الروح/المسألة السابعة/فصل أمر الآخرة من الغيب

الروح - المسألة السابعة - فصل أمر الآخرة من الغيب

المؤلف: ابن القيم
فصل أمر الآخرة من الغيب

الأمر الرابع: أن اللّه سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة، وإما من النار، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلمون على المحتضر، ويرد عليهم تارة بلفظة، وتارة بإشارته، وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة. وقد سمع بعض المحتضرين يقول: أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه.
(و أخبرني) شيخنا [1] عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهده وأخبره عنه أنه سمع وهو يقول: عليك السلام هاهنا فأجلس، وعليك السلام هاهنا فاجلس [2].
(و قصة) خبر النساج رحمه اللّه مشهورة حيث قال عند الموت: اصبر عافاك اللّه، فإن ما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت، ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال: امض لما أمرت به، ومات.
(و ذكر) ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال: أجلسوني، فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاث مرات، ولكن لا إله إلا اللّه، ثم رفع رأسه فأحط النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جن، ثم قبض.
(و قال) مسلمة بن عبد الملك، لما احتضر عمر بن عبد العزيز كنا عنده في قبة [3]، فأومى إلينا أن أخرجوا، فخرجنا، فقعدنا حول القبة، وبقي عنده وصيف [4]، فسمعناه يقرأ هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [28:83] ما أنتم بإنس ولا جان، ثم خرج الوصيف فأومى إلينا أن أدخلوا، فدخلنا فإذا هو قد قبض.
(و قال) فضالة بن ديار: حضرت محمد بن واسع [5] وقد سجى [6] للموت، فجعل يقول: مرحبا بملائكة ربي ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وشممت رائحة طيب لم أشم قط أطيب منها، ثم شخص ببصره، فمات. والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر.
و أبلغ وأكفى من ذلك كله قول اللّه عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ۝83وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ۝84وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ۝85﴾ [56:83—85] أي أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا ولكنكم لا ترون، فهذا أول الأمر وهو غير مرئي لنا ولا مشاهد وهو في هذه الدار.
ثم يمد الملك يده إلى الروح فيقبضها ويخاطبها، والحاضرون لا يرونه ولا يسمعونه، ثم تخرج فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس، ورائحة أطيب من رائحة المسك، والحاضرون لا يرون ذلك ولا يشمونه. ثم تصعد بين سماطين من الملائكة والحاضرون لا يرونهم. ثم تأتي الروح فتشاهد غسل البدن وتكفينه وحمله وتقول: قدموني قدموني، أو إلى أين تذهبون بي، ولا يسمع الناس ذلك، فإذا وضع في لحده وسوي عليه التراب لم يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نقر له حجر فأودع فيه وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصول الملائكة إليه، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها، بل الجن لا يمنعها ذلك، بل قد جعل اللّه سبحانه الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير، واتساع القبر وانفساحه للروح بالذات والبدن تبعا، فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع، وقد فسح له مد بصره تبعا لروحه، وأما عصرة القبر حتى تختلف بعض أجزاء الموتى فلا يرده حس ولا عقل ولا فطرة، ولو قدر أن أحدا نبش عن ميت فوجد أضلاعه كما هي لم تختلف لم يمنع أن تكون قد عادت إلى حالها بعد العصرة، فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا مجرد تكذيب الرسول.
و لقد أخبر بعض الصادقين أنه حفر ثلاثة أقبر، فلما فرغ منها، اضطجع ليستريح، فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا، فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: اكتب فرسخا في فرسخ، ثم وقف على الثاني فقال: اكتب ميلا في ميل، ثم وقف على الثالث، فقال اكتب فترا في فتر، ثم انتبه فجي ء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول، ثم جيء برجل آخر فدفن في الثاني، ثم جيء بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سمعه يقول: فترا في فتر، والفتر ما بين الإبهام والسبابة.

هامش

  1. أي ابن تيمية.
  2. وليس هذا ببعيد، فالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم قد سمع منه ما يدل على ذلك، فقد أخرج البخاري في مرض الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم (5/ 138) عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها قالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو صحيح يقول: «إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا أو يخير» فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: «اللهم في الرفيق الأعلى» فقلت: إذا لا يجاورنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا، وهو صحيح.
  3. القبة: بناء مستدير مقوس مجوف يعقد بالآجر ونحوه، أو خيمة صغيرة أعلاها مستدير.
  4. الوصيف: الخادم، غلاما كان أو جارية.
  5. هو محمد بن واسع الأزدي عابد البصرة، أخذ عن أنس ومطرف بن الشخير وطائفة، وهو مقل، روى خمسة عشر حديثا ومناقبه مشهورة، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة.
  6. أي غطي بثوب أو نحوه.


المسألة السابعة
الرد على منكري عذاب القبر | فصل أخبار الرسل | فصل مراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم | فصل أقسام الدور | فصل أمر الآخرة من الغيب | فصل ماهية النار والخضرة في القبر | فصل عجائب اللّه في مخلوقاته | فصل عودة الروح | فصل عذاب القبر وعذاب البرزخ | فصل البعث


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون