تجارب الأمم/المجلد الخامس

  ►المجلد الرابع المجلد الخامس المجلد السادس ◄  


[ تتمة العصر العباسي ]

[ تتمة خلافة المعتضد ]

 

الحمد لله واهب العقل

ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين

قدوم رسول عمرو بن الليث برأس ابن هرثمة

وفيها قدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة في المحرّم. فأمر المعتضد برفعه ونصبه في الجانب الشرقيّ، ثم تحويله إلى الجانب الغربيّ إلى الليل، ثم ردّه إلى دار السلطان.

أمور قام بها المعتضد

وفي هذه السنة عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس.

فخوّفه عبيد الله بن سليمان ذلك وقال:

« إنّ العامّة تضطرب. »

فلم يلتفت إليه.

فكان أوّل ما ابتدأ به من ذلك أن تقدّم إلى العامّة بلزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والعصبيّة والشهادات عند السلطان، وأن لا يسألوا عن شهادة إن كانت عندهم، ومنع القصّاص من الجلوس على الطرقات، وعملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام وفي الأرباع والمحالّ والأسواق.

ثم منع يوم الجمعة أهل الجانبين من أهل الحلق والفتيا وغيرهم من القعود في المسجد الجامع، ومنع الباعة من القعود في رحابها، ونودى في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاصّ وغيره، ثم نودى في الجانبين والجامعين بأنّ الذمّة بريئة ممّن اجتمع على مناظرة أو جدل، وأنّ من فعل ذلك أحلّ بنفسه. وتقدّم إلى من يسقى الماء وأمثالهم في الجامعين ألّا يترحّموا على معاوية ولا يذكروه.

إخراج كتاب اللعن

ثم تقدّم المعتضد بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه وفيه مثالب معاوية، ولعنه بعد ذلك فأخرج وهو كتاب طويل.

فحكى أنّ عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد خوفا من فتنة تقع.

فمضى القاضي يوسف فكلّم المعتضد وقال:

« إني أخاف أن تضطرب العامّة عند سماع هذا الكتاب، وتكون لها حركة. » فقال: « إن تحركت العامّة أو نطقت، وضعت سيفي فيها. » فقال: « يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيّين الذين هم في كلّ ناحية يخرجون ويميل إليهم خلق كثير ومآثرهم في هذا الكتاب، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل أو كانوا هم أبسط ألسنة وأثبت حجّة منهم اليوم. ».

فأمسك عنه المعتضد فلم يردّ عليه جوابا ولم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشيء.

لحوق بكر بمحمد بن زيد العلوي بطبرستان

وفيها لحق بكر بن عبد العزيز بمحمّد بن زيد العلوي بطبرستان وبدر مقيم بالجبل ينتظر أمر بكر إلى ما ذا يؤول. فورد الخبر بعد زمان أنّه مات بطبرستان.

وثوب أبي ليلى على شفيع الخادم وقتله

وورد الخبر من إصبهان بوثوب أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز على شفيع الخادم الموكّل به وقتله.

ذكر الخبر عن ذلك

كان أخوه عمر أخذه فقيّده وحمله إلى قلعة لأبي دلف بالزّز وحبسه فيها وكلّ ما كان لأبي دلف من مال ومتاع نفيس وجوهر كان في هذه القلعة، وشفيع مولاهم يحفظ القلعة وكلّ ما فيها ومعه جماعة من غلمان عمر وثقاته. فلمّا استأمن عمر إلى السلطان وهرب بكر عاصيا للسلطان بقيت القلعة بما فيها في يد شفيع وأبو ليلى مقيّد مسلّم إليه.

فكلّمه أبو ليلى في إطلاقه فأبى وقال:

« لا أخون صاحبي عمر. » فحكت جارية لأبي ليلى في الحبس، أنّه كان معه غلام صغير يخدمه وآخر يخرج في حوائجه ولا يبيت عنده، فأمّا الصغير فيبيت عنده. فقال أبو ليلى لغلامه الذي يدخل ويخرج في حوائجه:

« احتل لي في مبرد كيف شئت. » ففعل الغلام وأدخله في شيء من طعامه. وكان شفيع يجيء في كلّ ليلة إذا أراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى، حتى يراه، ثم يقفل عليه باب البيت هو بنفسه ويمضى فينام وتحت فراشه سيف مسلول. وكان أبو ليلى قد سأل أن تدخل إليه جارية، فأدخلت إليه جارية صغيرة السن.

فذكر عن دلفاء جارية أبي ليلى عن هذه الجارية الصغيرة أنّها قالت:

برد أبو ليلى مسمار قيده، حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء ويردّه.

قالت: وجاء شفيع عشيّة من العشايا إلى أبي ليلى فقعد معه يحدّثه، فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحا، ففعل. ثم قام الخادم لحاجته، فأمرنى أبو ليلى ففرشت فراشه فجعل عليه ثيابا في موضع الإنسان من الفراش، وصيّره كهيئة الرجل النائم وغطّاه، وأمرنى أن أقعد عند رجل ذلك الشيء المعمول من الثياب كأنّى أغمّزه. وقال:

« إذا جاء شفيع لينظر إليّ فقولي: هو نائم. ليقفل الباب على عادته، ويظنّ أنّى في الفراش. » ثم خرج أبو ليلى واختفى في موضع فيه متاع في صفّة فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر إلى الفراش وسأل الجارية عن خبر أبي ليلى، فأخبرته أنّه نائم وأقفل الباب. فلمّا نام الخادم ومن معه في الدار التي في القلعة خرج أبو ليلى، فأخذ السيف من تحت فراش شفيع وضربه به حتى برد. ووثب الغلمان الذين كانوا حوله نياما فزعين، فاعتزلهم أبو ليلى والسيف بيده، وقال لهم:

« أنا أبو ليلى وقد قتلت شفيعا ولئن تقدّم إليّ واحد منكم لأقتلنّه، وأنتم آمنون، فاخرجوا من هذه الدار حتى أكلّمكم بما أريد. » ففتحوا باب القلعة واجتمع كلّ من كان في القلعة فكلّمهم ووعدهم بالإحسان وأخذ عليهم الأيمان. فلمّا أصبح نزل ووجّه إلى الأكراد وأهل الرموم فجمعهم وفرّق فيهم مالا وخرج مخالفا على السلطان.

ثم مضى إلى إصبهان، فواقعه عيسى النّوشرى، فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه فنحره، فسقط إلى الأرض، وانهزم أصحابه فحمل إلى إصبهان.

ودخلت سنة خمس وثمانين ومائتين

خروج صالح بن مدرك على الحاج

وفيها خرج صالح بن مدرك على الحاجّ في جماعة من طيّ بالأجفر في المحرّم. فحاربه الجنّى وكان أمير القافلة فهزمه الأعراب وظفروا بالقافلة فأخذوا جميع ما فيها وأخذوا جماعة من النساء الحرائر. وبلغ قيمة ما أخذوا من الناس ألفي ألف دينار.

حمل رأس أبي ليلى إلى بغداد

وحمل رأس أبي ليلى المقتول بإصبهان إلى بغداد، فاستوهبه أخوه عمر من المعتضد، فوهبه له، فدفنه، وخلع على عمر في هذا اليوم.

ورود الخبر بوفاة ابن عيسى

وفيها ورد الخبر بوفاة محمّد بن عيسى بن شيخ، وقام ابنه أحمد بن محمّد بن عيسى بما كان في يد أبيه بآمد على سبيل التغلّب. فخرج إليه المعتضد قاصدا لحربه.

هارون بن خمارويه يوجه رسلا إلى المعتضد

وفيها وجّه هارون بن خمارويه بن أحمد ومن معه رسلا إلى المعتضد، يلتمسون مقاطعتهم على ما في أيديهم من مصر والشام، ويسألونه إجراء هارون على ما كان يجرى عليه أمر أبيه. فردّ المعتضد رسله مع رسول له بمشافهات وشروط.

ودخلت سنة ستّ وثمانين ومائتين

توجيه محمد بن أبي الساج ابنه إلى بغداد رهينة

وفيها وجّه محمّد بن أبي الساج ابنه المعروف بأبي المسافر إلى بغداد رهينة، بما ضمن له من الطاعة والمناصحة. فقدم في المحرّم منها ومعه هدايا والمعتضد غائب. وكان المعتضد في السنة المتقدمة قد حمل إليه الخلع وكتب الولاية على ما كان تغلّب عليه من بلاد أذربيجان.

وصول المعتضد إلى آمد

وفيها وصل المعتضد إلى آمد، فأناخ بجنده عليها وأغلق محمّد بن أحمد بن شيخ أبواب مدينة آمد وعلى من فيها من أشياعه. ففرّق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم وذلك لأيّام بقيت من شهر ربيع الأوّل.

ثم جرت بينهم حروب، ونصب أهل آمد على سورهم المجانيق، ونصب المعتضد عليها المجانيق وتراموا بها.

وفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى، توجّه محمّد بن أحمد بن شيخ في هذا اليوم ومن معه من أصحابه وأوليائه، فوصلوا إلى المعتضد فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه وانصرفوا إلى مضرب قد أعدّ لهم، وتحوّل المعتضد من معسكره إلى منازل ابن عيسى بن شيخ ودوره، وكتب بذلك كتابا إلى مدينة السلام.

ورود كتب هارون بن خمارويه إلى المعتضد

ووردت كتب هارون بن خمارويه يبذل أعمال قنّسرين والعواصم ويحمل إلى بيت المال بمدينة السلام في كلّ سنة أربعمائة وخمسين ألف دينار، ويسأل أن يحدّد له ولاية مصر والشام، وأن يوجّه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك. فأجابه إلى ما سأل وتسلّم المعتضد أعمال قنّسرين والعواصم من أصحاب هارون، وارتحل نحو الرقّة، وخلّف ابنه عليّا بآمد مع جيوش ضمّهم إليه، ليضبط الناحية وأعمال قنّسرين والعواصم وديار ربيعة ومضر.

وكان كاتب عليّ بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، وأمر المعتضد بهدم سور آمد فهدم.

موافاة هدية من عمرو بن الليث من نيسابور

وفيها وافت هديّة عمرو بن الليث من نيسابور. فكان مبلغ ما أنفذه أربعة آلاف ألف درهم وعشرين من الدوابّ بالسروج واللجم المغرقة بالجلال المشهرة وكسوة وطيب وبزاة.

ظهور أبي سعيد الجنابى بالبحرين على مذهب القرامطة

وفيها ظهر أبو سعيد الجنّابى بالبحرين على مذهب القرامطة فاجتمع إليه القرامطة والأعراب. فقوى أمره وكثر عيثه وأظهر أنّه يريد البصرة. وكتب عامل البصرة إلى المعتضد بذلك، فكتب إليه بعمل سور على البصرة فقدّرت النفقة عليه أربعة عشر ألف دينار، فأمر ببنائه.

ودخلت سنة سبع وثمانين ومائتين

غلظة أمر القرامطة

وفيها غلظ أمر القرامطة بالبحرين وأغاروا على نواحي هجر وقرب بعضهم من نواحي البصرة. وولّى المعتضد العبّاس بن عمرو الغنوي اليمامة والبحرين ومحاربة أبي سعيد الجنّابى والقرامطة وضمّ إليه زهاء ألفى رجل فشخص العبّاس إلى البصرة ومنها إلى البحرين واليمامة.

أسر عمرو بن الليث الصفار

وفيها ورد الخبر على المعتضد بأنّ إسماعيل بن أحمد أسر عمرا الصفّار واستباح عسكره.

ذكر الخبر عن ذلك

كان عمرو سأل المعتضد أن يولّيه ما وراء النهر، فولّاه ذلك، ووجّه إليه وهو بنيسابور بالخلع واللواء، فخرج عمرو لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل:

« إنّك قد ولّيت دنيا عريضة، وإنّما في يدي ما وراء النهر وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك واتركني بهذا الثغر. » فأبى إجابته، فذكر له أمر نهر بلخ وشدّة عبوره فقال:

« لو شئت أن أسكره ببدر الأموال وأعبره لفعلت. » فلمّا يئس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه من الجند والتّنّاء والدهاقين وعبر النهر إلى الجانب الغربي. وجاء عمرو فنزل بلخ وأخذ إسماعيل عليه النواحي فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل وطلب المحاجزة، فأبى إسماعيل عليه ذلك. فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هزم عمرو فولّى هاربا ومرّ بأجمة في طريقه قيل له: إنّها أقرب. فقّال لعامّة من معه:

« امضوا في الطريق الواضح. » ومضى في نفر يسير فدخل الأجمة، فوحلت دابّته ولم يكن له في نفسه حيلة. ومضى من معه ولم يلووا عليه، وجاءت أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيرا.

وبلغ المعتضد خبرهما فمدح إسماعيل وذمّ عمرا.

ورود الخبر بهروب وصيف

وفيها ورد الخبر على المعتضد بأنّ وصيفا خادم ابن أبي الساج هرب من برذعة ومضى إلى ملطية مراغما لمحمّد بن أبي الساج في أصحابه. وكتب إلى المعتضد يسأله أن يولّيه الثغور ليقوم بها فكتب المعتضد إليه: يأمره أن يصير إليه، فتباطأ، وكان رسله بحضرة المعتضد.

فذكر أنّ المعتضد أمر بتقرير الرسل ليخبروه عن السبب الذي من أجله فارق وصيف صاحبه ابن أبي الساج وقصد الثغور فأقرّوا بالضرب.

وذكروا أنّه فارقه على مواطأة بينه وبين صاحبه على أنّه إذا استقرّ في موضعه الذي هو به لحق به صاحبه فصارا جميعا الى مصر وتغلّبا عليها، وشاع ذلك في الناس وتحدّثوا به.

وفيها ولّى حامد بن العبّاس أعمال فارس الخراج والضياع، وكانت في يد العبّاس بن عمرو الغنوي.

خروج العباس بن عمرو الغنوي

وفيها خرج العبّاس بن عمرو الغنوي عن البصرة بمن ضمّ إليه من الجند مع من خفّ معه من مطوّعة البصرة نحو أبي سعيد الجنّابى، فلقيتهم طلائع أبي سعيد، فخلّف العبّاس سواده وسار نحوهم، فلقى أبا سعيد وأصحابه مساء، فتناوشوا ثم حجز الليل بينهم، فانصرف كلّ فريق منهم إلى موضعهم.

فلمّا كان الليل انصرف من كان مع العبّاس من الأعراب والمطوّعة وأصبح العبّاس، فغادى القرامطة الحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا.

ثم إنّ صاحب ميسرة العبّاس حمل في زهاء مائة من أصحابه على ميمنة أبي سعيد، فوغلوا فيهم فقتل هو وجميع من معه، وحمل الجنّابى وأصحابه على العبّاس فانهزم أصحابه واستأسر العبّاس وأسر من أصحابه زهاء سبعمائة رجل، واحتوى الجنّابى على ما في عسكر العبّاس.

فلمّا كان الغد من يوم الوقعة أحضر الجنّابى من أسر من أصحاب العبّاس، فقتلهم جميعا ثم أمر بحطب فطرح عليهم وأحرقهم.

وصار الجنّابى إلى هجر وآمن أهلها وانصرف فلّ العبّاس يريدون البصرة ولم يكن أفلت منهم إلّا القليل بغير أزواد. فخرج إليهم جماعة من البصرة بنحو من أربعمائة راحلة عليها الأطعمة والكسى والماء فخرج عليهم بنو أسد فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعة ممّن كان مع تلك الرواحل ممّن أفلت من أصحاب عمرو، فاضطربت البصرة لذلك اضطرابا شديدا وهمّوا بأن ينتقلوا عنها وخافوا هجوم القرامطة عليهم.

ثم وردت على السلطان خريطة من الأبلّة بموافاة العبّاس بن عمرو في مركب من مراكب البحر، وأنّ أبا سعيد أطلقه خادما له. ثم ورد العبّاس بن عمرو مدينة السلام وصار إلى دار المعتضد بالثريّا.

فذكر أنّه بقي عند الجنّابى أيّاما بعد الوقعة ثم دعا به فقال:

« أتحب أن أطلقك؟ » قال: « نعم. » قال: « امض وعرّف الذي وجّه بك ما رأيت. » وحمله على رواحل وضمّ إليه قوما من أصحابه وحمّلهم ما يحتاجون إليه من الزاد والماء وأمر الرجال الذين وجّههم معه أن يردّوه إلى مأمنه فساروا به إلى بعض سواحل البحر فصادف به مركبا فحمله حتى صار إلى الأبلّة فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله.

فتحدّث القاضي أبو الحسين محمّد بن عبد الواحد الهاشمي قال:

سمعت العبّاس بن عمرو الغنوي يقول: لمّا أسرنى أبو سعيد الجنّابى القرمطي وكسر العسكر الذي كان أنفذه المعتضد لقتاله وجعلت أسيرا في يده، يئست من الحياة. فإني يوما على ذلك إذ جاءني رسوله فأخذ قيودي وغيّر ثيابي وأدخلنى إليه فسلّمت وجلست فقال:

« أتدرى لم استدعيتك؟ » قلت: « لا. » قال: « أنت رجل عربي ومن المحال أن أستودعك أمانة فتخفرها ولا سيما مع مني عليك بنفسك. » فقلت: « هو كذلك. » قال: « إني فكّرت في قتلك فلم أر فيه طائلا وفي نفسي رسالة إلى المعتضد لا يجوز أن يؤدّيها غيرك فرأيت إطلاقك وتحميلك إيّاها فإن حلفت لي إنّك تؤدّيها سيّرتك إليه. » فحلفت له، فقال:

« تقول للمعتضد: يا هذا لم تخرق هيبتك وتقتل رجالك وتطمع أعداءك في نفسك بإنفاذ الجيوش إليّ، وإنّما أنا رجل في فلاة لا زرع عندي ولا ضرع، ولا لي بلد وقد رضيت بخشونة العيش والأمن على المهجة والعزّ بأطراف الرماح.

« وانظر فإني ما اغتصبتك بلدا كان في يدك ولا أزلت سلطانك عن عمل جليل ومع هذا فوالله لو أنفذت إليّ جيشك كلّه ما جاز أن تظفر بي ولا تنالني. لأنّى رجل نشأت في هذا القشف فتعوّدته أنا ورجالي، فلا مشقّة علينا فيه ونحن في أوطاننا مستريحون وأنت تنفذ جيشك من الحموش والثلج والرياحين والندّ ثم يجيئون من مسافة بعيدة وطريق شاقّ وقد قتلهم السفر قبل قتالنا، وإنّما غرضهم أن يبلوا عذرا في قتالنا ومواقعتنا ساعة ثم يهربون. فإن حقفوا مع ما قد لحقهم من وعثاء السفر وشدّة الجهد كان أكبر أعوانى عليهم، فما هو إلّا أن حققت عليهم حتى ينهزموا، « وتقول وأكثر ما يقدرون عليه أن يجيئوا فيستريحوا ثم تكون عدّتهم كثيرة وبصيرتهم قويّة، فحينئذ لا تكون لي بهم قبل فانهزم، فلا يقدر جيشك أن يتبعوني إلّا مسافة قريبة، فما هو [ إلّا ] أن أبعد عشرين فرسخا أو ثلاثين وأجول في الصحراء شهرا أو شهرين، ثم أكبسهم على غرّة حتى أقتل جميعهم. وإن لم يتمّ لي هذا وكانوا متحرزين فما يمكنهم أن يطوفوا حولي وخلفي في البراري ولا يتبعني الطلب في البوادي.

« ثم لا يحملهم البلد في المقام ولا الزاد إن كانوا كثيرين، فلا بدّ أن ينصرف الجمهور ويبقى الأقلّ فهم قتلى سيوفى أوّل يوم نلتقي فيه. هذا إن سلموا من وباء هذه الناحية ورداءة ماءها وهواءها الذي نشأوا في غيره وضدّه.

« ففكّر في هذا ونحوه وانظر هل يفيء تعبك وتغريرك بعسكرك وجيشك وإنفاقك الأموال وتجهيزك الرجال وتكلّفك هذه الأخطار بطلبي وأنا مع هذا خالي الذرع منها سليم النفس والأصحاب من جميعها. فأمّا هيبتك فتنخرق، وأمّا الأطراف فتنتقض، وأمّا الملوك من الأعداء فتتجاسر. ثم لا تظفر من بلدي بطائل ولا تصل إلى حال ولا مال. فإن اخترت بعد هذا محاربتى فأقدم على بصيرة وأنفذ من شئت واضطرب كيف أحببت، وإن أمسكت فذاك إليك. » قال: ثم جهّزنى وأنفذ معي عشرة من أصحابه إلى الكوفة، فسرت منها إلى الحضرة ودخلت على المعتضد فتعجّب من سلامتي، وسألنى عن خبري سؤالا حفيّا فقلت:

« أخبرك يا أمير المؤمنين سرّا. » فتشوّق إليه وخلا بي. فلم أزل أقصّ عليه الخبر وهو يتمعّط غليظا حتى ظننت أنّه سيسير إليه بنفسه وخرجت من بين يديه، فما رأيته بعد ذلك ذكره بحرف.

ورود الخبر بقتل محمد بن زيد العلوي

وفيها ورد الخبر على السلطان بأنّ محمّد بن زيد العلوي قتل.

ذكر مقتله

ذكر أنّ محمّد بن زيد العلوي لمّا اتصل به أسر إسماعيل بن أحمد عمرو بن الليث، خرج في جيش كثيف نحو خراسان طامعا فيها، ظنّا منه أنّ إسماعيل لا يتجاوز عمله الذي كان يتولّاه وأنّه لا دافع له عن خراسان إذ كان عمرو قد أسر ولا عامل للسلطان بها.

فلمّا صار إلى جرجان، واستقرّ بها كتب إليه يسأله الرجوع إلى طبرستان وترك جرجان فأبى ذلك محمّد بن زيد فندب إسماعيل له محمّد بن هارون خليفة كان لرافع، وضمّ إليه جيشا كثيفا، فشخص نحو ابن زيد فالتقيا على باب جرجان فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عسكر محمّد بن هارون.

ثم رجع محمّد بن بكر وقد انتقضت صفوف العلوي فانهزم عسكر محمّد بن زيد وقتل منهم بشر كثير وأصابت محمّد بن زيد ضربات وأسر ابنه زيد، وحوى محمّد بن هارون عسكره. ثم مات محمّد بن زيد من تلك الضربات وحمل ابنه إلى إسماعيل. ودخل محمّد بن هارون جرجان ثم شخص إلى طبرستان.

ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين

ذكر حوادث حدثت فيها

وفيها توفّى محمّد بن أبي الساج فاجتمع غلمانه وجماعة أصحابه فأمّروا عليهم ديوداذ بن محمّد واعتزلهم يوسف بن أبي الساج مخالفا لهم.

وفيها جيء بعمرو بن الليث. وذكر أنّ إسماعيل بن أحمد خيّره بين المقام عنده وبين توجيهه إلى باب أمير المؤمنين، فاختار توجيهه، فوجّهه وأرسل المعتضد برسول إسماعيل مع رسوله وحمل معه إليه بدنة وتاجا وسيفا من ذهب مركّب على جميع ذلك الجواهر وهدايا وثلاثة آلاف ألف درهم يفرّقها في جيوش خراسان. وقيل كان المال عشرة آلاف ألف وجّه بعض ذلك من بغداد وكتب بباقيه على عمّال الجبل وأمروا أن يدفعوا ذلك إلى الرسل.

وفيها أوقع يوسف بن أبي الساج وهو في نفر يسير بابن أخيه ديوداذ، فهزم عسكره وبقي ديوداذ في جماعة قليلة فعرض عليه يوسف بن أبي الساج المقام معه فأبى وقال:

« أمضى إلى باب السلطان. » فجعل يسايره مدّة ويسأله المقام معه، فأبى وأخذ طريق الموصل حتى وافى بغداد.

ودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين

انتشار القرامطة بسواد الكوفة

وفيها انتشر القرامطة بسواد الكوفة فوجّه إليهم شبل غلام أحمد بن محمّد الطائي فشخص إليهم فظفر بجماعة منهم وظفر برئيس لهم يعرف بابن أبي القوس فوجّه به وبهم فدعا به المعتضد وساءله ثم أمر به فقلعت أضراسه ثم خلّع مدّت إحدى يديه ببكرة وعلّق في الأخرى صخرة وترك على حاله تلك ثلاثة ساعات ثم قطعت يداه ورجلاه من غد هذا اليوم وضربت عنقه وصلب.

سياسة المعتضد في الشيخ والمرأة المغصوبة والرجل الغاصب

ومن سياسة المعتضد التي تستفاد منها تجربة ما حدّث به أبو الحسين محمّد بن عبد الواحد الهاشمي أنّ شيخا من التجار كان له على بعض القوّاد مال جليل، فماطله ثم جحده. قال: فعملت على التظلّم إلى المعتضد لأنّى كنت تحمّلت عليه وتظلّمت إلى عبيد الله بن سليمان فلم ينفعني ذلك فقال لي بعض إخوانى:

« عليّ أن آخذ المال لك ولا تحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة، قم معي الساعة. » قال: فقمت معه فجاء بي إلى خيّاط في سوق الثلاثاء وهو جالس يخيط ويقرأ القرآن في مسجد. فقصّ عليه قصّتى، فقام معنا. فلمّا مشيت تأخّرت وقلت لصديقى:

« إنّك قد عرّضت هذا الشيخ ونفسك وإيّاى لمكروه عظيم. » قال: « كيف؟ » قلت: « لأنّه قد استخفّ بي مرارا وبجماعة من شفعائي مرارا كثيرة ولم يلتفت إلى مثل فلان وفلان ولا إلى الوزير، وأخاف أن يصفعنا صفعا وجيعا ويطردنا. » فضحك الرجل وقال:

« لا عليك، امش واسكت. » فجئنا إلى باب القائد فحين رآه غلمانه أعظموه وأرادوا تقبيل يده فمنعهم، وقالوا:

« ما جاء بك أيّها الشيخ فإنّ صاحبنا راكب؟ » فقال: « أدخل وأجلس إلى أن يحضر. » فبادروا إلى الإذن له وأجلسوه في أرفع موضع. فقويت نفسي وجاء الرجل، فلمّا رأى الخيّاط أعظمه إعظاما شديدا وقال:

« لا أنزع ثيابي حتى تأمر بأمرك. » فخاطبه في أمري فقال:

« والله ما عندي إلّا خمسة آلاف درهم. » فسأله أن يأخذها في الوقت ويأخذ رهنا بباقي ماله إلى أن تجيئني غلّتى.

فبادرت إلى الإجابة فأحضر الدراهم وخرجنا. فلمّا بلغنا موضع الخيّاط طرحت المال بين يديه وقلت:

« يا شيخ إنّ الله قد ردّ المال عليّ لسعيك وبركتك، فأحبّ أن تأخذ من المال نصفه أو ثلثه حتى تطيب نفسي. » فقال: « ما أسرع ما كافأتنى على الجميل بالقبيح. انصرف بمالك، بارك الله لك فيه. » فقلت: « قد بقيت لي حاجة. »

قال: « قل. » قلت: « تخبرني عن سبب طاعته لك مع تهاونه بأكثر أهل هذه الدولة؟ » فقال: « يا هذا، قد بلغت مرادك، فلا تقطعني عن شغلي ومعاشي. » تفألححت عليه.

قال: « أنا رجل أؤمّ وأقرأ في هذا المسجد منذ أربعين سنة، ومعاشي من هذه الخياطة، وكنت منذ دهر قد صلّيت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت برجل تركيّ كان في هذه الدار وقد تعلّق بامرأة مجتازة وكانت جميلة، وأدخلها إلى داره وهي تستغيث وليس أحد يغيثها. » قال: « فرفقت بالتركيّ وسألته تركها، فضرب رأسى بدبّوس وشجّنى وشتمني، ويئست من المرأة وخلاصها، وصرت إلى المنزل وغسلت الدم وشددت الشجّة واستروحت، وخرجت أصلّى العشاء الآخرة. فلمّا فرغنا قلت لمن حضر: قوموا معي إلى عدوّ الله، هذا التركيّ، لننكر عليه ولا نبرح حتى نخرج المرأة. فقاموا معي وجئنا وصحنا على بابه فخرج إلينا في عدّة من غلمانه، وقصدني من بين الجماعة فضربني ضربا مبرّحا كدت أتلف منه.

فحملني الجيران إلى منزلي وعالجنى أهلى ونوّمت فلم أنم إلى نصف الليل.

فقلت في نفسي هذا قد شرب إلى الآن ولا يعرف الأوقات، فلو أذّنت لوقع له أنّه الفجر، فلعلّه يطلق عن المرأة. وكانت المرأة لمّا تعلّق بها قالت: إنّ زوجي قد حلف بطلاقى ألّا أبيت عن منزلي وأعظم ما عليّ أن أطلّق وأبين منه فطمعت أن تلحق المرأة بمنزلها قبل الفجر وتسلم من أحد المكروهين.

فخرجت متحاملا حتى صعدت المنارة، فأذّنت وجلست أتطلّع منها إلى الطريق أرقب خروج المرأة، فإن خرجت وإلّا أقمت الصلاة لئلا يشكّ في الصبح ويخرجها. فما مضت إلّا ساعة فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ومشاعل وشموعا وهم يصيحون:

« من هذا الذي أذّن الساعة، أين هو. » ففزعت وسكتّ ثم قلت أخاطبهم لعلّى أستعين بهم على إخراج المرأة.

فصحت من المنارة:

« أنا أذّنت. » فقالوا: « انزل فأجب أمير المؤمنين. » فقلت: قد دنا الفرج، ونزلت فإذا بدر مع الجماعة فحملني وأدخلنى إلى المعتضد. فلمّا رأيته هبته وارتعدت فسكّن مني وقال:

« ما حملك على أن تغزّ المسلمين بأذانك في غير وقته فيخرج ذوو الحاجة في غير حينها، ويمسك المريد للصوم في وقت قد أتيح له الإفطار، وينقطع العسس عن الطوف والحرس؟ » فقلت: « يؤمنني أمير المؤمنين لأصدق؟ » قال: « أنت آمن. » فقصصت عليه قصّة التركيّ والمرأة وأريته الشجّة وآثار الضرب بي.

فقال:

« يا بدر، عليّ بالغلام والمرأة الساعة. » فعزلت في موضع. ومضى بدر وأحضر الغلام والمرأة فسألها المعتضد عن الصورة فأخبرته بمثل ما قلته. فقال لبدر:

« بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة من الخدم يدخلها دارها ويشرح لزوجها خبرها ويأمره عني بالتمسك بها والإحسان إليها. » ثم استدعاني فوقّفت، فجعل يخاطب الغلام وأنا قائم أسمع. وكان فيما خطبه به أن قال:

« كم جرايتك؟ » فقال: « كذا. » قال: « وكم عطاؤك؟ » قال: « كذا. » قال: « أفما كان لك في جواريك وجاريك وفي هذه النعمة الواسعة كفاية عن معصية الله تعالى، وعن خرق هيبة السلطان، حتى استعملت القحة وتجاوزت ذلك إلى الوثوب على من أمرك بالمعروف؟ » فأسقط الغلام في يده ولم يحر جوابا. فقال:

« هاتوا جوالقا وقيدا وغلّا ومداقّ الجصّ. » فأتى بها كلّها. فأدخله الجوالق وأمر الفرّاشين بدقّه، وأنا أرى ذلك كلّه، وهو يصيح. ثم انقطع صوته ومات. وأمر به فغرّق في دجلة وتقدّم إلى بدر بحمل ما في داره، ووصلني بألف درهم. ثم قال لي:

« يا شيخ أيّ شيء رأيت من أجناس المنكر ولو على هذا - وأشار بيده إلى بدر - فإن لم يقبل منك، فالعلامة بيننا أن تؤذّن في هذا الوقت، فإني أسمع صوتك وأستدعيك وأفعل مثل هذا بمن لا يقبل منك أو يؤذيك. » قال: فدعوت له وانصرفت.

وانتشر الخبر في غلمان الدار والحاشية ثم الأولياء والجند والعامّة. فما خاطبت أحدا منهم بعدها في إنصاف لأحد أو كفّ عن القبيح، إلّا طاوعنى - كما رأيت - خوفا من المعتضد وما احتجت أن أؤذن في غير وقت الأذان إلى الآن.

خلافة المكتفي بالله

وفيها توفّى المعتضد ليلة الاثنين من ربيع الآخر. وفي صبيحتها أحضر دار السلطان عبد الحميد بن عبد العزيز أبو حازم ويوسف بن يعقوب وأبو عمر محمّد بن يوسف، فتولّى غسل المعتضد محمّد بن يوسف، وتولّى الصلاة عليه يوسف بن يعقوب، وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن عبيد الله وأبو حازم وأبو عمر والخدم والخاصّة.

وجلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان في دار السلطان، وأذن للناس، فعزّوه بالمعتضد، وهنّأوه بالمكتفى، وتقدّم في تجديد البيعة للمكتفى بالله، ففعلوا.

وكتب بالخبر إلى المكتفي وكان بالرقّة فتقدّم إلى كاتبه بأخذ البيعة على من في عسكره، ووضع العطاء لهم. ففعل وشخص إلى بغداد فدخلها وكنّى بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه.

وفي اليوم الثاني من مقدمه هذا هلك عمرو بن الليث الصفّار.

هلاك عمرو بن الليث الصفار ذكر الخبر عن هلاكه

وكان المعتضد لمّا امتنع من الكلام عند موته أمر صافيا الحرمي بقتل عمرو بالإشارة والإيماء، ووضع يده على عينه وعلى رقبته، أى: اذبح الأعور. فلم يفعل ذلك صافى لقرب وفاة المعتضد وكره قتله. فلمّا دخل المكتفي سأل القاسم بن عبيد الله عن عمرو:

« أحيّ هو؟ » قال: « نعم. » فسرّ بحياته وقال:

« أريد أن أحسن إليه. » وكان عمرو يهدى إلى المكتفي ويبرّه برّا كثيرا فأراد مكافأته. فكره القاسم ذلك، ودسّ إلى عمرو من قتله. وفيها كان مقتل بدر غلام المعتضد.

مقتل بدر غلام المعتضد

ذكر السبب في ذلك

كان سبب ذلك أنّ القاسم بن عبيد الله كان همّ بنقل الخلافة عن ولد المعتضد - وناظر بدرا في ذلك بعد أن استكتمه واستحلفه. فامتنع بدر وقال:

« ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي ووليّ نعمتي. » فلمّا علم القاسم ألّا سبيل له إلى مخالفة بدر - إذ كان بدر صاحب الجيش والمستولى على أمر المعتضد والمطاع في خدمه - اضطغنها على بدر.

فلمّا حدث بالمعتضد حدث الموت، كان بدر بفارس لأنّه أخرج إلى محاربة طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث، وكان طاهر قد تغلّب على فارس فعقد القاسم للمكتفى عقد الخلافة وبايع له وهو بالرقّة، لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد والتباغض في حياة والده.

فقدم المكتفي، وبدر بعد بفارس. فلمّا قدم عمل القاسم في هلاك بدر حذرا على نفسه أن يطلع بدر المكتفي إذا قدم على ما كان همّ به القاسم.

فوجّه المكتفي جماعة من القواد برسائل وكتب إلى القوّاد الذين مع بدر يأمرهم أن يفارقوا بدرا ويصيروا إلى حضرته وذلك في السرّ من بدر.

فأوصلت الكتب إليهم. ثم وجّه إليه بياسر خادم الموفّق ومعه عشرة آلاف ألف ليفرّقها في عطاء أصحابه للبيعة للمكتفى، فخرج بها ياسر. فلمّا كان بالأهواز وجّه إليه بدر من قبض المال منه، فرجع ياسر إلى بغداد.

ولمّا وصلت الكتب إلى القوّاد من المكتفي فارق بدرا جماعة منهم وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام. فلمّا دخلوا بغداد وصلوا إلى المكتفي وخلع على نيّف وثمانين رجلا وأجاز جماعة من رؤساءهم كلّ واحد بمائة ألف، وأجاز قوما بدون ذلك، وخلع على بعضهم ولم يجزه بشيء. وانصرف بدر قاصدا واسط، واتّصل الخبر بالمكتفى بإقبال بدر. فوكّل بدار بدر وقبض على جماعة من أصحابه وقوّاده فحبسوا مثل نحرير الكبير وعريب الجبلي وغيرهما، وأمر بمحو اسم بدر من الأعلام والتراس، وكان عليها أبو النجم مولى المعتضد بالله.

ودعا المكتفي القوّاد وقال لهم:

« لست أؤمّر عليكم أحدا، فمن كانت له حاجة فليلق الوزير، فقد تقدّمت إليه في قضاء حوائجكم. » وكتب بدر إلى المكتفي كتابا على يد الرنداق وحمله على الجمّازات.

فلمّا وصل إلى المكتفي قبض عليه ووكّل به وأشخص جيشا إلى واسط وقيل: إنّه قدّمهم مقدمة له.

وكان المكتفي أرسل إلى بدر حين فصل من أرض فارس فعرض عليه ولاية أيّ النواحي شاء إن أحبّ إصبهان أو الريّ أو الجبل، ويأمره بالمصير إلى أيّ موضع أحبّ من هذه النواحي مع من أحبّ من الفرسان والرجّالة، فيقيم بها واليا عليها معهم. فأبى بدر وقال:

« لا بدّ لي من المصير إلى باب مولاي. » فوجد القاسم مساغا للقول فيه وقال للمكتفى:

« قد عرضنا عليه الولايات، فأبى إلّا المجيء. » ثم خوّفه غائلته وحرّض المكتفي على محاربته وقال:

« قد أظهر العصيان واتصل ببدر أنّه قد وكّل بداره وحبس غلمانه. » « فأيقن بالشرّ فوجّه من تحتال في تخليص ابنه هلال وحدره إليه.

فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فأمر بالتحفّظ به، ودعا أبا خازم القاضي على الشرقيّة، وأمره بالمصير إلى بدر ولقاءه وتطييب نفسه وإعطاءه الأمان من أمير المؤمنين على نفسه وماله وولده. فقال أبو خازم:

« أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين حتى أؤدّيه عنه. » فقال له: « انصرف حتى أستأذن في ذلك أمير المؤمنين. »

ثم دعا بأبي عمر محمّد بن يوسف وأمره بمثل الذي أمر به أبا خازم.

فسارع إلى إجابته. ودفع القاسم إلى أبي عمر كتاب أمان عن المكتفي، فمضى به نحو بدر. فلمّا فصل بدر عن واسط ارفضّ عنه أصحابه وأكثر غلمانه وصاروا إلى المكتفي في الأمان.

وخرج المكتفي إلى مضربه بنهر ديالى ومعه جميع جيوشه فعسكر هناك ولقي أبو عمر محمّد بن يوسف بدرا بالقرب من واسط. فدفع إليه الأمان وخبّره عن المكتفي ثم ما قال له القاسم وصاعد معه في حرّاقة بدر، واستقرّ الأمر بين بدر وبين أبي عمر على أن يدخل بغداد سامعا مطيعا. وعبر بدر دجلة وصار إلى النعمانيّة وأمر أصحابه وغلمانه الذين بقوا معه أن ينزعوا سلاحهم ولا يحاربوا أحدا وأعلمهم ما ورد عليه به أبو عمر من الأمان. فبينا هو يسير إذ وافاه محمّد بن إسحاق بن كنداجيق في شذاءة ومعه جماعة من الغلمان فتحوّل إلى الحرّاقة وسأله بدر عن الخبر فطيّب بنفسه وقال قولا جميلا وهم في ذلك يؤمّرونه وكان القاسم وصّاه وقال له:

« إذا اجتمعت مع بدر في موضع واحد فأعلمني. » فوجّه إلى القاسم فأعلمه. فدعا القاسم لؤلؤا أحد غلمان السلطان النجباء، فقال له:

« قد ندبتك لأمر ».

فقال له:

« سمعا وطاعة. »

قال له:

« امض فتسلّم بدرا من ابن كنداجيق وجئني برأسه. » فمضى في طيّار حتى استقبل بدرا ومن معه بناحية سيب بنى كوما.

فتحوّل من الطيّار إلى الحرّاقة وقال لبدر:

« قم. » قال: « وما الخبر؟ » قال: « إنّه لا بأس عليك. » فحوّله إلى طيّاره ومضى به إلى جزيرة، ونحّى الناس ودعا بسيف فاستلّه.

فلمّا أيقن بدر بالقتل سأله أن يمهله حتى يصلّى ركعتين. فأمهله فصلّاهما، ثم قدّمه فضرب عنقه وذلك يوم الجمعة قبل الزوال لستّ خلون من شهر رمضان. ثم أخذ رأسه ورجع إلى طيّاره وترك جثّته هناك فبقيت أيّاما ثم وجّه عياله من أخذ جثّته سرّا فجعلوها في تابوت وحملوها أيّام الموسم إلى مكّة فدفنوها بها، وكان أوصى بذلك. وأعتق قبل أن يقتل مماليكه كلّهم وتسلّم السلطان ضياع بدر ودوره ومستغلاته.

وورد الخبر على المكتفي بقتل بدر لتسع خلون من شهر رمضان، فرحل منصرفا إلى مدينة السلام، وجيء برأس بدر، فأمر به فنظّف ووضع في خزانة الرؤوس. ورجع أبو عمر القاضي إلى داره حزينا كئيبا. فتكلّم الناس فيه، وقالوا أشعارا كثيرة. فممّا قيل فيه:

قل لقاضى مدينة المنصور ** بم أحللت أخذ رأس الأمير

بعد إعطاءه المواثيق والعهد ** وعقد الأمان في منشور

أين أيمانك الّتى شهد الله ** على أنّها يمين فجور

يا قليل الحياء يا أكذب الأم ** مة يا شاهدا شهادة زور

ليس هذا فعل القضاة ولا يحسن أمثاله ولاة الجسور

في أبيات كثيرة. وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعا كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى بهم دمشق وبها طغج بن جفّ من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون فكانت بينه وبين طغج وقعات وقتل بينهما خلق كثير.

ذكر خبر القرامطة ومبدأ أمرهم ومآله

كان زكرويه بن مهرويه داعية لقرمط. فلمّا تتابعت من المعتضد توجيه الجيوش إلى سواد الكوفة وألحّ في طلب القرامطة وأثخن فيهم القتل ورأى أنّه لا مدفع عن أنفسهم عند أهل السواد ولا غناء سعى في استغواء من قرب من الكوفة من أعراب أسد وطيّ وتميم وغيرهم ودعاهم إلى رأيه وزعم أنّ من بسواد الكوفة من القرامطة يطابقونهم على أمره إن استجابوا له، فلم يستجيبوا له.

وكانت جماعة من كلب تخفر الطريق على البرّ بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على طريق تدمر وغيرها. فأرسل زكرويه أولاده إليهم فبايعوهم وخالطوهم وانتموا إلى عليّ بن أبي طالب، وإلى محمّد بن إسماعيل بن جعفر، منهم، وذكروا أنّهم خائفون من السلطان وأنّهم لجأوا إليهم. فقبلوهم على ذلك ثم دبّوا فيهم بالدعاء إلى رأى القرامطة، فلم يقبل ذلك أحد منهم إلّا الفخذ المعروفة ببني العليص ومواليهم خاصّة، فبايعوا في آخر سنة تسع وثمانين ومائتين ناحية السماوة ابن زكرويه المسمّى: يحيى والمكنّى: أبا القاسم ولقّبوه: الشيخ على مامويه، وزعم لهم:

أنّه أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد، وأنّ له بالسواد والمشرق والمغرب مائة ألف تابع، وأنّ ناقته التي يركبها مأمورة، وأنّهم إذا اتّبعوها في مسيرها ظفروا، وتكهّن لهم.

وانحازت إليه جماعة من بنى الإصبع، وأخلصوا له وتسمّوا بالفاطميين، ودانوا بدينهم.

فقصدهم سبك الديلمي مولى المعتضد بناحية الرصافة في غربيّ الفرات وديار مضر. فاغترّوه وقتلوه وحرّقوا مسجد الرصافة، واعترضوا كلّ قرية اجتازوا بها حتى صعدوا إلى أعمال الشام، فأناخ عليها وهزم كلّ عسكر لقيه لطغج حتى حصره في مدينة دمشق. فأنفذ المصريّون إليه بدرا الكبير وواقعوهم قريبا من دمشق، فقتل يحيى بن زكرويه.

ثم دارت الحرب على المصر فانحازت واجتمعت موالي بنى العليص ومن معهم من الأصبعيين على نصب الحسين بن زكرويه أخي المقتول، وزعم لهم أنّه أحمد بن عبد الله بن محمّد، بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد وهو ابن نيّف وعشرين سنة. فبايعوه بعد أخيه، وأظهر له شامة في وجهه ذكر أنّها آيته. وطرأ إليه ابن عمّه عيسى فلقّبه بالمدّثّر، وعهد إليه، وذكر أنّه المعنيّ في السورة التي ذكر فيها المدّثّر، وقلّد غلاما له قتل أسرى المسلمين، ولقّبه المطوّق، وظهر على جند حمص وغيرها من أرض الشام وتسمّى بأمير المؤمنين على منابرها.

وفيها أوقع إسماعيل بن أحمد بمحمّد بن هارون بالريّ فهزمه وكان في ثمانية آلاف، فمضى نحو الديلم، ودخل إسماعيل الريّ وصار ألف رجل من المنهزمة إلى باب السلطان.

ودخلت سنة تسعين ومائتين

وفيها ورد كتاب عليّ بن عيسى من الرقّة يذكر فيها أنّ القرمطي ابن زكرويه وافى في جمع كثير، فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان وبينهم سبك غلام المكتفي، فواقعوه فقتل سبك وانهزم أصحاب السلطان. ثم إنّ طغج بن جفّ أخرج من دمشق جيشا إلى القرمطي عليهم غلام يقال له: بشير، فواقعه القرمطي فهزم الجيش وقتل بشيرا.

ثم خلع السلطان على أبي الأغرّ وبعث به لحرب القرمطي بناحية الشام، فمضى في عشرة آلاف إلى حلب. ووردت كتب التجار من دمشق إلى بغداد أنّ القرمطي قد هزم من طغج غير مرّة وقتل أصحابه إلّا القليل وأنّه بقي في قلّة وامتنع من الخروج وإنّما تجتمع العامّة ثم تخرج للقتال وأنّهم قد أشرفوا على الهلكة فاجتمع التجار ومضوا إلى يوسف بن يعقوب فأقرأوه الكتاب وسألوه أن يخبر الوزير ذلك.

وفيها قوطع صاحب طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث على أموال فارس، ثم عقد المكتفي لطاهر على أعمال فارس وخلع على صاحبه وحمل إليه الخلع مع العقد.

وفيها ورد الخبر وكتاب قرأ في جوامع بغداد بأنّ يحيى بن زكرويه قتله المصريّون على باب دمشق بعد أن اتصلت الحروب بينه وبين جند دمشق ومددهم من أهل مصر وكسر لهم جيوشا وقتل منهم خلقا.

وكان يحيى هذا يدّعى النبوّة والكهانة.

خبر الحسين أخي يحيى بن زكرويه

فلمّا قتل يحيى انحاز أصحابه إلى أخيه الحسين بن زكرويه فطلبوا أخاه في القتلى فلم يجدوه. وكان أخوه قد سبق إليه ودعا الحسين إلى مثل ما دعا إليه أخوه، فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم من سائر الناس واشتدّت شوكته.

وظهر وصار إلى دمشق، فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه، فانصرف عنهم وسار إلى أطراف حمص فتغلّب عليها وخطب له على منابرها، ثم سار إلى حمص فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها خوفا على أنفسهم فدخلها. ثم سار إلى حماة ومعرّة النعمان وغيرهما فقتل أهلها وقتل النساء والأطفال. ثم سار إلى بعلبك فقتل عامّة أهلها حتى لم يبق منهم إلّا اليسير. ثم سار إلى سلمية فحارب أهلها ومنعوه الدخول. ثم أعطاهم الأمان ففتحوا له بابها. فدخلها وبدأ بمن فيها من الهاشميين فقتلهم أجمعين، وقتل بعدهم الرجال أجمعين، ثم قتل البهائم، وقتل صبيان الكتاتيب، ثم خرج منها وليس بها عين تطرف وسار فيما حولها يقتل ويسبى ويخيف السبل.

وحكيت عنه حكايات في إباحة الفروج لأصحابه، وأنّ جماعة منهم كانوا يجتمعون على مرأة واحدة إذا استحسنوها لا يتحاشون ذلك فيما بينهم.

المكتفي والتأهب للشخوص إلى حرب القرمطي

ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفي بالله بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهّب للشخوص إلى حرب القرمطي بناحية الشام.

فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف دينار، وذلك أنّ أهل مصر والشام كتبوا يشكون ما لقوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وأنّه قد أخرب البلاد وقتل الناس. وحكوا أشياء عظيمة ممّا لقوه منه ومن أخيه قبله وقتلهم الرجال، وأنّه لم يبق منهم إلّا عدد قليل.

فأخرجت مضارب المكتفي فضربت بباب الشمّاسية ومعه قوّاده وغلمانه وجيوشه.

ثم رحل وسلك طريق الموصل ومضى أبو الأغرّ، فنزل وادي بطنان قريبا من حلب. فلمّا استقرّ ونزل معه جميع من معه نزع أكثرهم ثيابهم ودخلوا الوادي يتبرّدون بمائه وكان يوما شديد الحرّ. فبينا هم كذلك إذ وافاهم جيش القرمطي صاحب الشامة وقد تقدّمهم المطوّق فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغرّ فدخل حلب، وأفلت معه ألف رجل وكانوا عشرة آلاف.

وصار القرمطي إلى باب حلب فحاربهم أبو الأغرّ فيمن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فذهبوا وانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع والسلاح والأموال والمتاع بعد حرب كانت بينهم. ومضى المكتفي بمن معه من الجيش حتى انتهوا إلى الرقّة فنزلها وسرّح الجيوش إلى القرمطي جيشا بعد جيش.

ثم ورد كتاب من بدر الحمامي صاحب ابن طولون يخبر فيه، أنّه واقع القرمطي صاحب الشامة فهزمه ووضع في أصحابه السيف ومضى من أفلت منهم نحو البادية، وأنّ أمير المؤمنين وجّه في إثره الحسين بن حمدان بن حمدون.

وورد كتاب آخر من البحرين من ابن بانو يذكر فيه أنّه واقع قرابة لأبي سعيد الجنّابى ووليّ عهده من بعده فهزمه وكان مقامه بالقطيف فوجد قتيلا بين القتلى، فاحتزّ رأسه، وأنّه افتتح القطيف فدخلها.

وفيها وجّه القاسم بن عبيد الله الجيوش إلى صاحب الشامة، وولّى حربه محمّد بن سليمان الكاتب وكان إليه ديوان الجيش، وضمّ إليه جميع القوّاد وكتب إلى من تقدّمه من القوّاد بالانضمام إليه وأن يسمع الجميع له ويطيعوه.

ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين

ولمّا توجّه محمّد بن سليمان مع جيوش المكتفي وتولّى حرب صاحب الشامة، والمكتفي بالرقّة، كتب إليه بمناهضة صاحب الشامة بمن معه فنهض إليه.

ذكر مسيره وظفره بالقرمطي

فلمّا صار بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا لقوا أصحاب القرمطي. وكان القرمطي قدّم أصحابه وتخلّف هو في جماعة من أصحابه لأجل حفظ مال كان جمعه وجعل سواده وراءه. فالتحمت الحرب بين العسكرين واشتدّت، فهزم أصحاب القرمطي فقتلوا وأسر منهم خلق كثير وتفرّق الباقون في البوادي، وتبعهم السلطان.

فلمّا رأى القرمطي هزيمة أصحابه حمّل فيما قيل أخا له يكنّى أبا الفضل مالا وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع فيصير. إليه وركب هو وابن عمّه المسمّى: المدّثّر والمطوّق صاحبه وغلام له روميّ وأخذ دليلا وسار يريد الكوفة عرضا في البرّيّة حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدالية من أعمال الفرات وقد نفد ما كان معهم من الزاد، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ لهم بعض ما يحتاجون إليه.

فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طوق ليشتري ما يحتاج إليه فأنكر زيّه وسئل عن أمره فجمجم فأعلم المتولّى مسلحة هذه الناحية خبره، وكان يعرف بأبي خبزة خليفة ابن كشمرد عامل المكتفي بالرحبة وطريق الفرات. فركب في جماعة وسأل هذا الرجل عن خبره وهدّده فأخبره أنّ صاحب الشامة خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر. فمضى إليهم فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه. فوجّه بهم ابن كشمرد إلى المكتفي بالرقّة.

ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا أكثر أولياء القرمطي وأشياعه.

وكتب محمّد بن سليمان بالفتح وكان المباشر للحرب وصاحب الظفر الحسين بن حمدان فقرّظه محمّد بن سليمان في كتاب الفتح وأثنى عليه وعلى أصحابه.

وأدخل صاحب الشامة إلى الرقّة ظاهرا للناس على فالج وعليه برنس حرير ودرّاعة ديباج وبين يديه المدّثّر والمطوّق على جملين.

رجوع المكتفي إلى بغداد بالقرمطي والمدثر والمطوق وعاقبة أمرهم

ثم إنّ المكتفي خلّف عساكره مع محمّد بن سليمان وشخص هو في خاصّته وغلمانه وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرقّة إلى بغداد وحمل معه القرمطي والمدّثّر والمطوّق وحمل من أسر في الوقعة، وذلك في أوّل صفر من هذه السنة.

وأراد المكتفي أن يدخل القرمطي إلى بغداد على دقل منصوب على ظهر الفيل، فلم يمكن ذلك إلّا بهدم طاقات للأبواب التي يجتاز بها الفيل مثل باب الطاق وباب الرصافة. ثم استسمج الهدم فعمل حينئذ كرسيّ نصب على ظهر الفيل وكان ارتفاع الكرسيّ ذراعين ونصفا ودخل المكتفي بغداد وقدّم الأسرى بين يديه على جمال مقيّدين عليهم دراريع حرير وبرانس حرير والمطوّق وسطهم غلام ما خرجت لحيته قد جعل في فيه خشبة مخروطة وشدّت إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنّه لمّا دخل الرقّة كان يشتم الناس إذا دعوا عليهم ويبصق عليهم، ففعل ذلك به ببغداد. ثم أمر المكتفي ببناء دكّة في المصلّى العتيق من الجانب الشرقيّ تكسيرها عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وارتفاعها نحو من عشرة أذرع، وبنى لها درج يصعد إليها.

وكان محمّد بن سليمان لمّا خلّفه المكتفي بالرقّة يلقط من كان في تلك النواحي من قوّاد القرمطي وقضاته وأصحاب شرطه فأخذهم وقيّدهم وانحدر مع من معه من الجيش إلى بغداد على طريق الفرات، وأمر القوّاد الذين ببغداد بتلقى محمّد بن سليمان والدخول معه. فدخل بغداد وبين يديه الأسراء حتى صار إلى الثريّا فخلع عليه وطوّق بطوق من ذهب وسوّر بسوارين من ذهب وخلع على جميع القوّاد وسوّروا. ثم إنّ صاحب الشامة أخذ وهو في الحبس سكرّجة عن المائدة التي تدخل إليه فكسرها وأخذ شظيّة منها فقطع بها بعض عروقه من يد نفسه فخرج منه دم كثير ثم شدّ يده فلمّا وقف المتولّى خدمته على ذلك منه سأله:

« لم فعل ذلك؟ » فقال: « هاج بي الدم فأخرجته. » فترك حتى صلح ورجعت إليه قوّته.

ثم أمر المكتفي القوّاد والغلمان بحضور الدكّة التي أمر ببنائها، وخرج من الناس خلق كثير لحضورها فحضروها. فحمل الأسرى وقوم كانوا ببغداد على رأى القرامطة وقوم من الرفوع من سائر البلدان من غير القرامطة، فجيء بهم على جمال ووكّل بهم على كلّ رجل اثنان. ويقال إنّهم كانوا ثلاثمائة وستين.

وجيء بالقرمطي الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة وابن عمّه المعروف بالمدّثّر على بغل عماريّة وقد أسبل عليهما الغشاء ومعهما جماعة من الفرسان والرجّالة. فصعد بهما إلى الدكّة وأقعدا، ثم قدّم بين يديه جماعة فقطعت أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم كان يؤخذ الواحد فيبطح على وجهه فتقطع يمنى يديه ويحلّق بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم رجله اليسرى ثم يده اليسرى ثم رجله اليمنى، ويحلّق بما يقطع إلى أسفل، ثم يقعد فيمدّ رأسه فيضرب عنقه ويرمى برأسه وجثّته. وكانت جماعة قليلة من الأسرى يضجّون ويستغيثون ويزعمون أنّهم ليسوا من القرامطة.

ثم قدّم المدّثّر ففعل به ذلك ثم قدّم القرمطي فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وكوى فغشى عليه ثم أخذ خشب فأضرمت عليه النار ووضع في خواصره وبطنه فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما. فلمّا خافوا أن يموت ضربت عنقه. وانصرف القوّاد وأكثر النظّارة وأقام صاحب الشرطة إلى وقت العشاء الآخرة حتى ضربت أعناق باقى الأسرى ثم انصرف.

فلمّا كان الغد حملت الرؤوس إلى الجسر، وصلب بدن القرمطي هناك، أعنى الجسر وحفرت لأجساد القتلى آبار إلى جانب الدكّة فطرحت فيها وطمّت، ثم هدمت الدكّة عليها.

ثم استأمن قوم من القرامطة إلى القاسم بن سيما خوفا من القاسم فقتلوا وأجريت لهم الأرزاق. فلمّا أمنوا همّوا بالغدر فوضعت فيهم السيوف وقتلوا كلّهم. ثم ذلّوا وارتدع قوم من بنى العليص ولزموا أرض السماوة مدّة حتى راسلهم الخبيث زكرويه وأعلمهم أنّ ممّا أوحى إليه أنّ المعروف بالشيخ وأخاه يقتلان، فإنّ إمامه الذي يوحى إليه يظهر بعدهما ويظفر.

وفيها خلع المكتفي على محمّد بن سليمان كاتب الجيش وعلى جماعة من القوّاد منهم محمّد بن إسحاق بن كنداجيق وأبو الأغرّ خليفة ابن المبارك وابن كيغلغ وغيرهم وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمّد بن سليمان فخرجوا معسكرين نحو دمشق ومصر لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه لما تبيّن من ضعفه وذهاب رجاله بقتل من قتل القرمطي. وكان عدّة من مع محمّد بن سليمان لمّا دخل من باب الشمّاسية عشرة آلاف رجل.

ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين

محمد بن سليمان يخرج لحرب هارون بن خمارويه

وفي المحرّم منها صار محمّد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه. ووجّه المكتفي دميانة من بغداد وأمره بركوب البحر والمضيّ إلى مصر ودخول النيل وقطع الموادّ عمّن بمصر. ففعل ذلك وضيّق عليهم.

وزحف محمّد بن سليمان إليهم في الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط وكاتب القوّاد الذين بها. فكان أوّل من خرج إليه بدرا الحمّاميّ، وكان رئيس القوم، فكسرهم ذلك، ثم تتابع من يستأمن إليه من قوّاد المصريّين. فلمّا رأى ذلك هارون وبقية من معه زحفوا إلى محمّد بن سليمان فكانت بينهم وقعات. ثم وقع من أصحاب هارون عصبيّة فاقتتلوا وخرج هارون يسكّنهم فرماه واحد برانة فقتله. وبلغ الخبر محمّد بن سليمان، فدخل بمن معه الفسطاط واحتوى على آل طولون وأسبابهم فقيّدهم واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح فكوتب بأن يشخصهم إلى بغداد، ولا يترك أحدا منهم بمصر ولا بالشام ففعل. ثم إنّ قائدا من قوّاد مصر يعرف بالخليجى تخلّف عن محمّد بن سليمان في آخر حدود مصر واستمال جماعة من الجند وعاد إلى مصر وحشر في طريقه جماعة من محبّي الفتنة حتى كثر جمعه وواقع عامل السلطان بها، وهو عيسى النوشرى، فانحاز عنه وأخلى مصر. فدخلها الخليجي فندب السلطان لمحاربة الخليجي. فاتكأ مولى المعتضد وضمّ إليه بدرا الحمّامى وجعله مشيرا عليه فيما يعمل به وضمّ إليه قوّادا وجندا كثيرا وأمر بسرعة السير.

ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين

وفيها ورد الخبر بأنّ الخليجي المتغلّب على مصر واقع كيغلغ وجماعة من القوّاد بالقرب من العريش فهزمهم أقبح هزيمة.

وفيها ورد بغداد قائد من أصحاب طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث الصفّار مستأمنا يعرف بأبي القابوس مفارقا عسكر السجزيّة مع جماعة كثيرة من أصحابه.

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ طاهر بن محمّد بن عمرو بن الليث تشاغل باللهو والصيد ومضى إلى سجستان للصيد والنزهة فاستولى على فارس الليث بن عليّ بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، فدبّر الأمور والاسم لطاهر، فوقع بينهما وبين أبي قابوس خلاف، فصار إلى باب السلطان فقبله وخلع عليه وعلى جماعة معه وأكرمه. وكتب طاهر إلى السلطان يسأله ردّ أبي قابوس إليه ويذكر أنّه كان استكفاه بعض أعمال فارس، وأنّه جبى المال فخرج به معه ويسأله، إن لم يردّ إليه، أن يحتسب له بما ذهب به من مال فارس ممّا صودر عليه. فلم يجبه السلطان إلى شيء من ذلك.

ظهور أخ للحسين بن زكرويه صاحب الشامة

وفيها ظهر أخ للحسين بن زكرويه صاحب الشامة في طريق الفرات، واجتمع إليه نفر من الأعراب فسار إلى ناحية دمشق على طريق البرّ، فعاث وسلك سبيل أخيه فندب للخروج إليه الحسين بن حمدان، فخرج في جماعة من الجند. ثم ورد الخبر بمصير هذا القرمطي إلى طبريّة وأنّ أهلها امتنعوا عليه فحاربهم فقتل عامّة من بها من الرجال والنساء ونهبها.

وكان لهم داعية بنواحي اليمن فصار إلى مدينة صنعاء فحاربه أهلها فظفر بهم وقتلهم ولم يفلت منهم إلّا القليل وتغلّب على سائر مدن اليمن.

ثم إنّ زكرويه بن مهرويه بعد ما قتل ابنه صاحب الشامة أنفذ صاحبا له معلّما كان يعلّم الصبيان يسمّى: عبد الله بن سعيد ويكنّى: أبا غانم فتسمّى:

نصرا ليعمّى أمره. فاستغوى طائفة من بطون كلب وقوم من بنى العليص، فقصد دمشق وأحمد بن كيغلغ يحارب ابن الخليجي الذي ذكرنا أمره.

فاغتنم ذلك عبد الله وسار إلى مدينتي بصرى وأذرعات من كور حوران والبثنيّة، فحارب أهلها ثم آمنهم. فلمّا استسلموا له قتل مقاتلتهم وسبى ذرارّيهم وأخذ أموالهم. فقصدوا طبريّة فواقعهم عامل أحمد بن كيغلغ فكسروه، ثم بذلوا الأمان، فلمّا سكن إليهم غدروا به وقتلوه وانتهبوا مدينة الأردن وسبوا النساء والصبيان وقتلوا الرجال.

واتصل بهم مسير الحسين بن حمدان نحوهم فخرجوا نحو السماوة وتبعهم الحسين في برّيّة السماوة وهم ينتقلون من ماء إلى ماء ويعورونه حتى انقطع الحسين عن اتباعه لعدم الماء فعاد إلى الرحبة وأسرى القرامطة إلى هيت، فنهبت ربضها وقتلت وأحرقت وانتهبت السفن التي في الفرات، فأوقرت ثلاثة ألف راحلة كانت معها زهاء مائتي كرّ حنطة ومن البزّ والعطر والسّقط جميع ما احتاجوا إليه وأقاموا بها يومين. ثم رحلوا عنها ولمّا أصابوا ما أصابوا من الربض وتحصّن منهم أهل المدينة بسورها وندب لهم محمّد بن إسحاق بن كنداجيق ثم اتبع بمونس الخازن فهرب القرامطة وكتب إلى الحسين بن حمدان أن يقصدهم من ناحية الرحبة ليجتمع هو وابن كنداجيق على الإيقاع بهم.

فلمّا أحسّ الكلبيّون بالجند قد قصدوهم ائتمروا بينهم، فوثبوا على المسمّى: نصرا وقتلوه وتقرّبوا به إلى السلطان ورئيسهم رجل يعرف بالذئب فأسنيت له الجائزة وكفّ عن طلب قومه فمكث أيّاما ثم هرب.

فكتب السلطان إلى الحسين بن حمدان في معاودتهم واجتثاث أصولهم.

فبعث إليهم زكرويه داعية له يعلمهم أنّ الذئب قد نفّره عنهم وثقّل قلبه عليهم وأنّهم قد ارتدّوا عن الدّين، وأنّ وقت ظهورهم قد حضر وقد بايع له بالكوفة أربعون ألفا، وأنّ يوم موعدهم اليوم الذي ذكره الله تعالى وهو يوم الزينة وأنّ زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ثم يسيروا إلى الكوفة حتى يصبّحوها يوم النحر، فإنّهم لا يمنعون منها وأنّه يظهر لهم وينجز وعده الذي كانت رسله تأتيهم به وأن يحملوا داعيتهم وهو القاسم بن أحمد معهم. فامتثلوا أمره ووافوا باب الكوفة وقد انصرف الناس عن مصلّاهم.

وكان إسحاق بن عمران عامل السلطان بها فأوقعوا بمن لحقوه وسلبوهم وبادر الناس إلى الكوفة وتنادوا بالسلاح ونهض إسحاق بن عمران في أصحابه، فدخل مدينة الكوفة من القرامطة نحو مائة فارس من الباب المعروف بباب كندة، فاجتمعت العوامّ وأصحاب السلطان فرموهم بالحجارة وألقوا عليهم السّتر فقتل منهم جماعة وأخرجوهم عن المدينة ثم صافّهم إسحاق خارج المدينة وأمر أهل المدينة بالتحارس فلم تزل الحرب قائمة إلى العصر وانهزمت القرامطة وأصلح أهل الكوفة السور والخندق.

وكتب إسحاق يستمدّ السلطان فأمدّه بجماعة من القوّاد فيهم وصيف بن صوراتكين والفضل بن موسى بن بغا وجنى الصفواني وجماعة أمثالهم، فشخصوا إلى زكرويه وخلّفوا إسحاق بن عمران بالكوفة لضبطها وصاروا إلى قريب من القادسيّة إلى موضع يعرف بالصوان وهو في العرض، فلقيهم زكرويه هناك فصافّوه واشتدّت الحرب فكانت الدبرة في أوّل الأمر على القرمطي. وكان زكرويه قد كمن لهم كمينا فخرج الكمين عليهم فانهزم أصحاب السلطان أقبح هزيمة ووضع القرمطي فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا وصبر جماعة من غلمان الحجر، فقتلوا عن آخرهم بعد أن نكوا في القرامطة نكاية عظيمة.

وأخذ للسلطان من الجمّازات التي عليها السلاح والآلة ثلاثمائة جمّازة ومن البغال خمسمائة بغل، فقتل من أصحاب السلطان نحو ألفيّ رجل. فقوى القرمطي ثم تطرّق البيادر فأخذ من الغلّات ما حملت البغال.

ووافى قوم من العرب باب الكوفة فدخلوا أبياتها وكانوا ضربوا على الداعية الذي يقال له: القاسم بن أحمد قبّة ودعوا:

« يا لثارات الحسين. » يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب وشعارهم:

« يا أحمد يا محمّد. » يعنون ابني زكرويه المقتولين، وأظهروا أعلاما بيضا وقدّروا أنّهم يستغوون الرعاع بالكوفة لما أظهروه. فأسرع إسحاق بن عمران ومن معه نحوهم فدفعهم وقتل من ثبت له منهم وعاونه أهل البلد فانصرف عنهم القرامطة وما تمّت حيلتهم.

وكان زكرويه قد ظهر في أهل قرية الصوان ينقلونه على أيديهم ويسمّونه:

وليّ الله، فلمّا رأوه سجدوا له فقال لهم:

« إنّ القاسم بن أحمد أعظم الناس منّة عليهم، فإنّه ردّكم إلى الدين بعد خروجكم منه. » وتقدّم إليهم بأن يمتثلوا أمره، فإنّه حينئذ ينجز مواعيده ويبلّغهم آمالهم.

وتلا عليهم آيات من القرآن رمزها لهم، فاغترّوا به وقويت قلوبهم وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل. وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه: السيّد، ولا يبرزونه لمن في عسكره والقاسم يتولّى الأمور دونه ويمضيها على رأيه.

وكان عنده أنّ أهل الكوفة وسوادها يخرجون إليه، فأعلم أصحابه ذلك وأقام نيّفا وعشرين سنة يبثّ رسله في السواد فلم يلحق به إلّا خمسمائة رجل ممّن لحقته الشهوة بنسائهم وأولادهم. وسرّب إليه السلطان الجنود وتسرّع إليه جماعة من القوّاد منهم جنى الصفوانيّ وبشر الأفشينى ورائق فتى أمير المؤمنين والحجريّة من الغلمان، فأوقعوا بالقرامطة وقتلوا جماعة من فرسانهم ورجّالتهم فأسلموا بيوتهم فانهزموا، ودخلوا البيوت وتشاغلوا بها. فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم.

وأعظم الناس ما جرى على أصحاب السلطان بالصوان وغيرها، وأهمّ السلطان أمر مصر بسبب ابن الخليجي. فأمر المكتفي بإخراج مضاربه إلى باب الشمّاسيّة ثم وردت خريطة من قبل فاتك يذكر أنّهم رجعوا إلى ابن الخليجي، فكانت بينهم وقعات وحروب. وفي آخرها هزم ابن الخليجي وقتل أصحابه وإنّه هرب إلى مصر ودخل الفسطاط فاستتر بها عند رجل من أهل البلد، ودخل أصحاب السلطان الفسطاط فاستثاروه وجمع من كان بالبلد.

فكتب إلى فاتك بحمل ابن الخليجي ومن أسر معه إلى بغداد. وردّت مضارب المكتفي بالله إلى بغداد فحمل ابن الخليجي إلى بغداد مع أحد وعشرين رجلا على الجمال مشهرين ببرانس ودراريع حرير. وخلع المكتفي على وزيره العبّاس بن الحسن خلعا لحسن تدبيره في هذا الفتح. ثم حمل رأس القرمطي المسمّى نصرا الذي انتهب هيت منصوبا على قناة فطيف به في الجانبين.

ودخلت سنة أربع وتسعين ومائتين

زكرويه وقصده قافلة الحجيج

وفيها ورد الخبر بأنّ زكرويه بن مهرويه القرمطي ارتحل من موضعه يريد الحاجّ. فذكر أنّه مضى في البرّ من جهة المشرق قريبا من الواقصة ووافت القافلة واقصة لسبع خلون من المحرّم. فأنذرهم أهل المنزل وأخبروهم أنّ بينهم وبين القوم أربعة أميال فلم يقيموا وارتحلوا فنجوا. فأمعنت القافلة في السير وصار القرمطي إلى واقصة فسألهم عن القافلة، فأخبروه أنّها لم تقم بواقصة، فاتّهمهم بإنذارهم فقتل من العلّافين بها جماعة وأحرق العلف وتحصّن أهلها في حصنهم. ثم ارتحل نحو زبالة وسارت العساكر في طلب زكرويه مدّة ثم انصرفت عنه.

ومرّ زكرويه في طريقه بطوائف من بنى أسد فأخذها معه وقصد الحاجّ المنصرفين عن مكّة وقصد الجادّة، ثم اعترضهم يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرّم من هذه السنة بالعقبة من طريق مكّة فحاربوه حربا شديدة فسايلهم وقال:

« أفيكم السلطان؟ » قالوا: « نعم معنا سلطان ونحن الحاجّ. » فقال لهم:

« فامضوا فلست أريدكم. » فلمّا سارت القافلة تبعها فأوقع بهم وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرماح ويبعجونها بالسيوف، فنفرت واختلطت القافلة وأكبّ أصحاب زكرويه على الحاجّ يقتلونهم كيف شاءوا فقتلوا الرجال والنساء وسبوا من النساء من أرادوا واحتووا على ما في القافلة. وقد كان لقي بعض من أفلت من هذه القافلة علّان بن كشمرد وكان في قطعة من فرسان جيش السلطان أعدّ لقصد القرامطة، فسأله عن الخبر فأعلمه ما نزل بقافلة الخراسانية وقال:

« ما بينك وبين القوم إلّا قليل، والليلة أو في غد توافى القافلة الثانية، فإن رأوا علما للسلطان قويت نفوسهم والله الله فيهم. » فرجع علّان من ساعته وأمر من معه بالرجوع وقال:

« لا أعرّض أصحاب السلطان للقتل. » ثم أصعد زكرويه ووافته القافلة الثانية والثالثة ومن كان فيها من القوّاد والكتّاب مع جماعة من الرسل تنكّبوا طريق الجادّة وكتبوا بخبر الفاسق وفعله بالحاجّ ويعلمهم بالتحرّز منه والعدول عن الجادّة نحو واسط والبصرة أو الرجوع إلى فيد أو المدينة إلى أن تلحق بهم الجيوش.

ووصلت الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يتلبّثوا، وتقدّم أهل القافلة الثانية وفيها المبارك القمّى وأحمد بن نصر العقيلي فوافوا الفجرة وقد رحلوا عن الواقصة وعوّروا مياهها وملأوا بركها وآبارها بجيف الإبل والدوابّ التي كانت معهم مشقّقة بطونها، ووردوا منزل العقبة لاثنتي عشرة خلت من المحرّم فحاربهم أهل القافلة الثانية.

وكان أبو العشائر مع أصحابه في أوّل القافلة ومبارك القمي فيمن معه في ساقتها. فجرت بينهم حرب شديدة حتى كشفوهم وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجرة من ساقتهم غرّة فركبوهم من جهتها ووضعوا رماحهم في جنوب إبلهم وبطونها فطحنتهم الإبل فتمكّنوا منهم فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم إلّا من استعبدوه.

ثم أنفذوا إلى ما دون العقبة فوارس لحقوا من كان أفلت من السيف، فأعطوهم الأمان، فرجعوا فقتلوهم عن آخرهم وسبوا من اختاروا من النساء وحملوا الأموال والأمتعة، وقتلوا مباركا القمّى والمظفّر ابنه وأسر أبو العشائر وجمع القتلى فوضع بعضهم على بعض حتى صاروا كالتلّ العظيم ثم قطعت يدا أبي العشائر ورجلاه وضربت عنقه. وأطلقوا من النساء ما لم يرغبوا فيه وأفلت من الجرحى قوم، ووقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا. فمنهم من مات في الطريق ومنهم من نجا وهم قليل. وكانت نساء القرامطة مع صبيانهم يطفن في القتلى يعرضون عليهم الماء، فمنهم من كلّمهم فأجهزوا عليه.

وكان في القافلة زهاء عشرين ألف رجل قتل جميعهم غير نفر يسير ممّن

قوى على العدوّ بغير زاد ومن وقع في القتلى وهو مجروح فأفلت يعدو أو من استعبدوه لخدمتهم.

وكانت كتب الضرّابين بمصر إلى الضرّابين بالعراق في هذه السنة ترد أنّهم يستغنون وذاك أنّ آل طولون والقوّاد المصريّين الذين شخصوا إلى مدينة السلام ومن كان في مثل حالهم، قد وجّهوا في حمل مالهم من مصر إلى مدينة السلام وقد سبكوا أوانى الفضّة والذهب والحلي نقارا وحمل إلى مكّة ليوافوا مدينة السلام مع الحاجّ فحمل في القوافل الشاخصة إلى بغداد فذهب ذلك كلّه.

ولمّا فرغ القرمطي من الحاجّ وأخذ الأموال واستباح الحرم، رحل من وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بالجيف من الناس والدوابّ.

ورود خبر القافلة على السلطان

وورد الخبر بذلك على السلطان فاستعظم الناس جميعا ذلك.

وندب السلطان أيّوب بن محمّد بن داود صاحب الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة والمقام بها لإنفاذ الجيوش إلى القرمطي. فخرج وحمل أموالا كثيرة لإعطاء الجند.

ثم سار زكرويه إلى زبالة فنزلها وبثّ الطلائع أمامه ووراءه خوفا من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسيّة أن يلحقوه ومتوقّعا ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار.

ثم ساروا إلى الثعلبيّة ثم إلى الشقوق وأقام هناك ينتظر القافلة وفيها جماعة من القوّاد: نفيس وصالح ومعه الشمسة. وكان المعتضد جعل في الشمسة جوهرا نفيسا. وكان في القافلة جماعة من وجوه الكتّاب وغيرهم.

فلمّا صار أهل هذه القافلة إلى فيد بلغهم خبر زكرويه وأصحابه، فأقاموا بفيد أيّاما ينتظرون تقوية لهم من قبل السلطان.

وصار زكرويه إلى فيد وبها عامل السلطان. فلجأ منه إلى أحد حصنيها مع مائة رجل وشحن الحصن الآخر بالرجال. فجعل زكرويه يراسل أهل فيد في أن يسلّموا عاملهم ومن فيهم من الجند وأنّهم إن فعلوا ذلك آمنهم فلم يجيبوه إلى ما سأل، فحاربهم فلم يظفر منهم بشيء. فتنحّى إلى النّباج ثم إلى حفر أبي موسى.

ثم أنهض المكتفي وصيف بن صوراتكين ومعه من القوّاد جماعة إليه، فلقيه يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأوّل. فاقتلوا يومهم ثم حجز بينهم الليل، فباتوا ليلتهم يتحارسون. ثم عاودهم القتال فظفر بهم جيش السلطان فقتل منهم مقتلة عظيمة وخلصوا إلى زكرويه فضربه بعض الجند بالسيف، وهو مولّ على قفاه، ضربة اتصلت بدماغه. فأخذ أسيرا وخليفته وجماعة من أقربائه وخاصّته فيهم ابنه وكاتبه وزوجته. وعاش زكرويه خمسة أيّام ثم مات، فشقّ ثم حمل بهيئته. وانصرف وصيف بمن كان حيّا في يده من الأسرى ثم التقطت القرامطة واستأمن قوم منهم.

ودخلت سنة خمس وتسعين ومائتين

وفيها خرج عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن إصبهان في نحو عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم مظهرا الخلاف على السلطان.

وفيها توفّى أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد عامل خراسان وما وراء النهر وقام أحمد بن إسماعيل ابنه مقامه. وفيها عقد المكتفي بيده لواء لأحمد بن إسماعيل وحمله إليه.

وفيها روسل المسمعي وخوّف عاقبة الخلاف وأرعب فصار إلى باب السلطان. فرضي عنه المكتفي ووصله وخلع عليه.

وفاة المكتفي

وفيها توفّى المكتفي، فكانت خلافته ستّ سنين وستّة أشهر وتسعة عشر يوما وله اثنتان وثلاثون سنة، ويكنّى: أبا محمّد، وكان ربعة جميلا رقيق اللون حسن الشعرة وافر اللحية، وامتدّت علّته شهورا ودفن في دار ابن طاهر.

خلافة المقتدر بالله

وبويع جعفر بن المعتضد بالله وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكنيته أبو الفضل

ذكر ما جرى في ذلك

لمّا ثقل المكتفي في علّته فكّر العبّاس بن الحسن وهو الوزير في من يقلّده الخلافة وترجّح رأيه، وكان يركب من داره إلى دار السلطان ويسايره واحد من الأربعة الذين يتولّون الدواوين، وهم: أبو عبد الله محمّد بن داود بن الجرّاح، وأبو الحسن محمّد بن عبدون، وأبو الحسن بن الفرات، وأبو الحسن عليّ بن عيسى.

فركب معه محمّد بن داود فشاوره العبّاس، فأشار بأبي العبّاس عبد الله بن المعتزّ بالله فقرّظه ووصفه.

ثم ركب معه في اليوم الثاني أبو الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات فشاوره.

فقال له:

« هذا شيء ما جرت به عادتي. » واستعفاه وقال:

« إنّما أشاور في العمّال. » فأظهر العبّاس غضبا وقال:

« هذه محاجزة وليس يخفى عليك. » وألحّ عليه فقال له:

« إن كان رأى الوزير قد تقرّر على إنسان بعينه فليستخر الله ويمضى عزمه. » قال ابن الفرات: فعلم أنّى قد عنيت ابن المعتزّ لاشتهار الخبر به فقال لي:

« ليس أريد منك إلّا أن تمحضنى النصيحة. » فقلت له:

« إذا أراد الوزير ذلك فإني أقول: اتق الله ولا تنصب في هذا الأمر من قد عرف دار هذا ونعمة هذا وبستان هذا وجارية هذا وضيعة هذا وفرس هذا، ومن لقي الناس ولقوه وعرف الأمور وتحنّك وحسب حساب نعم الناس. » قال: فاستعاد ذلك مني الوزير دفعات، ثم قال:

« في من تشير؟ » فقلت: « بجعفر بن المعتضد. » فقال: « ويحك جعفر صبيّ. »

قلت: « إلّا أنّه ابن المعتضد ولم تجيء برجل يأمر وينهى ويعرف ما لنا، وبمن يباشر التدبير بنفسه ويرى أنّه مستقلّ ولم لا تسلّم هذا الأمر إلى من يدعك تدبّره أنت. » ثم شاور أبا الحسن عليّ بن عيسى في اليوم الثالث واجتهد به أن يسمّى له أحدا، فامتنع وقال:

« أنا لا أشير بأحد، ولكن ينبغي أن يتّقى الله وينظر للدين. » فمالت نفس العبّاس بن الحسن إلى رأس أبي الحسن ابن الفرات ووافق ذلك ما كان المكتفي عهد به من تقليد أخيه جعفر الخلافة.

فلمّا مات المكتفي آخر نهار يوم السبت الثاني عشر من ذي القعدة، نصب الوزير العبّاس جعفرا في الخلافة على كراهية منه لصغر سنه.

ومضى صافى الحرمي فحدره من دار ابن طاهر. فلمّا اجتازت الحراقة التي حدر فيها وانتهت إلى [ دار ] العبّاس بن الحسن صاح غلمان العبّاس بالملّاح أن: ادخل. فوقع لصافى الحرمي أنّ العبّاس إنّما يريد أن يدخله إلى داره لتغيّر رأيه فيه وأشفق أن يعدل عنه إلى غيره، فمنع الملّاح من الدخول وجرّد سيفه وقال للملّاح:

« إن دخلت رميت برأسك. » فانحدر وجها واحدا إلى دار السلطان.

وثم أمر جعفر ولقبّ: المقتدر بالله. وأطلق السلطان يد العبّاس فأخرج المال للبيعة.

وحكى القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي: أنّ القاضي أبا عمر محمّد بن يوسف حدّثه أنّ العبّاس بعد إتمامه أمر المقتدر استصباه، وكثر كلام الناس. فعمل على أن يحلّ أمره ويقلّد أبا عبد الله محمّد بن المعتمد على الله. وكان أبو عبد الله بن المعتمد حسن الفعل جميل المذاهب، فوسّط الوزير أمره بينه وبينه القاضي أبا عمر وسامه اليمين، فقال ابن المعتمد:

« إن لم تصحّ نيّته لم تغن فيه اليمين وإن صحّت استغنى عنها وله الله راع وكفيل، على أنى لا أغدر به ولا أنكبه. » وكان العبّاس ينتظر بأمره قدوم بارس الحاجب غلام إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان، فإنّه كان ورد كتابه وقدّر أنّه يستظهر به وبمن معه على غلمان المعتضد. فتمادت الأيّام بقدوم بارس ووقع بين ابن عمرويه صاحب الشرطة ببغداد وبين أبي عبد الله محمّد بن المعتمد منازعة فاجتمعا يوما في مجلس الوزير العبّاس بن الحسن وجرى بينهما خطاب فأربى عليه ابن عمرويه في الكلام، ولم يكن علم بما رشّح له، ولم يمكن أبا عبد الله أن ينتصف منه لمحله، فاغتاظ غيظا شديدا كظمه فغشى عليه وفلج في المجلس. فاستدعى العبّاس عمارية وأمر بحمله فيها إلى داره، فحمل ولم يلبث أن مات. فعمل العبّاس على تقليد أبي الحسين من ولد المتوكّل على الله مكانه. فمات أيضا وتمّ أمر المقتدر.

ودخلت سنة ستّ وتسعين ومائتين

وفيها كانت فتنة عبد الله بن المعتزّ

ذكر الخبر عن ذلك

كان التدبير وقع بين محمّد بن داود بن الجرّاح مع الحسين بن حمدان على إزالة أمر المقتدر بالله ونصب عبد الله بن المعتزّ مكانه، وواطأ على ذلك جماعة من القوّاد والكتّاب والقضاة. فركب يوما العبّاس بن الحسين يريد بستانه المعروف ببستان الورد، فاعترضه الحسين بن حمدان وعلاه بالسيف وقتله. وكان إلى جانبه فاتك المعتضدي يسايره فصاح بالحسين منكرا عليه، فعطف عليه الحسين وقتله.

واضطرب الناس، وركض الحسين بن حمدان قاصدا إلى الحلبة مقدّرا أن المقتدر هناك يضرب بالصوالجة فيقتله فلمّا سمع المقتدر الضجّة بادر بالدخول إلى داره وغلّقت الأبواب دون الحسين، فانصرف إلى الدار المعروفة بسليمان بن وهب بالمخرّم، وبعث إلى عبد الله ابن المعتزّ يعرّفه تمام التدبير فنزل عبد الله من داره التي على الصراة وعبر إلى المخرّم، وحضر القوّاد والجند وأصحاب الدواوين وفيهم عليّ بن عيسى ومحمّد بن عبدون، وحضر القضاة ووجوه الناس سوى أبي الحسن ابن الفرات وخواص المقتدر فبايع من حضر عبد الله بن المعتزّ وخوطب بالخلافة وانعقد له الأمر ولقّب:

المرتضى بالله.

واستوزر أبا عبد الله محمّد بن داود بن الجرّاح وقلّد عليّ بن عيسى الدواوين والأصول ومحمّد بن عبدون دواوين الأزمّة، ونفذت الكتب إلى الأمصار كلّها عن عبد الله بن المعتزّ، ووجّه إلى المقتدر بالله يأمره بالانصراف إلى دار ابن طاهر مع والدته لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجيب بالسمع والطاعة.

وعاد الحسين بن حمدان من غد إلى دار الخلافة فقاتله من فيها من الخدم والغلمان والحشم ومن كان هناك من الرجّالة من وراء السور، ودفعوه عن الدار. فانصرف في آخر النهار وحمل ما قدر عليه من ماله وحرمه وولده، وسار بالليل إلى الموصل، ولم يكن بقي مع المقتدر من رؤساء القوّاد غير مونس الخادم ومونس الخازن وغريب الخال والحاشية.

فلمّا راسل ابن المعتزّ المقتدر بالانصراف إلى دار ابن طاهر، قالت هذه الجماعة بعضها لبعض:

« يا قوم، نسلّم الأمر هكذا، لم لا نجرّد أنفسنا في دفع ما قد أظلّنا؟

فلعلّ الله أن يكشفه عنّا. » فأجمع رأيهم على أن يصعدوا في شذاءات ومعهم جماعة، ففعلوا ذلك وألبسوا الجماعة الجواشن والخوذ والسلاح وصاروا إلى دار المخرّم. فلمّا قربوا منها ورآهم من كان فيها على شاطئ دجلة قالوا:

« شذاءات مصعدة من دار السلطان. » ووقع الرعب في قلوبهم فتطايروا على وجوههم قبل أن تجرى بينهم حرب وقبل وصول الشذاآت إلى الدار. وخرج عبد الله بن المعتزّ ومعه وزيره محمّد بن داود وحاجبه يمن وقد شهر يمن سيفه وهو ينادى:

« معشر العامّة ادعوا الله لخليفتكم. » وأخذوا طريق الصحراء تقديرا منهم أن يتبعهم الجيش ويصيروا إلى سرّ من رأى فيثبت أمرهم فلم يتبعهم أحد، فلمّا رأى محمّد بن داود نزل عن دابّته لمّا حاذى داره ودخلها واستتر ونزل عبد الله بن المعتزّ في موضع آخر ومشى إلى دجلة وانحدر إلى دار أبي عبد الله بن الجصّاص ودخلها واستجار به، ففرّ الناس على وجوههم ووقعت الفتنة والنهب والغارة والقتل ببغداد.

وكان محمّد بن عمرويه صاحب الشرطة فركب وقاتله العامّة لأنّه كان من أكبر أعوان عبد الله بن المعتزّ فهزموه، وقلّد المقتدر مكانه من يومه مونسا الخازن.

وكان خرج في الوقت الذي خرج فيه ابن المعتزّ من داره أبو الحسن عليّ بن عيسى ومحمّد بن عبدون مع من خرج من دار عبد الله بن المعتزّ، واستتروا في منزل رجل يبيع البقل، ونذر بهما العامّة، فكبسوهما وأخرجوهما وسلّموهما إلى بعض خدم المقتدر المجتازين في الطرق، فأركبهما جميعا على بغل أكاف كان معه، ولحقهما في الطريق من العامّة أذى شديد حتى حصلا في الدار ووكّل بهما.

وقبض في ذلك اليوم على وصيف بن صوراتكين وخرطامش ويمن وفاتك وجماعة ممّن كان حاضرا دار ابن المعتزّ وفيهم القاضي أبو عمر محمّد بن يوسف والقاضي أبو المثنّى أحمد بن يعقوب والقاضي محمّد بن خلف بن وكيع واعتقل الكلّ في دار الخلافة وسلّموا إلى مونس الخازن. ثم أمر بقتلهم أجمعين. فقتلهم تلك الليلة سوى عليّ بن عيسى ومحمّد بن عبدون والقاضي أبو عمر والقاضي محمّد بن خلف فإنّ هؤلاء سلموا.

وزارة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات

وأنفذ المقتدر مونسا الخازن إلى دار أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات التي كان ينزلها بسوق العطش بعد أن أعطاه خاتمه وأعلمه أنّه يريد أن يستوزره. وكان ابن الفرات مستترا بالقرب من داره. فلم يظهر له فأعيد إليه مرّة أخرى، فرفق بالجيران وأعلمهم أنّه يستوزر فظهر له وقت العصر من ذلك اليوم وصار به إلى دار السلطان ووصل إلى المقتدر وقلّده وزارته ودواوينه وعاد إلى داره بسوق العطش. وبكّر يوم الاثنين وهو غد ذلك اليوم، فخلع عليه خلع الوزارة وسار بين يديه القوّاد بأسرهم، وخلع في ذلك اليوم على مونس الخازن بسبب تقلّده الشرطة، وأطلق ابن الفرات للجند مالا لصلة ثانية وجدّد البيعة للمقتدر.

ذكر الخبر عن الظفر بعبد الله بن المعتز

صار خادم لأبي عبد الله بن الجصّاص يعرف بسوسن إلى صافى الحرمي يسعى بأنّ عبد الله بن المعتزّ مستتر في دار مولاه فأنفذ المقتدر بالله صافيا الحرمي في جماعة حتى كبس منزل ابن الجصّاص واستخرج منه عبد الله بن المعتزّ، فحمله وحمل معه أبا عبد الله بن الجصّاص إلى دار السلطان. ثم صودر ابن الجصّاص على مال بذله وأطلقه إلى منزله بعد أن تكفّل به الوزير أبو الحسن ابن الفرات.

وسلّم عليّ بن عيسى ومحمّد بن عبدون إلى أبي الحسن ابن الفرات وناظرهما بمراسلة وصادرهما، وخفّف عن عليّ بن عيسى ونقلها على محمّد بن عبدون لعداوة كانت بينهما وقال للمقتدر:

« لم يكن لهذين في أمر ابن المعتزّ صنع وتكفّل بهما وبالقاضي محمّد بن خلف بن وكيع وخلّصهم. » ثم نفى محمّد بن عبدون إلى الأهواز وأمر بتسليمه إلى محمّد بن جعفر العبرتاى ونفى عليّ بن عيسى إلى واسط بعد أن افتداه من ماله بخمسة آلاف دينار دفعها إلى سوسن الحاجب واستكفّه بها عنه فإنّه كان يغرى به ويقول: كان مطابقا لعمّه.

موت عبد الله بن المعتز وثبات أمر المقتدر

وظهر موت عبد الله بن المعتزّ في دار السلطان ودفع إلى أهله ملفوفا في زليّ برذون وتمّ ما كان في سابق علم الله عز وجل وحكم به من ثبات أمر المقتدر وبطل اجتهاد المخلوقين وحيلهم في إزالته.

قتل محمد بن داود

فأمّا محمّد بن داود فحكى أبو عليّ محمّد بن عليّ بن مقلة قال: كنّا بحضرة الوزير أبي الحسن في يوم هو فيه متخلّ، ودخل إليه بعض غلمانه فسارّه فظهر منه غمّ شديد وإذا هو قد أبلغ قتل محمّد بن داود وقال:

« كان مع عداوته لي رجلا عاقلا كثير المحاسن يجمع إلى صناعته كتابة الخراج والجيش والبلاغة والفقه والأدب والشعر، وكان كريما سخيّا وقد جرى عليه من القتل أمر عظيم. »

ثم لعن عليّ بن الحسين القنّاي النصراني وقال:

« هو غرّ هذا الرجل، فإنّ ما كان بينه وبينه من المودّة مشهور، فخلّص نفسه وقتل صديقه. »

ذكر ما عمله القناى في أمر محمد بن داود

كان سوسن عدوّا لمحمّد بن داود وكذلك صافى الحرمي. فأغريا المقتدر بالله وقالا له: « إنّ عليّ بن الحسين القنّاى يعرف موضعه. » فقبض عليه وهدّد بالقتل فحلف أنّه لا يعرف الموضع الذي استتر فيه محمّد بن داود وإنّما تأتيه رقاعه يد امرأة تجيء إلى امرأة نصرانية تجيئه بها، وضمن أنّه يحتال في إثارته فأطلق.

وكاتب محمّد بن داود وأعلمه أنّه قد سفر له مع سوسن في أمر يكون به خلاصه، وأنّ ما جرى في ذلك لا تحتمله المكاتبة، وأنّ الوجه أن يأذن له في المصير إليه في الموضع الذي هو فيه مستتر. فإن لم يأذن في ذلك صاحب داره خرج متنكّرا وصار إليه.

فكتب إليه محمّد بن داود أنّه يصير إليه في ليلة ذكرها. فمضى عليّ بن الحسين برقعته إلى سوسن وصاف، فأقرأهما إيّاها، فترصّدا تلك الليلة وأمرا صاحب الشرطة أن يتقدّم إلى أصحاب الأرباع وأصحاب المسالح بترصّده.

فلمّا خرج تلك الليلة ظفر به وسلّم إلى مونس الخازن، فقتله ثم طرحه على الطريق، حتى أخذه أهله فدفنوه.

وحكى أبو عليّ ابن مقلة وأبو عبد الله زنجي الكاتب: أنّ محمّد بن داود كتب إلى ابن الفرات رقعة وصلت إليه، فلم يقدر أن يكتب الجواب بخطّه وقال لموصلها وكان ثقة عنده:

« تقرأ   وتقول له: ليس جرمك يسيرا والعهد به قريب والاستتار صناعة، فينبغي أن تصبر على استتارك أربعة أشهر حتى تنسى قصّتك، ثم دعني والتدبير في أمرك، فإني بإذن الله أسفر بعد هذه المدّة في صلاحك وآخذ لك أمان الخليفة بخطّه وأقول: إنّه دخل فيما دخل فيه القوّاد وكتّابهم، وقد دعت الضرورة إلى الصفح عنهم، ولهذا بهم أسوة، وأشير عليه بما يصلح أمرك. » فلم يصبر محمّد بن داود فجرى ما حكيته.

وحكى أيضا ابن زنجي: أنّه كان بحضرة أبي الحسن ابن الفرات إذ كتب إليه صاحب الخبر، بأنّ متنصّحا حضر وذكر أنّ عنده نصيحة لا يذكرها إلّا للوزير، فتقدّم الوزير إلى حاجبه أن يخرج إليه ويسأله عنها. فخرج وسأله فأبى أن يخبره بها وقال:

« أريد أن أشافه بها الوزير. » قال: وكنّا بين يديه جماعة فأومأ إلينا، فقمنا وخلا به. ثم دعا بحاجبه العبّاس الفرغاني وقال له:

« اجمع الرجال الذين برسم الدار. » ثم دعا أبا بشر ابن فرحويه وقال له سرّا:

« إنّ هذا الرجل تنصّح إليّ في أمر محمّد بن داود، وذكر أنّه يعرف موضعه وأنّه بات البارحة عنده والتمس أن أنفذ معه من يسلّمه إليه، وقد بذلت على ذلك ألف دينار إن كان صحيحا، أو نيله بالعقوبة إن كان باطلا.

فصر على ذلك فاكتب إليه الساعة أن ينتقل عن موضعه، فإني أبعث إلى مكانه من يكبسه ويلتمسه. » ولم يزل يستعجل الحاجب في جمع الرجال فيقول:

« قد فرّقت النقباء في طلبهم فإنّهم في أطراف البلد منهم من ينزل في قصر عيسى ومنهم من ينزل بباب الشمّاسية. » ولم يزل يدافع بالأمر إلى أن عاد الجواب إلى أبي بشر بشكره، وأنّه قد انتقل من موضعه إلى غيره. فتقدّم حينئذ إلى المتنصّح أن يمضى إلى الموضع مع القوم، وتقدّم بالاحتياط عليه وعلى ما يليه. وكبسه بعد ذلك وحمله، فإن لم تجده فتّش الدور التي تلى الموضع، وأن يستظهر بحفظ أفواه الدروب حتى لا تفوته الحرم ويأخذ معه السلاليم.

فمضى العبّاس الحاجب والمتنصّح والرجال ووكّل بأفواه الدروب والدور المجاورة للموضع، ودخل الدار التي ذكرها المتنصّح فلم يجده. فقال المتنصّح:

« في هذا الموضع والله العظيم خلّفته وهاهنا كان بائتا. » وأقبل يسير إلى موضع موضع وما عمله فيه. ثم التمسه في الدار المجاورة فلم يجده. وعاد به إلى حضرة الوزير فأنكر على المتنصّح سعايته بالباطل، وأمر بحمله إلى باب العامّة وضربه مائتي مقرعة وأن يشهر على جمل وينادى عليه:

« هذا جزاء من يسعى بالباطل. » وكتب إلى المقتدر وعرّفه الصورة، وأنّه كبس على محمّد بن داود عدّة دور فلم يجده، فأوقع العقوبة بالساعى حتى لا يقدم نظراؤه على السعاية بالباطل.

فلمّا عاد الساعي إلى داره، تقدّم بأن يحمل إليه مائتي دينار وأن يحدر إلى البصرة، وقال لنا:

« قد صدق الرجل فيما حكاه وقد عاقبناه ولو لم أفعل ما فعلته، لم آمن أن يمضى إلى دار السلطان. » وكان أبو بشر يعرف موضع محمّد بن داود بن الجرّاح وعرف الوزير موضعه فكتمه الوزير ولم يظهره. وهذا ممّا لا ينكر من أبي الحسن ابن الفرات مع كرمه وجلالة قدره ونبل أفعاله.

وفيها قبض على محمّد بن عبدون وسوسن الحاجب وقتلا

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أن سوسن الحاجب كان مع ابن المعتزّ في تدبيره، وظنّ أنّه يقرّره على الحجبة، فلمّا عدل عنه إلى يمن استوحش وصار إلى دار السلطان. وكان سوسن يدخل مع العبّاس بن الحسن في التدبير بحضرة المقتدر بالله. فلمّا تقلّد أبو الحسن ابن الفرات الوزارة تفرّد بالتدبير دون سوسن فظهرت الوحشة بين سوسن وبين أبي الحسن ابن الفرات لأجل ذلك. وذاع الخبر بصحة عزم سوسن على الفتك بابن الفرات بمواطأة عدّة من الغلمان الحجريّة على ذلك، ودبّر أن يكون الوزير محمّد بن عبدون، وأشار بذلك على المقتدر بالله، وبذل على ذلك مالا عظيما، وأنفذ بنيّ بن نفيس إلى الأهواز لإحضار محمّد بن عبدون بغير مواقفة ابن الفرات وأظهر بنيّ أنّه إنّما أنفذ لأخذ أموال كانت مودعة للعبّاس بن الحسن بالبصرة.

ولم يصل محمّد بن عبدون إلى واسط حتى ظهر الخبر لابن الفرات. فقرّر ابن الفرات في نفس المقتدر أنّ سوسنا عمل على الإيقاع به أوّلا ثم به، وأنّه كان من أكبر أعضاد عبد الله بن المعتزّ، وإنّما خالفه أخيرا لما علم أنّه قد استحجب غيره. وواقف المقتدر على القبض عليه فقبض عليه وقتله من يومه. وكان المتولّى لذلك تكين الخاصّة وكان تكين هذا مرشّحا للحجبة ومدبّرا لها.

ثم أنفذ الوزير إلى محمّد بن عبدون من أزعجه في الطريق واعتقله في دار السلطان وصادره مصادرة مجدّدة، ثم سلّم إلى مونس الخازن فقتله.

وقلق أبو الحسن عليّ بن عيسى لذلك وهو بواسط، فكتب إلى الوزير كتابا يحلف فيه أنّه على قديم عداوته لمحمّد بن عبدون، إلّا أنّه لا يدع الصدق من فعله، وأنّ محمّد بن عبدون لم يكن ليسعى على دم نفسه بتضمّنه الوزارة، بل كان راضيا بالسلامة بعد فتنة عبد الله بن المعتزّ، وأنّ سوسنا عمل ذلك بغير رأيه ولا مواقفته، وسأل في أمر نفسه أن يبعده إلى مكّة ليسلم من الظنّة ولينسى السلطان ذكره.

فأجابه ابن الفرات إلى ذلك وأخرجه من واسط إلى مكّة على حال جميلة. فشخص إليها على طريق البصرة.

وكتب عليّ بن عيسى هذا الكتاب مقدّرا أن يتخلّص به محمّد بن عبدون من القتل، ويسلم هو. فوقاه الله في نفسه بجميل نيّته، وحضر أجل محمّد بن عبدون، فلم ينفعه اجتهاد عليّ بن عيسى في خلاصه.

استقرار أمر المقتدر وتفويضه الأمور إلى أبي الحسن بن الفرات

ولمّا استقرّ أمر المقتدر بالله في الخلافة فوّض الأمور إلى أبي الحسن ابن الفرات فدبّرها أبو الحسن كما يدبّرها الخلفاء. وتفرّد المقتدر على لذاته متوفّرا واحتشم الرجال واطّرح الجلساء والمغنين وعاشر النساء فغلب على الدولة الحرم والخدم فما زال أبو الحسن ينفق الأموال من بيت مال الخاصّة ويبذّر تبذيرا مفرطا إلى أن أتلفها.

ومن محاسن ابن الفرات أنّه افتتح أمره بإخراج أمر المقتدر بمكاتبة العمّال في جميع النواحي بإفاضة العدل في الرعيّة وإزالة الرسوم الجائرة عنهم وإخراج أمره لجماعة بنى هاشم بجار ثم أخرج أمره بزيادة جميعهم ثم أخرج أمره بالصفح عن جميع من كان خرج عن طاعته ووالى ابن المعتزّ وإلحاقهم في الصلة بمن لم تكن له جناية وتلطّف في أمر الحسين بن حمدان وإبراهيم بن كيغلغ حتى رضى المقتدر عنهما وقلّدهما الأعمال وفعل ذلك بابن عمرويه.

ذكر التدبير الصواب في ذلك

إنّه عرّف المقتدر بالله أنّه متى عاقب جميع من دخل في أمر ابن المعتزّ فسدت النيّات وكثر الخوارج ومن يخشى على نفسه فيطلبون الحيل للخلاص بإفساد المملكة، وأشار بإحراق جميع الجرائد التي وجد فيها أسماء المتابعين لابن المعتزّ فاستجاب إلى ذلك، وأمر ابن الفرات بتغريق الجرائد في دجلة ففعل ذلك وسكن الناس وكثر الشاكرون.

ذكر ما جرى في أمر القاضي أبي عمر

كان القاضي يوسف بن يعقوب شيخا كبير السن يلزم ابن الفرات ويبكى بحضرته ويسأله تخليص ابنه أبي عمر من القتل. فيذكر له أبو الحسن أنّه لا يتمكّن من ذلك إلّا بإطماع المقتدر بالله في مال جليل من جهته. فبذل أبوه أن يفقر نفسه وابنه طلبا للحياة. فسأل ابن الفرات المقتدر بالله الصفح عنه وأطمعه في ماله ومال ولده. فسلّمه المقتدر إليه فصادره على مائة ألف دينار، واعتقله في ديوان بيت المال ليؤدّى المال، فأدّى أكثره ودخل فيما أدّاه وديعة. قيل إنّها كانت عنده للعبّاس بن الحسن، مبلغها خمسة وأربعون ألف دينار فلمّا أدّى تسعين ألف دينار أمر ابن الفرات بإطلاقه إلى منزله وترك له العشرة الآلاف الدينار وأمره بملازمة منزله وأن لا يخرج منه.

ذكر خيانة واتفاق سيىء اتفق فيه

كان سليمان بن الحسن بن مخلد متحقّقا بأبي الحسن ابن الفرات ومدلّا بأحوال كانت بين أبيه وبين والد الوزير أبي جعفر محمّد بن موسى بن الفرات. وكان سليمان يختصّ لذلك بأبي الحسن ابن الفرات. ووجد أبو الحسن كتبا في البيعة لعبد الله بن المعتزّ بخطّ سليمان لتحقّقه كان بمحمّد بن داود بن الجرّاح وللقرابة بينهما فلم يظهر أبو الحسن ذلك للمقتدر ولا ذكره.

ونوّه باسم سليمان وقلّده مجلس العامّة رئاسة.

ثم إن سليمان جنى على نفسه بالسعي لأبي الحسن أحمد بن محمّد بن عبد الحميد في الوزارة، وعمل في ذلك نسخة بخطّه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بأبي الحسن وبأمواله وضياعه وكتّابه وأسبابه وكانت الرقعة في كمّه ودخل دار ابن الفرات وهي معه وقام ليصلّى صلاة المغرب مع جماعة من الكتّاب في دار ابن الفرات، فسقطت الرقعة من كمّه وظفر بها الصقر بن محمّد الكاتب لأنّه كان يصلّى إلى جنبه. فأقبل بها مبادرا إلى الوزير من وقته، فقبض عليه وأحدره في زورق مطبق إلى واسط، ووكّل به وصودر وجرى على طبعه وشاكلته، فأحسن إليه وقلّده.

وفيها كوتب أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان في قصد أخيه الحسين ومحاربته وأمدّ بالقاسم بن سيما في أربعة آلاف، فاجتمعا ولقيا الحسين فانهزما وانحدر إبراهيم بن حمدان لإصلاح أمر أخيه الحسين، فأجيب إلى ما التمس. وكتب للحسين أمان وصار إلى الحضرة ونزل في الصحراء من الجانب الغربي ولم يدخل دار السلطان، وقلّد أعمال الحرب بقم وحملت إليه الخلع، فلبسها ونفذ إلى قم وانصرف عنها العبّاس بن عمرو.

وفيها قدم بارس غلام إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان في أربعة آلاف غلام أتراك وغيرهم وصار إلى بغداد مستأمنا وكان مولاه اتبعه إلى الريّ مظهرا الاستيحاش من قبول السلطان غلامه. فكاتبه ابن الفرات بما سكّن منه حتى عاد إلى خراسان وقلّد بارس دار ربيعة فأنفذه إليها وقلّد يوسف بن أبي الساج أعمال أرمينية وأذربيجان وعقد له عليها وضمّنه إيّاها بمائة ألف وعشرين ألف دينار في كلّ سنة محمولة إلى بيت مال العامّة بالحضرة، فسار من الدينور إليها.

ودخلت سنة سبع وتسعين ومائتين

وفيها أدخل طاهر ويعقوب ابنا محمّد بن عمرو بن الليث بغداد أسيرين في قبّة على بغل وقد كشف جلالها وهما بين يدي أبي الفضل عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي كاتب سبكرى المتقلّد فارس ووصل إلى حضرة المقتدر ووصلا معه بعد أن حلّت قيودهما وخلع على عبد الرحمن بن جعفر ورتّب في الفوج الأوّل وركب عبد الرحمن في الخلع وأنزل في دار في مربعة الخرسى وحبس طاهر ويعقوب في دار السلطان.

وكان سبكرى متغلّبا على فارس. فلمّا قدم عبد الرحمن كاتبه قرّر أمر سبكرى مع السلطان على شيء يحمله عن فارس، ثم عاد إلى صاحبه.

فورد الخبر بعد ذلك بأنّ الليث بن عليّ خرج من سجستان وقصد فارس، فدخلها وخرج سبكرى، فندب مونس الخادم للشخوص إلى فارس وخلع عليه، وسار فوجد سبكرى برامهرمز واجتمع مع مونس وسار بمسيره وسار الليث إلى أرجان ليلقى مونسا.

ذكر عجلة واتفاق سيء

ثم إنّه بلغ ليثا أنّ الحسين بن حمدان قد سار من قم إلى البيضاء فخاف أن تؤخذ منه شيراز. فوجّه أخاه مع قطعة من جيشه إلى شيراز ليحفظها وأخذ هو دليلا يدلّه على طريق مختصر قريب إلى البيضاء ليوقع بالحسين بن حمدان. فأخذ به الدليل في طريق الرجّالة وهو طريق صعب ضيق لا يحمل الجيوش، فلقى في طريقه مشقّة عظيمة حتى تلفت دوابّه وتلف رجاله فقتل الدليل وعدل عن الطريق فخرج إلى خوابذان وقد وصل إليها مونس. فلمّا أشرف الليث على عسكر مونس قدّر أنّه عسكر أخيه الذي أنفذه إلى شيراز.

فكبّر أصحابه فخرج إليه مونس فأوقع به وأخذه أسيرا. فلمّا حصل في يده أشار عليه قوّاده بالقبض على سبكرى. فلم يفعل وألحّ عليه أصحابه فأظهر القبول منهم وقال:

« إذا صار إلينا في غد قبضنا عليه. » وكان سبكرى كلّ يوم يركب من مضربه إلى مونس. فيسلّم عليه.

فوجّه إليه مونس سرّا وعرّفه ما أشار عليه قوّاده وأشار عليه بالمسير إلى شيراز والإسراع. ففعل سبكرى بما أشار به. فلمّا أصبح وتعالى النهار قال:

« يا قوم ما جاءنا سبكرى اليوم فوجّهوا إليه وتعرّفوا خبره. » وعاد الرسول وعرّفه أن سبكرى قد سار إلى شيراز من أوّل الليل. فعاد باللوم على قوّاده وقال لهم:

« من جهتكم شاع الخبر وبلغه فاستوحش. » وسار مونس ومعه الليث راجعا إلى مدينة السلام، وانصرف الحسين إلى قم.

ذكر تدبير فاسد وما آل إليه

لمّا حصل سبكرى بشيراز كان معه قائد يقال له القتّال، فضرّبه على كاتبه عبد الرحمن بن جعفر وأعلمه أنه في جنبة السلطان وأنّه قد أحلف قوّاده كلّهم للسلطان وأخذ له البيعة عليهم، وليس يتعذّر عليه متى شاء أن يورد كتابا من السلطان بالقبض عليه. ففزع سبكرى من هذه الحال وقبض على عبد الرحمن بن جعفر واستكتب مكانه رجلا يعرف بإسماعيل بن إبراهيم البمّى، فحمله إسماعيل هذا على الخلاف وقال له:

« قد انصرف عنك عسكر السلطان وليس يمكنه أن يعود إليك سريعا، فاربح ما كنت تحمله إلى السلطان وأصلح أمورك وأرض جندك، ثم تنظر. » واحتال عبد الرحمن بن جعفر من محبسه حتى كتب إلى ابن الفرات بخبره وما جرى عليه وبخلاف سبكرى على السلطان، فكتب ابن الفرات إلى مونس وقد صار إلى واسط كتابا يقول فيه:

« إن كنت فتحت فقد أغلقت، وإن كنت قد أسرت فقد أطلقت، ولا بدّ من أن تعود فتحارب سبكرى. » فعاد مونس إلى الأهواز وأخذ سبكرى في ملاطفة مونس ومهاداته ومسألته أن يبذل للسلطان عن أعمال فارس وكرمان زيادة على ما كان مقاطعا عليه القاسم بن عبيد الله في أيّام المكتفي بالله، فإنّه كان مقاطعا على أربعة آلاف ألف. ففعل مونس ذلك وبذل عنه سبعة آلاف ألف، فلم يرض بذلك ابن الفرات. فلم يزل يزيد ألف ألف حتى بلغ تسعة آلاف ألف خالصة للحمل، وذكر أنّ باقى الارتفاع يحتاج إليه سبكرى لإعطاء الجند بفارس وكرمان وأعلمه كثرة المؤن هناك. فأقام ابن الفرات على أنّه لا يقنع إلّا بثلاثة عشر ألف ألف فأشار مونس على سبكرى بأن يقارب السلطان والوزير، فأبى سبكرى أن يزيد على عشرة آلاف ألف شيئا. فاغتاظ الوزير من تماتن سبكرى، واتّهم مونسا بالميل إليه.

ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين

ذكر ما جرى على سبكرى من الأسر

ثم إنّه عدل إلى إنفاذ وصيف كامه مع عدّة قوّاد من مدينة السلام، وإنفاذ محمّد بن جعفر العبرتاى معهم وعوّل عليه في فتح فارس.

وكتب إلى مونس: أنّه لا يثق بأحد سواه في حفظ الليث، وأنّ سبيله أن يوافى به إلى مدينة السلام ويدع أكثر قوّاده وأصحابه مع محمّد بن جعفر بالقرب من نواحي فارس، لئلّا ينجذبوا بأسرهم إلى بغداد قبل أن يتقرّر الأمر مع سبكرى في مال المفارقة، فيطمع سبكرى في السلطان.

فخرج مونس عن الأهواز وكتب الوزير حينئذ إلى محمّد بن جعفر العبرتاى والقوّاد بالمبادرة إلى شيراز مع جماعة من بالأهواز من القوّاد، وانضمّ إليه وصيف كامه، ثم أمدّه بسيما الخزري وفاتك المعتضدي ويمن الطولونى.

فلمّا تكامل الجيش لمحمّد بن جعفر سار إلى سبكرى وواقعه على باب شيراز فانهزم سبكرى إلى بمّ وتحصّن بها، وتبعه إلى هناك فهزمه أيضا، ودخل مفازة خراسان وأسر القتّال.

وورد الكتاب بالفتح، فخلع السلطان على الوزير عند ذلك، وقلّد محمّد بن جعفر العبرتاى فتيحا خادم الأفشين أعمال الحرب والمعاون بفارس وكرمان وكان يميل إلى فتيح لحسن وجهه.

وفيها ورد كتاب أحمد بن إسماعيل صاحب خراسان بفتحه سجستان وأسره محمّد بن عليّ بن الليث.

ثم ورد كتابه بأسره سبكرى، فكتب إلى أحمد بن إسماعيل بحمل سبكرى ومحمّد بن عليّ بن الليث إلى الحضرة.

فلمّا كان في شوّال من هذه السنة أدخل سبكرى ومحمّد بن عليّ بن الليث مشهّرين على فيلين. فخلع على الوزير ابن الفرات، ثم على المرزباني خليفة صاحب خراسان، وحمل مع الرسل الذين حملوا سبكرى ومحمّد بن عليّ بن الليث هدايا وخلع وطيب وجواهر إلى صاحب خراسان.

وفيها ورد الخبر بوفاة العبرتاى ثم بوفاة فتيح، وقلّد عبد الله ابن إبراهيم المسمعي أعمال المعاون بفارس.

وفيها غرقت فاطمة القهرمانة في طيّارها تحت الجسر في يوم ريح عاصف وكانت زوّجت ابنتيها من بنيّ بن نفيس وقيصر، فحضرا جنازتها وحضرها خلق من القوّاد والقضاة، وجعلت السيّدة مكانها أمّ موسى الهاشميّة قهرمانة، فكانت تؤدّى رسائلها ورسائل المقتدر إلى ابن الفرات.

ودخلت سنة تسع وتسعين ومائتين

القبض على الوزير ابن الفرات

وفيها قبض على الوزير ابن الفرات، ووكّل بداره، وهتك حرمه أقبح هتك، ونهبت داره ودور كتّابه وأسبابه. وافتتنت بغداد ونهب الناس.

وكان مونس الخازن يلي شرطة بغداد وتحت يده برسمها تسعة آلاف فارس وراجل. فكان يركب إذا اشتدّت الفتنة وزاد النهب فيسكن الناس ويكفّ النهب هيبة له. فإذا نزل من ركوبه عادت الحال إلى ما كانت عليه.

فلقى الناس من ذلك شدّة شديدة ثلاثة أيّام بلياليها ثم سكنت الفتنة.

فكانت مدّة وزارة أبي الحسن ابن الفرات هذه الأولى ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوما.

وزارة أبي على محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان

وقلّد أبو عليّ محمّد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزارة، وذلك في ذي الحجّة سنة تسع وتسعين ومائتين.

فقلّد أصحاب الدواوين ورتّبهم في مجالسهم وردّ مناظرة أبي الحسن ابن الفرات وأسبابه وكتّابه إلى أبي الحسن أحمد بن يحيى بن أبي البغل، وقلّده ديوان المصادرين وديوان الضياع العبّاسيّة وديوان زمام الفراتيّة.

استتار أصحاب ابن الفرات

واستتر من أصحاب ابن الفرات أبو عليّ محمّد بن عليّ بن مقلة وأبو الطيب الكلواذى وأبو القاسم هشام وأبو بشر ابن فرجويه وقبض على الباقين ونهبت دورهم وهدمت، واعتقل هؤلاء الباقون وناظرهم أحمد بن أبي البغل وعذّبهم وناظر ابن الفرات، غير أنّه لم يمكّن من إيقاع مكروه به ومكّن من جميع أسبابه وكتّابه.

ذكر ما دبره ابن أبي البغل وانعكاسه عليه

كان أبو الحسن بن أبي البغل مبعدا في أيّام ابن الفرات بإصبهان، فلمّا افتتنت بغداد وقلّد أخوه مناظرة ابن الفرات وأسبابه سفر أخوه لمّا تمكّن من ملاقاة أمّ موسى في الوزارة وبذل فيها مالا جليلا يثيره ويوفّره. فأطمع المقتدر في ذلك فأرجف له بها وكاتبه أخوه بالإسراع إلى الحضرة ونفذ إليه أبو بكر أخو أمّ موسى، فخاطبه قوم بالوزارة في طريقه، وتلقّاه القوّاد وغيرهم عند ورود بغداد.

فركب أبو عليّ الخاقاني في عشيّة من العشايا إلى دار السلطان والتمس الإذن في الوصول فأذن له وأوصل إلى المقتدر بالله فوصف له:

أنّ الأمور قد اضطربت، والأموال قد تأخّرت، والدنيا قد خربت بكثرة الأراجيف به. لأنّ ابن أبي البغل يذكر أنّه قد استحضر للوزارة.

فخاطبه المقتدر بجميل، وأذن له في إبعاد ابن أبي البغل وأخيه عن الحضرة. فقبض عليهما وأبعدهما وتنكّرت أمّ موسى القهرمانة للوزير أبي عليّ الخاقاني، فخافها وأشفق أن تفسد عليه أمره، فأرضاها بأن قلّد أبا الحسين منها أعمال الخراج والضياع بإصبهان، وقلّد أبا الحسن أخاه أعمال الصلح والمبارك.

الخاقاني يناظر ابن الفرات

وكتب الوزير بإطلاق أبي الهيثم العبّاس بن ثوابة وكان معتقلا بالموصل وكان ابن الفرات نقله إليها في نكبة محمّد بن عبدون لقرابة بينهما، وكان ابن ثوابة هذا يكتب لمحمّد بن ديوداذ وكان من الموصوفين بالشرّ، فورد بغداد في سنة ثلاثمائة وقلّده الوزير أبو عليّ الخاقاني ديوان المصادرين والضياع العبّاسيّة والفراتيّة، وردّ إليه مناظرة أبي الحسن ابن الفرات وأسبابه وكتّابه.

فأسرف ابن ثوابة في إيقاع المكروه بهم وعذّبهم بأنواع العذاب، فجرت بينه وبين أبي الحسن ابن الفرات مناظرات هاتر في بعضها ابن الفرات وشتمه بحضرة أمّ موسى، فردّ عليه ابن الفرات أقبح ردّ، وشتمه أغلظ شتيمة، ونسبه في نفسه إلى كلّ حال قبيحة، فراسل ابن ثوابة المقتدر بأنّ ابن الفرات لم يقدم على هذا إلّا لشدة بطره وكثرة أمواله واستأذن في معاقبته، فبسط يده عليه فقيّده وغلّه وألبسه جبّة صوف، وأقامه في الشمس مدّة أربع ساعات فكاد يتلف. فأنهى بدر الحرمي في حاله إلى المقتدر، فأنكرها وأمر بنقله إلى بعض الحجر التي في يد زيدان القهرمانة للحرم الخواصّ، وأحسن إليه ورفّهه. وذلك بعد أن حلف له ابن الفرات بأغلظ يمين بأنّه لم يبق له مال ولا ذخيرة ولا متاع فاخر إلّا وقد أقرّ به وقت مناظرة ابن أبي البغل، فقبل المقتدر بالله قوله ومنع ابن ثوابة من مناظرته.

ابن الفرات مشاورا

ثم صار المقتدر بعد ذلك يشاور ابن الفرات في الأمور ويقرأه رقاع الوزراء إليه ويجيبهم عنها برأيه ثم كثرت السعايات بأبي عليّ الخاقاني وتمكّن أبو القاسم ابن الحوارى.

ذكر فساد تدبير الخاقاني لأمر الوزارة

كان أبو عليّ الخاقاني متشاغلا بخدمة السلطان ومراعاة أعداءه، لا يقرأ الكتب الواردة عليه ولا النافذة، واعتمد على ابنه أبي القاسم عبد الله، وقلّده مع العرض على الخليفة خلافته على الأعمال والتنفيذ للأمور. وكان ابنه هذا متشاغلا بالشراب، إنّما يراعى أمر القوّاد والجيوش والولايات للعمّال ويدع ما سوى ذلك، وكان قد نصب لقراءة الكتب الواردة أبا نصر مالك بن الوليد، ولقراءة الكتب النافذة أبا عيسى يحيى بن إبراهيم المالكي.

وكانت لأبي عليّ الخاقاني وابنه الجوامع بما يرد وينفذ، فلا يقرأها أحد منهم إلّا بعد فوت الأمر الذي وردت فيه الكتب، وتبقى الكتب بالحمول والسفاتج في خزانتهما، لا تفضّ ولا يعرف حال ما فيها. ففسدت الأمور بولاية أبي عليّ الخاقاني وضاعت.

وكان يقلّد في أسبوع واحد الكورة عدّة من العمّال، حتى قيل: إنّه قد قلّد أعمال ماه الكوفة في مدّة عشرين يوما سبعة من العمّال، واجتمعوا في خان بحلوان وقلّد أعمال قردى وبريدى خمسة من العمّال اجتمعوا في خان بعكبرا في يوم واحد وسبب ذلك ارتفاق أولاده وكتّابه من العمّال الذين يولّونهم. فسطّرت الأحاديث وحفظت له النوادر، وأطلق يده بالتوقيعات وفي الزيادات والنفل والإثبات يوقّع بذلك هو وابناه وبنان ويحيى بن إبراهيم المالكي وأحمد ومحمّد ابنا سعيد.

وكان أبو عليّ الخاقاني يتقرّب إلى قلوب الخاصّة والعامّة، فمنع خدم السلطان ووجوه القوّاد أن يترجموا رقاعهم بالتعبّد، ويتقرّب إلى العامّة بأن يصلّى معهم في المساجد التي على الطرق، فكان إذا رأى جمعا من الملّاحين أو غيرهم من العامّة يصلّون في مسجد على الشط قدّم طيّاره وصعد وصلّى معهم. فاتّضعت الوزارة بأفعاله وذلّت.

وكان إذا سأله إنسان حاجة دقّ صدره وقال:

« نعم وكرامة. » فسمّى: دقّ صدره.

وضاقت الأموال فقصّر في إطلاق أموال أصحاب التفاريق والقوّاد القدماء ومن يجرى مجراهم، فشغبوا عليه وقصدوا المصلّى فأقاموا فيه وأخرجوا معهم أكثر القوّاد واستفحل أمرهم وبسطوا فيه ألسنتهم.

فأمره المقتدر بإطلاق أرزاقهم فاعتذر بقصور الأموال ونقصان الارتفاع، وذكر أنّ الأموال المستخرجة من ابن الفرات وأسبابه قد حصلت في بيت المال الخاصّة، وأنّه ليس ينفذ له صاحب بيت مال الخاصّة أمرا فيها، فأمر بإخراج خمسمائة ألف دينار من بيت مال الخاصّة لينفق في الجند المشغّبين.

وقلّد ديوان البريد بمدينة السلام والإشراف على الوزير وعلى الجيش وأصحاب الدواوين والقضاة وأصحاب الشرطة شفيع اللؤلؤيّ.

فلمّا رأى ابن ثوابة ضعف أمر الوزير تقرّب إلى المقتدر برقاع أوصلتها أمّ موسى يذكر فيها أنّه يستخرج من العمّال أموالا جليلة أهملها الخاقاني، وذكر أنّه يستخرج من محمّد بن عليّ الماذرائى وأخيه إبراهيم وحدهما سبعمائة ألف دينار. فخرج الأمر إلى الخاقاني بتقوية يد ابن ثوابة، ففعل ذلك واستخرج أموالا بالعسف، وتغلّب على الأمور، وكان يصرف عمّال الوزير ويولّى من يرى، وتوصّل الأشرار إلى كتب الرقاع على يد أمّ موسى إلى المقتدر يخطبون الأعمال ويتضمّنون الأموال. فخرج الأمر إلى الخاقاني بتقليدهم ذلك، فانتشر أمره وشاركه الأشرار في النظر واستخرجوا الأموال من كلّ وجه بكلّ عسف.

وكان حامد بن العبّاس قد تضمّن أعمال واسط ونواحيها أربع سنين فعمل الكتّاب له عملا وحصّلوا عليه في كلّ سنة مائتين وأربعين ألف دينار وألفين وأربعمائة كرّ بالمعدّل شعيرا للكراع في كلّ سنة يستوفى منه مع المال الذي ذكرنا مبلغه. وإنّما كان حامد ضمن على عبرة السنة المتقدّمة وزيادة يسيرة، وكان التقصير والإضاعة والتخليط يقع من الخاقاني.

وذلك أنّ الخاقاني كان يتقلّد في أيّام عبيد الله بن سليمان وما بعدها إلى وقت استتاره في أيّام وزارة ابن الفرات الأولى أعمال البريد والمظالم والخرائط بما سبذان. فلمّا ولى الوزارة تحيّر لقلّة الدربة ونقصان المعرفة بالأعمال، فشرع مونس في تقليد عليّ بن عيسى.

ودخلت سنة ثلاثمائة يرتأى المقتدر في إعادة ابن الفرات إلى الوزارة

ولمّا رأى المقتدر بالله اضطراب الأمور وفساد التدبير وانتقاض المملكة، شاور مونسا الخادم، وعرّفه أنّ الصورة تقود إلى ردّ أبي الحسن ابن الفرات وتقليده الوزارة.

وكان مونس مستوحشا من ابن الفرات لأمور حكينا بعضها في حكاية أمره مع سبكرى وتقريره أمر فارس ونقض ابن الفرات عليه.

فقال مونس للمقتدر بالله:

« إنّه يقبح أن يعلم أصحاب الأطراف أنّ السلطان صرف وزيرا ثم اضطرّ إليه وردّه بعد شهور من صرفه، ثم لا ينسبون ذلك إلّا إلى المطمع في ماله فقط. » وقال: إنّ كتّاب الدنيا الذين دبّروا المملكة دواوينها منذ أيّام المعتضد بالله، هما ابنا الفرات، وأبو العبّاس منهما قد مات، وتقلّد الآخر الوزارة إلى أن صرف عنها، ومحمّد بن يزداذ ومحمّد بن عبدون وقد قتلا في فتنة ابن المعتزّ، وعليّ بن عيسى بن داود بن الجرّاح، ولم يبق من يصلح لتدبير المملكة غيره.

ووصفه بالثقة والأمانة والديانة والنزاهة والصيانة والصناعة.

فأمره المقتدر بإنفاذ يلبق إليه ليحمله إلى الحضرة، وأظهر للخاقانى أنّه يحضره ليستخلفه لابنه عبد الله على الدواوين.

وكان الخاقاني يقول في مجلسه:

« إني قد كتبت بحمل عليّ بن عيسى إلى الحضرة لأستخلفه لعبد الله. » فلمّا كان يوم الاثنين لعشر خلون من المحرّم سنة إحدى وثلاثمائة ركب الخاقاني إلى دار السلطان، فقبض عليه وعلى ابنيه عبد الله وعبد الواحد وأبي الهيثم ابن ثوابة ويحيى بن إبراهيم المالكي وأحمد ومحمّد ابني سعيد الحاجبين وبنان وسعيد بن عثمان النفّاط واعتقلوا في يد نذير الحرمي. وكان سعيد بن عثمان النفّاط أحد من سعى للخاقانى في الوزارة، فقضى حقّه بأن قلّده أعمالا كثيرة جليلة.

وفي هذه السنة صرف عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن أعمال المعاون بفارس وتقلّدهما بدر الحمامي وكان بدر يتقلّد أعمال المعاون بإصبهان فنقل إلى أعمال فارس وكرمان وقلّد مكانه عليّ بن وهسوذان الديلمي.

ودخلت سنة إحدى وثلاثمائة

وزارة أبي الحسن علي بن عيسى الوزارة

وفيها تقلّد أبو الحسن عليّ بن عيسى الوزارة وقت قدومه من مكّة وخلع عليه، وركب من دار السلطان إلى داره، وركب معه مونس الخادم وغريب الخال وسائر القوّاد والغلمان، وسلّم إليه في يوم الخلع محمّد بن عبيد الله الخاقاني وابناه، وجميع من سمّيتهم فيما تقدّم، فصادرهم مصادرات قريبة الأمر، واستخرج منهم جميع ما صادرهم عليه.

ثم أطلق الخاقاني إلى منزله، ووكّل به فيه، وصان حرمه أتمّ صيانة، وأوقع بأبي الهيثم ابن ثوابة مكروها.

ثم صار ينظر في أمر الأعمال في دار الوزارة بالمخرّم يبكّر إليها في كلّ يوم، ويعمل فيها إلى آخر أوقات صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرف إلى داره.

وكتب إلى كلّ واحد من العمّال بما جرت العادة به من تشريف أمير المؤمنين إيّاه بالخلع، وردّ أمر الدواوين والمملكة إليه، ويقرّرهم على مواضعهم ويأمرهم بالجدّ والاجتهاد في العمارة، ويقول في آخر كتابه:

« وهذا عنفوان السنة وأوّل الافتتاح ووقت حموم الخراج، ولست أعلم ما يجب أن أطالبك به فاذكره وأخاطبك عليه، ولكني آمرك أن تحمل صدرا من المال يتوفّر مقداره، وتنفذ الرسائل بذلك مع الجواب عن كتابي هذا عند نظرك فيه وتكتب إليّ بشرح الحال في أمور نواحيك وتنفذ مواقفه نقف عليها وبها على موقع أثرك فيها ومخائل تدبيرك في توفيرها وتثميرها، وتتوقف عن إمضاء التسبيبات وما يجرى مجراها إلى أن ترد عليك كتبي وتوقيعاتى في استماراتك عمّا يكون عملك عليه، وتمكّن في نفسك أنّه لا رخصة عندي ولا هوادة في حقّ من حقوق أمير المؤمنين أغضى عنه، ولا درهم من ماله أسامح فيه ولا تقصير في شيء من أمور العمل أصبر لقريب أو بعيد عليه، ولا تكون بإظهار أثر جميل في ذلك أشدّ عناية منك بإنصاف الرعيّة والعدل عليها ورفع صغير المؤن وكبيرها عنها، فإني أطالبك بذلك كما أطالبك بتوفير حقوق السلطان وتصحيحها وصيانة الأموال وحياطتها. وتابع كتبك بما يكون منك وقتا وقتا لأعرفه إن شاء الله. » وقلّد بعد ذلك الدواوين جماعة وعزل جماعة، وفعل مثل ذلك بالعمّال، ونظر إلى من تعوّد اقتطاع الأموال السلطانية، وإقامة مروّات نفسه منها، وقصر في العمارة، واعتمد غيره، فعزل أمثال هؤلاء.

ثم عمر الثغور والبيمارستانات وأدرّ الأرزاق لمن ينظر فيها وأزاح علل المرضى والقوّام، وعمر المساجد الجامعة، وكتب إلى جميع البلدان بذلك ووقّع إلى العمّال به، وكتب إلى العمّال في أمر المظالم كتابا نسخته:

« بسم الله الرحمن الرحيم، سبيل ما يرفعه إليك كلّ واحد من المتظلمين قبل النوروز من مظلمته، ويدّعى أنّه تلف بالآفة من غلّته، أن تعتمد في كشف حاله على أوثق ثقاتك وأصدق كفاتك حتى يصحّ لك أمره، فتزيل بالظلم فيه، فترفعه وتضع الإنصاف موضعه، وتحتسب من المظالم بما يوجب الوقوف عليه حسبه، وتستوفى الخراج بعده، من غير محاباة للأقوياء ولا حيف على الضعفاء، فاعمل فيما رسم لك ما يظهر ويذيع ويشتهر ويشيع، ويكون العدل به على الرعيّة كاملا، والإنصاف لجميعهم شاملا، إن شاء الله. » وكتب في إسقاط مال التكملة بفارس كتابا وفي جميع ما يشبه ذلك كتابا مشهورة مستحسنة.

فساس أبو الحسن عليّ بن عيسى الدنيا أحسن سياسة، ورسم للعمّال الرسوم الجميلة وأنصف الرعيّة، وأزال السنن الجائرة، ودبّر أمر الوزارة والدواوين وسائر أمور المملكة بكفاية تامّة، وعفاف وتصوّن وديانة، ونظر في المظالم وأبطل المكس بمكّة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز، وجباية الخمور بديار ربيعة فبانت بركته على الدنيا، وعمر البلاد وتوفّر الارتفاع، واستقام أمر السلطان وعادت هيبة الملك، وصلح أمر الرعيّة.

ثم أسقط عليّ بن عيسى الوزير أكثر ما زاده الخاقاني في وزارته في دواوين الجند وإقطاعاتهم، وكانت هذه الزيادة قد لحقت القوّاد وسائر أصناف الجند، ولحقت الخدم والحاشية وجميع الكتّاب والمتصرّفين، وكانت كثيرة.

فلمّا أسقطها عاداه أكثر الناس وشنّعوا عليه بالضيق والشحّ وقطع الأرزاق، وإنّما اضطرّ إلى ذلك لمّا رأى نفقات السلطان زائدة على دخله زيادة مفرطة تحوج إلى هدم بيوت الأموال وصرفها في نفقات يستغنى عنها.

