الروح/المسألة الحادية عشرة

ملاحظات: المسألة الحادية عشرة (سؤال القبر)


و هي أن السؤال في القبر هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار أو يختص بالمسلم والمنافق؟ قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب (التمهيد): والآثار الدالة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق كان منسوبا إلى أهل القبلة ودين الإسلام بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيّه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام، فيثبت اللّه الذين آمنوا ويرتاب المبطلون.
و القرآن والسنّة تدل على خلاف هذا القول، وأن السؤال للكافر والمسلم، قال اللّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِی ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَاۤءُ ۝٢٧ [إبراهيم:27] وقد ثبت في الصحيح أنها نزلت في عذاب القبر حين يسأل من ربك وما دينك ومن نبيك.
و في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، أنه قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم»، وذكر الحديث. زاد البخاري: «و أما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول:
لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطرقة من حديد يصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» هكذا في البخاري، وأما المنافق والكافر فتقدم في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه ابن ماجه والإمام أحمد، كنا في جنازة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلي في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتولى عنه أصحابه جاء ملك وفي يده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، فيفتح له باب إلى النار، فيقول: هذا منزلك لو كفرت بربك؛ وأما الكافر والمنافق فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت فإن اللّه أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق اللّه إلا الثقلين»، فقال بعض الصحابة: يا رسول اللّه ما أحد يقوم على رأسه ملك إلا هيل عند ذلك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِی ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَاۤءُ ۝٢٧ [إبراهيم:27].
(و في حديث) البراء بن عازب الطويل: «و أما الكافر إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزل عليه الملائكة من السماء معهم مسوح». وذكر الحديث إلى أن قال: «ثم تعاد روحه في جسده في قبره»، وذكر الحديث، وفي لفظ: «فإذا كان كافر جاءه ملك الموت فجلس عند رأسه» فذكر الحديث إلى قوله:
«ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بأسوإ أسمائه، فإذا انتهى به إلى سماء الدنيا أغلقت دونه، قال: يرمى به من السماء، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] قال:
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فيجلسانه وينتهرانه فيقولان:
من ربّك؟ فيقول: هاه لا أدري، فيقولون لا دريت، فيقولان: ما هذا النبي الذي بعث فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون ذلك، لا أدري. فيقولان له: لا دريت، وذلك قوله تعالى: ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ» وذكر الحديث.
و اسم الفاجر في عرف القرآن والسنّة يتناول الكافر قطعا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِی نَعِيمࣲ ۝١٣ وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِی جَحِيمࣲ ۝١٤ [الانفطار:13–14] وقوله تعالى: ﴿كَلَّاۤ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِی سِجِّينࣲ ۝٧ [المطففين:7] وفي لفظ آخر في حديث البراء: «و إن الكافر إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزل إليه ملائكة شداد: غضاب معهم ثياب من نار وسرابيل من قطران فيحتوشونه، فتنزع روحه كما ينزع السّفود 1 الكثير الشعب من الصوف المبتل، فإذا أخرجت لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء». وذكر الحديث إلى أن قال: «إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين فيقال: يا هذا من ربّك؟ ومن نبيّك؟ فيقول: لا أدري فيقال: لا دريت». وذكر الحديث رواه حماد بن سلمة عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء.
و في حديث عيسى بن المسيّب، عن عدي بن ثابت، عن البراء، خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، وذكر الحديث إلى أن قال:
إن الكافر إذا كان في دبر من الدنيا وقبل من الآخرة وحضره الموت نزلت عليه ملائكة معهم كفن من نار وحنوط من نار». فذكر الحديث إلى أن قال: «فتردّ روحه إلى مضجعه فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيجلسانه، ثم يقولان: يا هذا من ربّك؟ فيقول: لا أدري فينادي من جانب القبر: لا دريت فيضربانه بمرزبّة من حديد لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه». وذكر الحديث.
و رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي النضر هاشم بن القسام، حدثنا عيسى بن المسيب، فذكره.
(و في حديث) محمد بن سلمة، عن خصيف، عن مجاهد، عن البراء، قال: كنا في جنازة رجل من الأنصار ومعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكر الحديث إلى أن قال: وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «و إذا وضع الكافر أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له:
من ربّك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت» الحديث وقد تقدم.
و بالجملة فعامة من روى حديث البراء بن عازب قال فيه: «و أما الكافر» بالجزم، وبعضهم قال: «و أما الفاجر»، وبعضهم قال: «و أما المنافق والمرتاب»، وهذه اللفظة من شك بعض الرواة هكذا في الحديث لا أدري أي ذلك قال.
و أما من ذكر الكافر والفاجر فلم يشك، ورواية من لم يشك- مع كثرتهم- أولى من رواية من شك- مع انفراده- على أنه لا تناقض بين الروايتين، فإن المنافق يسأل كما يسأل الكافر والمؤمن فيثبت اللّه أهل الإيمان ويضل اللّه الظالمين وهم الكفار والمنافقون.
(و قد جمع) أبو سعيد الخدري في حديثه الذي رواه أبو عامر العقدي، حدثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال:
شهدنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جنازة. فذكر الحديث وقال: «و إن كان كافرا أو منافقا يقول له: ما تقول في هذا الرجل: فيقول: لا أدري»، وهذا صريح في أن السؤال للكافر والمنافق، وقول أبي عمر رحمه اللّه: وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه، فيقال له: ليس كذلك بل هو من جملة المسئولين وأولى بالسؤال من غيره.
و قد أخبر اللّه في كتابه أنه يسأل الكافر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَاۤ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ۝٦٥ [القصص:65]. وقال تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ۝٩٢ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ۝٩٣ [الحجر:92–93] وقال تعالى: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ۝٦ [الأعراف:6] فإذا سئلوا يوم القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم؟! فليس لما ذكره أبو عمر رحمه اللّه وجه.


هامش

  1. هو عود من حديد ينظم فيه اللحم ليشوى وجمعه: سفافيد.


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون