مجموعة الرسائل والمسائل/أهل الصفة وأباطيل بعض المتصوفة فيهم

مجموعة الرسائل والمسائل
أهل الصفة وأباطيل بعض المتصوفة فيهم
ابن تيمية

محتويات

أهل الصفة

(وأباطيل بعض المتصوفة فيهم وفي الأولياء وأصنافهم والدعاوى فيهم)

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم في أهل الصفة كم كانوا؟ وهل كانوا بمكة أو بالمدينة؟ وأين موضعهم الذي كانوا يقيمون به؟ وهل كانوا مقيمين بأجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة أو كان منهم من يقعد بالصفة ومنهم من يتسبب في القوت؟ وما كان تسببهم هل يعملون بأبدانهم أم يشحذون بالزنبيل؟

وما قول العلماء وفقهم الله تعالى فيمن يعتقد أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع المشركين؟ وفيمن يعتقد أن أهل الصفة أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن الستة الباقين من العشرة وأفضل من جميع الصحابة؟ وهل كان فيهم أحد من العشرة؟ وهل كان أحد في ذلك العصر ينذر لأهل الصفة؟ وهل تواجدوا على دف أو شبابة أو كان لهم حاد ينشد لهم أشعارا ويتحركون عليها بالتصدية ويتواجدون؟

وما قول العلماء في قوله تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " هل هي عامة أم مخصوصة بأهل الصفة رضي الله عنهم؟ وهل هذا الحديث الذي يرويه كثير من العوام ويقولون إن رسول الله ﷺ قال: " ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله لا الناس تعرفه ولا الولي يعرف أنه ولي " وهل تخفى حالة الأولياء أو طرقهم على أهل العلم أو غيرهم؟ ولماذا سمي الولي وليا؟ وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة والفقراء الذين أوصى الله عليهم في كلامه وذكرهم خاتم أنبيائه ورسله وسيد خلقه محمد ﷺ في سنته؟ هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا؟ والحديث المروي في الأبدال هل هو صحيح أم مقطوع؟ وهل الأبدال مخصوص بالشام أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم؟ وهل صحيح أن الولي يكون قاعدا في جماعة ويغيب جسده.

وما قول السادة العلماء في هذه الأسماء التي تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب، وهذا قطب العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء؟

وأيضا فما قول العلماء في هؤلاء القلندرية الذين يحلقون ذقونهم ما هم؟ ومن أي الطوائف يحسبون؟ وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله ﷺ أطعم شيخهم قلندر عنبا وكلمه بلسان العجم؟ وهل يحل لمسلم يؤمن بالله تعالى أن يدور في الأسواق والقرى ويقول من عنده نذر للشيخ فلان أو لقبره؟ وهل يأثم من يساعده أم لا؟ وما تقولون فيمن يقول إن الست نفيسة هي باب الحوائج إلى الله تعالى وأنها خفيرة مصر؟ وما تقولون فيمن يقول إن بعض المشايخ إذا قام لسماع المكاء والتصدية يحضره رجال الغيب وينشق السقف والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم، وفيهم من يعتقد أن رسول الله ﷺ يحضر معهم؟ وماذا يجب على من يعتقد هذا الاعتقاد؟ وما صفة رجال الغيب وما قول من يقول إنه من خفراء التتار؟ وهل يكون للتتار خفراء أم لا؟ وإذا كانوا فهل يغلب حال هؤلاء خفراء الكفار كحال خفراء أمة النبي ﷺ.

وهل هذه المشاهد المسماة باسم أمير المؤمنين علي وولده الحسين رضي الله عنهما صحيحة أم مكذوبة؟ وأين ثبت قبر علي ابن عم رسول الله؟

والمسؤول من إحسان علماء الأصول كشف هذه الاعتقادات والدعاوي والأحوال كشفا شافيا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. والحالة هذه. أفتونا مأجورين أثابكم الله.

أجاب: رضي الله عنه وأرضاه. آمين:

الصفة وأهلها والمهاجرون وأحكامهم

الحمد لله رب العالمين: أما الصفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي ﷺ فكانت في مؤخر مسجد النبي ﷺ في شمال المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه. وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن به من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار عز ومنعة، جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة، وكان المؤمنون السابقون بها صنفين: المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر، وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس، وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم وكل هذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم قال الله تعالى: " إن الذين آمنوا وهاجوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا. وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم " فهذا في السابقين.

ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال: " والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم " وقال تعالى: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه " الآية. [1] وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة وممن حولها. وقال تعالى: " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله غفورا رحيما ".

فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم، وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم، وكان النبي ﷺ قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم، ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئا بعد شيء فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه والنبي ﷺ يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطنا وتارة ظاهرا فقط ويكثر المهاجرون، إلى المدينة من الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب. فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجيء ناس بعد ناس وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون، فتارة يكونون عشرة أو أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين.

عدد أهل الصفة وتاريخهم

وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك. جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ولم يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة، وكان معتنيا بجمع أخبار النساك والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع أخبار زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا. والصوفية المستأخرون بعد القرون الثلاثة، وجمع أيضا في الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب. وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير ويروي أحيانا آثارا ضعيفة بل موضوعة يعلم أنها كذب.

أبو عبد الرحمن السلمي مصنف الصوفية

وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه وكان البيهقي إذا روي عنه يقول: حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعالى تعمد الكذب، لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البنان والفضيل بن عياض وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السنجي ونحوهما.

وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير. وفيه أحيانا من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعا مصدره مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعا من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو.

والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة، وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمة وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ويوجد أحيانا عندهم من جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير، ومن له من الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون بها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس.

فصل في حال أهل الصفة

وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء، فقال: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لك ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير " إلى قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا " وقال في أهل الفيء: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ".

الاكتساب ومتى يباح السؤال

وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله.

وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي ﷺ بما يكون عنده فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق.

تحريم السؤال (الشحاذة)

وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي ﷺ حرمها على المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل - إذا كان لا بد سائلا - الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك، ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقا حتى كان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول لأحد ناولني إياه، وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام للعلماء لا يسعه هذا الكتاب مثل قوله ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل له ولا مشرف فخذه ومالا فلا تتبع نفسك ". ومثل قوله: " من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ما أعطي أحد عطاء خيرا أوسع من الصبر ". ومثل قوله: " من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشا أو خموشا أو كدوشا في وجهه ". وقوله: " لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ". إلى غير ذلك من الأحاديث.

وأما الجائز منها فمثل ما أخبر الله عز وجل عن موسى والخضر أنهما أتيا أهل قرية استطعما أهلها، ومثل قوله: " لا تحل المسألة إلا لذي ألم موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع "، ومثل قوله لقبيصة بن مخارق الهلالي: " يا قبيصة لا تحل المسألة إلا لثلاثة، رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فسأل حتى يجد سدادا من عيش وقواما من عيش ثم يمسك، ورجل يحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته ثم يمسك وما سوى ذلك من المسألة فإنما هو سحت أكله صاحبه سحتا ".

ولم يكن في الصحابة لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس والإلحاف بالمسألة بالكدية والمشاحذة - لا بالزنبيل ولا غيره - صناعة وحرفة بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك، كما لم يكن في الصحابة أيضا أهل فضول من الأموال يزكون لا يؤدون الزكاة ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا يعطون في النوائب بل هذان الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر من مانعي الحقوق الواجبة والمعتدين حدود الله في أخذ أموال الناس كانا معدومين في الصحابة المثني عليهم.

فصل في تبرئة الصحابة من قتال المؤمنين مع الكفار

من توهم أن أحدا من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو التابعين أو تابع التابعين قاتل مع الكفار أو قاتلوا مع النبي ﷺ أو أصحابه أو أنهم كانوا يستحلون ذلك أو أنه يجوز ذلك فهذا ضال غاو بل كافر يجب أن يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا قتل " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ".

بل كان أهل الصفة ونحوهم كالقراء الذين قنت النبي ﷺ يدعو على قتلهم هم من أعظم الصحابة إيمانا وجهادا مع رسول الله ﷺ ونصرا لله ورسوله كما أخبر الله عنهم بقوله: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون لله ورسوله أولئك الصادقون ". وقال: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار " وقال: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ".

وقد غزا النبي ﷺ غزوات متعددة وكان القتال منهم في تسع مغاز مثل بدر وأحد وخيبر وحنين، وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا ثم عادوا يوم حنين ونصرهم الله ببدر وهم أذلة، وحصروا في الخندق حتى دفع الله عنهم أولئك الأعداء وفي جميع المواطن كان يكون المؤمنين من أهل الصفة وغيرهم مع النبي ﷺ لم يقاتلوا مع الكفار قط.

أهل الصفة وضلالات المتصوفة فيهم

وإنما يظن هذا ويقوله من الضلال والمنافقين قسمان:

قسم منافقون، وإن أظهروا الإسلام وكان في بعضهم زهادة وعبادة، يظنون أن إلى الله طريقا غير الإيمان بالرسول ومتابعته وأن من أولياء الله من يستغني عن متابعة الرسول كاستغناء الخضر عن اتباع موسى وفي هؤلاء من يفضل شيخه أو عالمه أو ملكه على النبي ﷺ إما تفضيلا مطلقا أو في بعض صفات الكمال وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم فإن الله بعث محمدا ﷺ إلى جميع النقلين إنسهم وجنهم، زهادهم وملوكهم وموسى عليه السلام إنما بعث إلى قومه لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر اتباعه بل قال له: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من الله تعالى علمكه الله لا أعلمه. وقد قال النبي ﷺ: " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". وقال الله تعالى: " يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض " وقال تعالى: " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ".

كون توحيد الربوبية يجتمع مع الشرك وتعطيل الشرع

والقسم الثاني: من يشاهد ربوبية الله تعالى لعباده التي عمت جميع البرايا ويظن أن دين الله الموفقة للقدر سواء كان ذلك في عبادة الأوثان واتخاذ الشركاء والشفعاء من دونه وسواء كان فيه الإيمان بكتبه ورسله والإعراض عنهم والكفر بهم وهؤلاء يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض وبين المتقين والفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويجعلون الإيمان والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق والعصيان وأهل الجنة كأهل النار وأولياء الله كأعداء الله، وربما جعلوا هذا من باب الرضا بالقضاء وربما جعلوه التوحيد والحقيقة، بنوا على أنه توحيد الربوبية الذي يقربه المشركون وأنه الحقيقة الكونية، وهؤلاء يعبدون الله على حرف فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة، وغايتهم يتوسعون في ذلك حتى يجعلوا قتال الكفار قتال الله وحتى يجعلوا

أعيان الكفار والفجار والأوثان من نفس الله وذاته، ويقولون ما في الوجود غيره ولا سواه، بمعنى أن المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع، وقد يقولون: " لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء " ويقولون: " أنطعم من لو يشاء الله أطعمه " إلى نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي شر من مقالات اليهود والنصارى بل ومن مقالات المشركين والمجوس وسائر الكفار من جنس مقالة فرعون والدجال ونحوهما ممن ينكر الصانع الخالق البارئ رب العالمين أو يقولون إنه هو أو إنه حل فيه.

وهؤلاء كفار بأصل الإسلام، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن التوحيد الواجب أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا فلا نجعل له ندا في ألوهيته ولا شريكا ولا شنيعا، فأما توحيد الربوبية وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء فهذا قد قاله المشركون الذين قال الله فيهم " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون "، قال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره. وقال تعالى: " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله " " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون الله فأنى تسحرون ".

فالكفار المشركون مقرون بأن الله خالق السموات والأرض وليس في جميع الكفار من جعل لله شريكا مساويا له في ذاته وصفاته وأفعاله، هذا لم يقله أحد قط لا من المجوس الثنوية ولا من أهل التثليث ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة ولا من عباد الأنبياء والصالحين ولا من عباد التماثيل والقبور وغيرهم فإن جميع هؤلاء وإن كانوا كفارا مشركين متنوعين في الشرك فهم يقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته وصفاته وجميع أفعاله ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتخذونها شركاء أو شفعاء - أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب وخالق ذلك الخالق.

التوحيد الذي جاء به الرسل

وقد أرسل الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ". وقال تعالى: " واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ". وقال تعالى: " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ". وقال تعالى: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أني بما تعملون عليم، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ".

وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم: " أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون " فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعتهم والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام فمن لم يؤمن بأن هذا رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته وأن الحلال ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم من يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته إما عموما وإما خصوصا ويجوز إعانة الكفار والفجار على إفساد دينه وشرعته.

ويحتجون بما يفترونه أن أهل الصفة قالوه وأنهم قالوا نحن مع الله من كان مع الله كنا معه يريدون بذلك الحقيقة الكونية دون الأمر والحقيقة الدينية ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار ويخفرهم بهمته وقلبه وتوجهه من ذوي الفقر، ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله وأن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم، وكل هذا ضلال وباطل وإن كان لأصحابه زهد وعبادة فهم في العباد، مثل أوليائهم في الأجناد فإن للمرء على دين خليله والمرء مع من أحب هكذا قال النبي ﷺ.

