مجلة الرسالة/العدد 951/رسالة الشعر

مجلة الرسالة/العدد 951/رسالة الشعر

ملاحظات: بتاريخ: 24 - 09 - 1951



عتاب.!

لصاحب السعادة عزيز أباظة باشا

(1)

تجهمتني! فيم التجهم خبري ... وأضويتني حتى لأشفيت؛ فانظري

أنزوة حب أم ملالة بغضة؟ ... فإن تك صدا؛ قلت يا نفسي اصبري

وإن كانت الأخرى فأنتن هكذا ... خلقتن كالدنيا، تبيع وتشتري

فلستن من حواء أن لم تسمننا ... تلون ضوء الماسة المتغير

بعثت بأشجاني إليك وأدمعي ... تقلن احفظي ميثاقه وتذكري

تطير بها كتب كأن سطورها ... نفاثة طرد صاخب متسعر

فما بالها هانت؛ وكانت إذا هفت ... لك الكثب قرت فوق صدر معطر

عجبت لجلمود من الصخر نابض ... بأعطاف أملود من البان معصر

وللحسن في أبهى حلاه مثلما ... بسمت ربيب الغابة المتنمر

خبرتك في يومك، يوم التنكر ... ويوم رضاك الساكب المتفجر

وما كنت إلا فتنة شبح سحرها ... وأغرادها النشوان بعض التوقر

وما كنت إلا الراح مرا وكوثرا ... لكل مذاق سائغ المتحدر

ولست وإن أخلفت ودك منكراً ... سموقك، إن الحر ليس بمنكر

(2)

تنكرت لي يا منية النفس والنوى ... ترامي بمرمى الجوانح وامق

بأي دقيق في الذنوب أخذتني ... وأي جليل في الهنات الدقائق؟!

أبذلي حمى نفسي لديك موطئا ... وحبيك حبي خالقي. وهو خالقي؟!

أبالطارقات الصم يهززن مضجعي ... ويغشينني باللافحات الحوارق؟

أبالجهد موصولا؛ وبالدمع ساكباً ... وبالسهد حتى قد رثت لي نمارقي؟!

أبالعهد قدسا والوفاء منضرا ... وإن وفاء الناس إحدى الخوارق؟! وعاتبني صحبي وقالوا أعاشق ... وهذا شعاع الفجر ملء المفارق؟

وقالوا ألم تقسم يمينا غليظة ... ألم تملأ الدنيا بضخم المواثق؟!

فقلت وهل تلحي قلوب ظمية ... هفت لقلوب ظامئات شقائق؟!

وقلت؛ متى رد المقادير قادر ... فأقوى على دفع القضاء الملاحق؟

لقد طالعتني كالصباح فبددت ... جواشن أحداثي؛ وسحب بوائقي

وصبت أساكيب المنى في خمائلي ... وروت بصهباء الرجاء حدائقي

تنكت لي فارعي شكاتي وأنتي ... إليك تهدى في دموعي السوابق

فديتك؛ قولي هل طريق أخوضها ... إليك؛ فقد سدت على طرائقي

وعودي يعد للعين لألاء نورها ... فقد ضربت في نافر الصبح غاسق

وعودي أذق أمن الحياة وروحها ... وأنع برغد وأرف الظل باسق

وأنشط لأعناق المنى ثابت الخطى ... خفيفا فهذا البحر قد آد عتاقي

سلمت على الأيام مخضلة الصبا ... يرف رفيف الطل فوق الشقائق

ولا زلت ري الحسن مملوءة الحمى ... يطيف به يأس القلوب الخوافق

وميلت بالنعمى، وبدلت رحمة ... وعدلا وأعتابا بهذي الخلائق

بدجشتين

عزيز أباظة

من وحي رأس البر:

رحلة السماني!