مناظرة بين علي بن عيسى وابن الفرات

وحكى ثابت بن شيبان عن عليّ بن عيسى أنّه قال: كنت عملت عملا لارتفاع المملكة وما عليّ من الخرج، فكان الخرج زائدا على الدخل بشيء كثير، فقال لي ابن الفرات يوما بعد صرفه إيّاى وقد أخرجت إليه في دار السلطان ليناظرني:

« أبطلت الرسوم وهدمت الارتفاع » فقلت له:

« أيّ رسم أبطلت؟ »

قال: « المكس بمكة والتكملة بفارس. » فقلت: « وهذا وحده أبطلت؟ وقد أبطلت أشياء كثيرة فمنها ومنها - وعددت أشياء مبلغ جميعها خمسمائة ألف دينار في السنة - ولم أستكثر هذا المقدار في جنب ما حططته عن أمير المؤمنين من الأوزار وغسلت به عن دولته من الدرن والعار ولكن انظر مع ما حططت وأبطلت إلى ارتفاعي وارتفاعك ونفقاتى ونفقاتك. » قال ثابت: فقلت: « فبأيّ شيء أجابك؟ » فقال: « خرج الخادم ففرّق بيننا قبل أن يجيب. » قال: وحدّثني أحمد بن محمّد بن سمعون وكان ينظر في أعمال النهروانات، قال:

« مسحنا على الناس غلّاتهم فإذا بعض التّنّاء قد ذهب إلى باب الوزير عليّ بن عيسى ونحن لا نعلم، فتظلّم أنّا زدنا عليه في مساحة قراح له، فلم نشعر بشيء إلّا وقد جاءنا عامل يعرف بابن البدّال ومعه فوج من مسّاح بادوريا وفرسان ورجّالة، فلم نشكّ في أنّه صارف لنا، فقال لي صاحبي:

أحبّ أن تتلقاه وتتنسّم الخبر. ففعلت وتلقيته وعرفت خبر المتظلّم، فعرّفت صاحبي ذلك، فقال لي:

« لا تدرى كيف جرى أمر مساحته؟ » فقلت: « لا. » قال: « فاخرج حتى تواقف وتجتهد. » قال: فخرجت ومعي مسّاح البلد الذين مسحنا بهم واستقصيت معهم، وما زلت ألطف إلى أن تقرّرت المساحة، وكنّا مسحنا القراح باثنين وعشرين جريبا فخرجت مساحته احدى وعشرين جريبا وقفيز، فاحتججت بأنّ القراح مسح وفيه غلّة قائمة ومسح في هذا الوقت بعد الحصاد، وليس بمنكر أن يكون بين المساحتين في الحالتين هذا المقدار وانصرف ابن البدّال. وورد عليه كتاب عليّ بن عيسى بالصواعق في الإنكار والتوعّد، بأنّه إن وقف على أنّ أحدا من الرعية حيف عليه في معاملة أو مساحة فعل وصنع.

قال: فما جسرنا أن نستقصى على أحد في معاملة، فلمّا كان في السنة القابلة زاد الارتفاع في العشرة ثلاثة لأنّ الخبر انتشر بالعدل وقيل: قد رفع الحيف والظلم فنشط الناس للازدياد من العمارة وفعل مثل ذلك في المظالم.

وحكى ابن المشرف أنّ بعض عمّال بادوريا طالب بالخراج وبقايا عليهم وحبس أهله فصبروا على الحبس فقيّدهم فصبروا على القيد ولم يجسر أن يوقع بهم خوفا من عليّ بن عيسى، فكتب بحضرتهم إلى عليّ بن عيسى يضرّبه عليهم غاية التضريب ويقول:

« إنّ هؤلاء قوم يدلّون بالجلد، وعليهم أموال وقد ألطّوا وصبروا على الحبس والقيد، ومتى لم تطلق اليد في تقويمهم واستخراج المال منهم كسروه وتأسّى بهم أهل السواد فبطل الارتفاع والوزير أعلى عينا وما يراه. » قال القوم: فجزعنا وخفنا أن يطلق يده فينا فيتلفنا لما كان في نفسه علينا، وهممنا بأن نذعن له. ثم اجتمع رأينا على التوقّف إلى أن يرد الجواب. قال: فورد وإذا هو قد وقّع بخطّه على ظهر الرقعة:

« إخراج - عافاك الله - دين وليس يجب فيه غير الملازمة فلا تتعدّ ذاك إلى غيره، والسلام. » قالوا: ففرّج عنّا وأدّينا الصحيح ممّا علينا. فلمّا كانت السنة القابلة زاد ارتفاع بادوريا في العشرة اثنين وزرعنا حتى السطوح ثقة بالعدل والإنصاف.

تزوير توقيعات الوزير المصروف

ولمّا صرف أبو عليّ الخاقاني عن الوزارة أكثر الناس التزويرات عليه وعرضت توقيعاته على عليّ بن عيسى، فأنكرها وجمعها وأنفذ بها إلى أبي عليّ الخاقاني وقال:

« أنظر في هذه التوقيعات وعرّفنى الصحيح منها والباطل الذي زوّر عليك. » واتفق أن حضر رسوله وأبو عليّ الخاقاني يصلّى. فوضع الرسول التوقيعات بين يدي أبي القاسم ابنه وأدّى الرسالة، فأخذ أبو القاسم يميّزها ويفرد الصحيح منها، فأومأ إليه أبوه بالتوقّف فتوقّف، فلمّا فرغ من الصلاة أخذها فتصفّحها، ثم خلطها ودفعها إلى الرسول وقال:

« تقرأ على الوزير السلام وتعرّفه أنّ هذه التوقيعات كلّها صحيحة وأنا أمرت بها فما رأيت أن تمضيه أمضيته وما رأيت إبطاله أبطلته. » فلمّا انصرف الرسول قال لابنه:

« يا بنيّ، أردت أن تبغضنا إلى الناس بلا معنى ويكون الوزير قد التقط الشوك بيدك؟ نحن قد صرفنا فلم لا تتحبّب إلى الناس بإمضاء كل ما زوّر علينا، فان أمضاه كان الحمد لنا والضرر عليه، وإن أبطله كان الحمد لنا والذمّ له. » فاستحسن الناس هذا الفعل من أبي عليّ، إلّا أنّ عليّ بن عيسى تذمّم إلى الخلق من الخاصّة والعامّة والحاشية بإسقاطه الزيادات التي صارت عند أصحابها كالأصول واطّراحه النفقات التي تعود بتمزيق الأموال بغير فائدة، فثقلت وطأته وكره الناس أيّامه وقصدوا التشنيع عليه، وثلبوه عند المقتدر بالله، وسعى قوم لأبي الحسن ابن الفرات في الوزارة.

القبض على الحسين بن منصور الحلاج بالسوس

وفي هذه السنة قبض على الحسين بن منصور الحلّاج بالسوس، وأدخل بغداد مشهّرا على جمل، وكان حمل إلى عليّ بن أحمد الراسبي، فحمله عليّ إلى الحضرة، فصلب وهو حيّ، وصاحبه وهو خال ولده معه في الجانبين جميعا، وحبس الحلّاج وحده في دار السلطان وظهر عنه بالأهواز وبمدينة السلام أنّه ادّعى أنّه إله وأنّه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف من الناس.

حوادث أخرى

وفيها أطلق الوزير أبا عليّ الخاقاني وأزال عنه التوكيل.

وفيها مات عليّ بن أحمد الراسبي بدور الراسبي، وتقدّم مونس الخادم بمشورة عليّ بن عيسى لقبض أمواله، وكتب إلى النعمان بن عبد الله بالمصير إليه والاجتماع معه على ذلك، فكتب أنّه حصّل منها نحو ألف ألف دينار.

وفيها خلع على الأمير أبي العبّاس بن المقتدر بالله، وقلّد أعمال الحرب بمصر والمغرب واستخلف له على مصر مونس الخادم.

وقلّد الأمير على ابن المقتدر بالله الصلات وأعمال المعاون والأحداث والحرب بكور الريّ ودنباوند وقزوين وزنجان وأبهر والطرم.

وفيها ورد الخبر بقتل إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان على شاطئ نهر بلخ، قتله غلمانه، وقام مقامه أبو الحسن نصر ابنه، فنفذ العهد إليه من المقتدر بالله والكتاب بتقليده خراسان مكان أبيه.

قتل أبي سعيد الجنابى

وفيها ورد الخبر بأنّ خادما لأبي سعيد الجنّابى الحسن بن بهرام المتغلّب على هجر قتله. ثم إنّ ذلك الخادم خرج بعد قتله مولاه، فدعا رجلا من رؤساء أصحابه وقال:

« السيد يدعوك. » فلمّا دخل قتله وما زال يفعل ذلك بواحد واحد إلى أن قتل أربعة من الرؤساء. ثم دعا بالخامس فأحسّ الخامس بالقتل، فصاح وأطلع النساء عليه وصحن، فقبض على الخادم قبل أن يقتل الخامس. وقتل الخادم وكان صقلابيا وقد كان أبو سعيد عهد إلى ابنه سعيد فلم يضطلع بالأمر فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان بن الحسن.

وقد كان القرامطة وافوا إلى باب البصرة في سنة تسع وتسعين ومائتين، وكان المتقلّد لأعمال المعاون بالبصرة محمّد بن إسحاق بن كنداجيق وكان يوم جمعة والناس في الصلاة، فصاح الصائح: « القرامطة القرامطة. »

فخرج إليهم الموكّلون بالباب فوجدوا فارسين قد نزل أحدهما عند الميل، فنظر إليه البوّابون جالسا متّكئا قد وضع إحدى رجليه على الأخرى والآخر بإزائهم فصاحوا به، وبدر إليه رجل من الخول، فطعنه القرمطي وقتله وتراجعوا، فبكى أخوه فقالوا له:

« ارجع فجرّ برجله وخذه لعنكما الله. » قالوا: « ومن أنتما؟ » قالوا: « نحن المؤمنون. » ثم تنحّى فحبا حتى أخذ أخاه ودخلوا فأغلقوا الباب، وركب ابن كنداجيق بمن معه من الجيش حتى صار إلى الموضع فنظر الديذبان عند صهاريج الحجّاج إليهم فقالوا:

« إنّهم نحو ثلاثين فارسا. » فخرج إليهم عطارد ابن شهاب العنبري وخواصّه وغلمان من شحنة البصرة والمطوّعة، فقتل أكثرهم ولم ينج منهم إلّا من هرب قبل المعاينة، وسلبوهم ولم يتركوا عليهم شيئا إلّا السراويلات بغير تكك ثم ضربوهم ضربات قبيحة ورجع ابن كنداجيق وغلّق الباب وجنّة الليل.

فلمّا أصبح لم ير منهم أحدا، فكتب إلى ابن الفرات - وكان هو الوزير في الوقت - يستنجده، فأمدّه بمحمّد بن عبد الله الفارقي في جيش كثيف وقائد من الرجال يعرف بقورويه، وجعفر الزّرنجى في نفر من الرجالة معونة لابن كنداجيق.

علي بن عيسى الوزير والقرامطة

فلمّا تقلّد أبو الحسن عليّ بن عيسى الوزارة شاوره المقتدر في أمر القرامطة فأشار بمكاتبة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى، فتقدّم إليه بمكاتبته وإنفاذ الكتاب على يدي من يرى، فكتب كتابا طويلا جدّا يذكّرهم بالله ويدعوهم إلى الطاعة ويقول في آخره:

« إنّ أمير المؤمنين جعل كتابه هذا ظهريّا عليك وحجّة من الله بيّنة فيك، وقاطعا لعللك، وبابا يعصمك إن صدقت عمّا أراده من الخير بك، وعظمت النعمة فيما بذله من العهد لك. » ونفذ الرسل، فلمّا وصلوا إلى البصرة انتهى إليهم قتل أبي سعيد، فتوقّفوا عن المسير وكاتبوا الوزير عليّ بن عيسى بذلك واستطلعوا رأيه، فعاد الجواب إليهم بالمسير إلى أولاده ومن قام بعده مقامه، فتمّموا المسير وأوصلوا الكتاب وأدّوا الرسالة، فأجابوا عن الكتاب وأطلقوا الأسرى الذين تكلّم فيهم الرسل، وعاد بهم الرسل إلى بغداد.

ودخلت سنة اثنتين وثلاثمائة

وفيها قبض على أبي عبد الله الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص الجوهري وأنفذ إلى داره جماعة حتى حملوه إلى دار السلطان فأخذ منه من المال والجواهر ما قيمته أربعة آلاف وكان هو يدّعى أكثر من ذلك بكثير ويتجاوز في ذلك عشرين ألف ألف دينار وأكثر.

وفيها خرج الحسين بن عليّ العلوي وتغلّب على طبرستان ولقب الداعي فوجّه إليه أخو صعلوك جيشا فلم يثبتوا له وانصرفوا فعاد العلوي إليها.

ودخلت سنة ثلاث وثلاثمائة

خروج الحسين بن حمدان عن طاعة السلطان وما كان من عاقبته

وفيها ورد الخبر بأنّ الحسين بن حمدان قد خالف وخرج عن طاعة السلطان. وكان مونس الخادم غائبا قد أخرج إلى مصر لمحاربة العلويّ صاحب المغرب لمّا قصد مصر في نيّف وأربعين ألفا.

فندب له الوزير عليّ بن عيسى رائقا الكبير وخلع عليه، وكتب إلى مونس يعرّفه الخبر ويأمره بالمسير إلى ديار مضر إذا انصرف من مصر، وأن يجذب معه أحمد بن كيغلغ وعليّ بن أحمد بن بسطام والعبّاس بن عمرو ليصلح الديار فيزيل الاختلال ويحفظ الثغور وخاصّة الخزرية منها. فقد كان جرى على حصن منصور من قصد الروم إيّاه وسبيهم كلّ من كان في نواحيه أمر عظيم لتشاغل الناس بالحسين بن حمدان عن الغزاة الصائفة.

ولمّا صار رائق إلى الحسين بن حمدان أوقع به الحسين، فصار رائق إلى مونس واتصلت كتب عليّ بن عيسى الوزير إلى مونس بالإسراع نحو الحسين، فجدّ مونس في المسير، ولمّا قرب من الحسين جاءه مروان كاتب الحسين وجرت بينه وبينه خطوب، كتب بها مونس إلى عليّ بن عيسى، وذكر أنّ مروان أوصل إليه كتابا من الحسين يتضمّن خطابا طويلا قد افتتحه وختمه وكرّر القول في فصوله:

« إنّ السبب في خروجه عمّا كان عليه من الثقة والطاعة عدول الوزير - أيّده الله - عمّا كان عليه في أمره إلى ما أوحشه وأنّه لم يف له بضمانات ضمنها له. » وذكر أنّه قد اجتمع له من قبائل العرب ورجال العشيرة ثلاثون ألف رجل، وأنّه سأل الرسول عمّا حمله الحسين من الرسالة إليه، فذكر أنّه يسأله المقام بحرّان إذ كانت تحمل عسكره، وأن يكاتب الوزير - أعزّه الله - في أمره ويسأله صرفه عمّا يتقلّده من الأعمال، وتركه مقيما في منزله وتقليد أخيه ديار ربيعة، وأنّه عرّفه أنّ هذا متعذّر غير ممكن، إذ كانت كتب الوزير متّصلة إليه بالإنجذاب، وأنّ مخالفته غير جائز وأنّه لا يدع الكتاب فيما سأله، ولا يثنيه ذلك عمّا رسمه الوزير - أعزّه الله - فإن عزم على اللقاء فبالله يستعين على كلّ من خالف السلطان - أعزّه الله - وجحد نعمته وإن انقاد للحقّ وسلك سبيله وصار إليه فنزع عمّا هو عليه كان ذلك أشبه به، وإن أبي وأقام على حاله من التعزّز والمخرقة لقيه بمضر بأسرها، وصان رجال السلطان مع وفور عددهم عن التعرّض لطغامه، لا لنكول عنه منه، لكن لاستهانته بأمره، وأنّه وكلّ بكاتبه هذا المترسّل عنه، وأنّه لا يأذن له في الانصراف إلّا بعد أن يعرف خبر الحسين.

ثم وردت الأخبار برحيل مونس حتى نزل بإزاء جزيرة بنى عمر ورحيل الحسين نحو أرمينية مع ثقله وأولاده وأمواله.

ثم انفلّ عسكر الحسين وصاروا إلى مونس أوّلا أوّلا.

وورد كتاب مونس بأنّه قد صار إليه من أقرباء الحسين وغلمانه وثقاته ووجوههم سبعمائة فارس، وأنّه خلع على أكثرهم ونفد ما كان معه من الخلع والمال، وأنّه في احتيال باقى ما يحتاج إليه.

ثم ورد كتابه بأسر الحسين بن حمدان وجميع أهله وأكثر من صحبه، وقبض على أملاك بنى حمدان بأسرهم ودخل مونس ومعه الحسين وابنه بغداد.

فلمّا كان بعد يومين حمل الحسين من باب الشمّاسية إلى دار السلطان مصلوبا على نقنق، منصوبا بأعلى ظهر فالح وابنه مشهور على جمل آخر والبرانس على رؤوسهما، وسار بين يديه الأمير أبو العبّاس ابن المقتدر بالله، والوزير أبو الحسن عليّ بن عيسى، والأستاذ مونس الخادم وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وإبراهيم بن حمدان وسائر القوّاد والجيش والفيلة، فلمّا وصلوا إلى دار السلطان وقف الحسين بين يدي المقتدر بالله، ثم أمر بتسليمه إلى زيدان القهرمانة وحبس عندها في دار السلطان.

وشغّب الرجّالة والحجرية بعد حصول الحسين بن حمدان، وأحرقوا إصطبل الوزير وطالبوه بالزيادة في أرزاقهم، فزيد بكلّ غلام ثلاثة دنانير في كلّ شهر من شهورهم، وزيد الرجّالة كلّ راجل نصف وربع دينار في كلّ شهر، فسكن الشغب.

وقبض على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وجميع أخوته وحبسوا في دار السلطان. وكان هرب ابن للحسين بن حمدان في جماعة من أصحابه وبلغت هزيمته آمد، فأوقع بهم الجزري وقتل ابن الحسين وجماعة من أصحابه، وحملت رؤوسهم إلى الحضرة وصلب قوم من أصحاب الحسين بن حمدان.

ودخلت سنة أربع وثلاثمائة

غلام وهسوذان يقتل أحمد بن سياه

وفيها لقي بإصبهان غلام لعلي بن وهسوذان الديلم وكان يتقلّد أعمال المعاون بها أحمد بن سياه عامل الخراج بها، أنفذه صاحبه إليه في حاجة، واتفق أنّه لقيه وهو راكب، فكلّمه في الحاجة، فاشتدّ ذلك على أحمد بن سياه، وقال له:

« يا مؤاجر تخاطبني في حاجة على ظهر الطريق؟ » فانصرف الغلام إلى مولاه محفظا، وحدّثه بما جرى، فقال له:

« صدق فيما قال، ولو لا أنّك مؤاجر لضربت رأسه بالسيف لمّا خاطبك بذلك، فعاد الغلام ووجد أحمد بن سياه منصرفا فعلاه بالسيف وقتله، فأنكر السلطان ذلك عليه وصرف عليّ بن وهسوذان لأجل ذلك من إصبهان بأحمد بن مسرور البلخي، فاستأذن عليّ بن وهسوذان في الانصراف إلى بلد الديلم، فأذن له، ثم سأل بعد ذلك في أمره مونس الخادم فرضي عنه وأقام بنواحي الجبل.

وفيها قدم محمّد بن عليّ بن صعلوك مدينة السلام وهو ابن عمّ صاحب خراسان مستأمنا فخلع عليه.

زبزب على السطوح وحيلة للسلطان

وفيها في فصل الصيف تفزّعت العامّة من حيوان كانوا يسمّونه الزّبزب، ذكروا أنّهم يرونه في الليل على سطوحهم، وأنّه يأكل أطفالهم. قالوا: وربّما قطع يد الإنسان إذا كان نائما، أو ثدي المرأة فيأكله. وكانوا يتحارسون طول الليل ولا ينامون ويتزاعقون ويضربون الطسوت والصواني والهواوين ليفزّعوه.

وارتجّت بغداد لذلك، حتى أخذ السلطان حيوانا غريبا أبلق، كأنّه من كلاب الماء، وقال:

« هو الزّبزب، وإنّه صيد. » فصلب على نقنق عند الجسر الأعلى، وبقي مصلوبا إلى أن مات.

فلم يغن ذلك إلى أن انبسط القمر، وتبيّن للناس أنّه لا حقيقة لما توهّموه، فأمسكوا. إلّا أنّ اللصوص وجدوا فرصتهم بتشاغل الناس في سطوحهم، فكثرت النقوب.

الوزير يصلى على جنازة شار على أنها جنازة ابن الفرات

وفيها تقرّر عند أبي الحسن عليّ بن عيسى الوزير أنّه قد سعى لابن الفرات في الوزارة وتحققه، فاستعفى منها، ولم يعفه المقتدر، وأظهر في دار السلطان أنّ ابن الفرات عليل شديد العلّة.

واتفق أن مات الشاري الذي كان محبوسا في دار السلطان، والتدبير في أمر الشراة أن يكتم موت من يؤخذ منهم، ممّن تسميه الشراة إماما، فإنّه ما دام حيّا فليس ينصبون إماما غيره، فإن صحّ عندهم موته نصبوا غيره.

فأظهر في دار السلطان أنّ ابن الفرات مات، وكفّن الشاري وأخرجت جنازته على أنّها جنازة ابن الفرات، وصلّى عليه الوزير عليّ بن عيسى، ثم انصرف إلى منزله متوجّعا وقال لخواصه:

« اليوم ماتت الكتابة. » ثم مضت الأيّام ووقف عليّ بن عيسى من جهات كثيرة على تمام السعى لابن الفرات، وأنّه حيّ، فقال لخواصّه:

« ليس ينبغي للإنسان أن يتحدّث بكلّ ما يسمعه. »

صرف علي بن عيسى عن الوزارة

وكان يضجر في أوقات من سوء أدب الحاشية والمطالبة بالمحالات، واستعفى من الوزارة ويخاطب المقتدر في ذلك، فينكر عليه استعفاءه.

إلى أن اتفق يوما أن صارت إليه أمّ موسى القهرمانة في آخر ذي القعدة من سنة أربع وثلاثمائة لتواقفه على ما يطلق في عيد الأضحى للحرم والحاشية، وكان عليّ بن عيسى محتجبا، فلم يجسر سلامة حاجبه عليه أن يستأذن لها فصرفها صرفا جميلا. فغضبت من ذلك وعلم عليّ بن عيسى بحضورها وانصرافها، فأمر أن تلتمس ويعتذر إليها لترجع، فأبت أن تعود، وصارت إلى المقتدر والسيّدة، فأغرت به وتخرّصت عليه الأحاديث، فصرفه المقتدر بالله وقبض عليه غداة الاثنين لثمان خلون من ذي الحجّة سنة أربع وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار الخلافة، ولم يعرض لشيء من أملاكه وضياعه وضياع أسبابه، ولا لأحد من أولاده، واعتقل عند زيدان القهرمانة.

فكانت مدّة وزارته هذه ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوما.

وزارة أبي الحسن علي بن محمد ابن الفرات الثانية

وفيها تقلّد أبو الحسن الوزارة والدواوين لثمان خلون من ذي الحجّة، وخلع عليه وصار إلى داره بالمخرّم التي كان أقطعها في وزارته الأولى، وكتب إلى الأطراف والبلدان عن المقتدر بالله بخبر إعادته إلى الوزارة على نسخة أنشأها أبو الحسين محمّد بن جعفر بن ثوابة، وفي فصل منه:

« ولمّا لم يجد أمير المؤمنين غنى عنه ولا للملك بدّا منه، وكان كتّاب الدواوين على اختلاف أقدارهم وتفاوت ما بين أخطارهم مقرّين برئاسته معترفين بكفايته متحاكمين إليه إذا اختلفوا واقفين عند غايته إذا استبقوا مذعنين بأنّه الحوّل القلّب المحنّك المجرّب العالم بدرّة المال كيف تحلب ووجوهه كيف تطلب، انتضاه من غمده، فعاد ما عرف من حدّه، فنفّذ الأعمال كأن لم يغب عنها، ودبّر الأمور كأن لم يخل منها. ورأى أمير المؤمنين ألّا يدع سببا من أسباب التكرمة كان قديما جعله له إلّا وفّاه إيّاه، ولا نوعا من أنواع المثوبة والجزاء كان أخّره عنه إلّا حباه به وآتاه. » فخاطبه بالتكنية وكان وكان.

وقبض ابن الفرات على أسباب عليّ بن عيسى واخوته وكتّابه وجميع عمّاله بالسواد وبالمشرق والمغرب، وصادرهم سوى أبي الحسين وأبي الحسن ابنى أبي البغل، فإنّه أقرّهما على ما كانا يتولّيانه من أعمال إصبهان والبصرة، لعناية أمّ موسى بهما. وقبض على أبي عليّ الخاقاني وتتبّع أسبابه، وألزم جميعهم مصادرة ثانية أدّوها، وطالب العمّال المصروفين بالمصادرة وأن يظهروا المرافق ويؤدّوها، ونصب ديوانا للمرافق، وكان ضمن للمقتدر ووالدته من هذه الجهة كلّ يوم ألفا وخمسمائة دينار، وكانت تنسب إلى مال الخريطة، فكان يحملها ولا يمكنه الإخلال بها وكان منها للمقتدر في كلّ يوم ألف دينار، وللسيّدة في كلّ يوم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون دينارا، وثلث، وللأميرين أبي العبّاس وهارون ابني المقتدر في كلّ يوم مائة وستّ وستّون دينارا وثلثا.

وكان ابن الفرات قد اتّسع بما كان استسلفه عليّ بن عيسى من الخراج، فإنّه قد كان جبى قطعة منه قبل الافتتاح وابتدأ بذلك قبل صرفه بعشرة أيّام، وأعدّ المال في بيت المال لينفقه في العيد في إعطاء الحشم والفرسان والأتراك، فقويت نفس ابن الفرات به وانضاف إلى ذلك جملة عظيمة راجت له من مال المصادرات والضمانات، وأموال سفاتج وردت من فارس وإصبهان ونواحي المشرق في درج كتب بحمول كتبت على أنها تصل إلى عليّ بن عيسى، فأطلق جميع ذلك في الفرسان والحشم والخدم ومهمّ النفقات.

وكان الغالب على أمر الدواوين والأعمال في أيّام وزارة ابن الفرات هذه من بين سائر كتّابه أبو بشر عبد الله بن فرجويه، وكان السبب في ذلك أنّه سلم من النكبة وقت القبض على ابن الفرات في الدفعة الأولى، واستتر مدّة وزارة الخاقاني وعليّ بن عيسى، وواصل بعد ما مضت سنة واحدة من وزارة عليّ بن عيسى مكاتبة ابن الفرات على يد عيسى المتطبّب، وكان ابن الفرات يجيبه عن رقاعة ويرسم له ما يكاتب به المقتدر عن نفسه، في معايب عليّ بن عيسى وكتّابه وعمّاله، وأنّه ليس يصادر أحدا من عمّاله ويقول:

« لا أخوّن عاملا بعد أن ائتمنته. » ويذكر تأخّر أرزاق الولد والحرم والحشم، حتى إنّه اقتصر بالولد والحرم على جارى ثمانية أشهر في السنة، والخدم والحشم بستّة أشهر من السنة، واقتصر بالفرسان من مائة وخمسين ألف دينار تطلق لهم في الشهر على خمسين ألف دينار.

وكان المقتدر يواقف ابن الفرات على تلك الرقاع، فيعرّفه أنّ ابن فرجويه خبر بالأمور، وأنّه صادق في كلّ ما ذكره فيهم المقتدر بصرف عليّ بن عيسى، فإذا شاور مونسا في ذلك أشار عليه أن لا يفعل. ووصف عليّ بن عيسى بالديانة والأمانة.

فلمّا خرج مونس إلى مصر لمحاربة العلوي صاحب المغرب، تمكّن ابن فرجويه من الجدّ في السعى على عليّ بن عيسى، وكان غريب الخال ونصر الحاجب يدفعان عن عليّ بن عيسى لمّا غاب مونس. فلمّا تبيّن ابن فرجويه دفع غريب ونصر عن عليّ بن عيسى، كتب رقعة بخطّه إلى المقتدر، يذكر فيها أنّه إن صرف عليّ بن عيسى عن الوزارة، وقلّد مكانه عليّ بن محمّد ابن الفرات، أطلق للولد والحرم والحشم ولمن بالحضرة من تفاريق الفرسان مثل ما كان يطلقه في أيّام وزارته الأولى على التمام والكمال والإدرار، وأن يوفّر بعد ذلك من مال مصادرات العمّال ومال مرافقهم والاستثبات في النواحي في كلّ شهر من شهور الأهلّة خمسة وأربعين ألف دينار.

فواقف المقتدر ابن الفرات على هذه الرقعة، فذكر أنّ جميع ما تضمّنته صحيح، وبذل خطّه بضمانه جميع ذلك. فكانت هذه الرقاع من أكبر أسباب التحاقه على ابن فرجويه في وزارته هذه واختصاصه به.

واتفق له مع ذلك أنّ ابن الفرات أودع على يده عند جماعة من التجار والكتّاب أموالا جليلة، ولم يقرّ ابن الفرات بما كان أودعه ابن فرجويه، لأنّه لم يكن يعرف أسماء من أودع ذلك عنده. فلمّا عاد إلى الوزارة استخرج له ابن فرجويه جميع ما كان أودعه له من غير أن يذهب له شيء منه.

وكان أبو عليّ بن مقلة متعطّلا في أيّام وزارة الخاقاني، وعليّ بن عيسى ملازما منزله واستتر أيّام الخاقاني، ثم آمنه عليّ بن عيسى، فلزم منزله فشكر له ابن الفرات واختصّ به لهذه الحال.

ذكر ما جرى من ابن أبي الساج عند تداول الوزارة الأيدى الكثيرة

لمّا وقف يوسف بن أبي الساج على الخبر في صرف عليّ بن عيسى عن الوزارة، وكان مقيما بأذربيجان ومتقلّدا أيّام وزارة ابن الفرات الأولى أعمال الصلاة والحرب والمعاون والخراج والضياع العامّة بأرمينية وأذربيجان، ومقاطعا على مال يحمله في كلّ سنة عنها إلى بيت المال بالحضرة، وكان يزيح العلّة في ذلك المال مدّة أيّام وزارة ابن الفرات الأولى. فلمّا ولى أبو عليّ الخاقاني الوزارة ثم عليّ بن عيسى، طمع فأخّر أكثر المال الذي كان يقاطع عليه، واجتمع له من ذلك ما قوى به وحمله على العصيان.

ذكر ما دبره ابن أبي الساج واحتال به

أظهر أنّ عليّ بن عيسى أنفذ إليه اللواء والعهد عن المقتدر بالله بتقليده أعمال الحرب بالريّ وقزوين وأبهر وزنجان قبل صرفه عن الوزارة، وسار مبادرا إليها. فلمّا قرب منها انصرف عنها محمّد بن عليّ صعلوك، وهرب إلى نواحي خراسان، وكان محمّد بن عليّ هذا متغلّبا على هذه النواحي، ثم قاطع عن الضياع والخراج مقاطعة خفيفة ولم يف بذلك أيضا.

فلمّا وقف ابن الفرات على ما فعله ابن أبي الساج أنهى ذلك إلى المقتدر، ثم ورد كتاب ابن أبي الساج بعد أيّام يعتدّ بما فعله من إخراج محمّد بن عليّ صعلوك عن الريّ وما يليها، ويبشّر السلطان بفتحه هذه النواحي، ويصف أنّه لمّا ورد عليه العهد واللواء من جهة عليّ بن عيسى سار إليها فرزقه الله الفتح والنصر، فاغتاظ المقتدر بالله من ذلك وتقدّم إلى ابن الفرات بمواقفة عليّ بن عيسى على ما كتب به ابن أبي الساج، فأخرجه من محبسه ورفق به وخاطبه بجميل وقال له:

« قد يجوز أن تكون دبّرت بهذا الفعل على صعلوك وهذا غير منكر. » فحلف أنّه ما ولّاه ولا أنفذ إليه لواء ولا عهدا وقال:

« ولا بدّ للواء والعهد أن ينفذ مع خادم من خدم السلطان، أو قائد من قوّاده. وهؤلاء الخدم والقوّاد بين أيديكم، سلوهم عن ذلك، ولديوان الرسائل

كاتب يتقلّده بكتب العهود والولايات، سلوه هل كتب بشيء؟ » فأخذ منه ابن الفرات خطّا بما حكاه وعرضه على المقتدر بالله فازداد المقتدر غيظا على ابن أبي الساج.

وكتب ابن الفرات عن المقتدر بالله وعن نفسه إلى ابن أبي الساج في هذا المعنى أغلظ كتب وتوعّده، وأنفذ إليه من الحضرة لمحاربته خاقان المفلحى، وضمّ إليه الرجال، وأنفذ بعده عدّة من القوّاد مددا له وأنفق الأموال فيهم.

وكان فيهم مثل محمّد بن مسرور البلخي وسيما الخزري ونحرير الصغير وجماعة أمثالهم، فواقعه ابن أبي الساج وهزمه وأسر جماعة من أصحابه وأدخلهم مشهّرين إلى الريّ.

وقدم مونس الخادم من الثغر، فندب لحرب ابن أبي الساج وشخص إليه، وكتب إلى جميع القوّاد في طريقه بالانضمام إليه واستأمن إليه أحمد ابن عليّ صعلوك فأحسن قبوله، وصرف خاقان المفلحى عمّا كان إليه من أعمال الجبل، وقلّد مكانه نحرير الصغير.

واتصلت كتب ابن أبي الساج يلتمس الرضا عنه ويبذل سبعمائة ألف دينار عن أعمال الخراج والضياع بكورة الريّ وما يليها خالصة، سوى أرزاق الأولياء في تلك الأعمال، وسوى النفقات الراتبة، فلم يجبه المقتدر بالله إلى ما التمس فكتب يبذل أن يقيم بالريّ متقلّدا أعمال المعاون والحرب بها فقط حتى ينفذ السلطان إلى تلك النواحي من يتقلّد أعمال الصلاة والخراج والضياع والأحكام والبريد والخبر والخرائط والصدقات. فأقام المقتدر على أنّه لو بذل كلّ بذل لما أقرّه على الريّ يوما واحدا لإقدامه على أن سار إليها بغير أمر.