كثرة العبادة تجتمع مع الكفر ومع البدعة

وقد جعل الله والمؤمنين بعضهم أولياء بعض والكافرون بعضهم أولياء بعض، وقد أمر النبي ﷺ بقتال المارقين من الإسلام مع عبادتهم العظيمة الذين قال فيهم " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فإن في قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب لما خرجوا عن شريعة رسول الله ﷺ وسنته وفارقوا جماعة المسلمين، فكيف بمن يعتقد أن المؤمنين كانوا يقاتلون النبي ﷺ.

ومثل هذا ما يرويه بعض هؤلاء المفترين أن أهل الصفة سمعوا ما خاطب الله به رسوله ليلة المعراج وأن الله أمره أن لا يعلم به أحدا فلما أصبح وجدهم يتحدثون به فأنكر ذلك فقال الله له أنا أمرتك أن لا تعلم به أحدا لكن أنا الله أعلمتهم - إلى أمثال هذه الأكاذيب التي هي من أعظم الكفر وهي كذب واضح فإن أهل الصفة لم يكونوا إلا بالمدينة ولم يكن بمكة أهل صفة، والمعراج إنما كان من مكة كما قال سبحانه وتعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ".

ومما يشبه هذا من بعض الوجوه رواية بعضهم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: كان النبي ﷺ يتحدث هو وأبو بكر وكنت كالزنجي بينهما، وهذا من الإفك المختلق، ثم إنهم مع هذا يجعلون عمر الذي سمع كلام النبي ﷺ وصديقه وهو أفضل الخلق بعد الصديق لم يفهم ذلك الكلام بل كان كالزنجي ويدعون أنهم هم سمعوه وعرفوه، ثم كل منهم يفسره بما يدعيه من الضلالات الكفرية التي يزعم أنها علم الأسرار والحقائق إما الاتحاد وإما تعطيل الشرائع.

كفر الباطنية

ونحو ذلك مثلا ما يدعي النصيرية والإسماعيلية والقرمطية والباطنية الثنوية والحاكمية وغيرهم - من الضلالات المخالفة لدين الإسلام ما ينسبونه إلى علي بن أبي طالب أو جعفر الصادق أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت والجدول والجفر وملحمة بن عقب وغير ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة وكل هذا باطل، فإنه لما كان لآل رسول الله ﷺ به اتصال النسب والقرابة، وللأولياء والصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة، صار كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته وأهل موالاته ومتابعته وصار كثير من الناس يغلو إما في قوم من هؤلاء أو من هؤلاء حتى يتخذهم آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم من شريعة النبي ﷺ وسنته وحتى يخالف كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن أهل الموالاة والمتابعة وهذا كثير في أهل الضلال.

فصل في خطأ تفضيل أهل الصفة على العشرة

وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفا ومرفوعا وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلي وكذلك سائر أهل الشورى مثل طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة وقد قال الله تعالى في كتابه: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " ففضل السابقين قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأنفسهم وأموالهم على التابعين بعدهم وقال الله تعالى: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعوك تحت الشجرة " وقال تعالى: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ".

وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم وهؤلاء الذين فضلهم الله ورسوله فمنهم من هو من أهل الصفة، والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة إلا سعد بن أبي وقاص فقد قيل إنه أقام بالصفة مرة، وأما أكابر المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة ومثل سعد ابن معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر وأبي أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ونحوهم لم يكونوا من أهل الصفة بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين، والأنصار كانوا في ديارهم ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم.

فصل في سماع المتصوفة والروايات المكذوبة

وأما سماع المكاء والتصدية وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية سواء كان بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله أحد من الصحابة لا من أهل الصفة ولا من غيرهم ولا من التابعين بل القرون الثلاثة المفضلة التي قال فيها النبي ﷺ: " خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " لم يكن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب.

وإنما كان السماع الذين يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذي كان الصحابة من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم يقرأ والباقي يستمعون وقد روي أن النبي ﷺ خرج على أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون وكل من نقل أنهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب أو أنهم لما أنشد بعض القصائد تواجدوا على ذلك أو أنهم مزقوا ثيابهم أو أن قائدا أنشدهم:

قد لسعت حية الهوى كبدي... فلا طبيب لها ولا راقي

إلا الطبيب الذي شغفت به... فعنده رقيتي وترياقي

أو أن النبي ﷺ لما قال: " إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم " أنشدوا شعرا وتواجدوا عليه فكل هذا وأمثاله كذب مفترى وكذب مختلق باتفاق أهل الآفاق من أهل العلم وأهل الإيمان لا ينازع في ذلك إلا جاهل ضال وإن كان قد ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل العلم والإيمان.

فصل في الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي

وأما قوله: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف مثل الذين يصلون الفجر والعصر في جماعة فإنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي وجهه سواء كانوا من أهل الصفة أو غيرهم، أمر الله نبيه بالصبر مع عباد الله الصالحين الذين يريدون وجهه وأن لا تعدو عيناه عنهم " تريد زينة الحياة الدنيا " وهذه الآية في الكهف وهي سورة مكية وكذلك الآية التي هي في سورة الأنعام " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ".

وقد روي أن هاتين الآيتين نزلتا في المؤمنين المستضعفين لما طلب المستكبرون أن يبعدهم النبي ﷺ فنهاه الله تعالى عن طرد من يريد وجهه وإن كان مستضعفا ثم أمره بالصبر معهم وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة وقبل وجود الصفة لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل الصفة وغيرهم.

والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذي هم أولياء الله وإن كانوا فقراء ضعفاء فلا يتقدم أحد عند الله تعالى بسلطانه وماله، ولا بذله وفقره، وإنما يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح، فنهى الله سبحانه وتعالى أن يطاع أهل الرئاسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفا أو فقيرا وأمره أن لا يطرد من كان منهم يريد وجهه وأن يصبر نفسه معهم في الجماعة التي أمر الله فيها بالاجتماع بهم كصلاة الفجر والعصر ولا يطيع أمر الغافلين عن ذكر الله المتبعين لأهوائهم.

فصل في أكاذيب المتصوفة عن الأولياء

وأما الحديث المروي " ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله " فمن الأكاذيب ليس في دواوين الإسلام وكيف والجماعة قد تكون كفارا وفساقا يموتون على ذلك.

فصل في معنى الولي والولاية لله

وأولياء الله تعالى هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما ذكر الله ذلك في كتابه وهم قسمان المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون فولي الله ضد عدو الله قال الله تعالى: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون ".

وقال الله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - إلى قوله - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ".[2] وقال: " لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ". وقال: " ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ". وقال: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ".

وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: " يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يسعى ".

تفسير الولي والولاية لله

والولي: من الولي وهو القرب، كما أن العدو من العدو، وهو البعد فولي الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته وتقرب إليه بما أمر به من طاعاته وقد ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح الصنفين المقتصدون أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله تعالى بالواجبات والسابقون المقربون وهم المتقربون بالنوافل بعد الواجبات. وذكرهم الله في سورة فاطر والواقعة والإنسان والمطففين وأخبر أن الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه يمزج لأصحاب اليمين. والولي المطلق هو من مات على ذلك، فأما إن قام به الإيمان والتقوى وكان في علم الله تعالى أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه وليا لله أو يقال لم يكن وليا لله قط لعلم بعاقبة هدايته؟ قولان للعلماء.

وكذلك عندهم الإيمان الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط من الأعمال بعد كماله؟ أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب الشمس في صيامه ومن أحدث قبل السلام في صلاته أيضا؟ فيه قولان للفقهاء المتكلمين والصوفية والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.

وكذلك يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم، لكن أكثر أصحاب أبي حنيفة لا يشترطون سلامة العاقبة، وكثير من أصحاب مالك والشافعي شرط سلامة العاقبة، وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث كالأشعري ومن متكلمي الشيعة ويبنون على هذا النزاع هل ولي الله يصير عدو الله؟ وبالعكس؟ ومن أحبه الله ورضي عنه هل أبغضه الله وسخط عليه في وقت ما؟ وبالعكس؟ ومن أبغضه الله وسخط عليه هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما؟ على القولين.

والتحقيق - وهو الجمع بين القولين - فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من محبته ورضاه وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير، فمن علم الله منه أنه يوافي حين موته بالإيمان والتقوى فقد تعلقت به محبة الله وولايته ورضاه عنه أزلا وأبدا.

وكذلك من علم الله منه أنه يوافي حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض الله وعدوانه وسخطه أزلا وأبدا ولكن مع ذلك فإن الله يبغض ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته، وقد يقال إنه يبغض ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى ويحب ما يأمر به ويرضاه، وقد يقال إنه يوليه حينئذ على ذلك.

شرط الإيمان والولاية حسن الخاتمة

والدليل على ذلك اتفاق الأمة على أن من كان مؤمنا ثم ارتد فإنه لا يحكم بأن إيمانه الأول كان فاسدا بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام والحج قبل الإكمال وإنما يقال كما قال الله تعالى: " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله " وقال: " لئن أشركت ليحبطن عملك " وقال: " ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون " ولو كان فاسدا في نفسه لوجب أن يحكم بفساد أنكحته المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان عباداته جميعها حتى لو كان قد حج عن غيره كان حجه باطلا، ولو صلى مدة يقوم ثم ارتد كان لهم أن يعيدوا صلاتهم خلفه، ولو شهد أو حكم ثم ارتد أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك، وكذلك أيضا الكافر إذا تاب من كفره ولو كان محبوبا لله وليا له في حال كفره لوجب أن يقضي بعدم إحكام ذلك الكافر وهذه كلها خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.

والكلام في هذه المسألة نظير الكلام في الآجال والأرزاق ونحو ذلك وهي أيضا على قاعدة الصفات الفعلية وهي قاعدة كبيرة وعلى هذا يخرج جواب السائل.

فمن قال: إن ولي الله لا يكون إلا من وافاه حين الموت بالإيمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره، ومن قال قد يكون ولي الله من كان مؤمنا تقيا وأن يعلم عاقبته فالعلم بذلك أسهل ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز التهجم بالقطع على ذلك، فمن ثبتت ولايته لله بالنص وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص، وأما من شاع له لسان صدق من الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك؟ هذا فيه نزاع بين أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك، هذا في الأمر العام.

الولاية لا تقتضي العصمة من الخطأ والذنب

وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما يكشفه الله لهم، لكن ليس هذا مما يجب التصديق العام به فإن كثيرا مما يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا، وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى كاهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد ولهذا وجب عليهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله وأن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله لا يكتفوا بمجرد ذلك، فإن سيد المحدثين المخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان تقع له وقائع يردها عليه رسول الله ﷺ وصديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدث نفسه عن ربه ولهذا أوجب على جميع الخلق اتباع الرسول ﷺ وطاعته في جميع أمورهم الباطنة والظاهرة، ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة لكان مستغنيا عن الرسول في بعض دينه، وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى ومن قال هذا فهو كافر، وقد قال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم " فقد ضمن الله وللرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره: " وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ".

ويحتمل والله أعلم أن يكون هذا الحرف متلوا حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان فأما نسخ ما ألقى الشيطان فليس إلا للأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغون عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان، وغيرهم لا يجب عصمته من ذلك وإن كان من أولياء الله المتقين، فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفورا لهم بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقا، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة وقد قال الله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون، لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين، ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون " فقد وصفهم الله تعالى بأنهم هم المتقون والمتقون هم أولياء الله ومع هذا بأجزائه ويكفر عنهم أسوء الذي عملوا. وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان، وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشايخ ومن يعتقدون أنه من الأولياء، فالرافضة تزعم أن الاثني عشر معصومون من الخطأ والذنب، ويرون هذا من أصول دينهم، والغالية في المشايخ قد يقولون إن الولي محفوظ والنبي معصوم، وكثير منهم لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي لا يخطئ ولا يذنب، وقد يبلغ الغلو بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبي أو أفضل منه، وإن زادوا الأمر جعلوا له نوعا من الإلهية، وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية فإن من النصارى من الغلو في المسيح والرهبان والأحبار ما ذمهم الله عليه في القرآن وجعل ذلك عبرة لنا لئلا نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد آدم: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ".

فصل في أصناف الفقراء والأغنياء وأحكامهم

وأما الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فهم صنفان مستحقو الصدقات ومستحقو الفيء، أما المستحقون للصدقات فقد ذكرهم الله في قوله: " إن تبددوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " وفي قوله: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " وإذ ذكر في القرآن اسم المسكين وحده أو الفقير وحده كقوله: " أو إطعام عشرة مساكين " فهما شيء واحد وإذا ذكرا جمعا فهما صنفان.

