مجلة المقتبس/العدد 28/الصنائع الإسلامية

مجلة المقتبس/العدد 28/الصنائع الإسلامية

ملاحظات: بتاريخ: 1 - 5 - 1908



(تابع ما قبله)

إذا أطلق لفظ النقش عند المسلمين فلا ينبغي أن يفهم منه أنه يراد به تمثيل صورة ذات روح بل قد تكون تلك الصور نقوشاً يراد بها أمر آخر. ومما يعجب له أنه يوجد في هذا الكتاب الوجيز إشارة ضعيفة لصورة فارس يمسك رمحه بيده نُقش على القبة في مسجد ببغداد. ولم يزد المسيو ميجون بأن هذا الفارس يشير إلى الناحية التي يجيء منها الهواء. فكان هذا التمثال ضرباً من دوارة على الهواء صنعت من الحديد المصفح وجعلت في الهواء تمثل فارساً والرمح بيده وقد ذكروا أسطورة بشأنها. فكان العامة يعتقدون أن هذا الفارس يدل بقوة تعويذة معه على الناحية التي تنشأ فيها ثورة من مملكة الخلفاء العباسيين.

وليس النقش عند المسلمين إلا خادماً خاضعاً للهندسة على نحو ما كانت الفلسفة من علم الكلام في القرون الوسطى. والأسود التي رآها ابن بطوطة قد صنعت من الرخام المستخرج في أفروجيافرجيا في آسيا الوسطى حيث يكثر فيها. وبلغ من احترام السلاجقة للنقش أن كانوا ينزلونه في الحوائط. وليس للتمثال من الخشب التي صنعها صناع من المسلمين بأمور الطولونيين علاقة بالصنائع الإسلامية بل هي فرع متأخر من فروع الصناعة الوطنية. وقد بدأت في مصر صناعة النقش للزينة باستعمال الكلس والرخام غير المسحوق بالآلة بل بيد صنع الأيدي وأقدم ما وجد من ضروبها شكل مهندس ممزوج بعروق خيالية ظريفة. أما الحجر للزينة فقلما يوجد إلا في المساجد التي يرد عهدها إلى القرن الرابع عشر وعلى العكس في إسبانيا فإنا نرى هذه الصناعة مزهرة فيها منذ أوائل الخلافة الأموية.

وقد بقي لنا شاهد واحد منها وهو مغسل الوضوء المصنوع من الرخام ولا يزال محفوظاً إلى الآن في متحف الآثار في مدريد وجرن الرخام وحوض الأسود في قصر الحمراء معروفان موصوفان. إلا أن تزيين المصانع ما كان إلا من الجبس موضوعاً في القوالب وضعاً محكماً مما يبدو في هيئة بديعة تفوق أجمل نموذجات الهندسة. وإن قصر الحمراء على جماله لم يعمل إلا من معجون الجبس.

لا يأخذنا العجب إذا رأينا السلجوقيين في آسيا الوسطى قد أبقوا لنا صوراً تمثل الصورة الإنسانية. ولئن كان المهندسون في زمنهم سوريين أو روميين فإن الأفكار السائدة في بلاط قونية أن منشأها إيراني زادت انتشاراً بما كان لشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي الصوفيين العظيمين من النفوذ وكان الأول صاحب السر والثاني مؤسس طريقة الدراويش المولوية. وكان سلاطين السلجوقيين مهوسين أشد التهوس بكل ما هو من أصل فارسي حتى أنهم كانوا يدعون أبناءهم بأسماء استخرجوها من قصص البطال في الملاحم. وظلت الصناعة التي انتشرت بهذا التأثير محصورة في آسيا الصغرى ولم تنتشر في سائر البلاد الإسلامية.

أخذت العرب صناعة الفسيفساء عن البيزنطيين فاستجلب من الأستانة الخليفة عبد الرحمن إلى قرطبة صناعاًُ من الروم ليزين مسجدها. وخابر الوليد ملك القسطنيطينية ليبعث له بالعملة والمواد اللازمة لتزويق المسجد الأموي في دمشق وهي كنيسة القديس يوحنا الدمشقي القديمة. تغير هذا المسجد ولم يبق منه حريق 1893 ما كان سلم من آثاره. وفي سنة 418 هـ (1027م) جرى إصلاح فسيفساء قبة الصخرة كما قرأت ذلك في الصورة الشمسية من الصفحة الثالثة والثمانين من الجزء الثاني الرسم 73 وقد كسي داخل المصانع الإسلامية في القاهرة بأنواع من الزينة صنعت من الرخام على أبهج صورة وأزهاها.

إن ما يرى في مصر من الخشب المنفقوش لا يتأتى إلا أن يكون مجلوباً من سوريا أو من آسيا الصغرى. ومعلوم أن في مصر صناعة خاصة بها لا يرى لها أثر في غيرها من الأقطار ألا وهي صناعة المشربيات وهي أقفاص نوافذ على طنف بارزة بحيث تكون للنوافذ التي تطل على الشوارع أقفاص لئلا يتطلع إلى ما وراءها متطلع ولو بدون قصد. من أجل هذا يستعمل القوم (شعريات) من أقفاص خشب رقيق. وفي مصر يستعمل خشب غليظ خرط بالمخرطة وجعل على صورة يتفنن فيها كل التفنن. وفي المتحف العربي في القاهرة حشوات منقوشة غاية في الجمال ومن جملتها ثلاثة محاريب توفر المسيو رافيس على البحث فيها وهي من عهد الفاطميين وقد كانت الحشواتفي القرن الثالث عشر أصغر مما هي الآن وخطوطها أدق وأشكالها أكثر تنويعاً وصورها التزويقية مطلقة. وصورت على أبواب البيمارستان القلاووني صور ذات أرواح. والفرق ظاهر بين طريقة هذه المصانع في الصنع والحشوات التي جعلت على القبور الفارغة في ذاك العهد والصورة العامة مربعة في هذه وذات خطوط مستدير في أبواب البيمارستان. ويتجلى الفرق للأنظار بالمقابلة بين النقوش الصغيرة التي وردت في صفحة 100 و 101 الموضوعة إحداها بجانب الأخرى فإن الحشوات صنعة عربية مصرية أما الأبواب فصنعة فارسية. ومن هنا أتت الصور ذات الأرواح. وظاهر أنه كان في ذاك العهد في القاهرة طريقة فارسية في النقوش جاءت زيادة على ما كان فيها من الصناعة الوطنية وليس ذلك من ارتقاء الصناعة المحلية كما لاحظ ذلك المسيو ميجون. وارى أنه لم يبن رأيه على صورة باتة كافية وإن شئت فقل على صورة ظاهرة. المنبر في المسجد من المواد التي لا يستغنى عنها فمنه ما يبنى بالحجر مثل منبر مسجد يرقوق في الصحراء بالقرب من القاهرة ومن العادة أن يعمل المنبر من الخشب. وقد عرفت من المنابر نموذجات بديعة كمنبر مسجد ابن طولون الذي أمر ببنائه أحد سلاطين المماليك السلطان لاجين ولا تزال حشواته العمودية محفوظة في لندرا ومثل منبر قاتيباي ومسجد علاء الدين الأول قاي قوباد في قونية وجامع الزيتونة في تونس وغيرها. وهناك شيء آخر خاص بمساجد مصر وأعني به الكرسي أو الخزانة المسدسة الزوايا والأضلاع كانوا يضعون عليها المصاحف للتلاوة فإذا فرغوا خبؤوها في داخلها وكانت حشواتها مزينة بتطعيم (تنزيل) من العاج ومن خشب ملون.

ويوضع المصحف في المساجد العثمانية مفتوحاً أو مطبوقاً على دعامة تطبق على شكل تسمى رحلاية. وقد فات المسيو ميجون أن يذكر هذا المتاع الذي يعمل من خشب الجوز المتين ويطعم بأشكال من عرق اللؤلؤ والعاج (صنع الأستانة) على نمط الأخونة الواطئة التي يقال لها اسكملة.

وفي إسبانيا أجمل إنموذجات من النقش على العاج أخذها المسلمون عن الغوط الغربيين ولم يستطع أحد أن يوفق بين معامل هذه الصناعة ومراكز إخراجها بل ثبت من فحص هذه المصنوعات التي لا تزال محفوظة بكمية وافرة أنها صناعة محكمة تدل على فرط مهارة فنية تقلبت عليها الأحوال بأهوالها ومنها الشرقي ومنا البيزنطي. واللوحان البديعان من العاج اللذان لم يبرحا محفوظين في مجموعة كاران في متحف بارجللو في فلورنسة هما من أصل يختلف أحدهما عن الآخر ولا نعلم من أمرهما شيئاً يذكر. بيد أن النسور والأسود المرسومة على اللوحين هي من أصل آشوري وقد رسمت عليها رسماً دل على مهارة تحملنا على المقارنة بينها وبين نحاس الموصل وشواطئ دجلة حيث بقية التقاليد الصناعية القديمة محفوظة بحالها خلال القرون الوسطى.