فلمّا رأى ابن أبي الساج هذه الحال انصرف عن الريّ وأعمالها بعد أن أخربها وجبى مالها لسنة أربع وثلاثمائة في مدّة قريب، وقلّد مونس الريّ وقزوين وصيفا البكتمرّى، ورضى ابن أبي الساج بأن يجدّد له العهد والولاية للأعمال التي كانت إليه أوّلا، وأشار ابن الفرات بقبول ذلك منه وضمن أن يلزمه بهذا السبب حمل جملة من المال إلى بيت المال يحسن موقعها، فعارض ذلك نصر الحاجب وابن الحوارى وقالوا:

« لا يجوز أن يقرّ على أرمينية وأذربيجان إلّا بعد أن يرد الحضرة ويطأ البساط. » ونسبوا ابن الفرات إلى مواطأته، فأقام المقتدر على أنّه لا بدّ من محاربته، أو يرد الحضرة، وكتب إلى مونس بالتعجّل إليه لمحاربته. فلمّا رأى ابن أبي الساج أنّ دمه على خطر، حارب مونسا بسراة من بلد أذربيجان فانهزم مونس إلى زنجان، وقتل من قوّاد السلطان سيما، واستأسر ابن أبي الساج جماعة من قوّاد مونس فيهم هلال بن بدر، وأدخلهم إلى أردبيل مشهرين وأقام مونس بزنجان يجمع ليوسف، وهو مع ذلك يكاتبه ويراسله، وابن أبي الساج يلتمس منه الصلح ومونس لا يقبل منه إلّا المصير إلى الحضرة.

وكان ابن أبي الساج أبقى على مونس لمّا انهزم حتى سلم في ثلاثمائة غلام، ولو أراد ابن أبي الساج لأسره فكان مونس يشكر ابن أبي الساج على هذه الحال.

فلمّا كان في المحرّم بعد ذلك في أيّام وزارة حامد بن العبّاس واقع مونس يوسف بن أبي الساج الوقعة الأخرى بأردبيل، فأسر يوسف وبه ضربات، وانصرف به مونس إلى بغداد. فلمّا كان سنة سبع وثلاثمائة حمل يوسف بن أبي الساج على جمل من باب الشمّاسية وأدخل بغداد مشهرا، على رأسه برنس وبين يديه الجيش إلى أن وصل إلى دار السلطان ووقّف بين يدي المقتدر، ثم حبس في دار السلطان في يد زيدان القهرمانة، ووسّع عليه ثم خلع على مونس وطوّق وسوّر وخلع على جماعة من قوّاده وزيد الرجّالة نصف دينار لكلّ واحد في الشهر.

ولمّا بعد مونس من أذربيجان وانكفأ راجعا إلى مدينة السلام ومعه يوسف بن يوداذ غلب سبك غلام يوسف عليها، فأنفذ مونس إليه محمّد بن عبد الله الفارقي وقلّده البلد، وكان في حدود أرمينية، فسار إلى سبك وحاربه فانهزم الفارقي وصار إلى بغداد وتمكّن سبك من البلد. ثم كتب إلى السلطان يسأل أن يقاطع عن الناحية، فأجيب وفورق على أن يحمل في كلّ سنة مائتين وعشرين ألف دينار، وأنفذت إليه الخلع والعقد ولم يف بما ووقف عليه.

وكان مونس لمّا ظفر بيوسف بن أبي الساج وقبل انصرافه عن أذربيجان قلّد بن وهسوذان أعمال الحرب بالريّ ودنباوند وقزوين وزنجان وأبهر وسلّمها إليه وجعل أموالها له ولرجاله، وقلّد أحمد بن عليّ صعلوك أعمال المعاون بإصبهان وقم وجعل مال الخراج والضياع بقم وساوة له ولرجاله، مبلغه في كلّ سنة أكثر من مائتي ألف دينار.

ثم وثب أحمد بن مسافر صاحب الطرم على ابن أخيه عليّ بن وهسوذان وهو معه مقيم بناحية قزوين فقتله على فراشه وهرب في الوقت إلى بلده وكان أحمد بن عليّ أخو صعلوك مقيما بقم، فسار منها إلى الريّ ودخلها فأنكر عليه السلطان فعله، وقلّد وصيف البكتمرى أعمال عليّ بن وهسوذان وقلّد محمّد بن سليمان صاحب الجيش أعمال الخراج والضياع وكوتب أحمد بن عليّ بالانصراف إلى قم، ففعل.

ثم جرت بينه وبين محمّد بن سليمان وحشة، فأظهر الخلاف وصرف عمّال الخراج والضياع عن قم، وأخذ في الاستعداد للمسير إلى الريّ.

وكوتب نحرير الصغير وهو متقلّد همذان بالمسير إلى الريّ والاجتماع مع وصيف البكتمرى ومحمّد بن سليمان على دفع أحمد بن عليّ. وسار أحمد بن عليّ إلى باب الريّ فواقعوه، وانهزم وصيف ونحرير إلى همذان، وقتل محمّد بن سليمان في الوقعة، وحصلت الريّ في يد أحمد بن عليّ، فشرع في إصلاح ما بينه وبين السلطان وعنى به نصر الحاجب فقاطع عن عمال الخراج بالريّ ودنباوند وقزوين وزنجان وو أبهر على مائة وستّة وستين ألف دينار محمولة في كلّ سنة إلى الحضرة، وقلّد الناحية، وقلّد محمّد بن خلف النيرمانى الضياع بهذه النواحي وأخرج أحمد بن عليّ عن قم فقلّد من نظر فيها.

ونعود إلى حديث ابن الفرات.

لمّا تبيّن الوزير أبو الحسن ابن الفرات عداوة نصر الحاجب وأبي القاسم ابن الحوارى وشفيع اللؤلؤي ونسبهم إيّاه إلى مواطأة ابن أبي الساج على العصيان عاداهم ومنعهم أكثر حوائجهم وصرف نصرا وشفيعا عن أكثر أعمالهم.

وكان ابن الفرات قلّد أبا عليّ ابن مقلة كتابة نصر الحاجب، ثم استوحش أبو عليّ ابن مقلة من ابن الفرات لأجل استخدامه سعيد بن إبراهيم التستري فذكر لنصر أنّ ابن الفرات قد استخرج من ودائعه التي سلمت له خمسمائة ألف دينار بعد أن حلف في وقت نكبته أنّه ما بقيت له وديعة لم يقرّ بها، فذكر نصر للمقتدر ذلك ليغيظه على ابن الفرات وغرّ نصر وابن الحوارى أبا عليّ ابن مقلة وأطمعاه في الوزارة ليستخرجا ما عنده من أخبار ابن الفرات التي يضرّبون بها المقتدر عليه، حتى ظهر الأمر في ذلك واشتهر وكثرت به الأراجيف، فذهب أبو الخطّاب ابن أبي العبّاس ابن الفرات إلى عمّه فشرح له ما يتحدّث به الناس فقال له:

« إن شككت في أبي عليّ ابن مقلة مع تربيتي له ورفعي منه شككت في ولدي وفيك. » ثم تبيّن ابن الفرات بعد ذلك صحة ما نسب إلى ابن مقلة وأطلع أبا عليّ ابن مقلة على بعض ما وقع إليه من الخوض في أمره على طريق التعجّب ليصرفه عمّا شرع فيه، فاستوحش أبو عليّ منه وخاف معاجلته إيّاه بالنكبة، فجدّ في السعى عليه واعتصم بنصر الحاجب.

ودخلت سنة خمس وثلاثمائة ورود رسولين لملك الروم بهدايا وألطاف كثيرة التماسا للهدنة

وفيها ورد رسولان لملك الروم إلى مدينة السلام على طريق الفرات بهدايا عظيمة وألطاف كثيرة يلتمسان الهدنة.

وكان دخولهما يوم الاثنين لليلتين خلتا من المحرّم، فأنزلا في دار صاعد بن مخلد، وتقدّم أبو الحسن ابن الفرات بأن يفرش لهما ويعدّ فيه كلّ ما يحتاجان إليه من الآلات والأوانى وجميع الأصناف، وأن يقام لهما ولمن معهما الأنزال الواسعة والحيوان الكثير والحلاوة، حتى يتّسع بذلك كلّ من معهما، والتمسا الوصول إلى المقتدر بالله ليبلّغاه الرسالة التي معهما.

فأعلما أنّ ذلك معتذّر صعب لا يجوز إلّا بعد لقاء وزيره ومخاطبته فيما قصد إليه وتقرير الأمر معه والرغبة إليه في تسهيل الإذن على الخليفة والمشورة عليه بالإجابة إلى ما التمسا.

فسأل أبو عمر عديّ بن عبد الباقي الوارد معهما من الثغر أبا الحسن ابن الفرات الإذن لهما في الوصول إليه فوعده بذلك في يوم ذكره له.

وتقدّم الوزير بأن يكون الجيش مصطفّا من دار صاعد إلى الدار التي أقطعها بالمخرّم، وأن يكون غلمانه وحده وخلفاء الحجّاب المرسومين بداره منتظمين من باب الدار إلى موضع مجلسه، وبسط له في مجلس عظيم مذهّب السقوف في دار منها يعرف بدار البستان بالفرش الفاخر العجيب، وعلّقت الستور التي تشبه الفرش واستزاد في الفرش والبسط والستور ما بلغ ثمنه ثلاثين ألف دينار، ولم يبق شيء تجمّل به الدار ويفخّم به الأمر إلّا فعل، وجلس على مصلّى عظيم من ورائه مسند عال والخدم بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله، والقوّاد والأولياء قد ملأوا الصحن، ودخل إليه الرسولان فشاهدوا في طريقهما من الجيش وكثرة الجمع ما هالهما.

ولمّا دخلا دار العامّة أجلسهما الحاجب في رواقها والرجال قد امتلأت بهم الدار، ثم أخذ بهما في ممرّ طويل من وراء هذا الرواق حتى أخرجهما إلى صحن البستان، ثم عدل بهما إلى المجلس الذي كان الوزير جالسا فيه، فشاهدا من بهاء المجلس والفرش الذي فيه وكثرة الجمع منظرا عجيبا جليلا.

وكان معهما أبو عمر بن عبد الباقي يترجم عنهما ولهما.

وحضر نراد بن محمّد صاحب الشرطة في جميع رجاله فأقيما بين يدي الوزير أبي الحسن ابن الفرات، فسلّما وترجم لهما، ابن عبد الباقي ما قالا فأجابهما بما ترجمه لهما ورغبا إليه، في إيقاع الفداء ومسألة المقتدر بالله الإجابة إليه فأعلمهما أنّه يحتاج إلى مخاطبته فيما ذكراه، ثم العمل فيه بما يرسمه، والتمسا منه إيصالهما إليه فوعدهما به.

وأخرجا من بين يديه وأخذ بهما في الطريق الذي دخلا منه وعادا إلى دار صاعد والجيش منتظم طول الطريق بأحسن زيّ وأكمل هيأة. وكان زيّهما دراريع ديباج ملكيّة ووقايات وفوق الوقايات قلانس ديباج محدودة الرؤوس.

وخاطب ابن الفرات المقتدر بالله في إيصالهما إليه، وواقفه على ما يجيبهما به، وتقدّم إلى سائر الأولياء والقوّاد وسائر أصناف الجند بالركوب إلى دار السلطان، وأن يكونوا منتظمين للظهر من دار صاعد إلى دار السلطان.

فركبوا ووقفوا في الطريق على هذا الترتيب في الزيّ الحسن والسلاح التامّ، وتقدّم بأن تشحن رحاب الدار والدهاليز والممرّات بالرجال والسلاح وأن يفرش سائر القصر بأحسن الفرش ولم يزل يراعى ذلك حتى فرغ من جميعه.

ثم أنفذ إلى الرسولين بالحضور، فركبا إلى الدار على الظهر وشاهدا في طريقهما من الجيش وكثرته وحسن زيّه وتكامل عدّته أمرا عظيما، ولمّا وصلا إلى الدار أخذ بهما في ممرّ يقضى إلى صحن من تلك الصحون، ثم عدل بهما إلى ممرّ آخر، وأخرجا منه إلى صحن أوسع من الأوّل، ولم تزل الحجّاب يخترقون بهما في الصحون والممرّات حتى كلّا من المشي وانبهرا.

وكانت تلك الصحون والممرّات محشوّة بالغلمان والخدم.

إلى أن قربا من المجلس الذي فيه المقتدر بالله والأولياء وقوف على مراتبهم، والمقتدر جالس على سرير ملكه، وأبو الحسن ابن الفرات واقف بالقرب منه، ومونس الخادم، ومن دونه من الخدم وقوف عن يمينه ويساره.

فلمّا دخلا إلى المجلس قبّلا الأرض ووقفا حيث استوقفهما نصر الحاجب، وأدّيا إليه رسالة صاحبهما في الفداء، ورغبا إليه في إيقاعه فأجابهما الوزير عنه بأنّه يفعل ذلك رحمة للمسلمين ورغبة في فكّهم وإيثارا لطاعة الله عز وجل وخلاصهم، وأنّه ينفذ مونسا لحضور ذلك.

ولمّا خرجا من حضرته خلع عليهما مطارف خزّ مذهّبة وعمائم خزّ، وخلع على أبي عمر أيضا وانصرف على الظهر معهما والجيش على حاله منتظم للفداء.

فتأهّب لذلك وابتيع من التمس الرسل ابتياعه من الروم المطلوبين وأطلق له وللقوّاد الشاخصين معه من بيت المال بالحضرة مائة ألف وسبعون ألف دينار. وكتب إلى العمّال في طريقه بإزاحة علّته فيما يلتمسه، وحمل إلى كلّ واحد من الرسولين عشرون ألف درهم صلة لهما، وخرجا مع مونس ومعهما أبو عمر وتمّ الفداء في هذه السنة على يد مونس.

وفيها أطلق أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وإخوته من الحبس في دار السلطان وخلع عليهم خلعة الرضا.

وفيها مات العبّاس بن عمرو الغنوي، وكان متقلّدا أعمال الحرب والمعاون بديار مضر، فقلّد مكانه وصيف البكتمرى فلم يضبط العمل فقلّد مكانه جنّى الصفواني فضبطه أحسن ضبط.

ودخلت سنة ست وثلاثمائة

القبض على ابن الفرات وانتهاء وزارته الثانية

وفيها قبض على الوزير أبي الحسن ابن الفرات وكانت مدّة وزارته هذه الثانية سنة واحدة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما.

ذكر السبب في ذلك

كان السبب الظاهر في صرف ابن الفرات عن وزارته هذه الثانية، أنّه أخّر إطلاق أرزاق الفرسان الذين مع القوّاد واحتجّ بضيق الأموال، لأجل ما احتيج إليه من صرفها إلى محاربة ابن أبي الساج، وأيضا لأجل نقصان الارتفاع بأخذ يوسف مال الريّ، فشغب الفرسان في أوّل سنة ستّ وثلاثمائة شغبا عظيما، وخرجوا إلى المصلّى. والتمس ابن الفرات من المقتدر بالله إطلاق مائتي ألف دينار من بيت مال الخاصّة ليضيف إليها مائتي ألف دينار ينفق في الفرسان، فغلظ ذلك على المقتدر وراسله بأنّه قد كان ضمن له أن يقوم بسائر النفقات على رسمه كان في وزارته الأولى، وبحمل ما ضمن حمله إلى حضرته مفردا، وأنّه لم يظنّ أنّه يقدم عليه بطلب مال. فاحتجّ ابن الفرات بما ذكرته فلم يسمع حجّته وتنكّر له.

وكان عبد الله بن جبير لمّا أقام في وزارة عليّ بن عيسى بواسط، وقد عرف مقدار ارتفاع أعمالها وما يحصل لحامد بن العبّاس من الفضل على الضمان، شرح ذلك لابن الفرات وبيّن له وجوهه لمّا عاد إلى بغداد وعند عوده إلى مجلس الأصل في ديوان السواد. فعظم ذلك في نفس ابن الفرات. فلمّا أتى على ذلك مدّة استأذن ابن جبير ابن الفرات في أن يكاتب حامدا في بعض ما كان أنهاه إليه من ضمان حامد، فأذن له فيه إذنا ضعيفا فكتب من مجلسه - وهو مجلس الأصل في ديوان الخراج - إلى حامد وأجاب حامد وتردّدت بينهما مكاتبات في هذا المعنى.

وتبع ذلك كتب بشر بن عليّ، وهو خليفة حامد، يعتب على ابن جبير لما كان يتكلّم به في مجلسه، فاستوحش حامد من ذلك وتخوّف أن يكون ما يظهره ابن جبير عن مواطأة الوزير ابن الفرات ولشيء قد عرفه من نيّته، فأنفذ من يسفر له في الوزارة ويخاطب له نصرا الحاجب، فسعى له في ذلك وعرّف نصر سعة نفس حامد وضمن له تصحيح أموال جليلة من جهة ابن الفرات وأسبابه، وراسل أيضا السيّدة في هذا الباب.

ووافق ما سعى له فيه وما بذله له سوء رأي نصر في ابن الفرات وتخوّفه منه والإضافة التي عرضت في الوقت حتى طلب ما طلب، فتمّ لحامد ما قدّره بما اجتمع من هذه الأحوال. فروسل حامد بالخروج إلى الحضرة من واسط وأن يكتب كتابا بخروجه إلى أجنحة الطير.

فلمّا وقف عليه المقتدر أنفذ نصرا الحاجب وشفيعا المقتدري فقبضا على ابن الفرات وعلى ابنه المحسّن وموسى بن خلف وعيسى بن جبير وسعيد بن إبراهيم التستري وأمّ ولد له وابنها منه، وحملوا إلى دار السلطان فاعتقل أبو الحسن ابن الفرات وحده في يد زيدان القهرمانة واعتقل الباقون في يد نصر.

ووصل حامد إلى مدينة السلام وأقام ليلته في دار الحجبة من دار السلطان، وتحقّق به أبو القاسم ابن الحوارى. وجلس حامد يتحدّث، فبان للقوّاد وجميع خواصّ المقتدر حدّته وقلّة خبرته بأمر الوزارة.

وحدّث المقتدر بذلك فاستدعى أبا القاسم ابن الحوارى وعاتبه على مشورته به، فوصفه ابن الحوارى باليسار العظيم وباستخراج الأموال وهيبته عند العمّال ونبل النفس وكثرة الغلمان. وكان مع حامد لمّا قدم أربعمائة غلام يحملون السلاح فيهم عدّة يجرون مجرى وجوه القوّاد وأكابر أصحاب السلطان.

وأشار ابن الحوارى على المقتدر في عرض كلامه بإطلاق عليّ بن عيسى وتقليده الدواوين بأسرها ليخلف حامدا عليها فامتنع المقتدر من ذلك إلّا بعد أن يلتمسه حامد منه، فاحتال ابن الحوارى على حامد وقال له:

« التمس ذلك من المقتدر إذا وصلت إلى حضرته وعظّم عليه أمر الأعمال والدواوين وحوائج الحاشية وخوّفه من سوء أدبهم وصوّر لحامد أنّه إن لم يفعل ذلك فعل مراغمة له. » وحلف أنّه ناصح له. فلمّا وصل حامد إلى المقتدر بالله وتقلّد وزارته قبّل الأرض بين يديه، وبعقب ذلك سأله إطلاق عليّ بن عيسى والإذن له في استخلافه على الدواوين والأعمال.

فقال له المقتدر بالله:

« ما أحسب عليّ بن عيسى يجيب إلى ذلك ولا يرضى أن يكون تابعا بعد أن كان متبوعا رئيسا. » فقال حامد بحضرة الناس:

« لم لا يستجيب إلى ذلك وإنّما مثل الكاتب مثل الخيّاط يخيط ثوبا قيمته ألف دينار ويخيط ثوبا بعشرة دراهم. » فضحك الناس منه.

وزارة حامد بن العباس

ولمّا خلع على حامد خلع الوزارة صار إلى دار الوزارة بالمخرّم، فنزلها وجلس فيها للتهنئة ولم يقرّر شيئا من الدواوين فتركها مختومة ذلك اليوم، وتحقّق به أبو عليّ بن مقلة واختصّ به واستحضر حامد أبا عبد الله زنجيّ الكاتب فألزمه داره وردّ إليه مكاتبة العمّال عنه على رسمه مع ابن الفرات.

وتحقّق بجميع الأمور ابن الحوارى وصار هو السفير بين حامد وبين المقتدر بالله، وكتب عن المقتدر إلى جميع أصحاب الأطراف وعمّال المعاون بخبر تقليده حامدا الوزارة، أنشأ ذلك أبو الحسن محمّد بن جعفر بن ثوابة.

ثم قرّر حامد وعليّ بن عيسى أمر الدواوين على اتفاق منهما جميعا ثم ابتدأ بعد ذلك يغيّر ما رأى تغييره.

وكان عليّ بن عيسى في أوّل أيّام وزارة حامد بن العبّاس يحضر دار حامد في كلّ يوم دفعتين مدّة شهرين، ثم صار يحضر في كلّ أسبوع دفعة واحدة ثم سقطت منزلة حامد عند المقتدر بالله أوّل سنة سبع وثلاثمائة وتبيّن هو وخواصّه أنّه لا فائدة في الاعتماد عليه في شيء من الأمور، فتفرّد حينئذ أبو الحسن عليّ بن عيسى بتدبير سائر أمور المملكة، وأبطل حامدا فصار لا يأمر في شيء بتّة حتى قيل فيه:

هذا وزير بلا سواد ** وذا سواد بلا وزير

فلمّا رأى حامد بن العبّاس نفسه لا يأمر ولا ينهى ولا يزيد على لبس السواد والركوب في أيّام المواكب إلى دار السلطان، فإذا حضر لم يدخله المقتدر في شيء من التدبير، وكان الخطاب كلّه مع عليّ بن عيسى، شرع في تضمّن أعمال الخراج والضياع والخاصّة والعامّة المستحدثة والعبّاسيّة والفراتيّة بالسواد والأهواز وإصبهان، وتردّدت بينه وبين عليّ بن عيسى في ذلك بحضرة المقتدر مناظرات إلى أن تضمّن هذه الأعمال.

فضمّن حامد أبا عليّ أحمد بن محمّد بن رستم إصبهان بزيادة مائة ألف دينار في كلّ سنة على ما كان يرتفع به على يده ويد ابن أبي البغل ويد أحمد بن سياه، ولمّا زال ضمان حامد عقد عليّ بن عيسى على أبي عليّ ابن رستم إصبهان بهذه الزيادة ثم شرح أبو الحسين ابن أبي البغل عظيم ما يرتكب أبو عليّ ابن رستم من الظلم لأهل إصبهان، فبحث عنه عليّ بن عيسى حتى تحقّقه، فاستشار ابن أبي البغل فأشار بعقد الضمان على صاحبين له كانا يتولّيان له بإصبهان مدّة تقلّده إيّاها وهما أبو مسلم محمّد بن بحر وأبو الحسين أحمد بن سعد. فعقد ذلك عليهما بثمانين ألف دينار زيادة وحطّ من جملة المائة الألف عشرين ألفا، ليكون في ذلك ترفيه للرعيّة، وسلّم إليهما ابن رستم.

ولمّا تبيّن حامد اتّضاع حاله عند المقتدر ورأى أنّه لا يأمر ولا ينهى في شيء من أمر المملكة استأذن في العود إلى واسط ليدبّر أمر ضمانه الأوّل، فأذن له المقتدر في ذلك وأقام بواسط وله اسم الوزارة فقط.

ذكر ما عامل به حامد بن العباس علي بن محمد بن الفرات وأسبابه

ركب حامد بن العبّاس وعليّ بن عيسى ثالث يوم تقلّد حامد الوزارة إلى المقتدر ووصل الناس ووصلا إليه، والتمس حامد الإذن لرجل من الجند وذكر أنّه وجده قبل تقلّده الوزارة وأقرّ له بأنّه كان رسول ابن الفرات إلى يوسف بن أبي الساج في العصيان، فأحضره كتابا منسوبا إلى ابن أبي الساج من ابن الفرات فغلظ ذلك على المقتدر واغتاط على ابن الفرات وأقبل على أبي عمر القاضي وقال له:

« ما عندك في هذا الفعل من ابن الفرات؟ » قال له:

« يا أمير المؤمنين لئن صحّ أنّه أقدم على هذا الفعل لقد سعى في إفساد أمر المملكة. » ثم أقبل بعده على أبي جعفر ابن البهلول القاضي فقال له:

« ما عندك في هذا؟ » قال له:

« عندي أنّ الله عز وجل قد أمر بالتثبّت ونهى عن قبول قول الفاسق. » ثم ناظر ابن البهلول الرجل مناظرة أدّت إلى أنّه كذب، فأقرّ الرجل بالكذب فيما ادّعاه فسلّم الرجل إلى صاحب الشرطة وأمر بضربه مائة سوط، فضرب وحبس في المطبّق ثم نفى إلى مصر.

ثم إنّ حامدا وعليّ بن عيسى أحضرا أبا عليّ الحسين بن أحمد المادرائى مناظرة ابن الفرات في دار السلطان، فكاشف الحسين بن أحمد المادرائى ابن الفرات بأنّه حمل إليه في وزارته الأولى أربعمائة ألف دينار من مال المرافق بأجناد الشام وإنّ أبا العبّاس بن بسطام وأبا القاسم ابنه بعده حملا إليه ثمانمائة ألف دينار من مال الاستثناء والمرافق بكور مصر حسابا في كلّ سنة مائتي ألف دينار.

وحضر المناظرة القضاة والكتّاب وجلس المقتدر بحيث يسمع ما يجرى ولا يراه أحد واحتجّ ابن الفرات بأن قال:

« إنّ هذا العامل قد تولّى أعمال مصر والشام في أيّام وزارة عليّ بن عيسى وقد اعترف بأنّ هذه أموال واجب استخراجها وادّعى أنّه حمل بعضها إليّ حيث كان متقلّدا أعمال أجناد الشام وأنّ ابني بسطام حملا إليّ ما ذكره. » وقد ولى عليّ بن عيسى الوزارة مدّة أربع سنين وليس يخلو هذا المال من أن يكون حمله إلى عليّ بن عيسى فهو واجب عليه أو لم يحمله فهو واجب على هذا العامل في نفسه.

ثم قد اعترف أنّه قد جبى في أيّام وزارتي الأولى ما قال وهو أربعمائة ألف دينار وادّعى حملها إليّ فصار مقرّا على نفسه ومدّعيا عليّ وأنا أقول إنّه كاذب في ادّعائه عليّ وحكم الله تعالى ورسوله والفقهاء معروف في أمثاله. فأسمعه حامد ما يكره وشتمه شتما قبيحا، فقال له ابن الفرات:

« أنت على بساط السلطان وفي دار المملكة وليس هذا الموضع ممّا تعرفه من بيدر تقسمه ولا هو مثل أكّار تشتمه ولا عامل تلاكمه. » ثم أقبل على شفيع اللؤلؤي وقال له:

« يجب أن تكتب عني بما أقوله إلى مولانا، أيّده الله: إنّ حامدا إنّما حمله على الدخول في الوزارة وليس من أهلها أنّى أوجبت عليه أكثر من ألف ألف دينار من فضل ضمانه أعمال واسط وجدّدت في مطالبته بها فقدّر بدخوله في الوزارة أن يفوز بذلك الفضل وبما يحصّله مستأنفا وقد كان ينبغي له وهو وزير أمير المؤمنين أن يدع ضمان أعمال واسط حتى يتبيّن أمربح هو أم مخسر فيدبّره أبو الحسن عليّ بن عيسى فإنّه لا يشكّ أحد في بعد ما بينه وبين حامد في الصناعة والاحتياط، فأمّا وهو وزير وهو ضامن فهذا أوّل خيانته واقتطاعه. » فأمر حامد بن العبّاس أن تنتف لحيته فلم يمتثل أحد أمره، فوثب هو بنفسه إليه وجذب لحيته.

وكان الخطاب قد انتهى أن بذل الحسين بن أحمد المادرائى خطّه بخمسمائة ألف دينار سلّم إليه ابن الفرات، وكان ذلك قبل شتيمة حامد له ومدّ يده إلى لحيته. وكان حامد أحضر أبا عليّ ابن مقلة وواقفه على أن يواجه ابن الفرات بأنّه قد استخرج من ودائعه التي كتمها في وزارته خمسمائة ألف دينار فلم يبرز أبو عليّ صفحته لابن الفرات وراسله حامد في المجلس أن يفي بوعده ويوافقه في وجهه فقال أبو عليّ:

« أنا أكتب خطّى بذلك فأمّا أن أواجه ابن الفرات فلا أفعل. » فغلظ ذلك على حامد وتنكّر لابن مقلة منذ هذا اليوم.

وكان عليّ بن عيسى لا يزيد على أن يكلّم ابن الفرات في مواضع الحجّة بكلام جميل وحامد مشغول بالسفه والشتم. وكان ابن الحوارى يرى ابن الفرات أنّه متوسّط بينه وبين حامد وتبيّن في خطابه أنّه متحامل على ابن الفرات ولمّا سمع المقتدر شتم حامد لابن الفرات ووقف على مدّ يده إلى لحيته أنفذ خادما أقام ابن الفرات من مجلسه وردّه إلى محبسه، فقال عليّ بن عيسى وابن الحوّارى لحامد:

« قد جنيت علينا بما فعلته بابن الفرات. » وكان الحسين بن أحمد المادرائى بعد مكاشفته لابن الفرات قال له:

« إن تأدّى إلى المصادرة تحمّلت عنك خمسين ألف دينار. » فلمّا خرج من المجلس قال له نصر الحاجب وعليّ بن عيسى وابن الحوارى:

« دخلت لتناظر الرجل فلم تبرح حتى بذلك له مرفقا وصانعته. » فقال لهم:

« أدخلتمونى إلى رجل قال لي بعضكم لمّا دخلت إليه: أنظر لمن تخاطب. وقال آخر: أنظر بين يديك. وقال آخر: الله الله في نفسك. فلم أجد شيئا أقرب إلى الصواب ممّا فعلته بعد أن سمعت كلامه. » فمن جميل ما عمله ابن الفرات أنّه لمّا تقلّد بعد هذا الوقت الوزارة وهي وزارته الثالثة قبض على ابن الحسين بن أحمد المادرائى وهو أكبر أولاده فأخذ خطّه بخمسة وعشرين ألف دينار كانت واجبة عليه من مال السلطان ولم يطالبه بها واعتقله إلى أن وافى أبوه الشام، فذكّره ابن الفرات ما كان بذله من الخمسين الألف الدينار التي تحمّلها عنه وقال له:

« قد كنت مخيّرا أن تفعل وأن لا تفعل وإنّما وعدت وعدا وهذه رقعة بخطّ ابنك بخمسة وعشرين ألف دينار وهي واجبة عليه حاصلة قبله ولا حجّة له ولا لك فيها وقد رددتها عليك مكافأة لك على ما بذلت.

وقد كان أنفذ أبو أحمد بن حمّاد لمناظرة ابن الفرات بحضرة شفيع اللؤلؤي وغيره فافتتح ابن حمّاد الخطاب بأن قال:

« إنّ الوزير والرئيس أدام الله عزّهما يقولان لك: أصدق نفسك فقد وصل إليك من ضياعك وغلّاتك في كلّ سنة ألف ألف ومائتا ألف دينار ومن وجوه ارتفاقاتك مثلها وهذا مال عظيم، فاكتب خطّك بألف ألف دينار معجّلة تقدّمها إلى أن ينظر في أمرك حتى تسلم نفسك وإلّا سلّمت إلى من يعاملك بما يعامل به مثلك من الخونة الذين دبّروا على المملكة فقد صحّ عند السلطان أنّك كاتبت ابن أبي الساج وأمرته بالعصيان. » فقال له ابن الفرات:

« قد كان ينبغي أن يشغلك أمرك وما عليك في نفسك عن تحمّل الرسائل قد تصرّفت لعلي بن عيسى أربع سنين واقتطعت أموالا، فلمّا نظرت في الأمر استترت عني وكتبت إليّ من تصرّف مكانك باستدراكات عليك وارتفاقات لك كثيرة والكتب بأعيانها في ديوان السلطان محفوظة. » فأقبل شفيع على ابن حمّاد فقال له:

« لست من رجال ابن الفرات، فقم إلى ابنه المحسّن فناظره. » فقام وأخذ خطّ المحسّن بثلاثمائة ألف دينار. ثم ناظر موسى بن خلف وسأله عن ودائع ابن الفرات وأمواله فقال له موسى:

« ما له عندي وديعة ولا أعرف أخبار ودائعه ولا له على يدي مال ولا وليت له عملا سلطانيا وإنّما كنت أنظر في نفقات داره. » وكان موسى ابن خلف شيخا كبيرا قد أتت عليه نحو تسعين سنة وكان مع ذلك عليلا به ذرب لا فضل فيه للمكروه فشتمه ابن حمّاد. وكان يتردّد بعد ذلك إلى أصحاب ابن الفرات ويناظرهم فلا يرتفع له شيء. وكان علّق المحسّن بفرديد من حبل الستارة فلم يصح له من جهته شيء. فلمّا رأى ذلك استعفى منهم فأعفى وأحضر حامد موسى بن خلف فقال له:

« دلّ على أموال ابن الفرات فإنّك تعرفها ولا تحوج إلى مكروه يقع بك. » فقال له: « أحلف بما شئت من الأيمان إني لا أعرف شيئا من ودائعه. » فأمر بصفعه فصفع إلى أن سأل عليّ بن عيسى فيه وأشار إلى الغلمان بالكفّ. ثم عاوده حامد بالمكروه مرّات حتى أحضره ليلة بين يديه وضربه حتى مات تحت الضرب فقيل له:

« إنّه قد تلف. » فقال: « اضربوه. » فضرب بعد موته سبعة عشر [ سوطا ] فلمّا علم بموته أمر بجرّ رجله، فجرّ وتعلّقت أذنه في رزّ عتبة الباب فانقلعت وحمل إلى منزله ميتا.

واستحسن من فعل موسى بن خلف ووفائه أنّه كان يقف على أموال مودعة لصاحبه عند جماعة فلم يقرّ عليه إلى أن تلف.

وأحضر حامد المحسّن وطالبه فذكر المحسّن أنّه لا يقدر على أكثر من عشرين ألف دينار فأمر بصفعه فصفع فرأى على رأسه شعرا كثيرا فقال:

« هذا لا يتألم بالصفع، هاتوا من يحلق شعره. » فأخرج من بين يديه فحلق شعره ثم أعيد إليه فصفعه حتى كاد يتلف وذلك بين أيدى جماعة كثيرة، فشفع إليه عليّ بن عيسى وسأله أن يقتصر منه على خمسين ألف دينار، فحلف أنّه لا يقنع منه بدون سبعين ألف دينار، فبذل خطّه بها وألبسه جبّة صوف وعذّبه ألوانا ثم سلّمه إلى أبي الحسن الثعبانى فأدّى ستين ألف دينار بعد أن استماح الناس وأسعفه عليّ بن عيسى بعشرة آلاف درهم وأقام شهورا كثيرة يستميح الناس حتى صحّح ما بذل خطّه به وكثرت الشفاعات فيه فردّه حامد إلى منزله.

وجهد حامد في أن يسلّم إليه ابن الفرات فقال المقتدر:

« أنا أسلّمه إليك وأوكّل به خادما يحفظ نفسه. » فقال حامد:

« إذا علم ابن الفرات أنّه يحرس من المكروه تماتن. » فقال المقتدر:

« أنا أسلّمه إلى عليّ بن عيسى أو إلى شفيع اللؤلؤي فإني أثق بهما. » وكان المقتدر يروّى في أمر ابن الفرات فتارة تشره نفسه إلى المال وتارة يكره أن يتلف في يد حامد. فعرفت زيدان القهرمانة هذه الحالة من المقتدر وأعلمتها ابن الفرات، فأظهر ابن الفرات أنّه رأى أخاه أبا العبّاس في النوم ووصّاه وقال له:

« أدّ المال فإنّ القوم ليس يريدون نفسك وإنّما يريدون مالك. » وأنّه قال:

« قد أدّيت إليهم جميع مالي. » وأنّ أخاه أجابه بأن قال:

« لم تؤد إليهم المال الفلاني. » فقلت: « إنّ معظم ذلك لورثتك. » فقال: « أدّه فإنّا جمعناه من أسلافهم وادّخرناه لمثل هذا اليوم. »

ثم كتب إلى تاجرين بحمل ما عندهما وهو سبعمائة ألف دينار إلى حضرة المقتدر. وكتب إلى أبي بكر ابن قرابة بشيء آخر وإلى ابن إدريس الحمّال بشيء آخر، فأنفذ المقتدر رقاعة إلى حامد وعليّ بن عيسى فغلظ ذلك عليهما ويئسا معهما من تسلّم ابن الفرات وقال عليّ بن عيسى وابن الحوارى لحامد:

« أيّ شيء عندك فيما فعله ابن الفرات؟ » فقال حامد:

« هذا من إقبال مولانا أمير المؤمنين. » فقال له عليّ بن عيسى:

« هذا لا شكّ فيه كما قال الوزير، أيّده الله، ولكن ما أشكّ أنّ ابن الفرات ما فعل هذا حتى توثّق بنفسه ولا سمح بهذا المال العظيم عفوا بغير مكيدة وقد كان يجوز أن يقنع منه ببعضه إلّا لشروعه في تضمّن أنفسنا وأحوالنا. » فقال حامد وابن الحوارى:

« هذا لا شكّ فيه. » ثم تشاغل حامد وعليّ بن عيسى باستحضار من عليه المال وأوصلوا إليهم رقاع ابن الفرات فاعترفوا بحصّته سوى ابن قرابة فإنّه قال في عشرة آلاف دينار كان أودعه إيّاها:

« قد كان أودعنى هذا المال ثم ابتاع مني في أوّل سنة ستّ وثلاثمائة عنبرا ومسكا كثيرا أهدى أكثره إلى المقتدر بالله واليسير منه لنفسه ومعي توقيعاته بخطّه بتواريخ أوقاته. » واستدعى أن يجمع بينه وبين ابن الفرات فأنفذه حامد إلى دار السلطان وأوصله مفلح إلى ابن الفرات حتى ذكر له ذلك فصدّقه وقال له:

« لا تلمني على ما كتبت به فقد كنت أنسيت ما جرى فيه ولعمري لقد كنت جعلت مال الوديعة محسوبا لك في ثمن العطر. » وكتب ابن الفرات خطّه بصحة ما قاله ابن قرابة فسلّمت الدنانير لابن الفرات وكان هذا الفعل من ابن قرابة أوكد أسباب تحقّقه فيما بعد ذلك بابن الفرات. وقد كان ابن الفرات أودع القاضي أبا عمر مالا لابنه الحسن بن دولة فلحقت أبا عمر رهبة شديدة من حامد لبسطه يده على القضاة والشهود فاعترف أبو عمر القاضي أنّ لابن الفرات عنده وديعة لمّا سأله حامد هل عنده وديعة. فأمر بإحضاره فأحضره وأدّاه وبلغ ذلك ابن الفرات فتنكّر لأبي عمر.

فحكى أنّ أبا بكر ابن قرابة قال: لمّا خلع على ابن الفرات للوزارة الثالثة كنت أوّل من لقيه في دهليز الحجبة المتصل بباب الخاصة فقال:

« يا با بكر تقرّب أبو عمر بوديعتى وعرّضنى. » قال: فقلت:

« الوزير أيّده الله صادق فمن أخبره؟ » فأومأ إلى زيدان القهرمانة وأن القاضي أبا عمر عرف تنكّر الوزير له.

ووصل إلى منزله وقت العشاء الآخرة فإذا فأبي عمر وابنه جالسين في مسجد على بابه فأكبر ذلك ونزل إليهما فحلفا عليه أن يدخل إلى منزله ودخلاه بدخوله فقالا له:

« خبر المجلس عندنا، فما الذي ترى؟ » فقال لهما:

« إزالة الاعتذار والإحتجاج وردّ المال. » فاستجابا، وكان مبلغ المال ثلاثة آلاف دينار وسألاه التسكين عنهما لئلا يعاجلا فبكّر ابن قرابة إلى ابن الفرات فقال له:

« قد جاءني أبو عمر القاضي وابنه قلقين، وذكرا أنّ المال بحاله. » فقال:

« الحمد لله ربّ العالمين. » فلمّا كان في اليوم الثاني من ذلك حمل أبو بكر الثلاثة الآلاف الدينار في برنيّة كانت ضمّنت الوديعة فلمّا رآها ابن الفرات عجب وأمر بتسلّمها:

وعدنا إلى خبر حامد في وزارته

ولمّا رأى حامد وعليّ بن عيسى تمكّن ابن الحوارى من المقتدر بالله خرج توقيع حامد بخطّ عليّ بن عيسى بتقليد ابن الحوارى جميع أعمال الإعطاء في العساكر لسائر نواحي المغرب من حدّ هيت إلى آخر حدود مصر، وأن يقام له من الرزق مثل ما كان يقام لجميع من كان ينظر في ذلك في آخر أيّام وزارة ابن الفرات الثانية، وأن يقلّد ابنه - وكانت سنّة في الحال نحو عشر سنين - ويجرى عليه ما مبلغه في الشهر مائة وخمسون دينار وقلّد ابنه هذا بيت مال الإعطاء بالحضرة بحقّ الأصل بجاري مائة وثمانين دينارا في الشهر واستخلف له عليه المعروف بقاطر ميز الكاتب.

وزاد بعد ذلك اختصاص ابن الحوارى وخدمته له في خلواته وكان يشاوره في أموره فقلّد أعمالا أخر وأجرى عليه واستخلف له عليها. فكان يصل إليه مال عظيم ولا يباشر شيئا من الأعمال ولا يدرى ما يجرى فيها.

وصرف نزار عن الشرطة بمدينة السلام وقلّد نجح الطولونى واستخلف عليها وأقام في الأرباع فقهاء يعمل أصحاب الشرط في أمر الجناة بما يفتون به في أمرهم فضعفت هيبة الشرطة بذلك واستلان اللصوص والعيّارون جانب نجح فكثرت الجراحات والفتن وتفاقم الأمر في التلصّص وكان العيّارون يقولون:

أخرج ولا تبالي ** ما دام نجح والى.

ودخلت سنة سبع وثلاثمائة

كان غرض حامد في الضمانات على النواحي التي ذكرناها تفرّد عليّ ابن عيسى بتدبير المملكة وإبطاله أمر حامد. فتضمّن حامد بهذه النواحي ليكون له بالحضرة أمر ونهى وليوفّر من هذه الأعمال ما يبطل به السوق التي قامت لعليّ بن عيسى عند المقتدر بالكفاية والعفاف. وإنّما لم يدخل أعمال فارس في ضمانه لأنّها كانت في ضمان أبي القاسم ابن بسطام وكان النعمان يشير على حامد بترك الدخول في الضمان فإنّه زعم أنّه تسقط هيبته عند الناس ويصير عليّ بن عيسى المطالب له بالأموال والمتحكّم عليه.

وكان أبو عيسى أخو أبي صخرة قديم الصداقة لحامد وكان يشير عليه بالضمان ليتبيّن أثره وأن يتضمّن بعبرة سنى عليّ بن عيسى خاصّة ليكون ما يثيره - وهو شيء كثير وافر - استدراكا على عليّ بن عيسى. فمال حامد إلى هذا الرأي وخاطب عليّ بن عيسى بحضرة المقتدر وقال له:

« قد تفرّدت بتدبير الأمور دوني وليس ترى أن تشاورنى في شيء تعمله ولا بدّ من صدق أمير المؤمنين. فقد أضعت بالسواد والأهواز وإصبهان أربعمائة ألف دينار في كلّ سنة وأنا أضمن هذه الأعمال أربع سنين بعبرة المحمول والمسبّب في سنى وزارتك وزيادة أربعمائة ألف دينار في كلّ سنة. » فأجابه عليّ بن عيسى بأنّه لا يستصوب تضمينه هذه الأعمال لأنّ مذهبه في خبط الرعيّة وإحداث السنن وضرب الأبسار معروف ومن عمل بهذه السيرة فهو لا محالة يوفّر سنة أو أكثر ثم تخرّب خرابا لا يتلافى في سنين فيبطل الارتفاع ويسيء الذكر. فتخاصما خصومة طويلة فقال المقتدر:

« هذا توفير من حامد ولا يجوز تركه فإن ضمنت أنت هذه النواحي بما ضمنه حامد ضمّنتك. » فقال عليّ بن عيسى:

« أنا كاتب وليست بعامل وحامد أولى بالضمان لا سيّما وقد بذل ما بذل راغبا والأثر في ذلك يا أمير المؤمنين، لأنّى قد عمرت البلدان لرفقى بالرعيّة وتقليدي من العمّال من أزال المؤن عنهم، وسنة سبع قد تناهت عمارتها وليس يقدر أن يقول إنّه يتضمّنها ليستزيد في عمارتها لأنّ أيّام العمارة قد انقضت منذ مدّة. » فأمر المقتدر بعقد الضمان على حامد وأخذ خطّه به فخرجا.

وتقدّم عليّ بن عيسى إلى أصحاب الدواوين بإخراج العبر من دواوينهم بعبر السنين القريبة لأنّها أوفر فأخرج عبرة المحمول والمسبّب مع مال النفقات الراتبة في نواحي السواد والأهواز لسنة من ثلاث سنين أولاهن سنة ثلاث وأخراهن سنة خمس وثلاثمائة - ثلاثة وثلاثين ألف ألف درهم. وأخرج عبرة الضياع الخاصّة والمستحدثة والعبّاسيّة والفراتيّة للمحمول والمسبّب ثمانية آلاف ألف درهم وثمانمائة ألف درهم وأخرج عبرة مال إصبهان مع النفقات الراتبة بقسط سنة واحدة من ثلاث سنين ستّة آلاف ألف وثلاثمائة ألف درهم تصير الجميع لسنة واحدة ثمانية وأربعين ألف ألف درهم ومائة ألف درهم والزيادة التي بذلها حامد وهي عن قيمة أربعمائة ألف دينار خمسة آلاف ألف وثمانمائة ألف درهم مبلغ الجميع ثلاثة وخمسون ألف ألف وتسعمائة ألف درهم.

والتمس حامد بن العبّاس من المقتدر بالله أن يأمر بتسليم جماعة من الكتّاب إليه ليوليهم كتابته على ديوان ضمانه واختار عبيد الله بن محمّد الكلواذى وأحمد بن محمّد بن زريق وغيرهما، فتقدّم المقتدر بإجابته إلى ما سأله بعد أن عقد عليّ بن عيسى عليه الضمان باسم صاحبه محمّد بن منصور وأخذ خطّ حامد بتضمّنه عنه ما عقده باسمه واعتمد حامد بن العبّاس على عبيد الله بن محمّد الكلواذى فكان ينظّم الأعمال التي يخرجها كتّاب حامد ويتولّى المواقفة عن حامد في دار السلطان ويرفق في المناظرة ويستعمل الحجّة فقط.

واعتمد عليّ بن عيسى على الصقر بن محمّد في مناظرة كتّاب حامد، فكان حامد إذا حضر لا يزيد على الشتم والسبّ لعليّ بن عيسى وذكره بالقبيح في نفسه وأسلافه واستعمل في ذلك ما فضح به المملكة وشاع في الخاصّ والعامّ الخبر به ثم أصلح المقتدر بينهما بحضرته.

وأسرف عليّ بن عيسى في الإلحاح على حامد في حمل المال واحتاج حامد إلى أن يستأذن في الخروج إلى الأهواز فأذن له وذكر أبو القاسم الكلواذى أنّه يضعف عن مقاومة عليّ بن عيسى عند غيبته، فنصب حامد صهره أبا الحسين محمّد بن أحمد ابن بسطام للنيابة عنه في دار السلطان عند المناظرة ولإعزار الكلواذى ليستوفى حجّته وظهرت في ذلك الوقت صناعة الكلواذى وكفايته وصحة عمله فكان ذلك من أكبر أسباب نباهته.

وجرى خلاف كثير بين كتّاب حامد وبين كتّاب عليّ بن عيسى يطول ذكرها، ورضى حامد بوساطة النعمان فيها وكتب بذلك وتوسّط النعمان وقرّر الأمر من سائر أبواب الخلاف على مائة ألف دينار بقسط سنة واحدة.

وكتب ابن بسطام والكلواذى إلى حامد وهو بالأهواز بصورة ما تقرّرت عليه الحكومة، فدبّر حينئذ حامد في ذلك تدبير الشيوخ المجرّبين.

فكتب إلى المقتدر كتابا وأنفذ مع غلام له فأوصل نصر الكتاب مختوما إلى المقتدر فوجده قد ذكر فيه أنّه لم يدخل في هذا الضمان لاستجلاب فائدة لنفسه ولا للربح على السلطان وإنّما أراد أن يبيّن عن خبرته بالأعمال وحفظ الأموال وقبح آثار عليّ بن عيسى فيما تولّاه قديما وحديثا وأنّه كان بذل زيادة أربعمائة ألف دينار في كلّ سنة، وأنّه لمّا صار بالأهواز لاحت له زيادة مائتي ألف دينار في سنة سبع على أربعمائة ألف دينار، فوفّر ذلك وكتب كتابه بخطّه حجّة عليه لينضاف ذلك إلى الزيادة الأولى ويثبت في الدواوين.

فسرّ المقتدر بذلك وأمر بتقوية يد حامد وأن يقتصر بعليّ بن عيسى على النظر في حوائج القوّاد والحاشية والاحتياط فيما يطلق من الأموال في النفقات فإنّه بذلك أبصر من حامد، وبإفراد حامد بجباية الأموال والنظر في النواحي.

وخاف عليّ بن عيسى أن تقوى يد حامد فيسلّم إليه. واتفق بعقب ذلك أن تحرّكت العامّة ثم الخاصّة بسبب زيادة السعر وشغبوا شغبا عظيما متصلا أشفى به الملك على الزوال وبغداد على الخراب. فادّعى كتّاب حامد وأسبابه ومن يميل إليه أنّ عليّ بن عيسى حمل العامّة وأكثر الخاصّة على الشغب لأنّ السعر لم يكن زاد زيادة توجب ما خرجوا إليه وإنّما بلغ الخبز الحوارى ثمانية أرطال بدرهم.

ذكر ما اضطرب لأجله أمر حامد بن العباس حتى فسخ ضمانه

تجمّع الناس وقوم من أماثل العامّة فتظلّموا من زيادة السعر وضجّوا في وجه عليّ بن عيسى لمّا ركب، ثم نهب العامّة دكاكين الجماعة من الدقّاقين ببغداد ثم اجتمعوا إلى باب السلطان فضجّوا.

فتقدّم المقتدر إلى ابن الحوارى بأن يكتب إلى حامد بأن يبادر إلى الحضرة وينظر في أمر الأسعار فيزيل التربّص ببيع الغلّات لتنحطّ الأسعار، فنفذ الكتاب بذلك فخرج حامد من الأهواز وأنفذ المقتدر ماهر الخادم لاستعجاله.

وخرج أصحاب الدواوين والقوّاد لتلقّيه وخرج نصر وابن الحوارى فتلقّياه وخرج عليّ بن عيسى فتلقّاه، ووصل إلى المقتدر بالله فخاطبه بجميل وعرّفه إحماده إيّاه على ما وفّره وأمر بأن يخلع عليه فخلع عليه وحمل على شهريّ وانصرف إلى منزله. وتحرّك الجند لغد ذلك اليوم في دار السلطان وضجّوا لارتفاع السعر، وتحرّكت العامّة في المساجد الجامعة ببغداد وكسروا المنابر وقطعوا الصلاة بعد الركعة الأولى واستلبوا الثياب ورجموا بالآجرّ وكثرت الجراحات واجتمع منهم في المسجد الجامع الذي في دار السلطان عدد كثير على نصر الحاجب فوثبوا عليه ورجموه بالآجرّ.

ثم صاروا في ذلك اليوم إلى دار حامد بن العبّاس فأخرج إليهم غلمانه فرموهم بالآجرّ والنشّاب وقتل خلق من العامّة فحملوا على الجنائز وشنّعوا بهم.

ووجّه حامد جماعة من غلمانه ومعهم ديوداذ بن محمّد وهو ابن أخي يوسف بن أبي الساج، فدخلوا المسجد الجامع بالجانب الغربي على دوابّهم فقتلوا جماعة وقتل أيضا من الجند عدّة وبات الناس ليلة السبت على صورة قبيحة من الخوف على أنفسهم وأموالهم وحرمهم وضعف صاحب الشرطة عن مقاومتهم لكثرة من تجمّع من العامّة.

فلمّا أصبحوا يوم السبت صار من العامّة عدد كثير إلى الجسور فأحرقوها وفتحوا السجون ونهبوا دار صاحب الشرطة ودار غيره، فأنفذ المقتدر جماعة من الغلمان الحجرية في شذاءات عدّة لمحاربة العامّة وركب هارون بن غريب الخال في جيش عظيم إلى باب الطاق فأحرق مواضع وتهارب العامّة من بين يديه إلى المسجد الجامع بباب الطاق ووكّل هارون بباب المسجد وقبض على جميع من وجده ولم يفرّق بين المستور والعيّار وحملهم إلى مجلس الشرطة فضرب بعضهم بالسوط وبعضهم بالدرّة وقطع أيدى قوم عرفوا بالإفساد.

ثم ركب يانس الموفقى يوم الأحد فسكّن الناس ونادى فيهم وزالت الفتنة، ثم ركب حامد في طيّاره يريد دار السلطان فقصده العامّة ورجموه بالآجرّ، فأمر المقتدر شفيعا المقتدري بالركوب لتسكين العامّة، فركب وسار في الجانب الغربي وفيه كانت الفتنة، فسكّن الناس ثم قبض على جماعة من العامّة فضرب بعضهم بالسوط وقطعت أيدى قوم عرفوا بالرجم.

وضجّت الرجّالة المصافية في دار السلطان من زيادة السعر فتقدّم المقتدر بالله بفتح الدكاكين والبيوت التي لحامد وللسيّدة والأمراء أولاد الخليفة والوجوه من أهل الدولة وبيع الحنطة بنقصان خمسة دنانير في الكرّ وبيع الشعير بحسب ذلك وبمطالبة التجار والباعة أن يبيعوا بمثل هذا السعر فركب هارون بن غريب ومعه إبراهيم بن بطحاء المحتسب فسعّر الكرّ المعدّل بخمسين دينارا وتقدّم إلى الدقّاقين بذلك فرضي العامّة وسكنوا وانحلّ السعر.

فسخ الضمان عن حامد بن العباس

وخرج توقيع المقتدر إلى حامد بن العبّاس بفسخه عنه الضمان لأجل الفتنة وضجيج العامّة من زيادة السعر وتوقيع إلى عليّ بن عيسى بأن يدبّر هو الأعمال بالسواد والأهواز وإصبهان ويقلّدها العمّال من قبله وأن يكتب عنه كتابا إلى العامّة يقرأ في الشوارع والأسواق ثم على المنابر بأنّه قد زال ضمان حامد بن العبّاس وحظر على جميع الوجوه والقوّاد والغلمان أن يتضمّنوا بشيء من الأعمال. وكتب حامد إلى عمّاله بالانصراف من الأعمال وتسليمها إلى عمّال عليّ بن عيسى وانخزل حامد بن العبّاس لذلك.

ودخلت سنة ثمان وثلاثمائة

وفيها ورد الخبر من مصر بحركة الفاطمي إليها فأخرج مونس الخادم إليها.

وفيها خلع على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان وقلّد طريق خراسان والدينور وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا.

وفيها ورد رسول أخي صعلوك بالمال والهدايا فخلع عليه.

ودخلت سنة تسع وثلاثمائة

وفيها وردت الكتب وقرأت على المنابر بهزيمة المغربي واستباحة عسكره.

وفيها لقّب مونس: المظفّر، وأنشئت الكتب به عن المقتدر بالله إلى أمراء النواحي وعقد له على مصر والشام.

وفيها دخل رسول صاحب خراسان برأس ليلى بن النعمان الديلمي الذي خرج بطبرستان.

وفيها اشتهر أمر الحلّاج واسمه الحسين بن منصور حتى قتل وأحرق.

ذكر خبر الحسين بن منصور الحلاج وما آل إليه أمره من القتل والمثلة

انتهى إلى حامد بن العبّاس في أيّام وزارته أنّه قد موّه على جماعة من الحشم والحجّاب وعلى غلمان نصر الحاجب وأسبابه وأنّه يحيى الموتى وأنّ الجنّ يخدمونه فيحضرونه ما يشتهيه وأنّه يعمل ما أحبّ من معجزات الأنبياء. وادّعى جماعة أنّ نصرا مال إليه وسعى قوم بالسمرّى وببعض الكتّاب وبرجل هاشميّ أنّه نبي الحلّاج وأنّ الحلّاج إله - عزّ الله وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.

فقبض عليهم وناظرهم حامد فاعترفوا بأنّهم يدعون إليه وأنّه قد صحّ عندهم أنّه إليه يحيى الموتى وكاشفوا الحلّاج بذلك فجحده وكذّبهم وقال:

« أعوذ بالله أن أدّعى الربوبيّة والنبوّة وإنّما أنا رجل أعبد الله عزّ ذكره وأكثر الصوم والصلاة وفعل الخير ولا غير. » واستحضر حامد بن العبّاس أبا عمر القاضي وأبا جعفر ابن البهلول القاضي وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود واستفتاهم في أمره، فذكروا أنّهم لا يفتون في قتله بشيء إلى أن يصحّ عندهم ما يوجب عليه القتل وأنّه لا يجوز قبول قول من ادّعى عليه ما ادّعاه - وإن واجهه - إلّا بدليل وإقرار منه.

فكان أوّل من كشف أمره رجل من البصرة تنصّح فيه وذكر أنّه يعرف أصحابه وأنّهم متفرّقون في البلدان يدعون إليه وأنّه كان ممّن استجاب له ثم تبيّن مخرقته ففارقه وخرج عن جملته وتقرّب إلى الله بكشف أمره.

واجتمع معه على هذه الحال أبو عليّ هارون بن عبد العزيز الأوارجى الكاتب الأنبارى وقد كان عمل كتابا ذكر فيه مخاريق الحلّاج وحيله فيه وهو موجود في أيدى جماعة والحلّاج حينئذ مقيم في دار السلطان موسّع عليه مأذون لمن يدخل إليه وهو عند نصر الحاجب.

وللحلّاج اسمان: أحدهما الحسين بن منصور والآخر محمّد بن أحمد الفارسي، وكان استهوى نصرا وجاز عليه تمويهه وانتشر له ذكر عظيم في الحاشية فبعث به المقتدر إلى عليّ بن عيسى ليناظره فأحضر مجلسه وخاطبه خطابا فيه غلظة فحكى أنّه تقدّم إليه وقال له فيما بينه وبينه:

« قف حيث انتهيت ولا تزد عليه شيئا وإلّا قلبت عليك الأرض. » وكلاما في هذا المعنى. فتهيّب عليّ بن عيسى مناظرته واستعفى منه ونقل حينئذ إلى حامد بن العبّاس.

الحلاج وبنت السمري

وكانت بنت السمرّى صاحب الحلّاج قد أدخلت إلى الحلّاج وأقامت عنده في دار السلطان مدّة وبعث بها إلى حامد ليسألها عمّا وقفت عليه من أخباره وشاهدته من أحواله.

فذكر أبو القاسم بن زنجي أنّه حضر دخول هذه المرأة إلى حامد بن العبّاس وأنّه حضر ذلك المجلس أبو عليّ أحمد بن نصر البازيار من قبل أبي القاسم ابن الحوارى ليسمع ما تحكيه. فسألها حامد عمّا تعرفه من أمر الحلّاج، فذكرت أنّ أباها السمرّى حملها إليه وأنّها لمّا دخلت إليه وهب لها أشياء كثيرة عدّدت أصنافها.

قال أبو القاسم: وهذه المرأة كانت حسنة العبارة عذبة الألفاظ مقبولة الصورة فكان ممّا أخبرت عنه أنّه قال لها:

« قد زوّجتك من سليمان ابني وهو أعزّ أولادى عليّ وهو مقيم بنيسابور وليس يحلو أن يقع بين المرأة والرجل كلام أو تنكر منه حالا من الأحوال وأنت تحصلين عنده وقد وصّيته بك فإن جرى منه شيء تنكرينه فصومي يومك واصعدي آخر النهار إلى السطح وقومي على الرماد والملح الجريش واجعلي فطرك عليهما واستقبليني بوجهك واذكري لي منه ما تنكرينه منه، فإني أسمع وأرى. » قالت: وأصبحت يوما وأنا أنزل من السطح إلى الدار ومعي ابنته وكان قد نزل هو فلمّا صرنا على الدرجة بحيث يرانا ونراه قالت لي ابنته:

« اسجدي له. » فقلت لها:

« أو يسجد أحد لغير الله؟ » قالت: فسمع كلامي لها فقال:

« نعم، إله في السماء وإله في الأرض. » قالت: ودعاني إليه وأدخل يده في كمّه وأخرجها مملوءة مسكا ودفعه إليّ ثم أعادها ثانية إلى كمّه وأخرجها مملوءة مسكا ودفعها إليّ وفعل ذلك مرات ثم قال:

« واجعلي هذا في طيبك فإنّ المرأة إذا حصلت عند الرجل احتاجت إلى الطيب. » قالت: ثم دعاني وهو جالس في بيت على بواري فقال:

« ارفعى جانب البارية من ذلك الموضع وخذي ممّا تحته ما تريدين. » وأومأ إلى زاوية البيت فجئت إليها ورفعت البارية فوجدت تحتها الدنانير مفروشة ملء البيت، فبهرني ما رأيت من ذلك. فأقيمت المرأة وحصلت في دار حامد إلى أن قتل الحلّاج.

الجد في طلب أصحاب الحلاج

وجدّ حامد في طلب أصحاب الحلّاج وأذكى العيون عليهم وحصل في يده منهم حيدرة والسمرّى ومحمّد بن عليّ القنّاى والمعروف بأبي المغيث الهاشمي، واستتر ابن حمّاد وكبس منزله فأخذت منه دفاتر كثيرة وكذلك من منزل محمّد بن عليّ القنّاى فكانت مكتوبة في ورق صينى وبعضها مكتوب بماء الذهب مبطّنة بالديباج والحرير مجلّدة بالأدم الجيّد. ووجد في أسماء أصحابه ابن بشر وشاكر. فسأل حامد من حصل في يده من أصحاب الحلّاج عنهما فذكروا أنّهما داعيان له بخراسان.

قال أبو القاسم بن زنجي: فكتبا في حملهما إلى الحضرة أكثر من عشرين كتابا فلم يرد جواب أكثرها. وقيل فيما أجيب عنه منها: إنّهما يطلبان ومتى حصلا حملا، ولم يحملا إلى هذه الغاية.

وصاياه للدعاة إليه

وكان في الكتب الموجودة له عجائب من مكاتبات أصحابه النافذين إلى النواحي وبوصيته إيّاهم بما يدعون إليه الناس وبما يأمرهم به من نقلهم من حال إلى حال أخرى ومرتبة إلى مرتبة حتى يبلغوا الغاية القصوى وأن يخاطبوا كلّ قوم على حسب عقولهم وأفهامهم وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة لا يعرفها إلّا من كتبها ومن كتبت إليه.

كلام غريب من غلام حامد في الحلاج

وحكى أبو القاسم بن زنجي قال: كنت أنا وأبي يوما بين يدي حامد إذ نهض من مجلسه وخرجنا إلى دار العامّة وجلسنا في رواقها وحضر هارون بن عمران الجهبذ بين يدي أبي ولم يزل يحادثه فهو في ذلك إذ جاء غلام حامد الذي كان موكّلا بالحلّاج وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه فنهض مسرعا ونحن لا ندري ما السبب، فغاب عنّا قليلا ثم عاد وهو متغير اللون جدّا فأنكر أبي ما رأى منه فسأله عن خبره فقال:

« دعاني الغلام الموكّل بالحلّاج فخرجت إليه فأعلمني أنّه دخل إليه ومعه الطبق الذي رسمه أن يقدّم إليه في كلّ يوم فوجده قد ملأ البيت بنفسه فهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه حتى ليس فيه موضع. فهاله ما رأى ورمى بالطبق من يده وعدا مسرعا وأنّ الغلام ارتعد وانتفض وحمّ.

فبينا نحن نتعجب من حديثه إذ خرج إلينا رسول حامد وأذن في الدخول إليه فدخلنا وجرى حديث الغلام فدعا به وسأله عن خبره فإذا هو محموم، وقصّ عليه قصّته فكذّبه وشتمه وقال:

« فزعت من نيرنج الحلّاج - وكلاما في هذا المعنى - لعنك الله اعزب عني. »

كيف حل دم الحلاج

فانصرف الغلام وبقي على حالته من الحمّى مدّة طويلة. ثم وجد حامد كتابا من كتبه فيه:

« إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فلم يمكنه أفرد في بيته بناء مربعا لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يتطرّقه أحد. فإذا حضرت أيّام الحجّ طاف حوله وقضى من المناسك ما يقضى بمكّة، ثم يجمع ثلاثين يتيما ويعمل لهم أسرى ما يمكنه من الطعام ويحضرهم ذلك البيت ويقدّم لهم ذلك الطعام ويتولّى خدمتهم بنفسه، ثم يغسل أيديهم ويكسو كلّ واحد منهم قميصا ويدفع إلى كلّ واحد سبعة دراهم أو ثلاثة دراهم - الشكّ من أبي القاسم بن زنجي - وإنّ ذلك يقوم له مقام الحجّ. » قال: وكان أبي يقرأ هذا الكتاب فلمّا استوفى هذا الفصل التفت أبو عمر القاضي إلى الحلّاج وقال له:

« من أين لك هذا. » قال: « من كتاب الإخلاص للحسن البصري. » قال له أبو عمر:

« كذبت يا حلال الدم. » قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكّة وليس فيه شيء ممّا ذكرت. فكلّما قال له أبو عمر: « يا حلال الدم » قال له حامد:

« أكتب ما قلت. » فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلّاج فلم يدعه حامد يتشاغل وألحّ عليه إلحاحا لم يمكنه معه المخالفة، فكتب بإحلال دمه وكتب بعده من حضر المجلس. فلمّا تبيّن الحلّاج الصورة قال:

« ظهري حمى ودمى حرام وما يحلّ لكم أن تتأوّلوا عليّ بما يبيحه.

اعتقادي الإسلام، ومذهبي السنّة، ولى كتب في الورّاقين موجودة في السنّة، فالله الله في دمى. »

كتاب القوم وجواب المقتدر

ولم يزل يردّد هذا القول والقوم يكتبون خطوطهم حتى كمل الكتاب بخطوط من حضر فأنفذه حامد إلى المقتدر بالله.

فخرج الجواب:

« إذا كان فتوى القضاة فيه بما عرضت فأحضره مجلس الشرطة واضربه ألف سوط، فإن لم يمت فتقدّم بقطع يديه ورجليه، ثم اضرب رقبته وانصب رأسه وأحرق جثّته. » فأحضر حامد صاحب الشرطة وأقرأه التوقيع وتقدّم إليه بتسلّم الحلّاج وإمضاء الأمر فيه. فامتنع من ذلك، وذكر أنّه يتخوّف أن ينتزع من يده.

فوقع الاتفاق على أن يحضر بعد العتمة ومعه جماعة من غلمانه وقوم على بغال يجرون مجرى الساسة ليجعل على بغل منها ويدخل في غمار القوم. وأوصاه بأن لا يسمع كلامه. وقال له:

« لو قال لك: أجرى لك دجلة والفرات ذهبا وفضّة فلا ترفع عنه الضرب حتى تقتله كما أمرت. »

تنفيذ أمر المقتدر في الحلاج

ففعل محمّد بن عبد الصمد صاحب الشرطة ذلك وحمله تلك الليلة على الصورة التي ذكرت وركب غلمان حامد معه حتى أوصلوه إلى الجسر وبات محمّد بن عبد الصمد ورجاله حول المجلس.

فلمّا أصبح يوم الثلاثاء لستّ بقين من ذي القعدة أخرج الحلّاج إلى رحبة المجلس واجتمع من العامّة خلق كثير لا يحصى عددهم وأمر الجلّاد بضربه ألف سوط فضرب وما تأوّه ولا استعفى.

قال: فلمّا بلغ ستمائة سوط قال لمحمّد بن عبد الصمد:

« ادع بي إليك فإنّ عندي نصيحة تعدل عند الخليفة فتح قسطنطينية. » فقال: « قد قيل لي إنّك ستقول هذا وما هو أكثر منه، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. » فسكت حتى ضرب ألف سوط ثم قطعت يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم ضرب عنقه وأحرقت جثّته ونصب رأسه على الجسر، ثم حمل رأسه إلى خراسان.

وادّعى أصحابه أنّ المضروب كان عدوّا للحلّاج ألقى شبهه عليه. وادّعى بعضهم أنّه رآه وخاطبه في هذا المعنى بجهالات لا يكتب مثلها. وأحضر الورّاقون وأحلفوا أن لا يبيعوا شيئا من كتب الحلّاج ولا يشتروها.