والمقصود بهما أهل الحاجة وهم الذين لا يجدون كفايتهم لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه، فمن كان كذلك من المسلمين استحق الأخذ من صدقات المسلمين المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها، وبين الفقهاء نزاع في بعض فروع هذه المسائل معروفة عند أهل العلم.

وضد هؤلاء: الأغنياء الذين تحرم عليهم الصدقة ثم هم نوعان: نوع يجب عليه الزكاة: وإن كانت الزكاة تجب على كل من قد تباح له عند جمهور العلماء. ونوع لا تجب عليه: وكل منهما قد يكون له فضل عن نفقاته الواجبة وهم الذين قال الله فيهم: " ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو " وقد لا يكون له الفضل، وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف فهم أغنياء باعتبار غناهم عن الناس، وهم فقراء باعتبار أنه ليس لهم فضول يتصدقون بها، وإنما يسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التي يحاسبون على مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان هؤلاء وإن لم يكن من أهل الزكاة.

ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم فقد يكونون بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما يقدم أغنياء الأنبياء والصديقين عن السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم، ومن هنا قال الفقراء: ذهب أهل الدثور وبالأجور، وقيل لما ساواهم الأغنياء في العبادات البدنية وامتازوا عنهم بالعبادات المالية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهذا هو الفقير في عرف الكتاب والسنة.

وقد يكون الفقراء سابقين، وقد يكونون مقتصدين ويكونون ظالمي أنفسهم كالأغنياء، وفي كلا الطائفتين المؤمن الصديق، والمنافق الزنديق.

وأما المستأخرون فالفقير في عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو الصوفي في عرفهم أيضا، ثم منهم من يرجح مسمى الصوفي لأنه عنده الذي قطع العلائق كلها ولم يتقيد في الظاهر بغير الأمور الواجبة، وهذه منازعات لفظية اصطلاحية، والتحقيق أن المراد المحمود بهذين الاسمين داخل في مسمى الصديق أو الولي والصالح ونحو ذلك من الأسماء التي جاء بها الكتاب والسنة فمن حيث دخل في الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت به الرسالة.

وأما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلا وليس بفضل أو مما يوالي عليه صاحبه غيره ونحو ذلك من الأمور التي يترتب عليها زيادة الدرجة في الدنيا فهي أمور مهدرة في الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات من الأمور المستحبات، وأما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة في دين الله من أنواع البدع والفجور فيجب النهي عنه كما جاءت به الشريعة.

فصل في الكلام على الأوتاد والأبدال والنجباء، والدليل على بطلانه

وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة فهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله ولا هي أيضا مأثورة عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا لفظ الأبدال فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: " إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال أربعين رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجل " ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب، ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولا عاما وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ وقد قالها إما أثرا لها عن غيره أو ذكرا. وهذا الجنس ونحوه من العلم الذي قد التبس على أكثر المتأخرين حقه بباطله، فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ومن الباطل ما يوجب رده، وصار كثير من الناس فيه على طرفي نقيض قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل، وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق، وإنما الصواب التصديق بالحق والتكذيب بالباطل، وهذا تحقيق بما أخبر به النبي ﷺ من ركوب هذه الأمة سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة، فإن أهل الكتابين لبسوا الحق بالباطل، وهذا هو التبديل والتحريف الذي وقع في دينهم، ولهذا يعتبر الدين بالتبديل تارة وبالنسخ أخرى.

وهذا الدين لا ينسخ أبدا لكن يكون فيه من يدخل فيه من التحريف والتبديل والكذب والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفا عن الرسل، فينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون فبالكتب المنزلة من السماء والآثار من العلوم المأثورة عن الأنبياء يميز الله الحق من الباطل ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.

وبذلك يتبين أن هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقا في كل زمان بل يجب القطع بأن هذا على عمومه وإطلاقه باطل، فإن المؤمنين يقلون تارة ويكثرون أخرى ويقل فيهم السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى وينتقلون في الأمكنة، ليس من شرط أولياء أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل منهم في السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة.

وقد بعث الله رسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة ثم أقل من أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من ثلاثمائة فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد، ومن الممتنع أن يكون منهم من كان في الكفار.

ثم هاجر هو وأصحابه إلى المدينة وكانت هي دار الهجرة والسنة والنصرة، ومستقر النبوة وموضع خلافة النبوة، وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعثمان وعمر وعلي وإن كان علي قد خرج منها بعد أن بويع له فيها، ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم.

ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين من لا يحصي عدده إلا رب العالمين لا يحصون بثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف، ولما انقرضت القرون الثلاثة الفاضلة كان أيضا في القرون الخالية من أولياء الله المتقين بل من السابقين من جعل لهم عددا محصورا لازما فهو من المتظلمين عمدا أو خطأ.

لفظ الغوث وامتناع الاستغاثة بغير الله

وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب، ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر عنهم، ونزول الرحمة بهم، إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين، والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى السبعة والسبعة إلى الأربعة والأربعة إلى الغوث فهو كاذب ضال مشرك فقد كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه " وقال: " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب وهو القائل تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ".

وقال الخليل عليه السلام داعيا لأهل مكة: " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إليك إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ". وقال النبي ﷺ أصحابه لما رفعوا أصواتهم بالتلبية: " أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون سميعا قريبا إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ".

وهذا باب واسع وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا مشايخهم المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم ولا ظاهرا ولا باطنا بهذه الوسائط والحجاب فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسائر ما يقوله الظالمون علوا كبيرا.

التشابه بين الرافضة والباطنية والصوفية

وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به ثم مع هذا يقولون إنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة ولا يعرف له عين ولا أثر ولا يدرك له حس ولا خبر.

الأوتاد والقطب والأبدال

وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والجسد وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان.

وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام بعضهم أنه يقول فلان من الأوتاد ومعنى ذلك أن الله يثبت به من الدين والإيمان في قلوب من يهديهم الله به كما يثبت الأرض بأوتادها وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة، ومن كان دونه كان بحسبه وليس ذلك محصورا في أربعة ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة لقول المنجمين في أوتاد الأرض.

فصل في تفصيل القول في القطب والأبدال

وأما القطب فيوجد في كلامهم أيضا: فلان من الأقطاب وفلان قطب، فكل من دار عليه أمر من أمور الدين والدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ومداره سواء كان الدائر عليه أمر داره أو قرية أو مدينة أمر دينها أو دنياها باطنا أو ظاهرا، ولا اختصاص لهذا معنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر لكن الممدوح من ذلك من كان مدارا لصلاح الدين دون مجرد صلاح الدنيا وهذا هو القطب في عرفهم، وقد يتفق في عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقا.