للأستاذ محمد يوسف المحجوب

(مهداة إلى الشيخ المحترم سعد اللبان بك رائد ندوتنا برأس

البر)

كتائب الطير: سيري ... وأقبلي يا سماني وبشرينا بجو ... قد عز عن أن يدانى

حوى الجمال فنوناً ... بها نهيم أفتتانا

سبتمبر حين وافى ... طابت به دنيانا

الصيف فيه بديع ... يا سحره إذ حوانا

يا ليته طال حتى ... نفني به الأزمانا

فلا نرى غير ظل ... ذقنا لديه الأمانا

سائل لدى البحر رأسا ... للبر يحكي الجنانا:

الأفق ضاح فسيح ... للعين ألقى العنانا

لا ناطحات سحاب ... نهيا بها أجفانا

ولا ضجيجا بمدن ... ولا عجيجا طوانا

الجو صحو جميل ... من راحة قد سقانا

والبحر حلو رخاء ... في رقة يتدانى

والنيل عذب فرات ... قد صب فيه الحنانا

وللسان حديث ... يروي الهوى عن هوانا

ضم الحبيبين لحناً ... فأسمع به الألحانا

وللنسيم عبير ... ننسى به الأشجانا

وتسبح الروح فيه ... تستلهم الوجدانا

فلا نرى غير سحر ... مفصل ألوانا

يعبر الصمت عنه ... إذا أردنا البيانا

فنستكين إليه ... وترهف الآذانا

ونبصر الروح نشوى ... وما شربنا دنانا

عصائب الطير: سيري ... وحلقي في الفضاء

وحدثي عن ليال ... سبحتها في العراء

في رحلة. . كل خطو ... منها نذير الفناء

لموطن حين نادى ... رآك رمز الوفاء. .

ماذا دعاك لطير ... يا جار الغرباء؟

وما الذي ينتويه ... في السير راعي اللواء؟

أمخلص للرعايا ... وحاذر ذو دهاء

وخاتل صائديه؟ ... أم خامل ذو غباء؟

يا ويحها كل عام ... من صيفها والشتاء. .!

ترى: أشاقتك دار ... فسرت في كبرياء؟

لم تأبهي وجه موت ... أو تفزعي من بلاء؟

في الجو طرت الليالي ... من دون زاد وماء

لم يغتمض لك جفن ... أو تشعري بالهناء

البحر تحتك غول ... مستوفز للقضاء

وللصحاري فحيح ... من وقدة الرمضاء

فإن أويت لبحر ... لقيت موت الظماء

وإن هبطت برمل ... شواك أقسى شواء. .

ما بالها وهي تسري ... وديعة كالظباء

يحدو سراها رجاء ... في عالم ذي صفاء

تنجو به من كلال ... لاقت ومن إعياء

ترى الشباك أقيمت ... سفاكة للدماء؟

يا للضعيف نراه ... ضحية الأقوياء. .!

كتائب للطير: أهدي ... تحيتي وثنائي

شهرين رهن انتظار ... أن تقبلي بالرجاء

لموسم أنت فيه ... للروح أشهى غذاء

طالعتنا بليال ... ما مثلها في الصفاء

فإن أضع فيك شعري ... فذاك بعض الجزاء

في كل عام دعانا ... للرأس داعي الولاء

(الرأس) مصطاف قلبي ... ومتعتي ودوائي مهما لقيت لديه ... من جفوة أو غلاء

لنا به ذكريات ... تندى بطيب الإخاء

وحلبة تتهادى ... بصفوة الأدباء

في ندوة وجه (سعد) ... قد زانها بالضياء

تفيء روحي إليها ... في الصبح أو في المساء

فأنهل الوحي سحرا ... يحلو لديه غنائي

طيري لنا يا سماني ... وحلقي في سمائي

وإن تعبت فقري ... واستوطني أحشائي. .

ترى بها خير دار ... لنازح الدار ناء

فإن أبيت جواري ... أو خفت طيف اعتداء

أطلقت سربك توا ... لتسعدي بالفضاء

فما عرفنا بسوء ... يوما ولا إيذاء

ولا نصبنا شباكا ... معاشر الشعراء.

محمد يوسف المحجوب