كانت تثنيها عن خطتها. فكانت، على ما يظهر، معزى مستقلة بنفسها، لا ترضى بغير الهواء الطلق مربطا ولا بغير الحرية مرتعاً.

ولكن سيغان لم يكن يفهم طبعها ولا يعرف شيئاً من خلقها ليخفف قليلا من حدته وذعره. فكان يقول:

- انتهى الأمر! إنني لن أقتني بعد اليوم عنزة واحدة لأنها تمل عشرتي.

ولكنه على رغم ذلك لم ييأس اليأس كله. فبعد أن خسر ست عنزات بالطريقة المعلومة اشترى السابعة. ولكنه في هذه المرة عنى باختيارها صغيرة ليأمن بقاءها عنده.

آه! يا صديقي غرينفوار ما كان أجمل عنزة سيغان هذه المرة! عينان ناعستان ولحية صغيرة كلحية الضابط، وحافر أسود لماع، وقرنان معقوفان، وصوف طويل أبيض يتدلى على جسمها! إنها أحلى وألطف من جدي اسميرالد الذي رأيناه يطوف به الشوارع بالأمس، أتذكره يا صديقي؟ إنها كانت هادئة، وديعة، سهلة الانقياد. . .

وكان سيغان يربط ما عزه في حضيرة محاطة بالعليق خلف منزله. فربط فيها العنزة الجديدة، وأطال لها الحبل لترعى ما جاورها من الأعشاب النضرة، واخذ يطل عليها من وقت إلى آخر ليتعرف حالها. ولشد ما كان سروره عظيما عندما رآها سعيدة، منكبة على مرعاها الخصيب. تأكل منه ما لذ لها وطاب. فقال سيغان في نفسه:

- الحمد لله! لقد وفقت أخيرا إلى عنزة لا تمل عشرتي.

ولكن السيد سيغان كان مخطئأً، فإن العنزة أدركها السأم والملل!

نظرت عنزة صاحبنا إلى الجبل ذات يوم، فقالت في نفسها:

- لا شك إن الحياة هنيئة حلوة في هذا الجبل ما أسعدني عندما أمرح بين أعشابه من غير هذا الحبل اللعين الذي يحز رقبتي!. . . لا بأس إذا رعى الحمير أو البقر في مثل هذا المكان الضيق!. . . أما نحن معشر المعزى فلنا الخلاء الفسيح.

ومنذ ذلك الحين أصبحت لا ترى لعشب الحضيرة طعماً. وأخذ الملل يستولي عليها. فهزلت، وشح حليبها، وأصبحت لا ترى طيلة النهار إلا ممددة على الأرض، شاخصة إلى الجبل وهي تثغى بصوتها المحزن.

ولاحظ المسيو سيغان أن العنزة أصابها شيء، ولكنه لم يعلم ما هو. . . . ففي ذات الصباح بينما كان يحلبها التفتت إليه وخاطبته بلهجتها القومية:

- أصغ إلي يا مسيو سيغان، أني أكاد أموت هنا، فدعني أذهب إلى الجبل.

فصاح مسيو سيغان فزعاً:

- آه! ربي!. .

وترك الوعاء من يده، ثم جلس إلى جنبها على العشب وقال:

- عجباً! وأنت أيضاً تريدين مفارقتي يا بلانكيت؟ فأجابته:

- نعم يا مسيو سيغان.

- أتنقصك الأعشاب هنا؟

- لا يا مسيو سيغان.

- ربما كان رباطك قصيراً، أتريدين أن أطيله لك؟

- لا، أرح نفسك من هذا العناء يا مسيو سيغان.

- إذاً ما بك، ماذا تريدين؟

- أريد أن أذهب إلى الجبل يا مسيو سيغان.

- ولكن، ألا تعلمين أيتها المسكينة أن الذئب هناك. . . وماذا تصنعين عندما يهاجمك؟. .

- أضربه بقرني يا مسيو سيغان.

- ولكن الذئب لا يبالي بهما. فقد أكل لي معزى كان قرناها أطول من قرنيك. إنك تعرفين رينود التي كانت عندي في العام الماضي؟ فقد كانت قوية نشيطة ظلت الليل على طوله في عراك مستمر مع الذئب. . . وفي الصباح تغلب عليها وأكلها.

- مسكينة! مسكينة!. . . . ولكن لا بأس، دعني أذهب إلى الجبل يا مسيو سيغان.

- سبحانك ربي!. . . هذه أيضاً واحدة ستكون للذئب طعاماً. . . لا، لا. . . سأمنعك رغما عنك! وسأقفل عليك باب الحضيرة حتى إذا قطعت الحبل لا تجدين لك مهربا.

حينئذ قاد المسيو سيغان عنزته إلى حجرة مظلمة في الحظيرة وأغلق دونها الباب. ولكنه نسى أن يغلق النافذة، فما كاد يخرج حتى وثبت العنزة إليها وفرت منها هاربة. . .

أظنك تقهقه يا صديقي غرينفوار وترى رأي الماعز. . . ولكن ستعلم بعد حين إذا كان ضحكك يدوم طويلا.

ولما وصلت العنزة البيضاء إلى الجبل، أغتبط بها وأكبر حسن طلعتها، ذلك لأن أشجاره القديمة لم تر فيما مضى عنزة جميلة كهذه العنزة، وانحنت الأغصان المورقة نحوها لتحظى بلمس ثوبها الفتان، وتفتحت الأزهار وأرسلت في الهواء كل ما تحمل من عبير وعطر احتفالا بملكة الجبل الجديدة.