وكذلك لفظ "البدل" جاء في كلام كثير منهم فأما الحديث المرفوع فالأشبه أنه ليس من كلام النبي ﷺ فإن الإيمان كان بالحجاز واليمن قبل فتوح الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ثم في خلافة علي قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق " فكان علي وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام ومعلوم أن الذين كانوا مع علي من الصحابة مثل عمار وسهل بن حنيف ونحوهما كانوا أفضل من الذين مع معاوية وإن كان سعد بن أبي وقاص ونحوه من القاعدين أفضل ممن كان معهما، فكيف يعتقد مع هذا أن الأبدال جميعهم الذين هم أفضل الخلق كانوا في أهل الشام؟ هذا باطل قطعا، وإن كان قد ورد في الشام وأهله فضائل معروفة فقد جعل الله لكل شيء قدرا.

والكلام يجب أن يكون بالعلم وبالقسط فمن تكلم في الدين بغير علم دخل في قوله: " ولا تقف ما ليس لك به علم " وفي قوله: " وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون " ومن لم يتكلم بقسط وعدل خرج من قوله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء الله " ومن قوله: " وإذا قلتم فاعدلوا " ومن قوله: " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ".

والذين تكلموا باسم البدل أفردوه بمعان منها أنهم أبدال، ومنها أنهم كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا، ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بالحسنات، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا أكثر، ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض، وبهذا التحريز يظهر المعنى باسم النجباء، فالغرض أن هذه الأسماء تارة تفسر بمعان باطلة بالكتاب والسنة وإجماع السلف مثل تفسير بعضهم بأن الغوث هو الذي يغيث الله به أهل الأرض من رزقهم ونصرهم، فإن هذا نظير ما تقوله النصارى في الباب وهو معدوم العين والأثر، وتشبيه بحال المنتظر الذي دخل السرداب من نحو أربعمائة وأربعين سنة، وكذلك من فسر الأربعين الأبدال بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم فذلك باطل بل النصر والرزق يحصل بأسباب من أوكدها دعاء المسلمين المؤمنين وصلاتهم وأخلاصهم ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا بأقل ولا أكثر كما في الحديث المعروف أن سعد بن أبي وقاص قال: يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم أيسهم له مثل ما يسهم لضعفتهم؟ فقال: " يا سعد وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم " وقد يكون للنصر والرزق أسباب أخر فإن الكفار أيضا والفجار ينصرون ويرزقون، وقد يجدب الله الأرض على المؤمنين ويخيفهم من عدوهم، لينيبوا إليه ويتوبوا من ذنوبهم، فيجمع لهم بين غفران الذنوب، وتفريج الكروب، وقد يملي للكفار ويرسل السماء عليهم مدرارا ويمدهم بأموال وبنين ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، إما ليأخذهم في الدنيا أخذ عزيز مقتدر وإما ليضعف عليهم العذاب في الآخرة، فليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة قال الله تعالى: " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن، كلا ".

فصل في رجال الغيب والغوث وخاتم الأولياء

وليس في أولياء الله المتقين بل ولا أنبياء الله ولا المرسلين من كان غائب الجسد دائما عن أبصار الناس بل هذا من جنس قول القائل بأن عليا في السحاب وأن محمدا بن الحنفية في جبال رضوى، وأن محمد بن الحسن في سرداب سامراء، وإن الحاكم في جبل مصر، وأن الأبدال رجال الغيب في جبل لبنان، فكل هذا ونحوه من قول أهل الإفك والبهتان نعم قد تخرق العادة في حق الشخص فيغيب تارة عن أبصار الناس إما لدفع عدو وإما لغير ذلك. وأما أنه يكون هكذا طول عمره فباطل، نعم يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما فيه من أسرار الله وأمانته وأنواره ومعرفته غيبا عن الناس، ويكون صلاحه وولايته غيبا عن أكثر الناس، فهذا هو الواقع، وأسرار الحق بينه وبين أوليائه وأكثر الناس لا يعلمون.

فصل في بطلان اسم الغوث مطلقا

وقد بينا عن بطلان اسم الغوث مطلقا واندرج في ذلك غوث العرب والعجم ومكة والغوث السابع، وكذلك لفظ خاتم الأولياء لفظ باطل لا أصل له، وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي، وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء كابن حمويه وابن العربي وغيرهما وكل منهم يدعي إنه أفضل من النبي ﷺ من بعض الوجوه إلى غير ذلك من الكفر والبهتان وكل طمعا في رياسة خاتم الأنبياء.

وقد غلطوا فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للإدلالة الدالة على ذلك، وليس كذلك للأولياء فإن أفضل هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وخير قرونها القرن الذي بعث فيهم النبي ﷺ، ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم، وخاتم الأولياء في الحقيقة هو آخر مؤمن تقي يكون من الناس، وليس ذلك بخير الأولياء ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر ثم عمر اللذان ما طلعت الشمس وما غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما.

فصل في القلندرية والملامتية

وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة والجهالة وأكثرهم كافرون بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وهم ليسوا من أهل الملة ولا من أهل السنة، وقد يكون فيهم من هو مسلم لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر، ومن قال إن "قلندر" كان موجودا في زمن النبي ﷺ فقد كذب وافترى بل قد قيل أصل هذا الصنف أنهم كانوا قوما من نساك الفرس يدورون على ما فيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض واجتناب المحرمات، هكذا فسرهم الشيخ أبو حفص السهروردي في عوارفه، ثم إنهم بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات بمنزلة الملامية الذين كانوا يخفون بحسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ولبس العمامة، فهذا قريب وصاحبه مأجور على نيته، ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من الفواحش والمنكرات، وترك الفرائض والواجبات، وزعموا أن ذلك دخول منهم في الملاميات، ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة وتجب عقوبتهم جميعا ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ذلك في كل معين ببدعة أو فجور وليس ذلك مختصا بهم بل كل من كان من المنكسة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والأغنياء والكتاب والحساب والأطباء وأهل الديوان والعامة خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله باطنا وظاهرا مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه وينصره أو يهديه أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه ويدعوه ويسجد له، أو كان يفضله على النبي ﷺ تفضيلا مطلقا أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى، أو كان يرى أنه هو وشيخه مستغن عن متابعة الرسول، فكل هؤلاء الكفار إن أظهروا، ومنافقون إن أبطنوا، وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم يقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه كما في الحديث المعروف " يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله " فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار تنجيهم من النار تنجيهم من النار.

شروط تكفير مرتكب المكفرات

وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب أو السنة أو الإجماع يقال هي كفر قولا يطلق كما دل على ذلك لدليل الشرعي فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم.

ولا يجب أن يحكم كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنفى موانعه، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله ﷺ كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي ﷺ قالها وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ومثل الذي قال: إذا أنا مت فاسحقوني وذروني في اليم لعلي أضل عن الله ونحو ذلك فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب في أماكنها والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا.

فصل في تحريم اتخاذ القبور مساجد وأعيادا

وأما النذر للقبور أو لسكان القبور أو العاكفين على القبور سواء كانت قبور الأنبياء أو الصالحين فهو نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان سواء كان نذر زيت أو شمع أو غير ذلك، قال النبي ﷺ: " لعن الله زوار القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " وقال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما فعلوا، وقال: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك "، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد من بعدي ".

وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا أن تعلق عليها الستور، ولا أن ينذر لها النذور، ولا أن يوضع عندها الذهب والفضة، بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها مستحق معين، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائنا من كان الميت فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان كما قال تعالى: " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ". وقال طائفة من السلف: هذه أسماء قوم صالحين لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم عبدوهم، ومن نذر لها نذرا لم يجز له الوفاء لما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " وعليه كفارة يمين ولما روي عنه أنه قال: " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين ".

ومن العلماء من لا يوجب عليه الاستغفار والتوبة، ومن الحسن أن يصرف ما نذره في نظير من المشروع مثل أن يصرف الدهن إلى تنوير المساجد والنفقة إلى صالحة فقراء المؤمنين وإن كانوا من أقارب الشيخ ونحو ذلك، وهذا الحكم عام في قبر نفيسة ومن هو أكبر من نفيسة من الصحابة مثل قبر طلحة والزبير وغيرهما بالبصرة وقبر سلمان الفارسي وغيره بالعراق والمشاهد المنسوبة إلى علي رضي الله عنه والحسين وموسى وجعفر وقبر مثل معروف الكرخي وأحمد بن حنبل وغيرهم رضي الله عنهم.

عدم فائدة النذر، ومنه ما هو كفر

ومن اعتقد أن بالنذور لها نفعا أو أجرا ما فهو ضال جاهل، فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن النذر وقال: " أنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل " وفي رواية: " إنما يلقي ابن آدم إلى القدر " فإذا كان هذا في نذر الطاعة فكيف في نذر المعصية؟ فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى الله وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ مصر فهذا كافر مشرك يجب قتله وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائنا من كان: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا، قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له "، " الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون، وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون، وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا، أفغير الله تتقون، وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ".

والقرآن من أوله إلى آخره وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعلوا مع الله إلها آخر، والإله من يألهه القلب عبادة واستعانة وإجلالا وإكراما وخوفا ورجاء كما هو حال المشركين في آلهتهم، وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق مصنوع كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وقال النبي ﷺ لحصين الخزاعي: " يا حصين كم تعبد " قال: أعبد سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: " فمن ذا الذي تعبده لرغبتك ورهبتك " قال: الذي في السماء، قال: " يا حصين فأسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن " فلما أسلم قال: " قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي ".

فصل في حكم سماع الغناء للمتصوفة

وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء تحضر سماع المكاء والتصدية، محبة له ورغبة فيه فهو كاذب مفتر، بل إنما تحضره الشياطين وهي تنزل عليهم وتنفخ فيهم كما روى الطبراني وغيره عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي ﷺ: " إن الشيطان قال: يا رب اجعل لي بيتا، قال: بيتك الحمام، قال: اجعل لي قرآنا، قال: قرآنك الشعر، قال: اجعل لي مؤذنا، قال: مؤذنك المزمار "، وقد قال تعالى في كتابه مخاطبا للشيطان: " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " وقد فسر ذلك طائفة من السلف بصوت الغناء وهو شامل له ولغيره من الأصوات المستفزة لأصحابها عن سبيل الله. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية ذات المكاء والتصدية ".

وكيف يذر الشيطان عليهم حتى يتواجدوا الوجد الشيطاني حتى إن بعضهم صار يرقص فوق رؤوس الحاضرين. ورأى بعض المشايخ المكاشفين أن شيطانه قد حمله حتى رقص به فلما صرخ قال: هرب شيطانه وسقط ذلك الرجل.

أصحاب الأحوال وحكم ضررهم

وهذه الأمور لها أسرار وحقائق لا يشهدها إلا أهل البصائر الإيمانية والمشاهد الإيقانية، ولكن من اتبع ما جاءت به الشريعة، وأعرض عن السبل المبتدعة، فقد حصل له الهدى وخير الدنيا والآخرة، وإن لم يعرف حقائق الأمور بمنزلة من سلك السبيل إلى مكة خلف الدليل الهادي فإنه يصل إلى مقصوده ويجد الزاد والماء في مواطنه، وإن لم يعرف كيف يحصل ذلك وسببه، ومن سلك خلف غير الدليل الهادي كان ضالا عن الطريق، فإما أن يهلك، وإما أن يشقى مدة ثم يعود إلى الطريق، والدليل الهادي هو الرسول الذي بعثه الله إلى الناس بشيرا نذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وهاديا إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ملك السموات والأرض وآثار الشيطان تظهر على أهل السماع الجاهلي مثل الإزباد والإرعاد والصرخات المنكرة ونحو ذلك ما يجدون في نفوسهم من ثوران مراد الشيطان بحسب الصوت، إما وجد في الهوى مذموم، وإما غضب وعدوان على من هو مظلوم، وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المخزون المحروم، إلى غير ذلك من الآثار الشيطانية التي تعتري أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها فإن السكر بالأصوات المطربة قد تصير من جنس الإسكار بالأشربة المطربة فتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وتمنع قلوبهم حلاوة القرآن وفهم معانيه واتباعه، فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء حتى بقتل بعضهم بعضا بأحواله الفاسدة الشيطانية كما يقتل العائن من أصابه بعينه، ولهذا قال من قال من العلماء: إن هؤلاء يجب عليهم القود أو الدية إذا عرف أنهم قتلوا بالأحوال الشيطانية الفاسدة لأنهم ظالمون وهم إنما يغتبطون بما ينفذونه من موادهم المحرمة كما يغتبط الظلمة المسلطون.

ومن هذا الجنس حال خفراء الكافرين والمبتدعين والظالمين فإنهم قد يكون لهم زهد وعبادة وهمة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب، وكما كان للخوارج المارقين الذين قال فيهم النبي ﷺ: " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموها فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ".

