مجلة المقتبس/العدد 15/كتاب من العالم الجديد

مجلة المقتبس/العدد 15/كتاب من العالم الجديد

مجلة المقتبس - العدد 15
كتاب من العالم الجديد
ملاحظات: بتاريخ: 15 - 4 - 1907



القانون الأساسي أعظم أسباب نجاح الولايات المتحدة وقد جاء فيه أن الولايات المتحدة ليس لها دين رسمي وأن الأديان كلها سواء في نظر الحكومة. ولهذا ترى الحكومة لا تنفق درهماً واحداً على معهد ديني وأهل كل دين يبنون معابدهم من مالهم لأنفسهم والمدارس خالية من التعاليم الدينية فيأتي المهاجرون إلى أمريكا بالألوف من جميع العناصر والنحل ولا يعدون أنفسهم غرباء بل يرسلون أولادهم إلى هذه المدارس يتخرجون فيها على النحو الذي ينشأ عليه أولاد الأمريكان الأصليين. وقد كتبت إليك سابقاً أن هذه المدارس حرة مجانية إجبارية للذكور والإناث.

هذه المدارس لا تعنى بالتعليم العقلي فقط بل تصرف وكدها إلى تعليم أمور تعود بالمنافع الجسمية. فتعلم التلاميذ أصول اللبس والمشي لئلا يعتادونهما على غير الصورة المناسبة كما تعلم الطبخ وتدبير المنزل. والمدنية بهذه المدارس منتشرة بين أهل الحواضر والقرى على نمط واحد. وأعظم فرق بين مدارس أوروبا والمدارس هنا أن أهل أوروبا يعلمون صبيانهم في مدارس على حدة وبناتهم في مدارس خاصة بهن. والبنات والصبيان هنا يدرسون في مدرسة واحدة في المدارس الابتدائية والعالية يتربون سوية من الخامسة إلى الثامنة، العاشرة أو العشرين من العمر. ويدعي الأمريكان أن لهذه التربية محسنات جسيمة لم تثبت لي صحتها. ولكن مما لا شبهة فيه أن البنات يترجلن فترى الابنة الأمريكانية متخلقة بأخلاق الصبيان ولها من الجرأة والاعتماد على النفس ما للصبي. وإن الرجال يحترمون النساء كثيراً بحيث يبلغون حد الإفراط في ذلك ويعدون من أعظم الجنايات التعدي على امرأة أو ابنة ولو كانت زنجية.

ترى الفتاة الجميلة ذاهبة وحدها في المحال البعيدة ولا يجسر امرؤ أن يقترب منها أو يسمعها كلاماً بذيئاً لئلا يجلب عليه عمله هذا ضروب البلاء. ذلك أن القوم إذا رأوه يكلم من لا تريد مخاطبته يتعذر عليه الخلاص منهم فيضربونه ويدمونه وربما ضُرب بحيث يوشك أن يهلك. وإذا قبضت الحكومة عليه تجازيه جزاءً شديداً. وإذا اعتدى معتد فاستباح العرض أو ما يشبهه فإعدامه أمر محقق على أي حال كان. وقد شهدت بعض حوادث من هذا القبيل وذلك أن عبداً صفع امرأة على خدها فأدى ذلك إلى سقوطها في الوحل فاجتمع الناس فبحثوا عنه فوجدوه وفي الحال تألف محكمة مؤقتة حكمت عليه بالإعدام فشنق لساعته. ورأيت رجلاً من البيض اعتدى على عرض ابنة مراهقة فحكمت المحكمة عليه بالسجن المؤبد. وشهدت عبداً آخر التقى بفتاتين وطلب إليهما أن يقبلهما ومع أنه لم يمسسهما بيديه حكمت المحكمة عليه بألف ريال جزاء نقدياً لكل منهما النصف. وبالجملة فإن الاعتداء على النساء مهما كان فضعيف ويعده القوم جناية لا عفو فيها. فأين هذه الأخلاق من أخلاق المصريين الذين يتفاخرون بالتعرض للنساء المسلمات بقحة وسلاطة.

وبعد فإن أمر التعليم في المدارس الأمريكية موكول إلى النساء فهن المعلمات وهن المديرات ولا تجد المعلمين من الرجال إلا في المدارس العالية. وقد كنت ذهبت إلى الجبال حيث المناجم والمعادن فشاهدت فيها مدارس تشبه مدارس أعظم الحواضر. رأيت أولاد عملة المناجم ممتعين بتربية وتعليم أحسن من أكثر أولاد الأكابر في بلادنا. وفي هذه المناجم ملايين من العملة وأقل أجرة للعامل ثلاث ريالات أمريكية في اليوم.

ودور الكتب العامة من أسباب ترقي الولايات المتحدة بعد المدارس فترى في كل بلدة أو قصبة مكتبة عامة يدخلها الناس مجاناً. وتقسم كل مكتبة إلى أقسام بحسب حجمها وحجمها يكون على مقدار اتساع المدينة. فترى فيها قسماً للمطالعة فيه الجرائد السياسية والمجلات العلمية والأدبية وغير ذلك من المطبوعات اليومية والأسبوعية والشهرية وأصغر مكتبة تحتوي على خمسين جريدة. وفي المكاتب الكبرى أكثر من ذلك. وقسماً فيه الكتب على اختلاف ضروبها من كل فن وعلم وباب. وقسماً من المكتبة خاصاً بالأولاد وفيه كتب وجرائد ورسوم مما ترغب فيه نفوسهم ويبعثهم على المطالعة والبحث وترى في بعض تلك المكاتب امرأة عُهد إليها النظر في دائرة الأطفال من المكتبة تستقبلهم وتتلطف معهم.

وأطفال هذه البلاد لا يشبهون أطفال بلادنا فلا ترى بينهم أحداً يلبس ثياباً رثةً أو حافي القدم أو قليل الهندام أو ما يماثل ذلك من قلة العناية خصوصاً البنات فإنهن بدون استثناء يلبسن الثياب النظيفة المكوية ويصففن شعورهن وينظفنها ويمشطنها وما السبب في ذلك إلا شيوع العلم والمدنية بين أفراد الأمة على اختلاف طبقاتها. وإلى الآن لم أشاهد ولداً أقرع أو أرمد لأن هذه الأمراض تنشأ من قلة النظافة. فما الحال في البنات. والنساء على ما رأيت هن في الولايات المتحدة أرقى الجنس الإنساني علماً وتهذيباً.

عود إلى حديث المكاتب. إن فيها دوائر أخرى منها واحدة للتحرير والتأليف والترجمة وفيها من الكتب ما يلزم المؤلف والمترجم. وللمطالع أن يقرأ الكتاب الذي يريده في المكتبة وله أن يستعيره فيطالعه في بيته. وفي هذه المكاتب ضروب من الكتب كانت في وضعها بعضها مع بعض أثراً من آثار التسامح، ترى فيها كتباً من نوع واحد في الأديان والمذاهب والسياسة وإلى جانبها كتباً تنقضها. كتب الفلسفة التي تحمل على الدين موضوعة بجانب الكتب التي تؤيده وتبجله. وكذلك الجرائد ترى الصحف الاشتراكية التي دأبها انتقاد أقوال الرؤساء وأفعالهم والحكومة ومجالسها موضوعة إلى جانب الصحف التي تسالم الحكومة وزعماء السياسة. ولكل واحد الخيار في مطالعة ما يشاء وتصديق ما يشاء أو تكذيبه. ويبلغ مديرات هذه المكتبات وموظفاتها من النساء ثمانين في المئة من بقية الموظفين ويختلف راتب المديرة من ألف ومائتي ريال في السنة وهو الحد الأدنى في الرواتب التي ينالها أمثالهن إلى ألفين وأربعمائة ريال وهو الحد الأعلى.

للمستر كارنيجي المثري المشهور فضل عظيم في إتمام هذه المكاتب فإنه أنشأ ألفاً ومائتي مكتبة في ألف ومائتي بلدة ولهذا الرجل خيرات جسيمة عدا هذه المكتبات. وقد منح هذا الشهر أحد أعاظم الأغنياء واسمه مستر جون روكفلر اثنين وثلاثين مليون ريال دفعة واحدة لإنشاء مدارس وكان أعطى من قبل أحد عشر مليوناً لتلك الولاية التي منحها هذه المنحة هذه المرة فتكون جملة إعاناته للمدارس ثلاثة وأربعين مليون ريال. وبهذا يمكنك أن تقيس درجة الغنى في الولايات المتحدة.

ومعلوم أن نفوس الولايات المتحدة كان زمن استقلالها أي قبل 130 سنة أقل من أربعة ملايين وكانوا أقل الأمم ثروة فبلغوا الآن 85 مليوناً ويقدرون نمو ثروة البلاد بعشرة ملايين ريال كل يوم. كل ذلك بفضل الحرية الدينية والمساواة الشخصية وانتشار العلم بين أفراد الأمة ولاسيما النساء. ففي الولايات المتحدة نحو ثمانية عشر مليون تلميذ منهم خمسمائة وخمسون ألف تلميذ في المدارس العالية منهم 330 ألف فتاة و220 ألف صبي. فإذا كان المتخرجون في المدارس العالية يصبحون بعد رؤساء الأمة ونخبتها فاستنتج من هذا الإحصاء أن البنات أرقى من الصبيان وتعال معي وأعجب ممن يدعي أن النساء ناقصات في عقلهن أليس هذا دليلاً حسياً لا يقبل الرد بأن البنات أرقى من الصبيان؟ اللهم لا إذا قلنا إن نساء بلادنا هن من جنس آخر أدنى ممن الجنس الأمريكي. وعليه فلا أدري كيف يدعي بعضهم النقص في عقل النساء وما النقص في الحقيقة إلا من تربيتهن لا فيهن. والنساء هنا يدخلن في كل عمل من الأعمال المعاشية ومعظم كتاب دواوين الحكومة من النساء.

هذا وليحط عملك أن طول السكك الحديدية في الولايات المتحدة هو نحو مائتين وعشرين ألف ميل (الميل نحو 1700 متر) ونحو ثمن هذه الخطوط لرجل اسمه هاريتمين يلقبونه ملك السكك الحديدية. والخدمة في الجندية البرية والبحرية اختيارية هنا ويقبل فيها الأجانب على شرط أن تكون صحتهم جيدة وأن يعرفوا الإنكليزية قراءة وكتابة ويقضي على كل متطوع أن يخدم ثلاث سنين وراتبه ثلاثة عشر ريالاً في الشهر يزداد فيه كل سنتين إذا بقي في الخدمة حتى يبلغ راتبه 25 ريالاً. ويلبس الجند ويأكلون أحسن الألبسة وأطيب الأطعمة وقد زرت ثكنة من ثكنتهم فصادفت الجند في الطعام فرأيتهم يأكلون على موائد مجللة بالقماش الأبيض ولكل واحد ملعقته وشكوته وسكينه وكأسه ولكل خوان خادم واقف في خدمة الجالسين إليه ويبلغ جيش هذه البلاد ثمانين ألف جندي. هذا ما خطر لي الآن أن أدونه لك والسلام عليك.