افتح القائمة الرئيسية

كشف الشبهتين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، فإنه بلغنا عن بعض الإخوان الساكنين بالساحل من أرض عُمان أن في جهتهم جهمية وإباضية وعبّاد قبور متظاهرين بمذاهبهم وعقائدهم، مظهرين العداوة للإسلام وأهله. وذكروا أنه كان لديهم أناس ممن ينتسب إلى العلم والطلب يجادلون عنهم، ويوالونهم، ويفرون إليهم، ويأخذون جوائزهم وصلاتهم، ويأكلون ذبائحهم.

وهؤلاء الجهمية الذين كانوا بالساحل من أرض عمان قد شاع ذكرهم وانتشر خبرهم، وظهر أمرهم من قديم الزمان. وكذلك الإباضية كانوا بهذا الساحل معروفين مشتهر أمرهم لا يخفى على أحد.

وقد راسلنا بعض الإخوان في هؤلاء الذين يوالونهم ويجادلون عنهم، فظننا أن الأمر ليس كما زعموا وأحسنا الظن بمن هناك من طلبة العلم، فلم نُنعِم الإخوانَ بجواب ولم نسمح لهم بخطاب، إلا نحضهم على الصبر على الأذى وتحمل المشقة والبلوى وبذل النصيحة لهم والتلطف في الدعوة لهم، والدعاء لهم بالهداية، حتى رأينا لهم رسالة [1] طبعها لهم بعض الغزاونة أولاد عبد الله الغزنوي رحمه الله، ونسبوها إلى رجل يقال له يوسف بن شبيب الكويتي.

وهذا الرجل لم يكن معروفا بالعلم والدارية، ولا بالمعرفة والرواية، بل كلامه وتركيبه يدل على جهله وعدم معرفته. وقد قيل إن الذي ألفها غيره ممن يترشح للعلم والمعرفة.

وقد نقل هذا المؤلف عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه نقولا يلبس بها على العوام الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام ولا دراية لهم بموارد الأفهام. ويوهمهم أن هذه النقول التي نقلها عن شيخ الإسلام ابن تيمية تدل على ما ذهب إليه من عدم تكفير الجهمية الخارجين عن شريعة الإسلام، ويظن أن هذه النقول له وهي عليه لا له، كما سنبينه إن شاء الله تعالى وننقض استدلاله، وما ذاك إلا أنه ليس له إلمام بهذه الصناعة ولا متجر له في هذه البضاعة.

وقبل الجواب على كلامه وسوء مرامه نذكر من كلام غلطهم وسوء فهمهم وعدم معرفتهم بكلام أهل العلم فنقول:

اعلم وفقك الله لطاعته أن أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصائبين. فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام -أعني أن الله سبحانه ليس على العرش حقيقة، وإنما استوى بمعنى استولى، ونحو ذلك- أول ما ظهرت هذه المقالة من جعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه.

وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها من طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ.

وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أرض حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم. والنمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس وفرعون ملك مصر والنجاشي ملك الحبشة النصارى. [2]

فهذا اسم جنس، لا اسم علم. فكانت الصابئة إلا قليلا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة، وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركا بل مؤمنا بالله واليوم الآخر، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كفارا أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل.

ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب أنه ليس إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها. وهم الذين بعث إبراهيم الخليل ﷺ إليهم، فيكون الجعد قد أخذها من الصائبة والفلاسفة.

وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئة تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضا فيما ذكره الإمام أحمد وغيره لما ناظر السمنية بعض فلاسفة الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات. فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين.

ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاها في قلوب أشباههم. ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته.

وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. [3]

فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذ عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن أو عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أو ينصب نفسه هدفًا دونهم بالمجادلة عنهم والاعتذار لهم بأنواع من التمويه والسفسطة، والقيام في نحر من أظهر عداوتهم وبغضهم، والتنفير عنهم وعن مجالستهم. أفلا يستحي من يدعي الإسلام ويتظاهر به بين الأنام أن يكون في جملة أعداء الله ورسوله بالذب عنهم وتجهيل من ضللهم وأمر بهجرهم والبعد عنهم.

فإذا تبين لك ما ذكره أهل العلم في أصل مقالة هؤلاء الجهمية. فاعلم أن مذهبهم أنه ليس فوق السماوات إله يُعبد ويُصلى له ويسجد، ولا لله في الأرض من كلام، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله ﷺ، وأنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له؛ وأنه لا يرى في الآخرة، ولا يقوم به فعل البتة، وأنه لا خارج العالم ولا داخله ولا متصلا ولا منفصلا ولا محايث له، إلى غير ذلك من أقوالهم المتضمنة لتعطيله عن عرشه وعلوه على خلقه وجحد أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وهذا هو الكفر والإلحاد الصريح. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.

فصل

ولنذكر من كلام الأئمة الذين هم القدوة وبهم الأسوة الذين هم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذي بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحى من يطلب المقابلة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله:

وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحدًا بذنب، ولا تنف أحدا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصبك، ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا توال أحدا دون أحد. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض: فقد كفر لأن الله يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل - وفي لفظ- سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر. قال لأنه الله يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وعرشه فوق سبع سماوات. قال فإنه يقول على العرش استوى لكن لا يدري العرش في الأرض أم في السماء. قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.

ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؛ فكيف يكون النافي الجاحد الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: وعرشه فوق سبع سماوات.

وبين بهذا أن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أن الله فوق السماوات فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أنه في السماء لأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.

وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلا لا من أسفل؛ وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلا لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر، وروى هذا اللفظ بالإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق.

قال: وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام: سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون [4] أن يقولوا: ليس في السماء شيء.

وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علما ودينا، من شيوخ الإمام أحمد- أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على شيء.

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.

وروى ابن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي -إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد- قال: كلمت بشرا المريسي وأصحاب بِشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء.

وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أن قال: ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.

وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.

وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين. فقال رجل عندها: الله على عرشه؟ فقالت: محدود على محدود. قال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة.

وعن عاصم بن علي بن عاصم شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما قال: ناظرت جهميًا فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن في السماء ربًا. انتهى. [5]

وقال شيخ الإسلام أيضا في أُثناء كلام له: والبدعة التي يُعَدّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع [6]: الخوارج والروافض والمرجئة والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية، قال: ليست من أمة محمد ﷺ.

والجهمية نفات للصفات الذين يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة، وإن محمدا لم يعرج به إلى الله، وإن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة، ونحو ذلك، كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم.

وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان، فأحدهما: الجهمية والرافضة، فهذان الصنفان شرار أهل البدع ومنهم دخلت القرامطة والباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، ومنهم اتصلت الإتحادية، فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية، والرافضة في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية، فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة، ثم يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد. انتهى كلامه رحمه الله. [7]

فهذا كلام شيخ الإسلام الصحيح الصريح في تكفير الجهمية وإخراجهم من أمة محمد ﷺ، بخلاف ما ينقله هؤلاء المشبهون الملبسون فإنهم إنما نقلوا كلامه في عموم أهل الأهواء والبدع، لا في خصوص الجهمية، وأوهموا أنه لا يكفر الجهمية فالله المستعان.

وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت أبي يقول: سمعت معاذ بن معاذ يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.

حدثني الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك [8] عن حماد بن قيراط: سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية كفار والقدرية كفار.

حدثني الحسن بن عيسى قال: كان ابن المبارك يقول: الجهمية كفار.

قال الحسن بن عيسى [9] من قول نفسه: ومن يشك في كفر الجهمية؟ انتهى.

وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في جواب سؤال ورد عليه من ساحل عمان قال فيه: ووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين، وهو أنه ينسب عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يصلي خلف الجهمية.

وجواب هذا لو سلم من أوضح الواضحات عند طلبة العلم وأهل الأثر، وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، وعد اللالكائي رحمه الله تعالى منهم عددا يتعذر ذكرهم في هذه الرسالة، وكذا ابن الإمام، عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة.

وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم رحمه الله في كافيته عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم.

والصلاة خلفهم لا سيما الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم.

والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها وبين من لا شعور له بذلك. وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس.

وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة وظهر الدليل وعرفوا ما عليه أهل السنة واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد. كيف لا وَقَولُهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات وشهدت به العقول السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والألوهية، ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدمًا لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون من الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات.

ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادا من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها. وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها، وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم. انتهى.

فصل

إذا تمهد واتضح لك ما قدمناه من كلام أئمة الإسلام فاعلم أن هذا الرجل ابتدأ كلامه في فاتحة رسالته بالحض على إفراد الرب سبحانه بجميع أنواع العبادات ومتابعة رسول الله ﷺ، وأنه لا سعادة للعبد ولا فلاح له في الدارين إلا بمتابعة هدي النبي ﷺ، وذكر أن على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين.. إلى آخر كلامه.

وهذا حق لو وفق له وعمل به إن كان قد علم به، ولكنه نكب عن هذه الطريقة ولم يسر على منهج هذه الحقيقة، فوضع الكلام في غير موضعه وحرف كلام العلماء بمفهومه الساقط وتأويله القاسط، وقد كان من المعلوم أنه لا يجتمع في قلب عبد موالاة أعداء الله ورسوله ومحبتهم والجدال عنهم وحماية حماهم، مع محبة الله تعالى ومحبة أوليائه ومعاداة أهل الإسلام المبغضين لأعداء الله ورسوله، المنابذين لهم الناهين عن متابعتهم ومجامعتهم ومجالستهم والرد عليهم وتجهيلهم وتضليلهم.

قال ابن القيم رحمه الله:

أتحب أعداء الحبيب وتدعي ** حبا له ما ذاك في إمكان

وكذا تعادي جاهدًا أحبابه ** أين المحبة يا أخا الشيطان

وهذا مما ينافي ما قدمه في مقدمة رسالته، فإن الحب في الله والبغض في الله والمعاداة فيه والموالاة فيه من كمال الإيمان، والمتحقق به من أهل ولاية الرحمن.

وهؤلاء تظاهروا بالرد والتشنيع على من أظهر عداوة الجهمية والإباضية وعباد القبور، وسمّوا هؤلاء الملاحدة من الجهمية وغيرهم من المسلمين، وزعموا أن قصدهم النصيحة للمؤمنين عن تكفير المسلمين، أفلا يستحي من صنع هذا الصنيع ورتع في هذا المرتع الفظيع، ممن يقف على كلامه السامج الساقط وعلى غاية مرام قصده المارج القاسط، حيث قام في نحر من يظهر عداوة أعداء الله ورسوله، ويتظاهر بالرد عليهم وتجهيلهم وتضليلهم بغير دليل من كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل التحقيق من أهل العلم، بل بما سنح له من مفهومه وتخيله في معلومه.

أقلوا عليهم لا أبًا لأبيكموا ** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

أولئك هم خير وأهدى لأنهم ** عن الحق ما ضلوا وعن ضده صعدوا

وعادوا عُداة الدين من كل ملحد ** وقد حذروا منهم وفي بغضهم جَدّوا

فعاديتموهم من سفاهة رأيكم ** وشيدتموا ركنًا من الغي قد هدوا

بتكفيرهم جهميةً وأباضية ** وعباد أجداث لنا ولكم ضِدّوا

وقد كفر الجهمية السلفُ الأولى ** وما شك في تكفيرهم من له نقد

ولا من له علم ولكن لبعضهم ** كلام على جهالهم ولهم قصد

وقد كان هذا في خصوص سائل ** عليهم بها يخفى الدليل ولا يبدوا

وأنتم لهم وآليتموا من غبائكم ** على أنهم سِلم وأنتم لهم جند

وما كان هذا الأمر إلا تَعَنُّتًا ** وإلا فما التشنيع يا قوم والرد

إذا لم يكن هذا الذي قدصنعتموا ** لمرضاة من شاد والردى بل له شدوا

ألا فأفيقوا لا أبًا لأبيكموا ** من اللوم يا قومي فقد وضح الرشد

فصل

قال المعترض في جوابه: "فلما رأينا ناسًا في هذا الزمان جعلوا همتهم وسعيهم في تكفير المسلمين وإيذائهم وتفسيقهم، وضيعوا أوقاتهم ونَفّروا المسلمين عن الصراط المستقيم"؛

والجواب أن نقول لهذا المعترض: قد كان من المعلوم عند ذوي المعارف والعلوم أن من جعل عمته وسعيه في تكفير الجهمية الخارجين عن شريعة الإسلام وإيذائهم أنه قد اتبع سبيل المؤمنين وسار على الصراط المستقيم وجانب طرق أصحاب الجحيم، بدليل ما تقدم من كلام العلماء أئمة الإسلام وهداة الأنام، فما الدليل على أن الجهمية هم المسلمون وأن من كفرهم وبذل جهده في عداوتهم والتنفير عن طريقتهم أنه لم يكن على صراط مستقيم، ولم يكن له في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، ولم يكن على منهج أهل السنة والجماعة؟ أفكان رسوله الله ﷺ وأصحابه لا يعادون المشركين والمنافقين ولا يكفرونهم؛ هذا لا يقوله إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات. لكن كان عليه الصلاة والسلام في حالة ضعف الإسلام وأهله قد أُمر باللين والرفق وترك أذى الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى: {وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُم} فلما قويت شوكة الإسلام وأهله أنزل الله عليه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم} وقد قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} فكان في حال جهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم يبذل النصيحة لعموم الخلق ويرحمهم ويشفق عليهم، لكن رحمته ولطفه وشفقته بالمؤمنين كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} فأخبر أن رأفته ورحمته بالمؤمنين لا بالكفار والمنافقين، بل كان عليهم غليظًا شديدًا، بل كان المقصود من إقامة الحدود هو رحمتهم وردعهم من الوقوع في المحرمات والمنهيات.

فهذا التلطف والشفقة والرحمة لا يجوز أن يعامل بها من ينكر علو الله على خلقه ويعطل أسماءه وصفاته، بل يعامل بالغلظة والشدة والمعاداة الظاهرة؛ وكذلك لا يعامل بها من أشرك بالله وعدل به سواه.

وأما قول هذا المعترض: "ولا يقول يا كافر ويا مشرك ويا جهمي ويا فاسق ويا مبتدع" ونحو ذلك؛

فأقول: أما في حالة الدعوة إلى الله فلا ينبغي أن يكافحهم بهذه الألفاظ ابتداء، بل الواجب أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وأما كون المسلم دائمًا مع أعداء الله ورسوله في لين وتلطف فهذا لا يقوله من عرف سيرة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه، كما قدمنا أن ذلك منهم قد كان مبدأ الأمر وحال الضعف؛ وأما مع قوة شوكة المسلمين ودولتهم وبعد قيام الحجة وبلوغ الدعوة فحاشا وكلا. بل قد قال ﷺ لليهود: "يا إخوان القردة والخنازير" وكيف يكون اللين والتلطف دائما مستمرا وقد قال تعالى لنبيه محمد ﷺ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إلى آخر السورة، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية. وقال تعالى عن خليله إبراهيم إمام الحنفاء الذي قال الله فيه: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه} وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} وقال تعالى: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} وقال تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} قال ابن جرير رحمه الله تعالى ما ملخصه: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله فتبرؤوا من أعداء الله المشركين ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده، ويتبرؤوا من عبادة ما سواه، وأظهِروا لهم العداوة والبغضاء. وقوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ} على كفركم بالله وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا مودة [10] حتى تؤمنوا بالله وحده.

فصرح الإمام ابن جرير أن الله خاطب المؤمنين بأن يتبرؤوا من أعداء الله المشركين وأن يظهروا لهم العداوة والبغضاء وأن يبادوهم بذلك، وإظهار العداوة والبغضاء والبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله هو الإنكار باللسان بدليل قوله {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ} لأن عداوة القلب وبغضه لا تسمى إظهارًا لأنها أعمال قلبية، فلا بد من إظهار ما في القلوب من العداوة والبغضاء والبراءة من الشرك وأهله بالقول والعمل.

وقال البغوي رحمه الله على هذه الآية في آخر الكلام عليها: قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين فأظهروا لهم العداوة والبراءة، فلما علم الله شدة وجد المؤمنين بذلك أنزل الله عز وجل: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} انتهى. [11]

وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في رده على ابن منصور: والهجرة إلى الحبشة، ومقام أبي بكر الصديق يتلو القرآن ويظهر دينه، كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في وجوب التصريح بالعداوة وأنه لا رخصة مع الاستطاعة، ولولا ذلك لم يحتاجوا إلى الهجرة، ولو تركوها في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته وأن يقول: أنتم سيوم بأرضي، ولكان كل مسلم يخفي إيمانه ولا يبادر المشركين بشيء من العداوة فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة، بل تمشي الحال على أي حال كما هي طريقة من لا يعرف ما أوجب الله من عداوة المشركين وإظهار دين المرسلين، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين ومباداة قومهم بإظهار الإسلام وعيب ما هم عليهم من الشرك وتكذيب الرسول وجحد ما جاء به من البينات والهدى لما حصل من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان ما يوجب الهجرة واختيار بلد النجاشي وأمثالها من البلاد التي تؤمن فيها الفتنة والأذية. فالسبب المقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام ومباداة أهل الشرك بالعداوة والبراءة، بل هذا مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي الآلهة عما سوى الله صريح في البراءة منه والكفر بالطاغوت وعيب عبادتهم وعداوتهم ومقتهم، ولو سكت المسلم ولم ينكر كما يظنه هذا الرجل لألقت الحرب عصاها ولم تدر بينهم رحاها كما هو الواقع ممن يدعي الإسلام وهو مصاحب معاشر عباد الصالحين والأوثان والأصنام، فسحقًا للقوم الظالمين. انتهى.

وإذا كان أعداء الله الجهمية وعباد القبور قد قامت عليهم الحجة وبلغتهم الدعوة منذ أعصار متطاولة، لا ينكر هذا إلا مكابر، فكيف يزعم هؤلاء الجهلة أنه لا يقال لأحدهم: يا كافر، ويا مشرك، ويا فاسق، ويا متعور، ويا جهمي، ويا مبتدع، وقد قام به الوصف الذي صار به كافرا، أو مشركا، أو فاسقا، أو مبتدعا وقد بلغته الحجة وقامت عليه، مع أن الذي صدر من القبورية الجهمية هؤلاء لم يكن من المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على الإنسان فَيُتَوقَّف في حال أحدهم؛ لكن قد علم بالضرورة من دين الإسلام أن من جحد علو الله على خلقه وأنكر صفاته ونعوت جلاله أنه كافر معطل، لا يشك في ذلك مسلم، فكيف يظن بالإخوان أنهم يقولون للمسلم السني: يا جهمي، وليس كذلك، أو يا كافر أو يا مبتدع.

وقد قال الإمام مالك لما سأله رجل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا؛ وأمرَ به فأُخرج عن مجلسه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وهو في السجن لما طلب منه أعداؤه أن يوافقهم على أمر كتبوه في ورقة، وقالوا: المطلوب منه أن يعتقد هذا، فأبى عليهم، فأعادوا عليه الجواب، فأبى وأغلظ لهم في الجواب قال: فرفعت صوتي وقلت: يا زنادقة يا كفار يا مرتدين أو كلامًا نحو هذا - ذكره في التسعينية.

وأما قوله: "وفي هذا الزمان مع أنهم لا يقول لهم أحد شيئًا، بل يتعوذون منه شرهم، ولكن لم يتركوا أحدًا، بل قالوا لبعضهم: يا كافر، ولبعضهم: يا مشرك، ولبعضهم: يا مبتدع، ويا جهمي، ويا متعور، وبعضهم لا يُسَلِّمون عليه، وبعضهم لا يردون عليه السلام"؛

فأقول: هذا جواب جاهل مُتَمَعْلِم، لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فإنه لا يتوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومباداة أعداء الله ورسوله وأعداء دينه بالعداوة والبغضاء على كون أعداء الله ورسوله لا يقولون لأحد شيئا، بل يتعوذون من شرهم، لأن مباداة أعداء الله بالعداوة والبغضاء هو الواجب، وترك ذلك من المداهنة؛ وللشيطان وأعوانه غرض في الطائفتين قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.

وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ** لم تدم ناقتهم بسف قدار

وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرٌّ كما يقوله هذا الجاهل.

فإن كان الكلام مع جهمي ينكر علو الله على خلقه ويعطل أسمائه وصفاته، كان هذا الفعل خيرًا محضًا لا شر فيه، وتسميته شرًا يوقع في الفتنة التي توبق صاحبها وتحلق بأهل الوعيد، نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكذلك لو كان هذا مع إباضي أو مع عباد القبور، والأمر أشد من ذلك وأعظم.

فإن كان مع من يواليهم ويجالسهم فقوله لأحدهم: يا كافر أو يا جهمي خطأ، فإنه لا يقال هذا إلا لكافر أو جهمي قد قامت عليه الحجة وبعد ذلك كابر وعاند. ومن والاهم وجادل عنهم بعدما تبين له الحق واتضح له كلام العلماء في تكفيرهم وتحققوا أنه قد بلغتهم الحجة وقامت عليهم بإنكار أهل الإسلام عليهم، وإن لم يفهموا الحجة ثم كابر وعاند فإن كان عن تأويل فلا أدري ما حاله، وأمره شديد ووعيده أشد وعيد إن كان غير ذلك. فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهدى، من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا ومن لم يجعل الله نورًا فما له من نور.

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:

ولنذكر من كلام الله تعالى وكلام رسوله وكلام أئمة العلم جملًا في جهاد القلب واللسان ومعاداة أعداء الله وموالاة أوليائه، وأن الدين لا يصح ولا يدخل الإنسان فيه إلا بذلك.

فنقول: باب وجوب عداوة أعداء الله من الكفار المرتدين والمنافقين، وقول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم} وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إلى قوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} وقوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}.

وقال الإمام الحافظ محمد بن وضاح: أخبرني غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم أخي أنا ما حملني على الكتب إليك إلا ما ذكر أهل بلدك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك للناس وحسن حالك مما أظهرت من السنة وعيبك لأهل البدع وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك وشد بك ظهر أهل السنة وقواك بإظهار عيبهم والطعن عليهم، فأذلهم الله بك وصاروا ببدعتهم مستترين، فأبشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى، وإحياء سنة رسول الله ﷺ، وقد قال ﷺ: "من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وضم بين أصبعيه. وقال: "أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة" فمتى يدرك أجر هذا شيء من عمله؟ وذكر أيضا: "أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا لله يذب عنها وينطق بعلامتها".

فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه قال: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من كذا وكذا" وأعظم القول فيه، فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك إلفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة، كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة، ونية وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفًا من نبيك ﷺ، فإنك لن تلق الله بعمل يشبهه.

وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب، فإنه جاء الأثر "من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام". وجاء "ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى" وقد وقعت اللعنة من رسول الله ﷺ على أهل البدع وأن الله لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا ولا فريضة ولا تطوعًا، وكلما زادوا اجتهادًا أو صومًا وصلاة ازدادوا من الله بعدًا، فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله ﷺ وأئمة الهدى بعده. انتهى كلامه رحمه الله.

واعلم رحمك الله أن كلامه وما يأتي من أمثاله من السلفة في معاداة أهل البدع والضلالة ضلالة لا تخرج عن الملة، لكنهم شددوا في ذلك وحذروا منه لأمرين:

الأول: غلظ البدعة في الدين في نفسها، فهي عندهم أجل من الكبائر، ويعاملون أهلها بأغلظ مما يعاملون أهل الكبائر، كما تجد في قلوب الناس اليوم أن الرافضي عندهم ولو كان عالما عابدا أبغض وأشد ذنبا من السني المجاهر بالكبائر.

والأمر الثاني: أن البدعة تجر إلى الردة الصريحة، كما وجد في كثير من أهل البدع.

فمثال البدعة التي شددوا فيها مثل تشديد النبي ﷺ فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح، خوفًا مما وقع من الشرك الذي يصير به المسلم مرتدًا.

فمن فهم هذا فهم الفرق بين البدع وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة ومجاهدة أهلها والنفاق الأكبر ومجاهدة أهله، وهذا هو الذي نزل فيه الآيات المحكمات مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ}. [12]

قلت: فتأمل أيها المنصف ما ذكره هذا المعترض من قوله: "فلما رأينا ناسًا في هذا الزمان جعلوا همتهم وسعيهم في تكفير المسلمين وإيذائهم وتفسيقهم، وضيعوا أوقاتهم ونفروا المسلمين عن الصراط المستقيم" وهؤلاء المسلمون عندهم كالجهمية والإباضية وعباد القبور، كما ذكره الإخوان عنهم، ويدل على ذلك قوله: "بل قالوا لبعضهم: يا كافر، ولبعضهم: يا مشرك، ولبعضهم: يا مبتدع، ويا جهمي".

ثم تأمل ما ذكره الإمام أسد بن موسى فيما كتبه إلى أسد بن الفرات وقوله: "مما أظهرت من السنة وعيبك لأهل البدع وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك وشد بك ظهر أهل السنة وقواك عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم، فأذلهم الله بك وصاروا ببدعتهم مستترين".

وهذا الجاهل المعترض وأصحابه الذين وازروه وقاموا معه فإنهم ينكرون على من أظهر عداوة الجهمية والإباضية وعباد القبور، ويشنعون عليهم ويصنفون في الرد عليهم والذب عن هؤلاء الكفرة، ويسمونهم المسلمين ويعيبون على أهل الإسلام بأنهم جعلوا همتهم وسعيهم في تكفير من أنكر علو الله على خلقه وعطل أسماءه وصفاته، وأنهم بهذا نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم. والصراط المستقيم عند هؤلاء هو: التلطف بهم والنصيحة لهم واللين عليهم، لأن هذا بزعمهم هو دعوة رسول الله ﷺ وسيرته. وما علم هؤلاء أن هذا كان في بدء الأمر قبل أن تنزل آية السيف والجهاد، ثم نسخ هذا كله وأمر أن يجاهدهم حتى يكون الدين كله لله.

وتأمل أيضا ما ذكره أسد بن موسى من قوله: "وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب، فإنه جاء في الأثر: «من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام»."

ثم تأمل قيام هؤلاء في نحر طلبة العلم الذين يحذرون عن مجالسة الجهمية ومواكلتهم وأكل ذبائحهم والركون إليهم.

ثم انظر إلى كلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى من أن هذا الكلام وما يأتي من الكلام بعده من كلام السلف أنه في معاداة أهل البدع والضلال الضلالة التي لا تخرج عن الملة، فكيف الكلام في الجهمية الذين كفرهم السلف كما قال ابن القيم رحمه الله في الكافية الشافية:

ولقد تقلد كُفرَهُم خمسون في ** عشر من العلماء في البلدان

واللالكائي الإمام حكاه عنهم ** بل قد حكاه قبله الطبراني

وذكر أيضا أن كل أهل السنة أثنوا على خالد بقتل جعدًا، قال رحمه الله:

شكر الضحية كل ناصر سنة ** لله درك من أخي قربان

وكذلك عباد القبور فإنهم ليسوا من أهل الأهواء والبدع، بل يسميهم السلف: الغلاة، لمشابهتهم النصارى في الغلو في الأنبياء والصالحين.

ثم قال الشيخ رحمه الله: قال ابن وضاح في البدع والحوادث بعد حديث ذكره سيقع في هذه الأمة الكفر وفتنة الضلالة - قال رحمه الله: إن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال، وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي والأموال.

وقال رحمه الله أيضا: أخبرنا أسد أخبرنا رجل عن ابن المبارك قال: قال ابن مسعود: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا من أوليائه يذب عنها وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا.

ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال: "لأن أرد رجلا عن رأي سيء أحب إلي من اعتكاف شهر" أخبرنا أسد عن أبي إسحاق الحذاء عن الأوزاعي قال: "كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم وتشمئز منهم قلوبهم ويحذرون الناس بدعتهم. قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس ما كان لأحد أن يهتك سترا عليهم أو يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها وبالتوبة عليها، فأما إذا جهروا فنشر العلم حياة والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة يعتصم بها على مصرّ ملحد.

ثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة وأبو موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلا ضرب بسيفه غضبا لله حتى قتل، أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى: في الجنة. فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول -حتى فعل ذلك ثلاث مرات- فلما كان من الثالثة قال: والله لا أستفهمه، فدعا به حذيفة فقال: رويدك إن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يصب الحق ولم يوفقه الله للحق فهو في النار. ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا.

ثم ذكر بإسناده عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك.

ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخل النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه.

وبإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام.

أخبرنا أسد بن موسى قال أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليك ما تعرفون. قال أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب.

أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا زيد عن محمد بن طلحة قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أهل البدع ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. [13]

وذكر الشيخ كلامًا طويلًا في هذا المعنى في إفادة المستفيد.

وروى الحاكم والبيهقي عن أنس رضي الله عنه: تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضى الله عنكم بسخطهم.

قال المناوي رحمه الله في شرح الجامع الصغير على هذا الحديث: تقربوا إلى الله أي اطلبوا رضاه ببغض أهل المعاصي من حيث إنهم أهل المعاصي لا لذواتهم، فالمأمور ببغضه في الحقيقة إنما هو تلك الأفعال المنهية، والقوهم بوجوه مُكفَهِرَّة أي عابسة قاطبة فعسى أن ينجح ذلك فيهم فينزجروا، والتمسوا أي اطلبوا ببذل الجهد رضى الله عنكم بسخطهم فإنهم أعداء الدين، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم فإن مخالطتهم سم قاتل، وفيه شمول للعالم العاصي. ورواه ابن شاهين في كتاب الأفراد عن ابن مسعود بإسناد ضعيف. قال المناوي: وإسناد الأول واهٍ.

والمقصود ما قاله المناوي رحمه الله من أن مخالطتهم سم قاتل وأن أهل المعاصي أعداء الدين، فكيف بمخالطة أهل الكفر بالله من دعاة الأنبياء والأولياء والصالحين، والجهمية والإباضية أعداء الدين الخارجين عن طريقه المسلمين، والمجادلة عنهم والذب، وتضليل من نفر عن مجالستهم وتجهيلهم وآل به الجهل بطبع مقالته ونشرها في البلاد والعباد. سبحان من طبع على قلوب أكثر الناس.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:

القسم الرابع: من مخالطته الهلكة، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لآكله ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء.

وما أكثر هذا الضرب في الناس، لا كثرهم الله، وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول الله ﷺ الداعون إلى خلافها، فيجعلون السنة بدعة، والبدعة سنة، إن جَرَّدت التوحيد قالوا: تنقصت الأولياء والصالحين، وإن جردت المتابعة للرسول قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين، وإن وصفت الله بما وصف به نفسه وبما وصف به رسوله من غير غلو ولا تقصير قالو: ا أنت من المشبهين، وإن أمرت بما أمر [ الله به ] [14] رسوله من المعروف ونهيت عن المنكر قالوا: أنت من المفتنين، وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفهم قالوا: أنت من الملبسين، وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم فأنت عند الله من الخاسرين وعندهم من المنافقين؛ فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله ورسوله بإغضابهم، وأن لا تبالي بذمهم وغضبهم فإنه عين كمالك. انتهى. [15]

قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة، فانظر إلى مقالة هؤلاء في دعواهم على طلبة العلم أنهم نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم ثم انظر كلام ابن القيم رحمه الله ترى العجب العجاب.

وأما قول المعترض: "وبعضهم لا يسلمون عليه، وبعضهم لا يردون السلام"؛

فالجواب أن يقال: فرض هذا من الإخوان فيمن دون الجهمية والإباضية وعباد القبور، ممن يواليهم أو يجادل عنهم، وحينئذ فيقال: إن ترك السلام ابتداء وردا على من أحدث حدثا حتى يتوب منه كان من هدي رسول الله ﷺ، وعمل به الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فإنه ﷺ هجر كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه، وكانا من أهل بدر، لما تخلفوا عن الغزو معه عام تبوك، من الكلام والسلام، والحديث بذلك في صحيح البخاري، وقد كان هؤلاء المهجورين من الأفاضل الكرام وذوي الهيئات والاحترام، فهجرهم عن السلام والكلام لما أحدثوا حدثا أوجب لهم التعزير والتأديب والاهتضام، حتى تاب الله عليهم فتابوا ورجعوا إليه وأنابوا.

قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: وكان يهجر بعض المؤمنين، كما هجر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لأن المقصود دعوة الخلق إلى طاعة الله بأقوم طريق، فيستعمل الرغبة حيث تكون أصلح، والرهبة حيث تكون أصلح.

فبين رحمه الله أن المقصود دعوة الخلق إلى طاعة الله، فكان في الهجر إذا كان فيه مصلحة من الدعوة إلى الله، ومن هدي رسول الله ﷺ وسيرته فحسن.

وكذلك لما سلم عليه عمار بن ياسر رضي الله عنه وقد خلقه أهله بزعفران فلم يرد عليه السلام وقال: اذهب فاغسل عنك هذا.

وكذلك لم يرد السلام على من أعلى بنيان بيته حتى هدمه. ومن لبس بُردا أحمر مصمتا كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: مر بالنبي ﷺ رجل عليه بردان أحمران فسلم فلم يرد النبي ﷺ.

وفي الأدب المفرد للبخاري رحمه الله عن علي رضي الله عنه قال: مر النبي ﷺ على قوم فيهم رجل متخلق بخَلُوق، فنظر إليهم وسلم عليهم وأعرض عن الرجل، فقال الرجل: أعرضت عني؟ قال: "بين عينيك جمرة".

وفيه أيضا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "ولا تسلموا على شراب الخمر".

وفيه عن قتادة عن الحسن: "ليس بينك وبين الفاسق حرمة".

وقال ابن شهاب رحمه الله: أقام أخي أبو الخطاب معي في الدار عشرين سنة ما كلمته، وأشار أنه كان ينسب إلى الرفض.

وكان أبو حفص لا يكلم رافضيا إلى عشرة.

وقال القاضي أبو حسين: قرأت في بعض كتب أصحابنا أن ابن رجاء كان إذا مات بعكبر رجل من الرافضة فبلغه أن بزازا باع له كفنا أو غاسلا غسله أو حمالا حمله، هجره على ذلك.

وقال المهلب: ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية.

وقال في الفتح: وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطى خوارم المروءة ككثرة المزاح واللهو وفحش القول والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء، ونحو ذلك.

ولو ذهبنا نذكر أقوال العلماء لطال الكلام، والمقصود التنبيه على أن هذا من هدي رسول الله ﷺ، وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان هجر أهل المعاصي والبدع، ودرج على ذلك أفاضل العلماء من الأئمة الأعلام، فمن أخذ بهديهم وسار بسيرتهم فقد سار على الصراط المستقيم.

وقد ذكر المعترض في أول رسالته أن يجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم. فإذا تبين لك أن ما ذكرناه من هدي رسول الله ﷺ وهدي أصحابه، ومن سيرته وشأنه؛ ومع هذا كله قام في نحر من قام به واتبع هديه ﷺ في ذلك وسار بسيرته، وجهلهم وضللهم وزعم أنهم نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم، تبين لكل منصف أنه هو ممن نكب عن هذه الطريقة، ولم يسر على منهاج هذه الحقيقة، وأنه من المحرومين لا من المقلين ولا من المستكثرين، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.

وأما قوله: "بالله عليك أيها المنصف هكذا تكون الدعوة إلى الله وهكذا سيرة محمد ﷺ" إلى آخر كلامه؛

فأقول: نعم هكذا تكون الدعوة إلى الله، وهكذا سيرة محمد ﷺ، فمن كان له إطلاع ومعرفة بكلام الله ورسوله وكلام العلماء يعرف ما ذكرناه أنه من سيرة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه وسيرة السلف الصالح، وأما من جهل ذلك ولم يكن لديه معرفة ولا إلمام فإنه ينكر هذا ويظن أنه خلاف سنة رسول الله ﷺ وسيرته ودعوته.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي النبوي: وفي نهي النبي ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلف دليل على صدقهم وتكذيب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب، وأما المنافقون فجرمهم أعظم من أن يقابل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق ولا فائدة فيه، هكذا يفعل الرب بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظًا حذرًا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبًا أحدث الله له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب الشديد والعقوبة التي لا عافية معها، كما في الحديث المشهور: "إذا أراد الله بعبده خيرا عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده شرا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيرد القيامة بذنوبه" إلى آخر كلامه. [16]

فانظر إلى كلام ابن القيم رحمه الله وإلى ما قدمناه من كلام أهل العلم مما ذكره الحافظ محمد بن وضاح من سيرتهم ومعاداتهم أهل البدع ومقتهم وعيبهم لهم والتحذير عن مجالستهم، إذا تأمله المنصف الخالي عن ثوبي الجهل والتعصب عرف سيرة السلف الصالح والصدر الأول وتحقق ما هم عليه من الغير لله ولدينه، وتبين له جهل هؤلاء المعارضين.

والمقصود أن الإخوان كانوا على طريق مستقيم من هديه ﷺ وسيرته وسيرة أصحابه، فكفروا من كفره الله ورسوله وأجمع على تكفيره أهل العلم، وهجروا من السلام من لم يكفرهم ووالاهم وذب عنهم، لأنهم حملوهم على الجهل وعدم المعرفة، وأنه قد قام معهم من الشبهة والتأويل ما أوجبهم الجدال عنهم، لأن هذا عندهم من الدعوة إلى الله، فلذلك ما عاملوهم إلا بالهجر من السلام ابتداءً وردًا، فإذا كان هذا هجر النبي ﷺ أصحابه الصادقين المخلصين لما اقترفوا هذا الذنب اليسير، وتركه هجر المنافقين لأن جرمهم لا ينجع فيه التأديب بالهجر، فقبل عذرهم ووكل أمرهم إلى الله، وإنما تركهم عليه الصلاة والسلام من المعاقبة لأنه خاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا لأن جرمهم لا يحتمل هذا الأمر، وقد بسط الكلام على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في الصارم المسلول على شاتم الرسول، فالاعتراض والتشنيع على طلبة العلم بهجر أهل المعاصي، فضلا عن هجر أعداء الله ورسوله النافين لعلو الله على خلقه والجاعلين معه آلهة أخرى من دونه، خطأ عظيم واعتراض ذميم وخيم وجهل مفرط جسيم.

وأما قوله: "ومن أجل هؤلاء ساء الظنون بالناصحين، فإذا قال بعض الناس لمن يريدوا نصيحتهم يقولون: لا تقبلوا نصيحتهم إنهم يكفرون الناس، لا تقبلوا لهم نصيحة، وسبب ذلك جهل جهال بعض البله أن ما لنا في أسمائهم حاجة، الحر تكفيه الإشارة، يزعمون أنهم دعاة إلى الله ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وإفسادهم أكثر من إصلاحهم"؛

فأقول: سبحان الله ما أعظم شأنه وأعز سلطانه، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، كيف استرسل من يترشح للعلم مع الشيطان إلى أن بلغ به إلى هذه الغاية، فإن الشيطان قد فتح لكثير من الناس أبوابًا من الشُّبَه في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألقى على ألسنتهم هذه الشبهة ليتوصل بذلك إلى أن يترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن في ذلك تنفيرا للناس عن قبول النصيحة، ويظنون أن هذا من جهل الآمر والناهي، وأن العقل لا يسوغ هذا، وهذا العقل هو حظ كثير من الناس، بل أكثرهم، وهو عين الهلاك وثمرة النفاق، فإن أربابه يرون أن العقل إرضاء الناس جميعهم وعدم مخالفتهم في أغراضهم وشهواتهم واستجلاب مودتهم، ويقولون أصلح نفسك بالدخول مع الناس والتسلك معهم، ولا تبغض نفسك عندهم فلا يقبلوا لك نصحًا، وهذا هو إفساد النفس وإهلاكها، وفاعل ذلك قد التمس رضا الناس بسخط الله، وصار الخلق في نفسه أجل من الله، ومن التمس رضى الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، فمن نصح نفسه وأراد نجاتها فليلتمس رضا الله بمعاداة أعداء الله ورسوله، ويعلم أن أصل الأصول لا استقامة له ولا ثبات إلا بمقاطعة أعداء الله وجهادهم والبراءة منهم والتقرب إلى الله بمقتهم وعيبهم، وقد قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}. وأكثر الناس إنما يتعبد بما يحسن في العادة، ويثنى عليه به، وما فيه مقاطعة ومجاهدة وهجر في ذات الله ومراغمة لأعدائه فذاك ليس منه على شيء، بل ربما ثبَّط عنه وقدح في فاعله، وهذا كثير في المنتسبين إلى العادة والمنتسبين إلى العلم والدين، والشيطان أحرض شيء على ذلك منهم، لأنهم يرونه غالبًا دينًا وحسن خلق فلا يتاب منه ولا يستغفر، ولأن غيرهم يقتدي بهم ويسلك سبيلهم فيكونون فتنة لغيرهم، ولهذا حذر الشارع من فتنة من فسد من العلماء والعباد وخاف على أمته، فالمؤمن إذا حصل له ظهر بحقائق الإيمان وصار على نصيب من مرضاة الملك الرحمن، فقد حصل له الحظ الأوفى والسعادة الكبرى، وإن قيل ما قيل.

إذا رضي الحبيب فلا أبالي ** أقام الحي أم جد الرحيل

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:

أصل الدين وقاعدته أمران:

الأول: الأمر بالعبادة لله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه وتكفير من تركه.

الأمر الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله تعالى، والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله. انتهى. [17]

فلا بد من تكفير من فعل الشرك والإنذار عنه والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه، وكذلك موالاة من أمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك، وتكفير من ترك عبادة الله. ونسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين لسلوك صراطه المستقيم.

وقوله: "ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عليما فقيها حليما صبورا"؛

فأقول: هذا حق وهو الواجب، ولكن لا يدفع هذا في نحر من أظهر عداوة أعداء الله الجهمية والأباضية والمرتدين، وإن كان المعادي لهم ليس بعالم ولا فقيه ولا حليم، بل على المسلم أن يعادي أعداء الله بحسب علمه وفهمه، وأن لا يتجاوز المشروع، وقد قال ﷺ: "من رأى منكم منكرا فليغره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". [18]

وأما قوله: "أما تكفيكم هذه الآية: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} أي بالترغيب والترهيب، وجادلهم بالتي هي أحسن، أي جادلهم بالبراهين المسلمة التي يُقِرُّ بها كل واحد، هكذا في الحسبة لشيخ الإسلام"؛

فأقول: هذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه إذا دعاهم إلى الله بما ذكر من الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ولم يرتدعوا ولم ينتهوا أنه لا يقاطعهم وينابذهم، ولا يبرأ إلى الله منهم.

وإذا كان ذلك كذلك فلا يخلو أمر هؤلاء الجهمية والإباضية والمرتدين من عباد القبور من إحدى ثلاث أمور:

إما أن يكونوا قد دعوتموهم بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلتموهم بالبراهين التي يُقِرُّ بها ويسلمها كل أحد، فقبلوا ما دعوتموهم إليه من الهدى ودين الحق، فرجعوا عن ضلالتهم وتابوا وأنابوا والتزموا بما كان عليه أهل السنة والجماعة، وحينئذ يكون المعادي لهم والمعترض عليكم وعليهم مخطئا ظالمً متعديا.

وإما أن يكونوا لم يقبلوا ما دعوتموهم إليه من الهدى ودين الحق وطريقة أهل السنة والجماعة، بل كابروا وعاندوا وتمردوا وشَرَدُوا على الله شِراد البعير على أهله، فتكون الحجة قد قامت عليهم، وحينئذ فلا مانع من تكفيرهم وإظهار عداوتهم والبراءة منهم وبغضهم والتنفير عنهم ومباعدتهم ومقاطعتهم، لأن الحجة قد بلغتهم وقامت عليهم.

وإما أن يكونوا لم تدعوهم أنتم ولم تناصحوهم، فتكونوا أنتم حينئذ من أنصارهم وأعوانهم والذابين عنهم قبل دعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإقامة الحجة عليهم: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} وجعلتم أنفسكم دونهم هدفًا، تصنفون في الرد على من عاداهم وغلبهم ومقتهم ونشر عورتهم وخزيهم وضلالهم. أفلا تتقون يوما ترجعون فيه إلى الله.

وأما قوله: "فإذا كان هذا الأمر لسيد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بل لكل نبي، وأمرهم الله بالصبر في مواضع القرآن، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة"؛

فأقول: هذا حق، لكن هذا كان في أول الإسلام. وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في المواضع التي نقلها من السيرة وتكلم عليها، قال:

الموضع الثاني: أنه ﷺ لما قام ينذرهم عن الشرك ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم وتسفيه آرائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا وعاب ديننا وشتم آلهتنا؛ ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة، والصالحين، لكن لما ذكر أنهم لا يُدعَون وأنهم لا ينفعون ولا يضرون جعلوا ذلك شتما.

فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. فإذا فهمت هذا فهما جيدا عرفت أن كثيرا من الذين يدّعون الدين لا عَرَفَهَا ولا فَهِمَهَا، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة، مع أنه ﷺ أرحم الناس، ولو وجد لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أُنزل عليه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه ذا أو ذي فكيف بغير ذلك. انتهى. [19]

فتبين أن هذا كان من رسول الله ﷺ في أول الأمر، فلما أُنْزِلَ عليه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} بادأهم بسب دينهم وتسفيه آرائهم، شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، إذًا فإن من عادى أعداء الله ورسوله وصرح بتكفيرهم والبراءة منهم عادوه وآذوه ولا بد؛ فهذه كانت حال رسول الله ﷺ وسيرته ودعوته إلى الله، ومع ذلك فهو أرحم الناس وأحسنهم تلطفا ودعوة إلى الله، ولنا في رسول الله أسوة حسنة كما قد بيناه فيما مضى.

وأما قوله: "فأمرهم بالصبر في مواضع من القرآن والأحاديث"؛

فأقول: هذا حق، وهو خلاف ما تدعون. فإنه أمرهم بالصبر على الأذى وعلى الدعوة إلى الله وتحمل المشاق، ولم يأمرهم بالصبر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى التسلك مع الناس والتطلف لهم مع الإصرار على معاصي الله، لأن في نهيهم وأمرهم بما أمر الله به ورسوله تنفيرا لهم عند هؤلاء الجهال. وقد تقدم من كلام الأئمة ما يكفي ويشفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ومن المعلوم أن الصبر من صفات عباد الله المخلصين، كما شاع وذاع، وفي وصف [20] الإمام أحمد رحمه الله: "عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها" وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} فبالصبر تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} وقوله: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} وفي بعض المراسيل: "إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات".

فمن جادل عن أهل البدع فضلًا عن أهل الكفر بالله فقد خالف طريقة السلف الذين أمرهم الله بالصبر على أذى أعداء الله ورسوله، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} وليس الصبر المحمود المأمور به أن يكون الإنسان مع أعداء الله وأعداء رسله ودينه دائمًا في تطلف وتملق، مع الإغضاء على ركوب المحارم والإصرار عليها والعلم اليقين أنهم على ما كانوا عليه في المعتقد، ثم يتلطف الشيطان له بأن يزين له أنه إذا ناصحه عما كان عليه تعذيرا لهم، أنه قد صبر على الأذى وعلى الدعوة إلى الله، ثم إذا كان من الغد آكله وشاربه وانبسط إليه. ففي المسند والسنن عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود [21] قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من كان قبلكم إذا عمل العامل بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه كأن لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم". [22]

فالتسلك مع الناس وإرضاؤهم بسخط الله، والتلطف لهم وترك أذاهم عند مخالفة أمر الله ورسوله ودعوى أن هذا من الصبر على الدعوة إلى الله: هذا الذي يحوم حوله هؤلاء الجهال وهو عين مخالفة أمر الله ورسوله، مع أن هذا لو سلم لهم كان فرضه في أهل المعاصي والذنوب من أهل الإسلام مع مجاهدتهم وهجرهم، فأما الجهمية والإباضية وعباد القبور، فالرفق بهم والشفقة عليهم والإحسان والتلطف والصبر والرحمة والتبشير لهم، مما ينافي الإيمان ويوقع في سخط الرحمن، لأن الحجة بلغتهم منذ أزمان. وقال الله {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. وهذا يكفي في جواب ما بقي من كلامه بما هو داخل في هذا المعنى.

وأما ما ذكره عن بعض الجهال أنهم إذا رأوا أحدا يأمر بسنة النبي ﷺ أو يفعلها أنكروا عليه، مثل أن يفعل جلسة الاستراحة والتسبيح بيده اليمنى أو صلى في بعض الأوقات في نعاله ما رأينا مشايخنا يفعلون ذلك.

فأقول هذا لا يصدر إلا من جاهل ليس عنده علم بسنن رسول الله ﷺ، فما سنّه رسول الله ﷺ أو فعله مما ليس من خصائصه أو أمر به فهو الحق، وعلى كل مسلم أن يقبل ذلك ولا يعارضه بقول أحد كائنًا من كان. وقد أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ كائنًا من كان، وليس هذا خاصًا بالسنن المذكورة فقط، بل هذا في كل سنة سنها رسول الله ﷺ وأمر بها أو فعلها ليقتدى به فيها. لكن جلسة الاستراحة مما تنازع فيها العلماء، هل هي من سنن الصلاة أو سنة للحاجة إليها، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

والنزاع في هذا أسهل في جنب ما أسلفناه. فقد أوضحنا فيما تقدم وجوب معاداة أعداء الله وأعداء رسوله، فإن هذا من الواجبات الدينية؛ وأما جلسة الاستراحة والصلاة في النعلين وغيرهما من السنن فليس هي من الواجبات، بل من فعلها فقد أحسن، ومَن لا فلا حرج عليه. وقد ذكرنا فيما تقدم أقوال أئمة الإسلام من السلف والخلق في تكفير الجهمية وعباد القبور وأنه قد بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة، وذكرنا أقوالهم في التحذير عن سائر أهل الأهواء والبدع وعدم مجالستهم والسلام عليهم ووجوب هجرهم والبعد عنهم. فمن أوهم العامة الذين لا معرفة لهم بمقالات الطوائف بأن هؤلاء الجهمية وعباد القبور والإباضية حكمهم وما يقال فيهم حكم أهل الفترات ومن ليس عندهم من آثار الرسالة والنبوات ما يعرفون به الهدى، ممن لم تقم عليه الحجة ببلوغ الدعوة، وحكم من أخطأ في المسائل التي تنازع فيها أهل القبلة مما قد يخفى دليله: فقد لبّس الحق بالباطل وفتح باب المغالطة وأوقع العامة في الشر. فالواجب عليكم أن تقوموا لله مثنى وفرادى، وأن تنظروا بعين البصيرة في كلام أئمة الإسلام، وأن لا تأخذكم العزة بالإثم، وتنظروا وتناظروا، فإن من شأن المسلمين والمؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا. فإن أشكل عليكم شيء مما ذكرناه فاطلبوا الدليل وعلينا أن نجيبكم إلى ذلك، والحق ضالة المؤمن.

وأما الإباضية فهم فيما نعلم أنهم من جنس الخوارج أو طائفة منهم أتباع عبد الله بن أباض وأتباع حفص بي أبي المقدام وأتباع يزيد بن نسية وأتباع أبي الحارث فعقيدتنا فيهم ما ذكره الإمام أحمد في كتاب السنة.

وأما هؤلاء فأظن أنهم ليسوا على مذهب أوائلهم وأسلافهم، بل قد بلغنا عنهم أفعال في الصلاة وغيرها لا يفعلها يؤمن بالله واليوم الآخر، وهم مع ذلك فيما بلغنا أنهم ممن يعتقد بالأولياء والصالحين فيكونون من جملة عباد القبور، وهم يكفرون بالذنوب وينفون الحوض والشفاعة ويفسقون الصدر الأول من الصحابة، ويعتقدون عقيدة المعتزلة في نفي الصفات؛ ومن كان بهذه المثابة فلا شك في كفره وهجره وعدم موالاته، ومن والاهم وذب عنهم فقد جهل طريق الحق وسبيل السلف.

وأما ما ذكر في الفصل الأول من النصيحة فحق لا مرية فيه، والذي ظهر لنا أنما يفعله الإخوان من طلبة العلم في عُمان أنه من النصح لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم في معاداتهم للجهمية وعباد القبور والإباضية، وتحذير الناس عنهم وعن مجالستهم، وترك السلام عليهم وعلى من والاهم وجالسهم.

وكذلك ما ذكره في الفصل الثاني من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الواجبات، وما فعله الإخوان فهو من الواجب عليهم، واللين والرفق والتلطف فرض، وتقديره فيما هو دون تعطيل الصانع سبحانه عن أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وجحد علوه على خلقه، وأنه لا قدرة له ولا مشيئة ولا حياة ولا علم، ولا يقوم بفعل البتة، وفيما دون الشرك الأكبر من عبادة غير الله، وصرفها لمن أشركوا به مع الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، فإن هذا لا يعذر أحد في الجهل به، بل معرفته والإيمان به من ضروريات الإسلام، فعلى كل مسلم معاداة أهله ومقتهم وعيبهم والطعن عليهم؛ ومصلحة إنكاره راجحة على مفسدة ترك ذلك من كل وجه، فلا يدخل تحت ما دونه من المحرمات والذنوب والمعاصي؛ ولا يُلَبِّس بذلك إلا رجل مفتون مغموص بالنفاق، أو جاهل جهله مركب لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، أو رجل يبيع دينه بعرض من الدنيا.

وأما قول المعترض: "الفصل الثالث في الذب عن تكفير المسلمين"؛

فنقول أولا: من تعني بهؤلاء المسلمين الذين تذب عن تكفيرهم؟ فإن كانوا الجهمية وعباد القبور، فما أولئك بالمسلمين الذي يجب على المسلم أن يذب عنهم، بل هم أعداء الله وأعداء رسله وشرعه ودينه. وقد بينا فيما مضى من كلام أئمة الإسلام ما يكفي ويشفي لمن كان له قلب أو أذن أو واعية.

ومن ذلك ما أجاب به الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في جواب السؤال الذي ورد عليه من ساحل عُمان، وقد تقدم لكن نعيده هاهنا لأن هؤلاء يزعمون أنه ما قامت عليهم الحجة ولم تبلغهم الدعوة، إما مكابرة وعنادًا أو لغرض من الأغراض الدنيوية. قال فيه:

ووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين وهو أنه ينسب عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يصلي خلف الجهمية؛

وجواب هذا السؤال لو سلم من أوضح الواضحات عند طلبة العلم وأهل الأثر. وذلك أن الإمام وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة. وقد ذكر من صنف في السنة في تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر وعد اللالكائي رحمه الله منهم عددا يتعذر ذكره هنا في هذه الرسالة، وكذا ابن الإمام، عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة له، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة، وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم في كافيته عن خمسمائةٍ من أئمة المسلمين وعلمائهم. والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة غيره. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة خلفهم؛ وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها وبين ملا شعور له بذلك. وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس. وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة وظهر الدليل وعرفوا ما عليه أهل السنة واشتهرت الأحاديث النبوية وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد. كيف لا وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات وشهدت به الفطر السليمات ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدمًا لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون على الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات. ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عن الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادًا من بعض كلام هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره. وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كانت لهم شوكة ودولة. والنصوص في ذلك معروفة مشهورة نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها. وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم. انتهى.

فإن كان هؤلاء هم المسلمون عندكم فهذا كلام الأئمة في تكفيرهم، وإن كانوا غير هؤلاء سيأتي الجواب عنه.

وأما قوله: "قال تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى بعد أن سئل عن رجلين تكلما في مسألة التكفير فأجاب: إنما أصل التكفير للمسلمين من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين، لما يعتقدون أنهم أخطئوا فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، وليس كل من يترك قوله بخطأ أخطأه يكفر، ولا يفسق، ولا يؤثم، فإن الله قال في دعاء المؤمنين: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال الله: "قد فعلت" إلى أن قال: "ومن المعلوم أن المنع عن تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في هذه الباب، بل رفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من أحق الأغراض الشرعية، حتى لو فرض أن القائل رفع التكفير عمن يعتقد أنه ليس بكافر حماية لأخيه المسلم لكان غرضًا شرعيًا، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب له أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فبكل حال هذا القائل محمود على ما فعل، مأجور على ذلك مثاب إذا كانت له فيه نية حسنة، والمنكر له أحق بالتعزير منه". انتهى. [23]

فالجواب أن يقال: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حق وصواب لا يمتري فيه عاقل فضلًا عن العالم، وهذا هو الدين الذي ندين الله به ونعتقده. فإن كان الكلام في الجهمية وعباد القبور والأباضية وأنهم داخلون تحت كلام الشيخ فقد تقدم الجواب عن هذا، فإنهم عند أهل السنة والجماعة كفار، ولكن قد كان من المعلوم بالضرورة أن إدخالهم في كلام الشيخ من الإفك الفاضح والبهتان الواضح الذي لا يشك فيه من عرف يمينه من شماله. فمن كفرهم لا يكون في عداد الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين لما يعتقدون أنهم أخطئوا فيه، فإن الجهمية وعباد القبور والأباضية ليسوا من أئمة المسلمين، بل قد ذكر شيخ الإسلام عن الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه لما سئل عن الجهمية فقال: ليسوا من أمة محمد ﷺ. وقال الشيخ أيضا: من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، قاله في الإقناع وشرحه. بل من كفرهم وأظهر عداوتهم وعيبهم ومقتهم يكون من جملة أهل السنة والجماعة الذين ينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر.

وإن كان الكلام فيمن يذب عنهم ويجادل بالباطل دونهم خطأ، فالذي بلغنا عن الإخوان من أهل عمان أنهم يبرؤون إلى الله من تكفير هؤلاء الذابين والمجادلين، وعن أنهم لا يكفرون بالعموم كما يزعم الخصوم، ولا عندكم عليهم شهود بنثر القول ومنظوم، كما عندهم عليكم من الحجة المشهورة ما بين طبعٍ ونظمٍ، ويقولون إنما الكلم في الجهمية وعباد القبور والأباضية، ويقولون لم يصدر من على من جادل عنهم إلا الإنكار عليهم وهجرهم وترك السلام عليهم، فإذا كان ذلك كذلك كان الرد والتشنيع بالباطل على الإخوان من الصد عن سبيل الله ومن الاتباع للهوى والعصبية.

وغاية مرامهم أن تمشي الحال مع من هب ودرج، وأن لا يكون في ذلك من عار ولا حرج، هذا إن أحسنا الظن بهؤلاء الذابين عمن خرج عن سبيل المؤمنين، وأنه صدر ذلك منهم عن شبهة عرضت لهم أن هؤلاء الجهمية وعباد القبور والأباضية داخلون في كلام الشيخ -أعني شيخ الإسلام ابن تيمية- وأنه لم تبلغهم الدعوة ولم تقم عليهم الحجة، مع أن هذا إن كان هو الشبهة العارضة لهم فهو من أبطل الباطل، فإنه لا يشك أحد عرف الإسلام وما يجب لله فيه على المسلمين وما حرمه الله تعالى من موالاة أعداء الله المشركين والمعطلين لأسماء الله وصفاته ونعوت جلاله أن هؤلاء الجهمية قد قامت عليهم الحجة وبلغتهم الدعوة منذ أعصار متطاولة، وأنه قد جرى بينهم وبين أهل الإسلام مخاصمة ومجادلة عديدة، كما قدمناه من سؤالهم مشايخ الإسلام وجوابهم، وعندنا جملة رسائل وأجوبة مسائل في الرد عليهم وتبيين ضلالهم وزيغهم وإدحاض حججهم بالبراهين والدلائل من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الأمة، فليس لهم بعد هذا من عذر ولا حجة يحتجون بها إلا المكابرة والعناد، نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ثم قال المعترض: "فائدة منقولة من كلام شيخ الإسلام رحمة الله عليه في جواب له في الطائفة القدرية. قال: كل من كان من المتنسكة والمتعبدة والمتفقهة والمتقعرة والأغنياء والكتاب والحساب والأطباء والعامة خارجًا عن دين الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجبه الله ورسوله، ولا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله ظاهرا أو باطنا، مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يعينه، أو كان يعبد شيخه ويدعوه ويسجد له، لو كان يفضله على النبي ﷺ تفضيلا مطلقا أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله، أو كان يرى أنه هو وشيخه مستغن عن متابعة الرسول؛ فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه. وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة العلم والإيمان وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان. وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وآثار النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويعفو الله فيه لمن لم تقم عليه الحجة ما لم يغفره لمن قامت عليه الحجة، كما جاء في الحديث المعروف: "يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، قال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار". وأصل ذلك أن المقالات التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر مطلقا، كما دل على ذلك الدليل الشرعي، فإن الإيمان والكفر من أحكام المتعلقات عن دين الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه مثل إن قال: إن الزنا والخمر حلال لقرب عهده بالإسلام والنشأة ببادية بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا من أحاديث النبي ﷺ كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي ﷺ قالها، أو كما كان الصحابة رضي الله عنهم يشكون في شيء مثل رؤية الله تعالى فيسألون عن ذلك النبي ﷺ، ومثل الذي قال: إذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد من العالمين، فأمر الله البر برد ما أخذ منه والبحر برد ما أخذ منه وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشية منك يا رب، فغفر له. فهذا يشك في قدرة الله في المعادة، بل ظن أنه لا يعود وأنه لا يقدر عليه إذا فعل ذلك، فغفر له. وهذه مسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. وهذا الحديث في الصحيح. فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، كما قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وقد أشبعنا الكلام في القواعد. انتهى. [24]

والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب كثير من الناس حتى قلبوا الحقائق. فإن من زعم أن حكم من نشأ بين أهل الإسلام كجهمية دبي وأبي ظبي الذين بلغتهم دعوة أهل الإسلام يبينون لهم ويجادلونهم ومع هذا كله يكابرون ولا يرعوون عما كانوا عليه من الضلال، حكمهم وما يقال فيهم حكمُ من كان قريب العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، فهل لأهل هذا القول حظ من النظر والدليل، أو هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل؟ وكلام شيخ الإسلام الذي أورده هؤلاء الجهلة في القلندرية لا في القدرية. وهذا الكلام قد أورده داود بن جرجيس طاغية العراق فيما اعترض به على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. ومراد هؤلاء الجهال أن هؤلاء القلندرية ومن حذى حذوهم ممن ذكره شيخ الإسلام، ممن هو خارج عن دين الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، الذين لا يقرون بجميع ما أخبر الله على لسان رسوله، ولا يوجبون ما أوجبه الله ورسوله، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله، أو يدينون بدين يخالف الدين إلى آخر كلامه - أنه إذا وجد أحد من هؤلاء ممن لم تقم عليه الحجة ولم تبلغه الدعوة لا يكفر حتى تقام عليه الحجة. لا أن حكم الجهمية وعباد القبور والإباضية وغيرهم من طوائف الكفر -ممن قد نشأ في الإسلام وبين أظهر المسلمين ويسمعون كتاب الله وسنة رسوله ويقرؤون فيهما وكتب أهل الفقه وأهل الحديث قد انتشرت اليوم في جميع الأقطار أشد الانتشار، ويعرفون ما عليه أهل الإسلام، ثم يخالفونهم عمدًا على علم ومعرفة إلى ما عليه أسلافهم الماضين من الملاحدة والمشركين- حكم أحد هؤلاء القلندرية ومن حذى حذوهم ممن لم تبلغه الدعوة ولم تقم عليه الحجة. وقد أجاب على هذه الشبهة شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى، ثم اعلم أن لكل قوم وارث.

واعرف مواردهم تعرف مصادرهم ** وخذ قياسك تعليلا وتشبيها

قال الشيخ رحمه الله: والجواب أن يقال: هذا العراقي يتكثر بما ليس له ويخرج عن محل النزاع ويوهم الجهال أنه قد أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد. وهذا الكلام الذي حكاه عن الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، أو لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجبه الله ورسوله، أو لا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو كان يدين بدين يخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ ظاهرا أو باطنا مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يعينه، أو كان يعبد شيخه أو يسجد له أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلًا مطلقا أو مقيدا، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول ﷺ. قال: فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، منافقون إن أبطنوا.

فجزم بكفرهم وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفًا واحدًا، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من التكفير بالجزئيات ما هو دون مسألة النزاع بكثير.

وأما قوله: "وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة، فلقلة دعاة العلم وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغه ذلك، وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم ويغفر له ما لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة.." إلى آخر كلامه؛

فهذا هو الذي تمسك به العراقي -أعني هذا الكلام الأخير- فظن أنه له لا عليه؛ وهذا غلط ظاهر وجهل مستبين، فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته ومسبته ورده، كما فعل هذا العراقي، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأسا كحال جمهور عباد القبور، أو لم يعلم لكن تمكن من العلم ومعرفة الهدى فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ولا اهتم به.

وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من قامت الحجة الرسالية، ومن عرف دين الرسول بعد معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإن كنا لا نكفر من يعبد قبة الكوافر ونحوه لعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا.

ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله.

وإذا كان هذا شيخنا رحمه الله وهذه طريقته، فكيف يلزمه العراقي وينسب إليه التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات ومن لم تبلغهم الدعوة ليغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم. والعراقي لبّس الحق بالباطل وافترى على الشيخ ونسب إليه ما ليس من مذهبه وما لم يقل وألزمه ما هو بريء منه. انتهى. [25]

والمقصود أن هؤلاء أوردوا كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله في القلندرية وأشباههم الذين ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، كما أورد ذلك داود وشبّه به، فما أشبه الليلة بالبارحة.

والإخوان من طلبة العلم في عُمان إنما كلامهم في الجهمية وعباد القبور وفي الإباضية، وهؤلاء بين أظهر المسلمين وفي أوطانهم، ويتظاهرون بالإسلام ويناظرون على مذاهبهم ويجادلون أهل الإسلام؛ فقد قامت عليهم الحجة وبلغتهم الدعوة، ولم يكونوا في أماكن بعيدة عن أماكن أهل الإسلام ولا في أوقات فترات، ولا نشؤوا ببادية بعيدة عن أهل الإسلام، وعندهم من آثار النبوة وكتب الحديث ما لا يمكن جحده، ومع ذلك كله قاموا في عداوة الدين وأهله ولم يرفعوا بهذا الدين رأسا ولم يلتفتوا إلى ما كان عليه أهل السنة والجماعة، بل كابروا وعاندوا وأصروا على مذاهبهم واعتقاداتهم الخبيثة، وأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم.

وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله في جواب له: فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل؛ ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك، وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلّظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أن أصول هذه الفرق هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية، ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف، واحتج بحديث أبي هريرة. قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين، وإذا كان لا بد من إلحاقه -أي المخطئ- بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهًا من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيرا ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، وأولئك في الدرك الأسفل من النار. [26]

فتبين بهذا مراد الشيخ وأن كلامه في طوائف مخصوصة وأن الجهمية غير داخلين فيه، وكذلك المشركون وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة، فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان.

قال شيخنا رحمه الله: وهذا هو قولنا بعينه، فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر وإنما وقع في نوع من البدع، فهذا لا نكفره ولا نخرجه من الملة. وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه مسائل مخصوصة. وبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحج يفسد بترك أركانه، وهذا عين قولنا، بل هو أبلغ من مسألة النزاع. قال: وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحدًا، ليس من أهل الشرك، فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة "لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد" [27] فبطل الاحتجاج به على مسألة النزاع.

وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه. والمسألة ليست من محل النزاع، فإيراد العراقي لها هنا تكثرًا بما ليس له وتكبيرا لحجم الكتاب بما ليس يغني عنه فتيلا. [28]

قلت: وإيراد المعترض لكلام شيخ الإسلام ليس هو في محل النزاع أيضًا، فإن الإخوان لم ينازعوا في هذه المسائل ولم يكفروا بها أحدًا حتى يستدل عليهم بكلام شيخ الإسلام، لأن كلام الشيخ إنما هو في مسائل مخصوصة وفيما قد يخفى دليله في المسائل النظرية الخفية الاجتهادية، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

وأما جحد علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه بذاته المقدسة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه مباين لمخلوقاته، وكذلك نفي صفات كماله ونعوت جلاله؛ فهذا لا يشك مسلم في كفر من نفى ذلك، لأنه من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام ومما فطر الله عليه جميع خلقه إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. وأدلة ذلك من الكتاب والسنة معلومة مشهورة مقررة لا يخفى ذلك إلا على من أخلد إلى الأرض واتبع هواه وأضله الله على علم، وختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله.

ثم قال الشيخ: وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطأهم في هذه الباب الذي اجتهدوا فيه فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وهل قتل الحلاج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا بضلال اجتهاده، وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة وخلع ربقة الشريعة إلا اجتهادهم فيما زعموا، وهل قالت الرافضة ما قالت واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الاثني عشر وغيرهم ومسبة أصحاب رسول الله ﷺ وأم المؤمنين إلا باجتهادهم فيما زعموا هؤلاء. هؤلاء سلف العراقي في قوله: إن كل خطأ مغفور، وهذا لازم لهم لا محيص عنه، فقف هنا واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي. [29]

والمقصود أن هؤلاء الجهال أوردوا كلام شيخ الإسلام ظنًا منهم أن كل اجتهاد وكل خطأ مغفور، وأن الجهمية المنكرين لعلو الله على خلقه وعباد القبور المتخذين الأنداد والآلهة من دونه داخلون في هذا الكلام، وأنه مغفور لهم خطؤهم. سبحانك هذا بهتان عظيم.

واعلم أن هذا المعترض قد حذف من كلام شيخ الإسلام أوله فقال: فائدة منقولة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله في جواب له في الطائفة القدرية، وكلام شيخ الإسلام ليس في الطائفة القدرية بل في القلندرية؛ فلم يفرق الناقل بين اللفظين والطائفتين، فإن مذهب هؤلاء غير مذهب هؤلاء.

والكلام المحذوف من جواب شيخ الإسلام هو قوله: "وأما قول هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وليسوا من أهل الملة ولا من أهل السنة، وقد يكون فيه من هو مسلم لكنه مبتدع ضال أو فاجر فاسق. إلى أن قال: تجب عقوبة جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة وفجور، وليس ذلك مختصا بهم، بل كان من كان من المتفقهة والمتعبدة والمتكلمة." فانظر ماذا أراد بحذف هذا وما ملخصه فيه، فإن من كان من المتنسكة والمتفقهة إلى آخر كلامه ليسوا من الطائفة القلندرية.

فصل

ثم نقل نقلا آخر فقال: قال رحمه الله في موضع آخر بعد كلام ذكره: وحقيقة الأمر في ذلك أن القول يكون كفرا فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال من قال هذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، فهذا كما في نصوص الوعيد أن الله تعالى قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، يعني لا يقال هذا من أهل النار، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد يكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع؛ وكذلك الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد يكون بلغه ولم يثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق فإن الله تعالى يغفر له خطأه كائنا من كان، سواء كان في المسائل النظرية والعملية، هذا الذي عليه أصحاب محمد ﷺ وجماهير أئمة المسلمين من أهل السنة. [30] انتهى كلام شيخ الإسلام باختصار.

والجواب أن يقال: أما كلام شيخ الإسلام في عدم تكفير المعين فالمقصود به في مسائل مخصوصة قي يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورا كفرية من أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرا ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم بنفس النص أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ولذلك ذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء. وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله. وبهذا تعلم غلظ هؤلاء المشبهين بكلام شيخ الإسلام وجهلهم وعدم معرفتهم ولبسهم الحق بالباطل لدى العامة أو شبيها بالعامة، فإن هاتين البلدتين قد بلغتهم الحجة، والحجة القرآن والحديث وعقائد الأئمة الأربعة، وناظروهم مرات عديدة علماؤنا ولم يزدادوا إلا تمردا وعنادا إلى الإصرار على التجهم ودعوة غير الله والذبح لغير الله كما هو مشهور منهم من أعوام متطاولة.

قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله في رده شبهات داود ابن جرجيس: والجواب أن شيخنا رحمه الله قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: إن من تأمل كلامه رحمه الله وجده يصله بما يفصل النزاع ويبين المراد، وقد بين في هذا النقل بيانا يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى. وهذا البيان كاف فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يكفر أحدا قبل قيام الحجة، وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرد والدفع، فسياق هذه العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخييل وهوس. [31]

قلت: تأمل رحمك الله أيها المصنف ما قاله الشيخ رحمه الله أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى قال في إدخال هذه الشبهة التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية إلى آخره: إن من شبه بها كان مبطلًا، لأنه ما عرف كلام شيخ الإسلام حيث وضعه في غير موضعه، وشيخ الإسلام قد وصله بما يفصل النزاع، ثم تأمل ما يأتي بعد هذا من كلام تلميذه ابن القيم رحمه الله.

قال الشيخ: وقال في موضع آخر: قال ابن القيم رحمه الله في طبقات المكلفين بعد أن ذكر الطبقة السادسة عشر وأطال الكلام فيها، ثم ذكر الطبقة السابعة عشر فقال:

الطبقة السابعة عشر: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعا لهم يقولون [32]: إنا وجدنا آباءنا على أمة، ولنا أسوة بهم؛ ومع هذا فهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم، كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله وعدم دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب. وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين ولا الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام. إلى أن قال: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به؛ فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندا. وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا، فإن الكافر من جحد توحيد الله تعالى وكذب رسوله إما عنادًا وإما جهلًا وتقليدًا لأهل العناد؛ فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد. وقد أخبر الله تعالى في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار وأن الأتباع مع متبوعيهم وأنهم يتحاجون في النار وأن الأتباع يقولون: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} - وذكر آيات نحو هذه ثم قال:

نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك؛ والقسمان واقعان في الوجود. فالمتمكن المعرض تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان:

أحدهما: مريد للهدى، مؤثر له، محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم مرشد، فهذا حكمه أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة.

الثاني: معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.

فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينا خيرا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي.

والثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته؛ وكلاهما عاجز، ولهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق.

فالأول كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استغراقه الوسع في طلبه عجزا أو جهلا.

والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه. ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض. فتأمل هذا الموضوع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته، ولا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليهما الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله تعالى، وحكم هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم.

وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة، وهو مبني على أربعة أصول:

أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وقال: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وقال تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} وقال: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} وقال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} وهذا كثير في القرآن يخبر تعالى أنه إنما يعذب من جاءه الرسول أو قامت عليه الحجة، وهو المذنب الذي يعترف بذنبه، وقد قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} والظالم من عرف ما جاء به الرسول أو تمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم يكن عنده الرسول خبر أصلًا ولا تمكن من معرفته بوجه وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم.

الأصل الثاني: أن العذاب يُستحق بشيئين: أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم إرادته لها وبموجبها. الثاني العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل.

الأصل الثالث: أن تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه لكونه لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا ولا يتمكن من التفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما.

الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه تابعة لحكمته التي لا يخل بها، وأنها مقصودة لذاتها المحمودة وعواقبها الحميدة، تبنى مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة، لا من آراء الرجال وعقولهم؛ ولا يدري قدر الكلام في هذه الطبقة إلا من عرف ما في كتب الناس ووقف على أقوال الطوائف في هذا الباب وانتهى إلى غاية مرامهم ونهاية إقدامهم. والله تعالى الموفق للسداد الهادي إلى الرشاد. إلى آخر كلامه رحمه الله. [33]

قال شيخنا: فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع فإنه رحمه الله لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين. وأما العراقي وإخوانه المبطلون فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل وأنه يقول هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترسا يدفع بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين، وإلى الله المصير وهو الحاكم بعلمه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. انتهى. [34]

فتبين أن فرض كلام الشيخ شيخ الإسلام فيما نقله هؤلاء الجهال أنه في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب العلم والهدى، وكما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وأنه في المسائل التي قد يخفى دليلها. فإذا عرفت هذا تبين لك أنه لا حجة لهم في كلام الشيخ بل هو عليهم لا لهم، وإيرادهم إياه مجرد هوس وتلبيس وتمويه وسفسطة على عامة ساكني ساحل عمان. والله الهادي إلى الرشاد والموفق للسداد.

فصل في الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة

قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله: وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول. فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة، قال الله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} وقال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة}. انتهى. [35]

قلت: ومعنى قوله رحمه الله: "إذا كان على وجه يمكن معه العلم" فمعناه أن لا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون أو يكون ممن لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، ونحو هؤلاء. فمن بلغته رسالة محمد ﷺ وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة. قال الله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} وقال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ً} فلا يعذر أحد في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل. وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم. ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم. وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا لكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأنه لا عذر له بعد بلوغها لكونه لم يفهمها. وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لم يفهموا فقال: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرا} وقال: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} فبين سبحانه أنهم لم يفقهوا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار كما في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} الآية.

فإذا تبين لك هذا واتضح فاعلم أن هؤلاء الذين شبهوا بكلام شيخ الإسلام وأجملوا ولم يفصلوا لبسوا الحق بالباطل. وشيخ الإسلام رحمه الله قد وصل كلامه بما يقطع النزاع ويزيل الإشكال، فذكر أن ذلك في المقالات الخفية والمسائل النظرية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، وأما مسألة توحيد الله وإخلاص العبادة له فلم ينازع في وجوبها أحد من أهل الإسلام لا أهل الأهواء ولا غيرهم، وهي معلومة من الدين بالضرورة، كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه عرف أن هذا زبدتها وحاصلها وسائر الأحكام تدور عليه. وكذلك الجهمية الذين أخرجهم أكثر السلف من الثنتين والسبعين فرقة.

قال شيخ الإسلام في الرد على المتكلمين لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرًا قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية فقد يقال فيها إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بُعث بها وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذه أظهر شعائر الإسلام، مثل إيجاب الصلوات الخمس وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيرًا من رؤساهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرازي. قال: وهذه ردة صريحة. انتهى. [36]

فالشخص المعين إذا صدر منه ما يوجب كفره من الأمور التي هي معلومة من ضروريات دين الإسلام، مثل عبادة غير الله سبحانه وتعالى ومثل جحد علو الله على خلقه ونفي صفات كماله ونعوت جلاله الذاتية والفعلية ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، فإن المنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات ومعطلة الربوبية ومعطلة الأسماء والصفات ومعطلة إفراد الله تعالى بالإلهية، والقائلين بأن الله لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة، فإن من التزم هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى.

وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله فإنه قد صرح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة إذا اتقى الله ما استطاع واجتهد بحسب طاقته. وأين التقوى وأين الاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى والغائبين والمعطلون للصانع عن علوه على خلقه ونفي أسمائه وصفاته ونعوت جلاله. كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت، ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت.

وكذلك ابن القيم رحمه الله لما ذكر طبقات المكلفين قال في الطبقة السابعة عشر: وأما كون زيد بنفسه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر. فإنه فصل النزاع وأزال الإشكال بهذا وبقوله: وإن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله تعالى وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر.

فبين رحمه الله أن هذا في أحكام الثواب والعقاب وأنه لا يجوز لأحد أن يحكم على إنسان بعينه أن الله يعذبه ويعاقبه على ما صدر منه قبل قيام الحجة عليه بالرسول، وأما أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهرها، ومَثَّلَ ذلك بأطفال الكفار ومجانينهم، بأنهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم. وقد تقدم كلام الشيخ في الرازي وتصنيفه في دين المشركين، وأنها رِدَّة صريحة، وهو معين. وتقدم في كلام الشيخ عبد اللطيف رحمه الله حكاية إجماع العلماء على تكفير بشر المريسي، وهو رجل معين، وكذلك الجهم بن صفوان والجعد بن درهم، وكذلك الطوسي نصير الشرك والتلمساني وابن سبعين والفارابي، أئمة الملاحدة، وأهل الوحدة، وأبي معشر البلخي، وغيرهم. وفي إفادة المستفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تكفير المعين ما يكفي طالب الحق والهدى.

فصل

وأما ما ذكره من أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات إلى آخره؛

فالجواب: أن هذا من المعلوم بالضرورة، لا ينكره إلا مكابر، وهذا فيمن كانت بدعته لا تخرجه عن الملة، أو كان فاسقًا أو فاجرًا. وليس الكلام في هذا وإنما الكلام والنزاع في الصلاة خلف عباد القبور، وخلف الجهمية الذين ينكرون علو الله على خلقه. وقد تقدم في جواب الشيخ عبد اللطيف رحمه الله بعد أن ذكر أقوال الأئمة وأنهم لا يختلفون في تكفير الجهمية وأنهم ضلال زنادقة، قال: والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القوم يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس. وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل وعرفوا ما عليه أهل السنة واشتهرت الأحاديث النبوية وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد. إلى أن قال رحمه الله: ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحادًا من بعض كلام هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيرهم وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره. وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابن عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة. انتهى.

وفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد رحمه الله قال: حدثني إسحاق بن بهلول قال: قلت لأبي ضمرة أنس بن عياض: أُصَلِّي خلف الجهمية؟ قال: لا، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثنا إبراهيم بن نعيم البابي السجستاني: سمعت سالم بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار لا أصلي خلفهم. انتهى.

فإذا تبين هذا فالتلبيس والتشبيه على الناس بجواز الصلاة خلف أهل البدع والأهواء وأهل الفجور والفسق والمعاصي وإدخال الجهمية وعباد القبور في جملتهم لبسٌ للحق بالباطل وصد عن سبيل الله وافتراء على الأخوان. فإن هذا فرض فيمن لم تخرجه بدعته من الملة، وأما عباد القبور والجهمية فقد تقدم كلام الأئمة فيهم. والمؤمن من يخاف الله ويتقيه لا يلبس الحق بالباطل ويوقع الناس في الشبهات لملاحظة الشهوات. والله الهادي إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.

فصل

وأما ما ذكره عن شيخ الإسلام رحمه الله من ذكره طائفة من المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية إلى آخر كلامه؛

فالجواب أن يقال: ما ذكره شيخ الإسلام حق وصواب، وهو خارج عن محل النزاع. ومن المعلوم أن هؤلاء العلماء إنما صنفوا في فضائل هذه الأعمال لما ظنوا صحة ما بلغهم فيها، فعملوا به، فهم مأجورون على حسن قصدهم، لا على مخالفتهم للسنة. وكونه لم يبدعهم ولم يفسقهم ولم يجهلهم فما ذاك إلا لكونهم عملوا بما بلغهم، ولم يتعمدوا مخالفة السنة. وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، وهذا بخلاف من يعلم أن هذا الأمر مخالف للسنة، أو يعلم أن هؤلاء القوم مثلا أهل بدع مخالفون لما عليه أهل السنة، فإذا أنكر عليه أحد من المسلمين بدعتهم وضلالتهم قام في نحره وجادل عن أهل البدع ونصب نفسه هدفًا دونهم وأنهم لا يبدعون ولا يفسقون ولا يجهلون بفعل البدع والفسوق لكون أهل العلم لم يبدعوا ولم يفسقوا ولم يجهلوا من العلماء من علموا أنهم مجتهدون فأخطؤا في اجتهادهم، فإن أهل العلم مغفور لهم ما أخطؤا فيه باجتهادهم، وهؤلاء متعمدون في ردع أهل الحق دون أهل الباطل، وهم يعلمون أنهم أهل بدع؛ فكيف إذا كان النزاع في عباد القبور ومعطلة الصانع سبحانه عن علوه على خلقه واستوائه على عرشه ونفي صفات كماله ونعوت جلاله، فقياس هؤلاء الملاحدة على أولئك من أفسد القياس وأبطل الباطل، وليس لصاحب هذا القول والقياس حظ من النظر والدليل، بل هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وأما ما ذكره المعترض من أنه لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة إلى آخر ما ذكر؛

فالجواب أن يقال هذا حق وصواب لا مرية فيه. ولا يكفر بالذنوب إلا الخوارج والروافض كما تقدم ذكره عن شيخ الإسلام. فأصل التكفير إنما هو من الخوارج الذين يكفرون أئمة المسلمين فيما أخطؤوا فيه، وبما ظنوه خطأ وليس بخطأ في نفس الأمر، وهم عشرون فرقة:

المُحَكِّمَة وهم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عن التحكيم وكفروه وكفروا عثمان رضي الله عنه وأكثر الصحابة رضي الله عنهم، وكانوا اثنا عشر ألفًا، وكانوا أهل صلاة وصيام وقراءة.

ومنهم البيهسية قالوا من وقع في شيء لا يعلمه أحلال أم حرام فهو كافر.

ومنهم الأزرقية أصحاب نافع بن الأزرق كفروا عليًا بالتحكيم وكفروا عثمان وطلحة والزبير وعبد الله بن عباس وعائشة رضي الله عنهم والمسلمين، وحكموا بالخلود في النار.

ومنهم النجدية أصحاب نجدة بن عامر.

ومنهم العاذرية الذين عذروا الناس في الجهالات إلا في الفروع.

ومنهم الأصفرية أصحاب زياد بن الأصفر.

ومنهم الأباضية أصحاب عبد الله بن إباض كفروا عليًا وأكثر الصحابة، وافترقوا سبع فرق.

ومنهم الحفصية أصحاب حفص بن أبي المقدام.

ومنهم اليزيدية أصحاب يزيد بن نسيئة، قالوا يبعث نبيًا من العجم بكتاب يكتب في السماء ويترك ملة محمد ويختار ملة الصابئة.

ومنهم الحارثية أصحاب أبي الحارث الإباضي خالفوا في القدر.

ومنهم العجاردة أصحاب عبد الرحمن بن عجرد، وهم أربع فرق كلها معلومة بالمحال مشهورة بالضلال.

فإذا تبين لك هذا من حالهم ومقالهم تبين لك طريقة أهل السنة والجماعة في عدم تكفير المسلمين بالذنوب أو تكفير من أخطأ خطأ لا يخرجه من الملة. فأما تكفير الجهمية وعباد القبور فليس من هذا القبيل ولا على منهاج هذا السبيل، فإن الجهمية قد أخرجهم أكثر السلف من اثنتين وسبعين فرقة كما تقدم عن عبد الله بن المبارك لم سئل عن الجهمية فقال: ليسوا من أمة محمد ﷺ.

وأما عباد القبور فهم عند أهل السنة والجماعة يسمون الغالية لمشابهتهم النصارى في الغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين. فمن كفرهم وأظهر عداوتهم وبغضهم وحذر عن مجالستهم وبالغ في التنفير عنهم فقد اتبع سبيل المؤمنين واقتفى آثار الأئمة المهتدين وخالف ما انتحله الخوارج والروافض من تكفير المسلمين. فمن جعل تكفير هؤلاء كتكفير هؤلاء فهو من الملبسين ومن الصادين عن سبيل الله والباغينها عوجًا. نعوذ بالله من رين الذنوب، وانتكاس القلوب.

فصل

قال المعترض: "الفصل الأول في بيان جواز المسبحة، ثم قال بعد الخطبة: عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري. قال ابن رجب رحمه الله في عرض كلامه على هذا الحديث: فمن تقرب إلى الله عز وجل بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه، انتهى باختصار. قلت: فالقربة كل عمل يرجو عامله عليه من الله الثواب، وترك ما يرجو تاركه من الله الأجر ويخشى على فعله العقاب، والمسباح ليس من ذلك إنما يتخذ آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور: "من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" [37] وما أشبه ذلك من الأذكار الواردة على مثل ذلك. فالمسباح آلة لا قربة، فكيف يصير متخذه مبتدعًا. والآلات ليست من القربات، ولم يرد الشرع بتحريمها إذا لم يستعن بها على المعاصي. وقد علمت أن الجهاد على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين ومن بعدهم من الصحابة رضي الله عنهم كان بالرمح والسيف والنبل، فلما حدثت المدافع والبنادق اتخذها المسلمون آلة في الجهاد يقاتلون في سبيل الله، ولم ينكرها أحد من علماء الملة المحمدية، وكذلك الساعات" إلى آخر كلامه؛

فالجواب أن يقال: أمر المسباح والكلام فيه أمر جزئي في جنب ما تقدم من المسائل، والكلام فيه من أسهل ما يكون لقلة الفائدة، لأن مسألة المسباح مسألة خلافية بين العلماء المتأخرين، وللعلماء فيه كلام: منهم من أجازه خفية على الوجه المباح كما سنبينه، ومنهم من منع ذلك وقال: إن السبحة بدعة محدثة ورياء وسمعة، ولو لم يكن في المنع منها إلا سد الذريعة عن محظورات الشريعة، وسد الذريعة أصل أصيل ومذهب جليل، فمن اتخذ المسباح فقد خالف ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [38] لأن رسول الله ﷺ لم يأمر به ولم يشرعه لأمته ولم يفعله، ولو أمر به وسنه لأمته وشرعه وكان فيه فضل لكان أسبق الناس إلى فعله واتخاذه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأفاضل الصحابة رضي الله عنهم، لا سيما عبد الله بن عمر فإنه كان يتحرى ما فعله رسول الله ﷺ حتى إنه كان يصلي في المكان الذي يصلي فيه رسول الله ﷺ ويبول في المكان الذي كان يبول فيه، وكان عمر رضي الله عنه وسائر الصحابة يخالفون في ذلك وينهون عن تتبع آثار الأنبياء. فإذا وضح لك هذا فمن أجازه فإنما أجازه على سبيل القياس، والقياس يخطئ ويصيب، وقد علمت أن منه ما هو صحيح ومنه ما هو سقيم ومنه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم. وأيضا فقد نقل هذا المعترض عن ابن رجب رحمه الله على هذا الحديث قوله: "فمن تقرب إلى الله عز وجل بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه" [39] فأين في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله الأمر باتخاذ المسابيح المحدثة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. فليس في الحديث الصحيح ما يدل على ذلك بوجه من الوجوه، ولا في كلام ابن رجب ما يدل على ذلك، بل يناقضه أشد المناقضة ويخالفه أشد المخالفة. راجع شرحه لهذا الحديث في كتابه تجد غلط هؤلاء، وتصحيفهم عليه، فالحديث حجة عليهم لا لهم.

وأما قول القائل إنها ليست بقربة إنما هي آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور، والمسباح آلة فكيف يصير متخذه مبتدعًا، إلى آخر كلامه؛

فأقول: اعلم وفقك الله لطاعته أن هذا القياس من أبطل القياس وأوهنه بلا التباس، وهو منقوض عليه. فإن المدافع والبنادق والصمع من جنس السلاح، فالبندق من جنس النبل يرمى بها كما يرمى بالنبل، بل هي أشد نكاية في العدو، والمدفع من جنس المنجنيق يرمى به كما يرمى بالمنجنيق بل هو أشد نكاية وأعظم إرهابًا للعدو، والكل آلة للجهاد، ولا يشك في ذلك من كان له أدنى ممارسة وانتقاد. وكذلك الخيل والركاب والدروع آلاتٌ يستعان بها في جهاد الكفار، واقتناؤها وشراؤها واستعمالها في الجهاد من أفضل القربات. وقد حَبَسَ الصحابة وأوقفوا من ذلك في الجهاد وفي سبيل الله ما هو معلوم مشهور مقرر في محاله ومظانه. ولا يتغير الحكم لكون هذه نبلًا وهذا سيف ورمح أو منجنيق إذا حدث من جنسه ما هو أنكأ في العدو منه كالمدفع والبندق والصمع. فلو أوقف مسلم في جهاد الكفار مدافع وبنادق لكان هذا قربة إلى الله وعمل صالح لا يشك في ذلك مسلم، كمن وقف خيلا وركابا ودروعا في سبيل الله، لا فرق؛ ومن فرق فعليه الدليل، فإنه لا يقول من له أدنى معرفة إن هذه الآلات ليست من القربات، ومن قال ذلك فقد كابر المنقول والمعقول.

قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة على قوله ﷺ: "فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وعتاده في سبيل الله" قال: العتاد ما أعد الرجل منه السلاح والدواب وآلات الحرب. انتهى. وهذا لا إشكال فيه.

وأما الساعات والجداول والروزنامات فليس لها جنس معهود في عهد رسول الله ﷺ فلا اعتماد عليها. والمعتمد في ذلك ما شرعه الله ورسوله من معرفة ما حدّ في المواقيت، فلا اعتداد بالساعات والجداول؛ فلا يقاس بها ولا عليها، وليست من القرب في شيء. وإذا كان المسباح قد أقررتم أنه ليس بقربة كما هو كذلك وقد وضح لك أن قياسه على ما ذكر هذا المعترض ممنوع عقلا ونقلا فكان بدعة محدثة لأنه ليس بمشروع، ولا قيس على فعل مشروع، فيكون باطلا، بل قياسه على النوى والحصى والخيط المعقود لو كان مشروعا أولى من قياسه على ما ذكره من النبل والرمح والسيف وعلى ما حدث بعد هذا من آلات الحرب، لكن التسبيح بالنوى والحصى ليس بمشروع، ومن أجازه اشترط الإخفاء به. فاتخاذ السبحة على هذا الوجه الذي يفعله الناس اليوم بدعة لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا اتخذه ولا رآه بأبي هو وأمي، ولا اتخذه أحد من أصحابه لا ظاهرا ولا باطنا، فليس من الدين في شيء لقوله ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" [40] وفي لفظ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [41] أي مردود عليه.

ولا يخل ناقل المسباح من أحد أمرين: إما أن يتخذ ذلك زاعما أنه يسبح به فيكون قد راء الناس بهذا العمل، ومن راء الناس بعمله فقد أشرك، أو لا يريد به التسبيح وإنما يتخذه ملهًا يلهو به ويلعب به كما هو الواقع المشاهد من كثير من الناس اليوم، أو ينزلها منزلة العصى فيكون مخالفا للسنة. ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله تعالى لم يأذن في اللهو واللعب ولم يشرعه رسول الله ﷺ لأمته، ولا كان ذلك دينًا ينسب إليه وإلى رسله ودينه وشرعه، إلا ما خصه الدليل من اللهو بالقوس والفرس والمرأة. ولو كان مشروعًا لكان أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ، وكيف يكون المسباح أمرا مشروعا محبوبا لله ويفوز بقصب السبق إليه هؤلاء الخلوف ويُحرمه أفاضل الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أصحابه رضي الله عنهم؟ هذا ما لا يكون أبدا. ومع كونه محدثة في الدين، لم يتخذه ويستعمله من الناس في الغالب إلا أهل الغفلة والمرائين بأعمالهم وفساق الناس الذين لا يذكرون الله إلا قليلا، فإذا جاء أحدهم إلى مجامع الناس أو مساجدهم ومجالسهم أو أسواق المسلمين رأيت المسباح في يده.

وقد قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بعد كلام له: وإنما مثلهم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر ومخالفة الشرع ما يفسد حال صاحبها.. [42] إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

إذا عرفت هذا وعرفت أن اتخاذه على هذا الوجه ليس من الدين في شيء وأنه بدعة ورياء محدثة، ومن جوزه من العلماء فإنما قاسه على الحصى ونحوها.

وبلا نزاع أن التسبيح بالأصابع وعقدها في طاعة الله هو السنة المحمدية الثابتة من قوله وفعله، [43] وفعل خلفائه وصحابته؛ وفي هديهم كفاية لكل مقتدي. ولكن شرط من أجازه من متأخري العلماء بأن يتخذه الإنسان في محل ورده ومصلاه الذي يخلو العبد فيه بربه حيث لا يراه أحد ولا ينظرون إليه. وأما ما يفعله الناس اليوم فحاشا وكلا بل هو إلى الرياء والسمعة أقرب منه إلى السنة. وكونه بهذا الوجه بدعة محدثة أوضح من الشمس في رابعة النهار. وإذا كان ذلك كذلك فما وجه الاعتراض والتشنيع على من نهى عنه وسماه بدعة. بل الذي أجازه مطلقا قد فتح للناس بابا من الريا والسمعة.

ومما يوضح لك ما نقلناه أن العمل إذا كان على غير الوجه المشروع يكون باب ضلالة ما رواه الدارمي قال: أخبرنا الحكم عن ابن المبارك: قال أخبرنا عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كما نجلس على باب ابن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاء أبو موسى فقال: أَخَرَجَ عليك أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا فلما خرج قال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت آنفا شيئا في المسجد أنكرته والحمد لله، ولم أر إلا خيرا. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد حلق خيرٍ جلوس ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة،. فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا أنتظر رأيك. فقال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يفوت من حسانتهم من شيء، ثم مضى حتى أتى حلقة منهم فقال: ما هذا؟ قالوا: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يفوت من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحاب محمد ﷺ بينكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد الخير لن يصبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا: "إن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" وايم الله لا أدري لعل أكثرهم يكون منكم.

قال عمرو بن سلمة: رأيت عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوراج. [44]

وذكر محمد بن وضاح في كتابه ما هو هذا وزيادة كنحو قوله لهم: "لقد ركبتم بدعة ظلماء، أو فضلتم أصحاب محمد علما". [45]

وثم ذكر ابن وضاح أن أبان بن عياش سأل الحسن عن العد بالحصى والنوى فقال: "لم يفعل العد أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات". [46]

قال محمد بن وضاح: حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال: مرّ ابن مسعود رضي الله عنه بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مرّ برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد ركبتم بدعة ظلماء أو لقد غلبتم أصحاب محمد علما. [47] اهـ من كتابه.

فانظر رحمك الله إلى هذا العمل المشروع المطلوب المحبوب لله المندوب إليه: لمّا كان على غير عمل الصحابة ولم يكونوا يفعلون على عهد رسول الله ﷺ ولا فعله أحد من الصحابة بعد وفاته، أنكره علماء الصحابة وأفاضلهم كعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري حتى قال عبد الله بن مسعود: "والذين نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة".

فتبين بهذا أن هذا بدعة وضلالة وأنه ليس من هدي الرسول وملته. وهم إنما يعدون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى، وأنهم إنما يتخذونه آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور، فاتبعَ هؤلاء في الابتداع من كان من سلفهم على عهد الصحابة في استحسان البدع الذين كان آخر أمرهم يطاعنون الصحابة يوم النهروان، والمنكرون لهذا الابتداع اتبعوا سلفهم في إنكار ما هو محدث في الدين، كعبد الله بن مسعود وأبي موسى وحذيفة والحسن البصري؛ ولكل قوم وارث.

فإذا علمت أن هذا العمل الصالح لما كان يفعله بعض الناس ظاهرا في المسجد أو المجلس ونحوه بالحصى أو المسباح أنه على غير عمل الرسول ﷺ وأصحابه، كان فاعله مفتتحا باب ضلالة وعلى غير ملة محمد ﷺ في العمل، وأن الصحابة رضي الله عنهم لم يتخذوا المسابيح لا ظاهرا ولا خفاء، تبين لك أن هذا العمل محدث.

فإن قيل: قد فعل العد بالحصى ونحوه بعض السلف والخلف، ومستندهم حديث سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ لم ينكر على المرأة، وإنما دلها على ما هو أفضل وأيسر عليها. [48] وهذا يدل على الجواز.

قيل: نعم صدر ذلك عن بعض منهم بوجه الخفاء، والمرأة رجعت لما هو أيسر وأفضل متابعة لما دلّها الرسول ﷺ. وأما أبو هريرة رضي الله عنه فكان لا يستعمله إلا في داره عند نومه، [49] وتلك حالة لا يشاهده فيها أحد ولا يراه الناس. وفعل الصحابي الواحد ليس بحجة عند أهل الحديث ونحوهم، ومن فعل منهم فإنما يفعله في مصلاه. وكان السلف أحرص الناس على إخفاء العمل كما هو معروف مشهور عنهم.

فإذا فهمت هذا علمت أن الذي يفعله الناس على خلاف مذهب من أجازه من العلماء.

فصل

وأما ذكره بعد هذا عن شيخ الإسلام من أن جنس المفضول قد يكون أفضل من الفاضل؛

فأقول: هذا حق لا ريب فيه، لكن إذا كان المفضول مشروعا وإدخال هذا في مسألة المسباح جهل وتلبيس وتكثر بما ليس هو في مشروعيته وكونه فاضلا أو مفضولا، فإن من نهى عنه إنما هو لكونه بدعة محدثة في طرف لم يعرفونه منذ أعصار متطاولة، حتى ما دعوتم وألفتم في رسائل، ومن نهى عن مراده سدًا للذريعة المفضية إلى الرياء والمشابهة وعدم فعل السلف له. وأما كونه يسبح الله أو يهلله ويحمده بعقد الأصابع أو بغير عقدها، ويستعمل هذا الورد وهذا الذكر ويدع قراءة القرآن فهذا يكون المفضول بعد الفجر والعصر أفضل من الفاضل، أو يدع قراءة القرآن ويتابع المؤذن مثلا، وهكذا في سائر ما مثّل به شيخ الإسلام من تقديم المفضول على الفاضل. فأما كون المسباح المبتدع وإن كان مفضولا مثلا أفضل من عقد الأصابع أو التسبيح أو التحميد والتهليل والتكبير من غير عقد أصابع فحاشا وكلا. ولا يدخل تحت كلام الشيخ هذا، ولا يقول هذا عالم؛ بل هذا من تحسين البدع وإدخالها في المشروع المطلق بنوع من المشروع المقيد.

وأما قوله: "وينبغي للفقيه أن يفرق بين البدعة الشرعية واللغوية"؛

فأقول: البدعة في اللغة كل ما فعل ابتداء من غير مثالٍ سبق. والبدعة الشرعية هي ما لم يدل عليه دليل شرعي. فإذا علمت ذلك فالمسباح ليس هو من البدع اللغوية التي كان لها أصل في الشرع على هذا الوجه الذي يفعله الناس اليوم، بل أنكره ابن مسعود وغيره من الصحابة كما ذكره الدارمي ومحمد ابن وضاح. واتخاذه في اليد بحيث يعلِمون به الناس مما لم يكن له أصل في الشرع ولم يكن ذلك من شعار الصحابة كما ذكره شيخ الإسلام، فيكون محدثا مبتدعا. ومن ادعى غير ذلك فعليه الدليل. ولم يكن يفعل العد بالحصى في الخلوات إلا القليل على طريق الاستحسان لا على أنه مشروع، ولو كان فيه فضل لكان أولى الناس به أسبقهم إلى كل خير: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة رضي الله عنهم.

فصل

وأما قوله في أول كلامه: "فالقربة كل عمل يرجو عامله من الله الثواب، وترك ما يرجو تاركه على تركه من الله الأجر ويخشى على فعله العقاب"؛

فأقول: هذا لا يسلم على الإطلاق بل كل عمل يتقرب به العبد إلى الله مما هو مشروع على سنة رسول الله ﷺ وما لم يكن كذلك فليس بقربة، ولو أن كل عمل يرجو عامله من الله الثواب يكون قربة لكانت الصلوات الأسبوعية والحولية كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر وغيرهم، وكصلاة الألفية التي في أول رجب، والنصف من شعبان، والصلاة الإثنا عشرية التي في أول رجب، والتي في أول تسع وعشرين من رجب، وصلوات أخرى تذكر في الأشهر الثلاثة، وصلاة ليلة العيدين، وصلاة يوم عاشوراء، وأمثال ذلك من الأوراد الأسبوعية، ونحوها مما يروى وضعها والعامل بها يرجو ثواب الله في فعلها أتكون قربة كما قسته؟ ولما كان هذا على خلاف السنة وخلاف المشروع كان بدعة محدثة، وأصل الصلاة مشروع محبوب لله، فتأمل ذلك، ودع بنيات الطريق.

وأما استدلاله بحديث: "نعم المذكر السبحة" [50] على المسباح المتخذ من الخرز ونحوه فهذا غلط بالاتفاق وخطأ على الرسول ﷺ، فإنه لم يمدح المسباح قط ولا رآه. بل هذا الحديث بعينه عند صاحب مسند الفردوس في سبحة الضحى لا غير، وقد أورده السيوطي في باب مندوبات الصلاة في جمع الجوامع، وكذا أورده في الثبت الشيخ العالم عبد القادر المصري الشهير بالأمير المالكي قال: لم يصح هذا إلا في سبحة الضحى.

فصل

ثم ذكر هذا المعترض فصلا في بيان رفع اليدين للدعاء بعد صلاة المكتوبة، ثم ذكر الأدعية الواردة في ذلك على العموم؛ منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع على مؤلفه.

وأما تخصيص رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة فلم يذكر فيه إلا ما ليس بصحيح لا يعتمد عليه في العبادات. وجميع الأدعية التي ذكرها في الأحاديث التي أوردها إنما هي في الأدعية العامة، وأما بعد الصلوات فليس فيها إلا ما ذكره عن أنس والحديث الذي ذكره بعده وكلاهما ضعيف.

وأما قوله: "لكنه يعمل به في الفضائل" إلى آخر ما قال؛

فقال شيخ الإسلام رحمه الله: وقول أحمد إذا جاء الترغيب تساهلنا في الإسناد، إنما أراد به إذا كان الأمر مشروعا أو منهيا عنه بأصل معتمد، ثم جاء حديث فيه ترغيب في المشروع أو ترهيب في المنهي لا يعلم أنه كذب، وما فيه من الثواب والعقاب قد يكون حقا ولو قدر أنه ليس كذلك فلا بد فيه من ثواب وعقاب وما يرويه مع علمه أنه كذب، فمعاذ الله لا يجوز ذلك إلا مع بيان حاله، ولا يستند إليه في تريب ولا غيره، وكذلك لا يجوز أن يثبت به حكم شرعي من ندب أو كراهة أو فضيلة ولا عمل مقدر في وقت معين بحديث لم يعلم حاله أنه ثابت، فلا بد من دليل ثابت في الحكم الشرعي وإلا كان قولا على الله بغير علم، عياذا بالله. انتهى. [51]

فهذا الحديث الذي ذكره عن أنس وما بعده في وقت معين ولا نعلم حاله أنه ثابت، فالاعتماد عليه قول على الله بغير علم.

قال ابن مفلح في الآداب: قال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعت أبا عبد الله، فذكر أحاديث ثم قال: وقال أيضا: من شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون غريب الحديث، ذكره الخلال. وقال ابن المبارك: لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه. وقال ابن مهدي: لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة الحديث الضعيف فأقل ما في ذلك أن يفوته من الصحيح بقدره. انتهى.

ثم قال المعترض: "وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكون ذلك من هديه ﷺ أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن"؛

ثم قال المعترض إلى آخر ما قال وأسقط من كلام ابن القيم رحمه الله قوله: "وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما والله أعلم". [52]

فلا أدري ما الحامل له على حذف هذا الكلام. وأظن ذلك أنه لما وقع بينه وبين من أنكر عليه رفع اليدين بعد الصلاة المكتوبة أن ذلك كان بعد صلاة الفجر والعصر فلذلك أسقط هذا الكلام، أو لأن الحديث الذي أورده برفع اليدين بعد صلاة الفجر كما ذكره عن الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه مما لا يصح رفعه ولا يثبت كما نفاه ابن القيم رحمه الله.

ثم ذكر كلام ابن القيم رحمه الله ولم ينسبه إليه بل أبهم فقال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه ثم يسأل إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي. إلا أن ههنا نكتة لطيفة وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة استحب له أن يصلي على النبي ﷺ بعد ذلك ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية لا لكونه دبر الصلاة فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلى على رسوله ﷺ استحب له الدعاء عقب ذلك كما في حديث فضالة بن عبيد: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ويصلي على النبي ﷺ، ثم ليدع بما شاء". قال الترمذي: حديث صحيح. [53]

والجواب أن نقول ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى حق وصواب، ولكن الشأن كل الشأن في فهم كلامه ووضعه في موضعه. ومن تأمل كلام ابن القيم رحمه الله تعالى علم أن كلامه قطعًا إنما هو جائز أحيانًا على الانفراد من غير رفع اليدين، وأما بعد المكتوبة فقد ذكر أنه لم يكن ذلك من هديه أصلا ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وأن من خص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فإنما هو استحسان ورأي رآه من أتباع الأئمة، ولا مستند له في ذلك، وإنما يجوز ذلك في الصلوات المكتوبة فيها، وبعدها أحيانًا بعد الذكر المشروع، وأما المداومة على ذلك فليس بمشروع بل مكروه كما سيأتي كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فالتمويه بأن ابن القيم أجاز ذلك بعد الصلوات المكتوبة من غير تفصيل لبسٌ للحق بالباطل.

وتوضيح ما ذكرناه قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما سئل عما يفعله الناس بعد الصلوات الخمس. فقال الجواب:

الحمد لله، لم يكن النبي ﷺ يدعو هو ولا المأمون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله الناس عقيب الفجر والعصر، ولا نقل ذلك عنه أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة. ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلظ عليه، ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك. لكن طائفة من أصحاب أحمد، وأبي حنيفة وغيرهما استحبوا الدعاء بعد الفجر والعصر قالوا: لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما فتعوض بالدعاء عن الصلاة؛ واستحب طائفة من أصحاب الشافعي وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس. وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه، ومن أنكر عليه فهو مخطئ باتفاق العلماء، فإن هذا ليس مأمورًا به لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب في هذا الموطن؛ بل الفاعل أحق بالإنكار، فإن المداومة على ما لم يكن النبي ﷺ يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعًا، بل مكروه، كما لو داوم على الدعاء عقب الدخول في الصلوات، أو داوم على القنوت في الركعة الأولى في الصلوات الخمس، أو داوم على الجهر بالاستفتاح في كل صلاة، ونحو ذلك، فإنه مكروه. وإذا كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله النبي ﷺ أحيانًا، وكان عمر بن الخطاب يجهر بالاستفتاح أحيانًا، وجهر رجل خلف النبي ﷺ بنحو ذلك فأقره عليه، فليس كلما شرع فعله أحيانا تشرع المدوامة عليه. ولو دعا الإمام والمأموم أحيانًا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعدّ هذا مخالفة للسنة كالذي يداوم على ذلك. والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي ﷺ كان يدعو دبر الصلاة قبل السلام ويأمر بذلك كما قد بسطنا الكلام على ذلك وذكرنا ما في ذلك من الأحاديث وما يظن أن فيه حجة للمنازع في غير هذا الموضع. وذلك لأن الداعي يناجي ربه، فإذا انصرف مسلّما انصرف عن مناجاته. ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذي يناسب دون سؤاله بعد انصرافه، كما أن من يخاطب ملكًا أو غيره فإن سؤاله له وهو مقبل على مخاطبته أولى من سؤاله بعد انصرافه عنه. انتهى. [54]

فتبين من كلام شيخ الإسلام أن هذا في الصلوات الخمس، وأن فعل ذلك أحيانًا عقيب الصلاة لأمر عارض لا يعد فاعله مخالفا للسنة. فأما المداومة على ذلك أو لغير عارض فهو مكروه، وهو أحق بالإنكار لأن رسول الله ﷺ لم يكن فاعل ذلك إلا لعارض، ولم يكن يداوم على ذلك. فكلام شيخ الإسلام يفسر الأخير من كلام ابن القيم ويزيل الإشكال عمن لا تمييز عند بمدارك الأحكام، فيستدل فيما هو مشروع في العموم بالتنصيص على موطن لم يكن يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه ولا نقل جوازه عن أحد من الأئمة.

بقي مسألة وهي ما إذا فعل الإنسان ذلك أحيانا لعارض هل يرفع يديه بالدعاء في الموطن أو لا؟ والصحيح أنه في هذا الموطن لا يرفع يديه. فإن الأحاديث التي وردت بالأدعية دبر الصلاة سواء كان ذلك قبل التشهد أو بعد السلام بعد الأذكار المشروعة لم يذكر فيها رفع اليدين، لا بلفظ الأمر ولا بحكاية الفعل، وإنما ذلك في الأدعية العامة، فأما في هذا الموطن فلم ينقل ذلك عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه. والذي اختاره شيخ الإسلام أن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل السلام. ولا يجوز أن تشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة، أو بحديث ضعيف، أو مكذوب بالألفاظ الصريحة. والله أعلم.

فصل

وأما جلسة الاستراحة فقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: فصل: ثم كان ﷺ ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه، كما ذكر عنه وائل وأبو هريرة، ولا يعتمد على الأرض بيديه، وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا، وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة. واختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكل أحد أن يفعلها، أو ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد رحمه الله. قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة، وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة، وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ. وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل واصف لصلاته ﷺ، ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قُدِّر أنه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة. انتهى. [55]

وقال في كتاب الصلاة: ولا ريب أنه ﷺ فعلها، ولكن هل فعلها على أنها من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره، أو لحاجة لمّا أسن وأخذه اللحم؟ وهذا الثاني أظهر لوجهين:

أحدهما: أن فيه جمعًا بينه وبين حديث وائل بن حجر وأبي هريرة أنه كان ينهض على صدور قدميه.

الثاني: أن الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على مشاهدة أفعاله وهيئات صلاته، كانوا ينهضون على صدور أقدامهم، فكان عبد الله بن مسعود يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولا يجلس. رواه البيهقي عنه. انتهى. [56]

فتأمل رحمك الله قوله: "وقد روي عن عدة من أصحاب رسول الله ﷺ، وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ فعلها دائمًا لذكرها كل واصف لصلاته ﷺ، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة" إلى آخره. وكذلك ما ذكره في كتاب الصلاة من أنه ﷺ إنما فعلها للحاجة لما أسن وأخذه اللحم بوجهين أظهرهما هذا، ولأن فيه جمعًا بين حديث وائل وحديث أبي هريرة. فإذا عرفت ذلك فمن فعلها للحاجة فلا إنكار عليه، ومن لم يفعلها فقد عمل بالسنة فيكون من فعلها للحاجة فقد فعل سنة مشروعة للمحتاج، ومن قوي على تركها ولم يحتج إليها فالمسنون في حقه أن ينهض على صدور قدميه ولا يجلس جلسة الاستراحة. والله أعلم.

فصل

ثم ذكر المعترض فصلا في زيارة القبور، وما ذكره في هذا الفصل حق لا شك فيه ولا مرية. ولكن بلغنا أن الناس في تلك الأماكن إذا فرغوا من صلاتي العيدين نهضوا من مصلاهم إلى المقبرة يزورون أهل المقابر، وأن بعض الإخوان أنكر عليهم ذلك، وأنهم عارضوه بهذه الأحاديث في استحباب زيارة القبور. فإن كان ما نقل إلينا حقا وهم يحضون الناس على اتباع السنة والمحافظة وترك آراء الرجال، فيأتونا على ذلك حديثا عن المعصوم ﷺ صحيحا أو حسنا أو ضعيفا أنه كان ﷺ أو أحد من أصحابه إذا انصرف من صلاتي العيدين يمضي إلى المقابر فيزورهم ويسلم عليهم ويدعو لهم، فيكون هذا سنة عائدة بعود السنة في كل عام؛ وإن لم يكن معهم دليل إلا هذه الأحاديث التي في عامة استحباب الزيارة فالاستدلال بها كاستدلال من يَلْبس من الرجال ما حرم الله عليه من الذهب والحرير وأكل ما حرم عليه بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}. فتخصيص زيارتها بعد صلاتي العيدين يحتاج إلى دليل، ولو كان ذلك مستحبًا أو مندوبًا إليه لو توفرت الهمم والدواعي على نقله، ولكان أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ. وقد نهى ﷺ في أول الأمر عن زيارة القبور، فلما استقر الإسلام في قلوبهم وأمن المحذور قال ﷺ: "إني قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا" [57] وفي حديث آخر "فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" [58] فإذا تقرر هذا فتخصيص زيارتها بيوم من السنة معلوم مما لم يشرعه الله ورسوله، فيكون بدعة محدثة في الإسلام. والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.

هامش

  1. في هامش الأصل: "اسمها: نصيحة المؤمنين" سنة 1325 هـ.
  2. قال ابن كثير في البداية والنهاية 11/215 في ترجمة الأخشيد محمد بن عبد الله ملك فرغانة: "وكل من ملكها كان يسمى الأخشيد كما أن من ملك اشروسية يسمى الآفشين ومن ملك خوارزم يسمى خوارزم شاه ومن ملك جرجان يسمى صوك ومن ملك أذربيجان يسمى أصبهند ومن ملك طبرستان يسمى أرسلان قاله ابن الجوزي في منتظمه. قال السهيلي: وكانت العرب تسمى من ملك الشام مع الجزيرة كافرا قيصر ومن ملك فارس كسرى ومن ملك اليمن تبع ومن ملك الحبشة النجاشي ومن ملك الهند بطليموس ومن ملك مصر فرعون ومن ملك الاسكندرية المقوقس وذكر غير ذلك" اهـ.
  3. الحموية 1/436
  4. في الأصل "يجادلون" والتصحيح من الفتاوى.
  5. مجموع الفتاوى ج5
  6. في الأصل: "أصول البدعة اثنتان وسبعون فرقة هي أربع.." والتصحيح من الفتاوى.
  7. مجموع الفتاوى ج35
  8. في الأصل "حدثني الحسن بن عيسى وابن المبارك" والتصحيح من السنة لعبد الله بن الإمام أحمد 1/103.
  9. في الأصل "قال الحسن وابن عيسى" والتصحيح من السنة لعبد الله 1/109.
  10. في تفسير ابن جرير 28/62 "ولا هوادة".
  11. تفسير البغوي -حاشية ابن كثير- 8/318.
  12. مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد
  13. مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد
  14. ما بين المعكوفين من البدائع.
  15. بدائع الفوائد ج2
  16. زاد المعاد ج3
  17. الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة
  18. صحيح مسلم/كتاب الإيمان
  19. شرح ستة مواضع من السيرة
  20. في الأصل: "صفى"
  21. في الأصل "عن أبي عبيدة ابن مسعود"
  22. مجمع الزوائد ح12153 وينظر [[سنن ابي داود/كتاب الملاحم#باب الأمر والنهي|ضعيف أبي داود ح4336
  23. مجموع الفتاوى ج35
  24. مجموع الفتاوى ج35 ومجموعة الرسائل والمسائل: أهل الصفة وأباطيل بعض المتصوفة فيهم
  25. منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس
  26. الكيلانية
  27. مسند أحمد ومجمع الزوائد: 17487، 17492، 18199 والصحيحة 3048
  28. منهاج التأسيس والتقديس
  29. منهاج التأسيس والتقديس
  30. مجموع الفتاوى ج23
  31. منهاج التأسيس والتقديس
  32. في الأصل: "الذين معهم تبع ما يقولون" والتصحيح من طريق الهجرتين.
  33. طريق الهجرتين وباب السعادتين
  34. منهاج التأسيس والتقديس
  35. منهاج التأسيس والتقديس
  36. مجموع الفتاوى ج4
  37. صحيحا الترمذي وابن ماجه
  38. متفق عليه
  39. جامع العلوم والحكم
  40. صحيح مسلم/كتاب الأقضية
  41. متفق عليه
  42. اقتضاء الصراط المستقيم
  43. في صحيح أبي داود: "رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح قال ابن قدامة بيمينه". وفي الأذكار للنووي: "أن النبي ﷺ أمرهن أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات" وحسنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح.
  44. سنن الدارمي ح206
  45. البدع والنهي عنها ح16
  46. البدع والنهي عنها ح23
  47. البدع والنهي عنها ح21
  48. ضعيف أبي داود ح1500
  49. في الضعيفة 1002 عن أبي هريرة: "كان يسبح بالحصى" قال: موضوع.
  50. قال في الضعيفة 83: موضوع.
  51. مجموع الفتاوى ج18
  52. زاد المعاد في هدي خير العباد ج1
  53. في صحيح الترمذي: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بعد ما شاء"
  54. مجموع الفتاوى ج22
  55. زاد المعاد ج1
  56. كتاب الصلاة وحكم تاركها
  57. صحيح النسائي. وهو في صحيح مسلم إلا "ولا تقولوا هجرا".
  58. ضعيف ابن ماجه والترغيب والترهيب