وقد يكون لهم مع ذلك أحوال باطنة كما يكون لهم ملكة ظاهرة فإن سلطان الباطن معناه السلطان الظاهر ولا يكون من أولياء الله إلا من كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وما فعلوه من الإعانة على الظلم فهم يستحقون العقاب عليه بقدر الذنب وباب القدرة والتمكن باطنا والتمكن وظاهرا ليس مستلزما لولاية الله تعالى بل قد يكون ولي الله متمكنا ذا سلطان وقد يكون مستضعفا إلى أن ينصره الله، وقد يكون عدو الله مستضعفا وقد يكون سلطانا إلى أن ينتقم الله منه، فخفراء التتار في الباطن من جنس التتار في الظاهر هؤلاء في العباد، بمنزلة هؤلاء في الأجناد. وأما الغلبة فإن الله قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي ﷺ مع عدوهم، لكن العاقبة للمتقين، فإن الله يقول: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد " وإذا كان في المسلمين ضعف وكان العدو مستظهرا عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنا وظاهرا، وإما بعدوانهم بتعدي الحدود باطنا وظاهرا، وقال الله تعالى: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " وقال تعالى: " أو لما أصابتكم قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم " وقد قال تعالى: " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ".

فصل في المشاهد والقبور المشهورة

وأما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعا مثل المشهد الذي بظاهر دمشق المضاف إلى أبي بن كعب والمشهد الذي في ظاهرها المضاف إلى أويس القرني والمشهد الذي في سفح لبنان المضاف إلى نوح عليه السلام والمشهد الذي بمصر المضاف إلى الحسين - إلى غير ذلك من المشاهد التي يطول شرحها بالشام والعراق ومصر وسائر الأمصار حتى قال طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكناني: كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح فيها إلا قبر النبي ﷺ، وقد أثبت غيره قبر الخليل عليه السلام أيضا، وأما مشهد علي فعامة العلماء على أنه ليس قبره بل قد قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة وذلك أنه إنما ظهر بعد نحو ثلثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه، وذكروا أن أصل ذلك حكاية بلغتهم عن الرشيد أنه أتى إلى ذلك المكان وجعل يعتذر إلى من فيه مما جرى بينه وبين ذرية علي، وبمثل هذه الحكاية لا يقوم شيء فالرشيد أيضا لا علم له بذلك ولعل هذه الحكاية إن صحت عنه فقد قيل له ذلك كما قيل لغيره.

وجمهور أهل المعرفة يقولون إن عليا إنما دفن في قصر الإمارة أو قريبا منه وهذا هو السنة، فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير مشروع فلا يظن بآل علي رضي الله عنهم أنهم فعلوا به ذلك، ولا يظن أيضا أن ذلك خفي على أهل بيته والمسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم الجهال ذوي الأهواء، وكذلك قبر معاوية الذي بظاهر دمشق قد قيل إنه ليس قبر معاوية وإن قبره بحائط مسجد دمشق الذي يقال إنه قبر هود.

وأصل ذلك أن عامة هذه القبور مضطرب مختلف لا يكاد يوقف منه على علم إلا في قليل منها بعد بحث شديد وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام، ولا ذلك من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه حيث قال: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " بل قد نهى النبي ﷺ عما يفعله المبتدعون عندها مثل قوله الذي رواه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " وقال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".

ما يحرم عند القبور وما يسن

وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد التي على القبور ولا يشرع اتخاذها مساجد، ولا تشرع الصلاة عندها، ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة واعتكاف أو استغاثة وابتهال ونحو ذلك، وكرهوا الصلاة عندها، ثم كثير منهم قال: الصلاة باطلة لأجل النهي عنها.

وإنما السنة إذا زار قبر مسلم ميت إما نبي أو رجل صالح أو غيرهما أن يسلم عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما جمع الله بين هذين حيث يقول في المنافقين: " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم، وفي السنن أن النبي ﷺ كان إذا دفن الميت من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول: " سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ".

وفي الصحيح أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم ".

تعظيم المساجد وما ورد فيها

وإنما دين الله تعالى تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء والذكر والدعاء لله قال تعالى: " وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " وقال تعالى: " قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين "،

وقال تعالى: " يا بني خذوا زينتكم عند كل مسجد " وقال تعالى: " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين " وقال تعالى: " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب " فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله مخلصين له الدين.

وأما اتخاذ القبور أوثانا فهو من دين المشركين الذي نهى عنه سيد المرسلين، والله تعالى يصلح حال جميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا كما هو أهله (تمت الرسالة)

هامش

  1. وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
  2. إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية
الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل | الشفاعة الشرعية والتوسل | أهل الصفة وأباطيل بعض المتصوفة فيهم | إبطال وحدة الوجود | مناظرة ابن تيمية العلنية لدجاجلة البطائحية الرفاعية | لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة | كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الشيخ نصر المنبجي | مسألة صفات الله تعالى وعلوه على خلقه | فتاوى لابن تيمية | الصحابة لا يجتمعون على ضلالة | قاعدة جليلة فيما يتعلق بأحكام السفر والإقامة مثل قصر الصلاة والفطر | مختارات من المسائل الكيلانية | مذهب السلف وأئمة الأمصار في كلام الله | مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم | الجهمية المعطلة كاليهود والحلولية كالنصارى والمسلمون وسط | اصطلاحات المتكلمين والفقهاء المخالفة للغة ومنها القديم والمحدث | اختلاف أدلة المتكلمين على إثبات الصانع وما ترتب عليه من البدع | فيما قاله في مسألة اللفظ | كفير من أنكر تكليم الله لموسى مع العلم بالنص فيه | حقيقة مذهب الاتحاديين | حقيقة مذهب الاتحاديين/حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود وبيان بطلانه بالبراهين النقلية والعقلية | معاني العموم والخصوص والإطلاق والتقييد | رد قول بعض طواغيتهم إن العالم حدقة عين الله | كلام ابن عربي في خاتم النبوة وخاتم الولاية | بيان كفر الاتحادية وفساد قولهم | زعمهم أن الدعوة إلى عبادة الله مكر بالعباد | قاعدة في المعجزات والكرامات وأنواع خوارق العادات | تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال | رسالة العبادات الشرعية | مسألة في الغيبة | أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر والتعليل وبطلان الجبر والتعطيل | شرح حديث عمران بن حصين المرفوع كان الله ولم يكن شيء قبله | أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة | وضع الجوائح في المبايعات والضمانات والمؤجرات | عرش الرحمن وما ورد فيه من الآيات والأحاديث وكونه فوق العالم كله