أما الصياغة فقديمة العهد رأى الشاعر الرحالة الفارسي ناصر خسرو في مدينة صور ثريات من الذهب والفضة وفي القدس أبواباً مغطاة بألواح من النحاس بديعة الصنع وفي القاهرة عرش المستنصر الفاطمي معمولاً من الذهب والفضة الخالصة وقد نقشت عليه كتابات وصورت صور صيد وقنص. وإن سفط العاج في كنيسة بايو (فرنسا) الملبسة بالفضة المنقورة (المخرمة) وأسفاط كنيسة كوار (سويسرا) وسان سيرفي (فرنسا) ومايسترخت (هولاندة) وسان مارك في البندقية لتمثل لأنظارنا ما كانت عليه صناعة الصياغة من البهاء في القرن الثاني عشر. وإلى ذلك العهد يرتقي صنع النحاس الجميل الملبس الذي حفظ على اليوم ولكن مما لا شك فيه أن ازدهار هذه الصناعة أقدم من ذلك وأن ما نعثر عليه من ذاك التاريخ من الأعلاق النفيسة ليس إلا زبدة قرون طويلة وأبحاث متصلة. ولقد تساءل بعضهم عن السبب الرئيسي في انتشار صناعة النحاس المحفور ببلاد ما بين النهرين ولاسيما الموصل. ويوشك أن يكون ذلك من ومجاورة معادن أرغني والخابور بالقرب من مناجم الخابور جبل مغارات الذي يستخرج منه النحاس الخام ويذوب ثم ينقل إلى جميع بلاد آسيا قديماًَ.

وتبين من عرض هذه المصانع بعضها في جانب الآخر أن التزويق المحفور في صور بارزة هو أقدم طرق النقش على المصنوعات النحاسية. أما تنزيل الذهب والفضة فلم يحدث إلا مؤخراً. وقد تغلبت صور البشر والحيوانات في الموصل مما يدل على أن الصناعة فارسية الأصل حفظ فيها الساسانيون تقاليدهم الصناعية التي يرد عهدها كما قال لونكبريه إلى عهد الصور البارزة الآشورية.

وقد ساق البحث المسيو ماكس فان برشم فحلّ الكتابات التي كتبت على أجمل هذه المصنوعات وقسمها قسمين رئيسيين أو مجموعتين أساسيتين إحداهما شرقية انتشرت في خراسان كما انتشرت في الموصل والثانية غربية أي سورية مصرية وهي عبارة عن نحاس صنع في زمن اليوبيين في أوائل القرن الثالث عشر. وكان من غارات المغول أن قطعت زمناً قصيراً سلسلة هذه الأعمال وجاء المماليك في القرنين التاليين فوقوا هذه الصناعة بأعمال اتصل بنا علمها وهي كثيرة. وما صناع الشام ومصر إلا تلاميذ صناع الموصل وبهم تخرجوا.

وإذا بحثنا في القلز (النحاس الأحمر) نذهل من رؤية المصانع المنحطة بجمالها مثل صورة العنقاء في بيز التي جلبت من مصر على عهد الصليبيين وصورة الأيل من صنع الفاطميين الموجود في متحف امة في ميونيخ والجواد المحفوظ في متحف قرطبة والطسوت المعمولة على شكل الأوز والمباخر على شكل الببغاء المحفوظة في متحف اللوفر. وما أعجب مصابيح المساجد المصنوعة من القلز والحديد كالتي لا تزال محفوظة في المتحف الأثري في مدريد وقد جيء بها من غرناطة ومثل الموجودة في دارة الآثار العربية بالقاهرة المأخوذة من جامع السلطان حسن وكثير أمثالها.

أما الأسلحة فلم يجر حتى الآن تنظيم تاريخها ولم يذكر هذا المختصر الذي نحن بصدده سوى إشارات موجزة بشأنها. ويرجى أن يطلعنا المسيو موزر ذات يوم على ما وقف عليه وجمعه من الإيضاحات بشأن صنع الفولاذ فتكون أعماله مساعدة لنا على تنظيم المعلومات المبهمة التي حصلنا عليها حتى الآن. ولطالما تكلم الناس عن فولاذ دمشق لغرابة سقايته. ولما أرسل السلطان بيبرس من سلاطين المماليك هدايا سياسية على باراق سلطان المغول في تركستان لبعث إليه بأسلحة دمشقية. ولما استولى تيمورلنك على دمشق أخذ معه إلى سمرقند صناع الفولاذ الدمشقي. وقد كان في القاهرة في شارع النحاسين الحالي بين القصرين سوق للسلاح رائجة كثيراً إلا أننا لا نعلم شيئاً عن أصل الأسلحة التي كانت تباع فيها. وليس ثمة ما يدل على أنه كان في مصر معامل لصنع نصال الفولاذ وربما كانت تصنع فيها مقابض السيوف وأغمادها ويصلحونها على النحو الذي اختاروه وهذا عمل غير عمل نصال الفولاذ ويجب أن يميز عند تنسيق هذه الآثار في المستقبل بين معالم صنع النصال ومعامل تركيبها. ولم يتعرض لذلك كتاب الوجيز ولا يستطيع أن يتكلم الآن إلا على المعامل المتأخرة. ومع هذا فقد توصل المسيو بوتين بعد البحث في المقابلة بين الصنال إلى أن المعمول منها في دمشق هو مزيج من الحديد والفولاذ وأنه في الأغلب من سكب بلاد الفرس وإذا كانت النصال في الهند ذات لمعة بذوبانها فهي منقوشة بالطرق. وقبل الفتح العربي كانت طليطلة في إسبانيا مشهورة بسقي نصالها. وفتح عبد الرحمن الثاني معملاً لها (822 ـ 852) ولم يبق ولا حسام إسباني مغربي من قبل القرن الخامس عشر وما بقي منها مما يرد صنعه إلى ذاك العهد جيء به من غرناطة وتاريخ الأسلحة في بلاد فارس والمملكة العثمانية غريب والمعلومات عنه أغرب. وكنا نود أن تكون أغزر مما وصلنا ولكن تاريخ الأسلحة كما قلت سابقاً لم يوضع بعد.

يعرف من يسيحون في الشرق اسم الخنجر والقامة ومع هذا لا تجد لها ذكراً بين الأسلحة العثمانية والفارسية. ولم يقولوا كلمة عن الزمان والمكان الذي استعيض فيه عن السيف القديم المستقيم بنصل معوج. وإن أسنة لارماح والبنادق والطبنجات وقطع الخيل (كوباناتها) على خطارتها عند الساسانيين والمصورين بالخطوط اللطيفة من الفرس مما بقي كثير من أمثالها في طي الخفاء قد كان يرجى أن نعرف عنها شيئاً يركن إليه لخطارتها وفائدتها للتاريخ على أنه قد أطيل البحث في صنع الأواني الخزفية وهي صناعة جديرة بأن يفاخر بها. أصلها من فارس وإن لم يذكر المسيو ميجون ذكراً تاماً. وتدل مصانع الأخمانيين في سوس على ذلك دلالة صريحة وربما كانت هذه المصانع موروثة لهم عن الصنائع الآشورية.

وتمتاز مساجد وارمين وأصفهان بما جعل على جدرانها من الطلاء الذي يعكس أشعة ذهبية ولكنها عبارة عن قشرة رقيقة من النحاس. ولقد جلبت المربعات الموضوعة للزينة من مساجد سيدي عقبة في القيروان من مدينة بغداد (وهي المدينة التي أنشأهنا العباسيون بتأثيرات فارسية وكان الفرس الذين أتى بهم أبو مسلم هم سبب رفعتها) جلبها إلى أفريقيا مؤسسة دولة الأغالبة سنة 894 وصنعت معامل مدينة الرقة على الفرات بضع قطع سلمت إلى هذا العهد وكثيراً من بقايا الخزف. وقد الف المسيو فاليس عدة كتب للتوسع في البحث عن الأواني المجلوة في فارس واصلها من الري التي كانت تعرف قديماً باسم راجيس. وإذ كثر البحث في هذا الموضوع ساغ لنا أن نبين تاريخ حدوث هذه الصناعة فقد ذكر أحد الباحثين في هذا الشأن واسمه المسيو أوتوفون فالك في كتابه صناعة الكاشاني القديم أن ألواح الزجاج الملونة البراقة التي بقيت من القرن الثلاث عشر في إيران هي دهان على سطح مستو وإن المصفحات التي كتبت عليها كتابات بارزة لم تظهر إلا في القرن الرابع عشر. ودامت صناعة التلميع خلال القرون الثلاثة التالية وبلغت درجة من التفنن غريبة. وإن طبخ بعض القطع برفع الحرارة فيها إلى درجة عالية قد جعلها كالصيني على ما يتجلى ذلك فيها. وقد بدت على عهد المغول تأثيرات الصناعة الصينية فانتشرت صور التنين وأبي الهول وغصن الخوخ وهو مزهر وكل ذلك من أصل صيني. دلنا ما عثر عليه في مصر في سهل الفسطاط أو مصر العتيقة على ما كانت عليه صناعة الخزف على عهد الفاطميين. وأصل نقوشها على الأقل فارسية وإن كان صنعها يختلف على أن المواد الأولية هي من مصر نفسها. وقد أثبت الرحالة ناصر خسرو أمراً غريباً من الأواني الخزفية ذات الألوان المتغيرة التي شاهدها في القاهرة وهذه الألوان هي من صفات الكاشاني الذي يلمع كحد النصال وعليه فيفهم من ذلك أن نظر هذا السائح الفارسي لم يقع في بلاده على ما يماثلها ون ما وجد منها في الري لا يرتقي عهده في الحقيقة إلا إلى أواخر القرن الثاني عشر. على أن ناصر خسرو رحل في الحادي عشر. وتوجد في هذا النوع صناعة شامية مصرية.

وفي داخل مساجد السلجوقيين في قونية وكلها من القرن الثلاث عشر صور متأنق في صنعها من المربعات على الكاشاني. وكان محمد بن عثمان المعلم الذي كسا الحوائط بهذا النوع من الفسيفساء (أي الخزف المطلي والكاشاني المقطع) في مدرسة صرت شالو في مدينة طوس في خراسان وهي المدينة التي أصبحت مدينة المشهد وبقي من ذاك العهد هذا الضرب من الزينة في بورصة والأستانة من البلاد العثمانية.

بدء بالبحث في الكاشاني الإسباني المغربي منذ عهد طويل وفي سنة 1844 أظهره ريو كرو أمين متحف السيفر للمرة الأولى. أما اليوم فقد أثبت تاريخه أحسن ثبوت. والظاهر أن هذه الصناعة جاءت من بغداد. وربما كان ذلك عن طريق القيروان لا تواً وتعد أواني قصر الحمراء من بدائع صناعة مالقة. ويظهر أنها نشأت في القرن الرابع عشر وهو العهد الذي زار ابن بطوطة في هذه المدينة المعامل التي كانت تصنع فيها الأواني الخزفية الجميلة أو الصيني المذهب. والزينة بتصوير الوعول تدل على بقاء شكل قديم لا يتأتى صدوره إلا من الشرق.

أما صناعة الأقداح المزينة بالمينا فلا يليق إغفال الكلام عليها لخطرها. وقد كانت هذه النموذجات من الأقداح في أوائل الفتوحات العربية تستعمل للعيار على صورة أقراص المعجون الكبير كتبت عليها التواريخ ودرسها المسيو كازانوفا للوقوف على حقيقتها. ثم أنك تجد أكواباً ملونة بضروب الألوان كقوس قزح لطول بقائها في الأرض. وربما اختلطت أحياناً بالأكواب القديمة والأكواب التي نقشت عليها صور مطبوعة يرغب فيها أرباب الفن رغبة خاصة مثل الكأس الصغيرة المرسوم عليها أسود ووعول وقد اقتناها مؤخراً متحف اللوفر. وتشير الأقداح المزينة بالمينا ولاسيما مصابيح المساجد المصنوعة من الزجاج التي ربما كانت مأخوذة عن مملة الروم البيزنطية إلى مهارة صناعها الغريبة على حين تدل مادة الزجاج المملوءة بالفقاقيع والعيوب على أنها ما كانت بجودتها ابداً من الطراز الأول. ومن هذه المصابيح مجموعة فيها ستون قطعة في متحف الآثار العربية في القاهرة وهي أتم مجموعة وجدت.

ومن المحتمل أن هذا الزجاج لم يصنع في مصر حيث اخترع الزجاج على قول سياح الروم. وتكلم مؤلفو العرب على زجاج صور وذكر الرحالة بنيامين دي توديل أيضاً شيئاً عنها وقال أنه صادف أيضاً عشرة معامل للزجاج في إنطاكية كما قال يعقوب دي فيتري أنه رأى منها في عكا. وقد نقلت هذه الصناعة من صور إلى دمشق وفيها رأى الرحالة بوجيبومي سنة 1346 معامل الزجاج تشغل على طول المسجد الأموي وقد أخذ تيمورلنك صناع الزجاج إلى سمرقند كما فعل بصناع الفولاذ. وأثبت كتاب العرب والفرس أنه كان في حلب والعراق معامل للزجاج أيضاً.

يتبين من الأقمشة العربية أنها كنت بديء بدء مصنوعة على طراز ساساني أو قبطي أو رومي ويستفاد من حفريات الصنا أن الأقمشة الرومية والقبطية طارت كلها شيئاً واحداً بعد وكان التأثير الساساني فيها مستحكماً فإن صور الحروب والصيود وصور الفرسان الذين يعدون مسرعين ويرمون الأيائل والظباء بالنشاب هي من الكتابات الفارسية. وقد امتلأت ذخائر كنائسنا بقطع من الأقمشة بقيت زماناً لم تعرف البلد التي صنعت فيه وما هي في الحقيقة إلا من صنع الشرق في القرون الوسطى. ثم اشتهرت فارس بعد حين بالأطلس والمخمل (القطيفة) المقطع وقد رسمت عليه صور أشخاص وسط الأزاهير المتكاثفة واشتهرت مدينة كاشان بصنع الاستبرق والحبر.

ولما فتح السلطان سليمان طوريس أخذ نساج الحرير إلىالبلاد العثمانية وأنشؤا فيها معامل صنعت هذه الأقمشة الحريرية والمخمل الكتب واشتهرت باسم حرير بورصة. وانتقلت هذه المصنوعات من آسيا الصغرى إلى البندقي وفلورنسة وجين وفرنسا ولم يعودوا يرسمون عليها صور أشخاص واقتصر في تزيين الأقمشة على الأزهار جعلوها بلا معنى وضعي كما في قطع الأواني الخزفية ويستفيد مما قاله عماري (العالم الإيطالي) أنه كان في صقلية قبل الفتح النورماندي فندق فرش بالوشي وكان ملاصقاً لقصر الأمراء الذين كانوا يحكمون على الجزيرة باسم الفاطميين. ودعت حملات روجر الثاني على بلاد اليونان إلى أن يجلب معه إلى بلومة صناع الحرير واسم مانيانري الذي يطلق بالإفرنسية على معامل الحرير جاءنا في الأصل من مدينة مان إحدى مدن جنوبي بلاد المورة اليونانية.

ولما غلب هرقل خسرو الثاني عثر الجيش الروماني في قصر يزدجرد (داسكارات الملك) على طنافس مطرزة بالإبرة ووقع في أيدي العرب عندما فتحوا المدائن بسط منسوجة بالذهب والفضة ومرصعة بالأحجار الكريمة. ويعتقدون أن البسط ذات الوبر الكبير من أصل فارسي ومن فارس يجب أن تطلب إلا أنه لم يبق شيء من تلك العصور المتوغلة في القدم. ولأجل تنسيق تاريخ البسط رأوا أن يرتبوها بحسب أشكالها والتواريخ التي اهتدي إليها من صور أساليب التصوير الفلامندي والهولاندي والإيطالي. واخترع هذه الطريقة البديعة المسيو لسينج سنة 1877 وكانت أوروبا إذ ذاك غاصة بالبسط التي تجلبها البندقية وبروج فافتتن المصورون بلطافة ألوانها وجودة نقشها وبادروا إلى إدخالها في نقوشهم ورسومهم. ويظهر أن البساط القديم المزين بالصور على أسلوب بديع الذي دخل مؤخراً في ملك متحف الإمبراطور فريدريك في برلين واهتم به كل من المسيو كاراباسيك والمسيو ريجل كان أصله من قونية من مخلفات سلاطين السلجوقيين الذي حكموا فيها فهو مما صنع في القرن الثالث عشر. أما البسط العجمية المرسوم عليها صور الطيور فإنها من بدائع ما حاكه كبار صُنع الأيدي. وكذلك الحال في البسط المنقوشة بالأزهار الكبيرة ومصابيح المساجد والأواني فإنها تؤلف طبقة بديعة أيضاً وعلى العكس في البسط المزينة بصورة مهندسة فإنها من مصنوعات آسيا الصغرى وما زالت إلى اليوم كل من مدينتي جورودس وعشاق من مراكزها العظيمة.