تأمل يا صديقي غرينفوار ما كان أشد سرور بلانكيت! لا حبل، ولا وتد. . . ولا شيء يعوقها عن القفز والجري، والرعي كما تشتهي. . . هنا وجدت العشب كثيراً ناميا! وفي هذا المكان أحست بطعمه!. أي عشب لذيذ، طري، مطرز الأطراف، كثير الأنواع. أنها لم تجد مثيلا له في الحظيرة الضيقة. والأزهار الجميلة على اختلاف أنواعها! أنها أخاذة ساحرة.

هنا أحست بالشبع، فأخذت تلهو وتمرح، تروح وتغدو، تثب في الهواء وتجري على الارض، تقفز من فوق السيول فتبلل صوفها بالماء، ثم تتمدد على صخرة في الشمس لتجففه، حتى أعادت للجبل سالف حياته، وبعثت فيه نشوة الفرح والحبور! وكان يخيل للناظر أن في الجبل عشر عنزات للمسيو سيغان لا عنزة واحدة.

وبينا هي على قمة الجبل ممسكة بين أسنانها زهرة جميلة أبصرت في الوادي منزل المسيو سيغان والحظيرة التي بقربه، فقهقهت ضاحكة وقالت:

- ما أصغر هذا المسكن! كيف صبرت على بقائي فيه؟ ورأت نفسها على قمة عالية فحسبت أنها أصبحت تملك الكون بأسره. . .

والخلاصة يا صديقي أن يومها كان سعيدا جداً.

ومما هو جدير بالذكر أن بلانكيت التقت في طريقها عند الظهر بقطيع من الوعل يقضم بأسنانه أشجار الكرم. فأحبت أن تشاركه في طعامه ففسحوا لها المجال بأدب. ويظهر أن هناك وعلاً وقع من قلب العنزة موقعاً حسنا، فاختفت وإياه في الغاب مدة ساعة أو ساعتين. فإذا أردت أن تقف على حقيقة ما جرى بينهما فاذهب وسل عيون الماء المتفجرة، المنسابة بين الأعشاب المخضوضرة.

وفجأة برد الطقس، وأخذ الليل يرخي سدوله على الجبل. فقالت العنزة:

- عجباً! كيف يمضي النهار بسرعة؟

وكان السهل قد اختفى عن ناظريها في الظلام، ولم تعد ترى من منزل المسيو سيغان إلا سقفه الأحمر وقليلا من الدخان المتصاعد منه. ولما أخذت تصغي إلى صوت قطيع من الغنم عائد إلى حضيرته أحست في أعماق نفسها بوخز الضمير فتألمت. ومر إذ ذاك طائر ليبيت في وكره فكاد يلمسها بطرف جناحه. في هذه اللحظة سمعت في سفح الجبل صوتا يدعوها إليه (وكان ذلك صوت المسيو سيغان ينبعث من بوقه) فتذكرت الذئب وأخذت تفكر فيه بعد أن أنساها فرح النهار وجوده.

ثم سمعت صوت الذئب يتجاوب صداه في الأرجاء. فوطدت العزم على النجاة من مخالبه بإجابة المسيو سيغان. ولكنها تذكرت الحبل والوتد فشق عليها أن تعود إلى سالف حياتها وفضلت البقاء.

وفي هذه الأثناء انقطع صوت البوق. . .

وسمعت العنزة خلفها حفيف الأوراق، فالتفتت لتنظر فرأت أذنين صغيرتين ترتفعان وعينين تقذفان بالشرر. . فعرفت أنه الذئب. . .

ربض الذئب الكبير ينظر إلى العنزة نظرة نهم، ويتأملها دون أن يعجل إلى افتراسها. ولما همت بالمضي في سبيلها أخذ يضحك ويسخر، ثم مد لسانه الأحمر الغليظ.

هنا أحست بلانكيت بخطر الموت. . وتذكرت حكاية العنزة رينود التي قاومت الذئب طيلة الليل عبثاً، فألقت عصا الطاعة وصممت على أن تتلقى الذئب صاغرة ليأكلها سريعا.

ولكنها في اللحظة الأخيرة رجعت عن رأيها هذا، ووقفت للدفاع عن نفسها، فأحنت رأسها وأشهرت قرنيها، لا لتقتل الذئب وهي تعرف أن المعزى لا تقدر عليه بل لتجرب إذا كانت أقوى بأسا من صديقتها رينود. . .

آه! يا صديقي ما كان أشجع هذه العنزة الصغيرة! أنها اضطرت الذئب أكثر من عشر مرات إلى أن يستريح فترة من الزمن كانت في خلالها تقضم العشب بسرعة لتعود إلى القتال مملوءة الفم. . .

وظلت الحال على هذا المنوال، الصراع مستمر يقطعه تقهقر وقتي من الذئب، والعنزة تنظر إلى النجوم الرجراجة وهي تأمل دوام القتال حتى مطلع الفجر، إلى أن أخذت النجوم تهوي واحدة بعد الأخرى. . وامتد في الأفق شعاع باهت. . وأرسل الديك صيحته من إحدى المزارع المجاورة. فقالت العنزة المسكينة التي انتظرت الفجر لتستسلم للذئب:

- ها قد وصلت إلى بغيتي أخيرا!

ثم تمددت على الأرض وصوفها الأبيض مخضب بدمها. . . عند ذلك هجم الذئب عليها وأكلها.

وداعا يا صديقي إن القصة التي رويتها لك واقعية لا أثر فيها للخيال. ويمكنك إذا جئت إلى هذه الضاحية يوما أن تطلب من أحد أهليها أن يقص عليك حكاية عنزة المسيو سيغان التي قضت الليل بطيلته في عراك مستمر مع الذئب. . . وفي الصباح تغلب عليها وافترسها.

أسامع أنت يا غرينفوار!. . . وفي الصباح تغلب عليها وافترسها.

بيروت. محمد كزما