وبعد فهل من الممكن أن نشير إلى ما أثرته الصناعة الإسلامية في صنائع الغرب. نعم إذا أريد بذلك جمع الصنائع الماضية صبرة واحدة وتوحيدها كلها معاً على محو ما كانت على عهد الفتح العربي وكما يحدث أبداً عندما تنشأ ممالك كبيرة متسعة. وإذ بدل هذا الفتح وجه الشرق كان الداعي إلى اختلاط آسيا العليا بالغرب في عدة أماكن. وإنك لتجد النقوش المسماة (هوم) بلا داع وقد رسمت عليها الشجرة المقدسة أو حياة الآشوريين على نحو ما اقتبسها الساسانيون سواء كانت وحدها أو جعل على جانبيها حيوانات قائمة أو رابضة وكذلك الطريقة القديمة في صراع الحيوانات.

ولقد كانت سفن العرب تتقدم إلى البحر الأتلانتكيكي منذ عهد الأسرة الكاروتنجية فحملت نقود الأمويين بواسطة الصلات التجاري إلى روسيا وبولونيا والدانيمرك والسويد ووجدت أنسجة مكتوب عليها كتابات كوفية محرفة في أطر أبواب الكنائس في نوتردام في بوي نفالي وفي كنيسة فوت شيهان الفرنسويتين وعلى كثير من المصانع وفي بعض المحال كما عثر على مثل ذلك في أبراج كاتدرائية شارتر وتقل المصورون بعض الصور الشرقية بالحرف.

يرى المسيو ميجون أن يدرس صناعنا تلك الصنائع لأنها بقوة جمال أشكالها ودقة وضعها وصنعها المعقول ولمعان ألوانها ليس لها ما يشبهها بكثرة الصور واللطف السامي. وقد جرب بعضهم تقييد تلك الصنائع فأفلحوا في اقتباسها على نحو ما فعلوا في قباب زاوية قصر المعرض العام سنة 1889 فوضعوا فوق الحديد الذي يحول بين الأقسام واتخذوه حيطاناً مصفحات من الكاشاني ذي النقوش الفارسية فكانت بذلك أو تجربة نجحت في هذا السبيل.

كان بذخ ملوك المسلمين من الدواعي للصناع أن يرقوا الأساليب التي كانوا يأخذونها تقليداً عن أجدادهم شفاهاً فجددوها وتفننوا فيها فارتقت مع عدة أشكال قديمة بعضها من أصل بيزنطي وهي وارثة اليونان ورومية والآخر ساساني من أخلاف الدولة الأخمانية ولا سيما (في الأمور الصناعية) أو آشوري أو بابلي. ارتقت عدة فروع من الصنائع الإسلامية المنوعة الأساليب وهي ليست من أصل بيزنطي ولا فارسي فيفضل بعضهم التزيين المهندس أو النقوش التي تجعل على هيئة النباتات والأوراق وهو النمط الوحيد الذي بقي في الحقيقة حيث تأصل مذهب أهل السنة. ويمزج بعضهم فيه صور حيوانات ذات روح وهذه ينبغي نسبتها في أكثر الأحوال إلى تأثير فارس. ومن درس الصنائع القابلة للتشكل والتحول كالهندسة والصنائع اليدوية تتمثل لعينيه القرون الوسطى في الشرق بما أتى به من تمدنه الخاص وما هو إلا مثال المجتمع الذي أوجده القرآن في صورة ظاهرة مؤثرة. فإذا أضيفت إلى ذلك أقوال المؤرخين والجغرافيين لا تلبث أن تطلع على هذا النظام الاجتماعي الذي يختلف من عدة وجوه عن نظامنا وكان ثقلاً على أوروبا كما كان صلة بين العصور القديمة والعصور الحالية.