ودخلت سنة عشر وثلاثمائة

إطلاق يوسف بن أبي الساج والعقد له على أعمال

وفيها إطلاق يوسف بن أبي الساج بمسألة مونس المظفّر من الحبس وشفاعته ثم حمل إليه مال وكسوة ثم وصل إلى المقتدر بالله وكان ركب في سواد فقبّل البساط ثم يد المقتدر وخلع عليه خلع الرضا وحمل على فرس بمركب ذهب.

ثم جلس المقتدر في دار العامّة بعد أيّام وعقد له على أعمال الصلاة والمعاون والخراج والضياع بالري وقزوين وأبهر وزنجان وأذربيجان وركب معه مونس المظفّر ونصر الحاجب وشفيع ومفلح وجميع من بالحضرة من القوّاد والغلمان وكانت الدار قد شحنت له بالرجال والسلاح واحتشد له.

واستكتب يوسف بن أبي الساج محمّد بن خلف النيرمانى وقوطع عن الأعمال التي تقلّدها على خمسمائة ألف دينار محمولة في كلّ سنة على أنّ عليه القيام بمال الجيش الذي في هذه الأعمال والنفقات الراتبة. وخلع على وصيف البكتمرى وعلى طاهر ويعقوب ابني محمّد بن عمرو بن الليث.

من بعض حوادث السنة

وفيها قلّد نازوك الشرطة ببغداد وخلع عليه وعزل عنها محمّد بن عبد الصمد وخلع عليه وعزل عنها محمّد بن عبد الصمد وخلع على وصيف البكتمرى خلعة أخرى وضمّ إلى يوسف بن أبي الساج وشخص يوسف بن أبي الساج إلى عمله على طريق الموصل، فلمّا وصل إلى أردبيل وجد غلامه سبك قد مات.

وفيها وصل إلى بغداد هدية أبي زنبور الحسين بن أحمد المادرائى من مصر وفيها بغلة معها فلوّ وكان يتبعها ويرتضع منها وغلام طويل اللسان يلحق طرف أرنبته.

وفيها قبض على أمّ موسى القهرمانة وعلى أختها وأخيها

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ أمّ موسى زوّجت بنت أخيها أبي بكر أحمد بن العبّاس من أبي العبّاس بن محمّد بن إسحاق بن المتوكّل على الله، وكان من أولاد الخلفاء النجباء وكانت له نعمة حسنة ظاهرة وكان حسن المروءة واللبسة والدوابّ والمراكب، وكان صديقا لعليّ بن عيسى حتى قيل: إنّه كان يرشّحه للخلافة.

فلمّا وقعت المصاهرة بينه وبين أمّ موسى أسرفت فيما نثرت من المال وفيما أنفقت على دعوات دعت فيها الصغير والكبير من أهل المملكة في بضعة عشر يوما. فتمكّن أعداؤها من السعى عليها ومكّنوا في نفس المقتدر بالله ووالدته السيدة أنّها إنّما صاهرت ابن المتوكّل ليزيلوا المقتدر بالله عن الخلافة وينصبوا فيها ابن المتوكّل.

فتمّت النكبة عليها وسلّمت إلى ثمل القهرمانة مع أختها وأخيها. وكانت ثمل موصوفة بالشر لأنّها كانت قهرمانة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وكان أحمد يسلّم إليها من يسخط عليه من جواريه وخدمه فاشتهرت بالقسوة والسرف في العقوبات.

واستخرجت ثمل منها ومن أختها وأخيها أموالا عظيمة وجواهر نفيسة ومن الثياب والكسوة والفرش والطيب ما يعظم مقداره حتى نصب عليّ بن عيسى لذلك ديوانا وسمّاه: ديوان المقبوضات عن أمّ موسى وأسبابها، أجرى فيها أمر ضياعهم وأملاكهم وقلّده أبا شجاع المعروف بابن أخت أبي أيّوب أبي الوزير وقلّد الزمام عليه أبا عبد الله اليوسفى الكاتب. ويقال: إنّه حصل من جهتهم نحو ألف ألف دينار.

ولمّا قبض على أمّ موسى صرف عليّ بن عيسى ابن أبي البغل عن أعماله بفارس وقلّدها أبا عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي وصادره. ثم لمّا تقلّد ابن الفرات الوزارة الثالثة كتب إلى الكرخي بتجديد مصادرة ابن أبي البغل واعتقاله.

ذكر وفاة محمد بن جرير الطبري

وفيها توفّى محمّد بن جرير الطبري وله نحو تسعين سنة، ودفن ليلا، لأنّ العامّة اجتمعت ومنعت من دفنه نهارا، وادّعت عليه الرفض ثم ادّعت عليه الإلحاد.

وفيها دعا المقتدر مونسا المظفّر فشرب بين يديه وخلع عليه خلع منادمة وكانت مثقلة بالذهب.

ودخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة

وفيها صرف حامد بن العبّاس عن الوزارة وعليّ بن عيسى عن الدواوين.

ذكر صرف حامد بن علي بن عيسى ورد الوزارة إلى ابن الفرات

كانت لذلك أسباب كثيرة منها أنّ حامدا شرع في تضمن عليّ بن عيسى لمّا فسخ ضمانه لتلك الأعمال والبلدان التي ذكرناها وبذل أن يقوم بالأمور ويدبّر الأعمال. وكان الذي حمله على ذلك ما كان يبلغه من عزم المقتدر بالله على تقليد ابن الفرات لمّا كثر ضجيج الحاشية من عليّ بن عيسى لتأخيره عنهم أرزاقهم وأرزاق الحرم والولد، واقتصر بالخدم والحاشية والفرسان على البعض من استحقاقاتهم وحطّ من أرزاق العمّال شهرين في كلّ سنة ومن أرزاق المنفقين وأصحاب الأجناد والبرد والقضاة أربعة أشهر فزادت عداوة الناس له وخشي حامد بن العبّاس من ابن الفرات لمّا سلف منه إليه ولما عامل به ابنه المحسّن وسائر كتّابه وأسبابه.

فأمره المقتدر أن يكتب رقعة بخطّه بما يضمنه ويبذله وبتسمية من يقلّده الدواوين، ففعل حامد ذلك وعرض المقتدر بالله رقعته على ابن الفرات وهو في حبسه وشرح له أمره.

فقال ابن الفرات:

« لو اجتمع مع حامد بن العبّاس الحسن بن مخلد وأحمد بن إسرائيل وسائر من شهر بالكفاية لما كان موضعا لتدبير المملكة ولا لضبط أعمال الدواوين وأنّه إن قلّد ذلك انخرقت الهيبة وزالت الحشمة وإن عليّ بن عيسى على تصرّف أحواله أقوم منه وأعرف بالأعمال والتدبير. » ثم إنّه قال:

« أنا أتضمّن خمسة أضعاف ما ضمنه حامد إن أعاده ومكّنه ممّا يريد. » فوعده المقتدر بذلك. وكان حامد مقيما ببغداد لا يدخل نفسه في شيء من الأمور ولا يزيد على أن يحضر في أيّام المواكب وينصرف. وضجر حامد من مقامه ببغداد لقبح حاله في الذلّ، ولأنّه افتضح بما كان يعامله به عليّ بن عيسى في توقيعاته، وذلك أنّه كان يوقّع إلى كتّاب الوزير حامد وإلى كتّاب الدواوين إذا ذكره بما لا صبر له عليه، وكان يوقّع:

« ليطالب جهبذ الوزير - أسعده الله - بحمل وظيفة واسط ».

« وليكتب إلى الوزير - أسعده الله - بأن يبادر بحمل شعير الكراع ».

وإذا تظلّم إليه متظلّم من أعمال حامد وعمّاله وقّع على ظهر رقعة:

« هذا ممّا ينظر فيه الوزير، أسعده الله. » وذكر عليّ بن عيسى أنّه يحتجّ في ذلك برسم قديم كان للوزراء.

فاستأذن حامد المقتدر في الخروج إلى واسط والمقام بها لينظر في أمور ضمانه بنواحيها فأذن له وخرج.

ومنها ما جرى من أمّ موسى وما ذكرناه من خبرها وما تحدّث به الناس من أمر ابن المتوكّل وأنّ ابن الحوارى دبّر ذلك لميل أمّ موسى إليه وكشفها له أسرار الخلافة.

وكان بعض أسباب ابن الفرات طرح رقعة في دار المقتدر فيها بيت شعر:

يهنيك يهنيك هذا ** يا ديك دار الخليفة

ولم يذكر في الرقعة غير هذا البيت وهي أبيات فاحشة ليست فيها أصلح من هذا البيت، وتعمّد أن جعلت الرقعة في ممرّ الخليفة إلى دار حرمة له.

فقرأ المقتدر الرقعة وقبّحت عنده صورة ابن الحوارى جدّا واعتقد فيه ذلك اليوم استحلال دمه وسفكه ونكبة أمّ موسى، ويظنّ أنّ هذا البيت كان من أوكد أسباب نكتبها ونكبته.

ومنها أنّ مفلحا الأسود كان شديد التحقّق بالمقتدر مثابرا على خدمته ثم عظم أمره حتى أقطع الإقطاعات وملّك الضياع الجليلة ووقعت بينه وبين حامد مماحكة وذكر مفلح حامدا بالقبيح وقال حامد:

« لقد هممت أن أشترى مائة خادم أسود وأسمّى كلّ واحد منهم مفلحا وأهبهم لغلماني. » فحقد مفلح ذلك عليه ووقف على ذلك المحسّن وعلى ما يشبه ذلك، فوجّه إلى كاتب مفلح واجتمع معه وضمن له الأعمال والأموال والولايات حتى عقد حالا بينه وبين مفلح.

تضريب من ابن الفرات عند المقتدر

وكتب المحسّن رقعة إلى المقتدر بالله على يد مفلح يذكر فيها أنّه إن سلم منه حامد وعليّ بن عيسى ونصر الحاجب وشفيع اللؤلؤي وابن الحوارى وأمّ موسى وأخوها والمادرائيون استخرج منهم سبعة آلاف ألف دينار، وكان أبو الحسن ابن الفرات لا يقصّر وهو في الحبس في التضريب على هؤلاء وإطماع المقتدر فيهم.

وكان من طريف ما عمله وعجيبة أن راسل المقتدر يوما على يدي زيدان القهرمانة يلتمس منه قيمة اثنى عشر ألف دينار أو هذا المقدار دنانير بعينها لشيء من أمره، فتذمّم المقتدر مع ما أخذه من أمواله أن يمنعه. فحملها إليه، ثم سأله أن يدخل إليه إذا اجتاز بموضعه ليلقى إليه شيئا لا تحتمله المكاتبة ولا المراسلة، وكان المقتدر كثيرا ما يدخل إليه ويشاوره فدخل إليه.

فلمّا رآه ابن الفرات قام وأخذ الكيس الذي فيه الدنانير، ففتحه وفرّغه بين يديه وقال له:

« يا أمير المؤمنين قد عرّفتك أن أموالك تنتهب وتضيّع وتقضى بها الذمامات. ما تقول في رجل واحد يرتزق في كلّ شهر من شهور الأهلّة هذا المقدار من مالك وهو اثنا عشر ألف دينار؟ » فاستعظم المقتدر ذلك واستهوله وقال:

« ويحك، من هذا الرجل؟ » قال له: « عليّ بن محمّد ابن الحوارى، وهذا سوى ما يصل إليه من المنافع لمكانه منك وموضعه من الإختصاص بك، وسوى ارتفاع ضياعه وسوى المرافق التي تصل إليه من الأعمال التي يتولّاها وسوى وسوى. » وردّ الدنانير إلى المقتدر بالله وقال:

« إنّما أردت أن تشاهد ما يصنع بك وتراه بعينك فليس الخبر كالمعاينة. » فقام المقتدر بالله وقد عظم عنده أمر ما يجرى واعتقد لابن الحوارى غاية المكروه.

خرج المحبوس وزيرا

فلمّا اجتمعت هذه الأسباب قوى عزم المقتدر على ردّ الوزارة إلى ابن الفرات. فلمّا كان يوم الخميس لتسع بقين من شهر ربيع الآخر وقد انحدر عليّ بن عيسى إلى دار السلطان قبض عليه وحبس عند زيدان القهرمانة في الحجرة التي كان فيها ابن الفرات، فأخرج منها ابن الفرات ليقلّد الوزارة.

ابن الفرات يتحدث في أيام وزارته الثانية

قال أبو محمّد عليّ بن هشام: كنت حاضرا مع أبي مجلس أبي الحسن ابن الفرات فسمعته يتحدّث في وزارته الثانية قال:

« دخل إليّ أبو الهيثم العبّاس بن محمّد بن ثوابة الأنبارى في محبسى من دار المقتدر بالله فطالبني أن أكتب خطّى بثلاثة عشر ألف ألف دينار. » فقلت: « ما جرى قدر هذا على يدي للسلطان في طول ولايتي فكيف أصادر على مثله؟ » فقال: « إني حلفت بالطلاق أن تكتب خطّك بذلك. » فكتبت بثلاثة عشر ألف ألف من غير أن أذكر ما هي أو ضمانا فيها.

فقال:

« فاكتب دينارا لتبرّئنى من يميني. » فلمّا كتبت دينارا ضربت عليه وأكلت الرقعة وقلت:

« قد برئت عن يمينك ولا سبيل لك إلى غير هذا. » فاجتهد جهده فلم أجبه إلى شيء، فلمّا كان من الغد دخل إلى الحبس ومعه أمّ موسى فطالب بذلك وأسرف في سبّى وشتمي ورمانى بالزنا، فحلفت بالطلاق والعتاق والأيمان المغلظة أنّى ما دخلت في شيء من محظور هذا الجنس منذ نيّف وثلاثين سنة وسمته أن يحلف بمثل ذلك إنّ غلامه القائم على رأسه لم يأته في ليلته تلك. فأنكرت أمّ موسى هذه الحال وغطّت وجهها حياء منه.

فقال لها ابن ثوابة:

« هذا إنّما تبطره الأموال التي وراءه، ومثله في ذلك مثل المزيّن مع كسرى والحجّام مع الحجّاج بن يوسف، فاستأمري السادة في إنزال المكروه به حتى يذعن بالأموال. »

قال أبو الحسن: يعنى بالسادة المقتدر ووالدته وخالته وخاطف ودستنبويه أمّ ولد المقتدر لأنّهم إذ ذاك يدبّرون الأمر معا لحداثة المقتدر.

قال ابن الفرات: فمضت أمّ موسى ثم عادت فقالت لابن ثوابة:

« يقولون لك قد صدقت ويدك مطلقة فيه وكنت في حجرة ضيّقة وحرّ شديد فأمر بكشف البواري حتى صرت في الشمس ونحّى الحصير من تحتي وأغلقت أبواب البيوت حتى حصلت في الشمس ثم قيّدنى بقيد ثقيل وألبسنى جبّة صوف قد نقّعت في ماء الأكارع وغلّنى بغلّ وأقفل باب الحجرة وانصرف فأشرفت على التلف. فلمّا مضت نحو أربع ساعات إذا صوت غلمان مجتازين في الممرّ الذي في الحجرة التي أنا فيها محبوس. » فقال لي الخدم الموكّلون:

« هذا بدر الخادم الحرمي وهو لك صنيعة. » فاستغثت به فصحت:

« يا أبا الخير، الله الله فيّ، لك مكان من السادة ولى عليك حقوق، وقد ترى حالي والموت أسهل عليّ ممّا أنا فيه.

فخاطب السيّدة وذكّرهم حرمتي وخدمتي في تثبيت دولهم إذ خذلهم الناس وافتتاحى البلدان والمنغلقة وإثارتى الأموال المنكسرة فإن كان ذنبي يوجب القتل فالموت أروح. » فرجع إليهم فخاطبهم ورقّقهم ولم يبرح حتى حلّ الحديد كلّه عني ثم أذنوا في إدخالى الحمّام وأخذ شعري وتغيير لباسى وتسليمي إلى زيدان وترفيهى فجاءني مبشّرا بذلك فلم يبرح حتى فعل جميع ذلك وقال:

« يقولون لك: لن ترى بعدها بؤسا. »

ذكر الخبر عن وزارة أبي الحسن ابن الفرات الثالثة

وتقلّد أبو الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات الوزارة الثالثة في ذلك اليوم وخلع عليه واستدعى المقتدر بالله المحسّن ابنه من منزله بسوق العطش فخلع عليه مع أبيه ولم يوصل المقتدر بالله إليه في ذلك اليوم أبا القاسم ابن الحوارى وظهر أولاد ابن الفرات وأسبابه واستتر بعض أسباب حامد وقبض المحسّن في طريقه على جماعة من أسباب حامد.

وكان أبو عليّ ابن مقلة يتقلّد لعليّ بن عيسى زمام السواد طول أيّام وزارة حامد، فلمّا تقلّد ابن الفرات هذه الوزارة تجلّد ولم يستتر وصار إليه وظهر من إعراض ابن الفرات عنه ما غضّ منه ولم يقبض عليه للمودّة التي بينه وبين ابن الحوارى فلمّا قبض بعد ذلك على ابن الحوارى قبض عليه.

وانتقل ابن الفرات إلى داره الأولى التي بالمخرّم وركب إليه ابن الحوارى ليهنّئه فأطال عنده وآنسه ابن الفرات وشاوره وخلا به فتحقّق به وأظهر السرور بولايته مع ما يبطنه من الخوف الشديد منه.

وكان أسباب أبي القاسم ابن الحوارى قد أشاروا عليه بالاستتار وقالوا له:

« إنّ المقتدر بالله لم يأذن لك عند تقليده ابن الفرات مع علمه بالعداوة بينكما إلّا لسوء رأيه فيك. » فقال ابن الحوارى:

« لو كان كذلك لقبض عليّ قبل تقليد ابن الفرات. » فلمّا كان يوم الاثنين ركب ابن الفرات وركب ابن الحوارى إلى دار السلطان فأذن لابن الفرات ولم يؤذن لابن الحوارى فاستوحش ابن الحوارى.

ثم صرف الأمر إلى ابن الفرات وقد كان شرط على ابن الفرات أن يجريه على رسمه في وزارته الثانية، فإنّه لم يكن يصل مع ابن الحوارى ظاهرا وإنّما كان يصل سرّا. فلمّا خرج ابن الفرات من عند المقتدر بالله وانفرد دخل إليه ابن الحوارى فأقبل عليه وشاوره في جميع أموره وقال:

« قد غبت عن مجاري الأمور منذ خمس سنين وأنت عارف بها وأريد أن تعاضدنى وتستعمل ما يلزمك بحقّ المودّة. » فتلقّى ابن الحوارى قوله بالشكر وإظهار المناصحة وأنشأ ابن الفرات معه حديثا طويلا ونهض قبل أن يستتمّه ونزل إلى طيّاره وأنزل معه ابن الحوارى وأحمد بن نصر البازيار ابن أخيه ومحمّد بن عيسى صهره وعليّ بن مأمون الإسكافي كاتبه وعليّ بن خلف النيرمانى.

وكان أخوه محمّد بن خلف مصاهرا له وأظهر لجماعتهم الإكرام والإختصاص وما زال يضاحكهم إلى أن حصل في داره. ثم أسرّ إلى العبّاس الفرغاني حاجبه بأن يقبض على ابن الحوارى وجميع أسبابه، فقبض عليهم واعتقلهم في حجرة الدار واستحضر ابن الفرات في الوقت شفيعا اللؤلؤي فأنفذه إلى دار ابن الحوارى ليحفظها من النهب وضمّ إليه جماعة من الفرسان والرجّالة وأمر بمعاملته بالجميل في مطعمه ومشربه وأفردت له دار واسعة وفرشت بفرش نظيف وأفرده عن كتّابه ومن يأنس به وراسله ابن الفرات في المصادرة وتوسّط ابن قرابة بينهما.

وكان ابن قرابة متحقّقا بابن الفرات وشديد الأنس بابن الحوارى، فتقرّرت مصادرته بعد خطاب كثير على سبعمائة ألف دينار في نفسه دون كتّابه وأسبابه واشترط إطلاق أحمد بن نصر البازيار لينصرف في أداء مال التعجيل وهو مائتان وخمسون ألف دينار فأطلق وأزيل التوكيل عن دار ابن الحوارى وأسبابه وسلّم جميعها إلى أحمد بن نصر.

وأمر ابن الفرات بكبس مواضع فيها أسباب حامد وكتّابه فأثارهم، وكان المحسّن يسرف في المكروه الذي يوقعه بمن يحصل في يده منهم حتى إنّه أحضر ابن حمّاد الموصلي وأخذ خطّه بمائتي ألف دينار وسلّمه إلى مستخرجه، فصفعه المستخرج صفعا عظيما فلم يرض المحسّن ذلك وأخرجه إلى حضرته وصفعه على رأسه حتى خرج الدم من أنفه وفمه ومات ولم ينكره المقتدر وقد كان أشفق المحسّن من إنكاره وخافه خوفا شديدا.

فلمّا كان بعد أيّام أنفذ المقتدر إلى المحسّن خلع منادمته وأجرى عليه من الرزق كلّ شهر ألفى دينار زيادة على رزق الدواوين، فضرى المحسّن على مكاره الناس وأسرف المقتدر في استصابة أفعاله إلى أن بلغ الأمر فيه إلى أن غنّى الجواري بحضرته:

أحسن المحسِّن أحسن وكان استتر أبو الحسين محمّد بن أحمد بن بسطام صهر حامد بن العبّاس فاستخرجه واستخرج منه ستين ألف دينار وأخذ خطّه بمائتي ألف دينار بعد مكروه غليظ وغضبه على خادم يعرف بموج كان مشهورا بالميل إليه وقبض على جماعة فأخذ خدمهم وغلمانهم الروقة وأوقع بهم المكاره.

ذكر الخبر عن قبض الوزير ابن الفرات على حامد بن العباس

كان المقتدر قد شرط على ابن الفرات أن لا ينكب حامدا وأن يناظره على ما يجب عليه من فضل الضمان فإذا وجب عليه شيء بقول الكتّاب والقضاة أخذ بعضه وقال:

« قد خدمني ولم يأخذ مني إلّا رزق سنة واحدة وشرط عليّ أن لا أسلمه لمكروه ولا أدع عليه حقّا. » فاضطرّ ابن الفرات إلى إقراره على أعمال واسط وخاطبه بأجلّ دعاء، ثم عمل له الأعمال واستقصى عليه الحجّة وخرّج عليه أموالا عظيمة وكاتب أصحابه بمطالبته والإلحاح عليه فإن تقاعد بها وكّل به من يطالبه بالمال الواجب عليه للمصالح والبذور إذ كان ممّا لا سبيل إلى تأخيره، فإنّ أمير المؤمنين ليس يأذن في تضمينه مستأنفا.

فأظهر صاحب الوزير ابن الفرات هذا الكتاب في مجلسه وبلغ حامدا الخبر في الوقت فأظهر بواسط أن كتاب المقتدر ورد عليه يأمر فيه بالمسير إلى بغداد وخرج من واسط مع جميع كتّابه وحاشيته ورجّالته وحمل معه من الفرش والآلات والكسوة جميع ما كان يخدم به بعد أن احتاط في أمواله وأمتعته الفاخرة وأودعها عند ثقاته بواسط وضرب عند خروجه بالبوقات وأجلس غلمانه وحاشيته بأسرهم في الزواريق والسميريّات وبادر بخبره على أيدى الفيوج وعلى أجنحة الطير إلى ابن الفرات وقاد دوابّه ودوابّ حاشيته. وأصحابه على الشطّ فوصل خبره إلى ابن الفرات فاستشار ابنه المحسّن ومن يختصّه فيما يعمل به فأشاروا عليه بأن يبادر إلى المقتدر ويقرئه كتاب حامد ففعل ذلك.

وقال المقتدر:

« ما وقفت على ما عمله حامد ولا كتبت بشيء ممّا ادّعاه عليّ. » فقال ابن الفرات:

« فإن كان كذلك فالصواب أن ينفذ نازوك في جمع من الغلمان الحجريّة والفرسان والرجّالة بعضهم في الماء وبعضهم في الظهر حتى يقبض على حامد وأسبابه. » فأذن له في ذلك فانصرف ابن الفرات إلى داره وأنفذ نازوك وتقدّم إليه بالمبادرة حتى يقبض على حامد وعلى أسبابه حتى لا يفوته أحد منهم.

فسار نازوك وأخطأ بأن قبض على أوّل من لقيه من أسباب حامد وعلى دوابّه وغلمانه وبلغ حامدا خبره فاستتر من الطريق ونهب أسباب نازوك بعض ما كان مع القوم من الأمتعة واستظهر نازوك على الكتب والحسبانات والأعمال وصار بالجميع إلى الحضرة.

فأمر المقتدر بتسليم جميع الكتب والأعمال إلى ابن الفرات وفرّق الأمتعة في خزائنه والدوابّ في اصطبلاته، ووجد ابن الفرات في الكتب المحمولة إليه عجائب من كتب من تقرّب إليهم فقبض عليهم، وكان حين ورد كتاب حامد بالمسير من واسط واستظهر بالتوكيل بجهبذه إبراهيم الذي كان بالحضرة.

فلمّا تمّ قبض نازوك على أسباب حامد أمر ابن الفرات هشاما بالرفق بهذا الجهبذ مرّة وبالغلظة أخرى ويسأل عن ودائع حامد، ففعل هشام به ذلك فأقرّ عفوا أنّ لحامد عنده مائة ألف دينار عينا ثم حلف على أنّه ليس عنده لحامد ولا لأحد من أسبابه وديعة غيرها. فآمنه ابن الفرات على نفسه وأن لا يسلّمه إلى المحسّن ولم يطلع ابن الفرات المقتدر بالله على خبر هذه المائة الألف إلّا بعد أن تسلّم حامدا.

وانتشر الخبر في رجب أنّ حامدا إنّما استتر لأنّ المقتدر كتب إليه ينكر خروجه من واسط على تلك الحال التي خرج عليها ويأمره أن يستتر ويوافى بغداد حتى يتوثّق منه ويأخذ خطّه بما بذل أن يضمن به ابن الفرات والمحسّن وكتّابهما وأسبابهما ليسلّم الجماعة إليه فاستتر المحسّن والفضل والحسين والحسن أولاد أبي الحسن ابن الفرات وحرمهم وأكثر الكتّاب ولم يبق في دار ابن الفرات من كتّابه الذين يحضرون مجلسه إلّا أبو القاسم ابن زنجي وحده.

وكانت مدّة سعادة حامد قد انقضت فصار إلى دار السلطان في زيّ الرهبان ومعه يونس خادمه وصعد إلى دار الحجبة التي فيها نصر الحاجب فاستأذن له فارس بن رنداق على نصر وقال:

« حامد بن العبّاس قد حضر الباب وهو يستأذن على الأستاذ. » فقال:

« قل له يدخل. »

فلمّا دخل قال له قبل أن يجلس:

« إلى أين جئت؟ » قال: « جئت بكتابك. » فقال له:

« فإلى هاهنا كتبت إليك أن تجيء. » ولم يقم له، واعتذر إليه أنّه تحت سخط الخليفة، ووجّه نصر إلى مفلح يسأله الخروج إليه، وكان مفلح يتولّى الاستئذان على المقتدر إذا كان عند حرمه. فخرج مفلح وكلّمه نصر في أمر حامد وقال له:

« هو في هذا الوقت في حال رحمة ومثلك من استعمل معه الجميل ولم يؤاخذه بما كان منه في تلك الأمور. » ثم قال حامد لمفلح:

« تقول لمولانا أمير المؤمنين عني، بأنّى أرضى أن أكون معتقلا في دار أمير المؤمنين كما اعتقل فيها عليّ بن عيسى ويناظرني الوزير والمحسّن والكتّاب بحضرة الفقهاء والقضاء ووجوه القوّاد، فإن وجب عليّ مال خرجت منه بعد أن أكون مالكا لاستيفاء حججي ومحروسا في نفسي ولم يمكّن المحسّن من دمى فيجازينى على المكاره التي كنت أوقعها به في طاعة مولانا أمير المؤمنين وهو شابّ وأنا شيخ قد بلغت هذه السنّ العالية واليسير من المكروه يتلفنى. » فوعده مفلح بذلك ودخل على المقتدر بالله فخاطبه في أمره بضدّ ما وعده به، فتكلّمت السيّدة في أمر حامد وقالت:

« لا يضرّ أن يعتقل في الدار ويناظر حتى تحرس نفسه. »

فقال مفلح:

« إن فعل هذا لم يتمّ لابن الفرات عمل، لأنّ الأراجيف قد كثرت به وخربت الدنيا وبطلت الأموال. » فقال المقتدر لمفلح:

« صدقت. » وأمره أن يخرج إلى نصر فيأمره أن ينفذ حامدا إلى ابن الفرات. فخرج مفلح إلى نصر بذلك فأخذ نصر يطيّب نفس حامد بأن يقول:

« لا بدّ من أن تصير إلى حضرة الوزير مع ثقة لي ثم أردّك إلى دار أمير المؤمنين. » فالتمس حامد من نصر ثيابا يغيّر بها ما عليه من زيّ الرهبان، فامتنع مفلح من الإذن له في ذلك وقال:

« قد أمرنى مولاي أن أوجّه به في الزيّ الذي حضر فيه. » فما زال نصر يشفع له حتى أذن له في تغيير زيّه وأنفذه مع ابن رنداق الحاجب وبادر مفلح بإنفاذ كاتبه إلى ابن الفرات يبشّره بحصول حامد وما أمر به المقتدر من تسليمه إليه.

وكان ابن الفرات على قلق وانزعاج لمّا وقف على حصول حامد في دار السلطان واستتر كتّابه وأولاده كلّهم. فلمّا جاءته رسالة مفلح سكن بعض السكون وصلّى الظهر وجلس وليس بين يديه غير ابن زنجي وهو ينظر في العمل نظرا خفيفا إلى أن ذكر بعض الغلمان أنّ طيّارا من طيّارات الخدمة قد أقبل، ثم قدّم عند درجة داره وبادر البوّابون بخبره ودخل ابن الرنداق ومعه حامد بن العبّاس فلمّا رآه ابن الفرات قال له:

« لم تركت عملك وجئت؟ » قال: « بكتابك جئت. »

قال: « فلم لم تقصد دارى إن كنت جئت بكتابي؟ » قال: « حرمت التوفيق. » ولم يزل يخاطبه بالكاف من غير ذكر الوزارة. وأخرج ابن الرنداق رقعة نصر الحاجب إلى الوزير بإنفاذ حامد إليه فألقاها إلى ابن زنجي وقال:

« اكتب بوصوله. » فكتب وسلّم الجواب إلى ابن رنداق فنهض من المجلس. فلمّا انصرف ضعفت نفس حامد وأقبل يخاطب ابن الفرات بالوزارة ولان كلامه وبان فيه الخضوع.

وأمر ابن الفرات يحيى بن عبد الله قهرمان داره بأن يفرد لحامد دارا واسعة في داره، ويفرشها فرشا حسنا ويتفقّده في طعامه وشرابه وطيبه، حتى يخدم بمثل ما كان يخدم به وهو وزير، وأن يقطع له كسوة فاخرة ويجعل معه لخدمته إذا كان خاليا خادمين أسودين أعجميين، وأمره أن يؤنسه عند الأكل وأن يخدمه في تلك الحال من الخدم والفرّاشين من يوثق به. ففعل يحيى ذلك.

ذكر ما عومل به حامد وما عمله هو

دخل إلى حامد وقت العصر من ذلك اليوم عبد الله بن فرجويه وأحمد بن الحجّاج بن مخلد صهر موسى بن خلف وقد كان حامد استعمل معهما في أيّام وزارته من المكاره ما لم يسمع بمثله قطّ. فوبّخاه على ما فعل بهما فجحد أن يكون رآهما أو وقع بصره عليهما. فلمّا أكثرا عليه قال لهما:

« قد أكثرتما عليّ، وأنا أجمل القول لكما. إن كان ما استعملته من الأحوال التي تصفان وما عاملت الناس به قد أثمر لي خيرا فاستعملا مثله وزيدا عليه، وإن كان قبيحا وهو الذي أصارونى إلى أن تمكّنتم مني فتجنّبوه.

فإن السعيد من وعظ بغيره. » فذهبا وأعادا ذلك على ابن الفرات فاسترجح حامدا وقال:

« ما أدفع رجلته ولا أنكر دربته ولكنّه رجل من أهل النار يقدم على الدماء ومكاره الناس. » قال ثابت في كتابه في التاريخ: ومن أعجب العجب أن يقول أبو الحسن ابن الفرات هذا القول ويصدّق قول حامد ويستجيده ويقول إنّه بأفعاله القبيحة من أهل النار وهو لا ينكر مع كرم طبعه وجلالة قدره وسلامة أخلاقه وإيثاره الإحسان إلى كلّ أحد على المحسّن ابنه طرائقه المنكرة وأفعاله العظيمة التي أنكرها على حامد بن العبّاس وقد زاد عليها للواحد واحدا ولا ينهاه ولا يعظه بما لحق حامدا فيرجع ويكون السعيد الذي وعظ بغيره فإنّ من يقدم على الله تعالى على بصيرة وبعد التنبيه والتذكير خلاف من يقدم وهو مغترّ غافل.

ثم راسل ابن الفرات حامد بن العبّاس في الإقرار بماله بمائتي ألف دينار منها المائة التي كانت له عند إبراهيم جهبذه، لأنّه قد كان وقف على حصول هذا المال من جهة الجهبذ في يد ابن الفرات.

وأخذ المحسّن شيئا آخر من جهة مونس خادمه إلى حضرة المقتدر بالله، وكتب إليه أنّه أخذ ذلك عفوا بغير مناظرة ولا مكروه وأطمع المقتدر من جهة حامد في أموال كثيرة واستخرج من مونس بعد ذلك بعد مكروه كثير أربعين ألف دينار وصودر جماعة من حاشيته بأموال أخر.

واستحضر ابن الفرات حامد بن العبّاس بحضرة الفقهاء والقضاة والكتّاب وناظره مناظرة طالت واستوفى حامد حججه إلى أن أخرج ابن الفرات عملا وجده في صناديق غريب غلام حامد. وكان هذا الغلام يتولّى لحامد بيع غلّاته في الفرضة، فواقف حامدا عليه وأحضر غريبا فاعترف بذلك العمل وكان حمله سهوا منه، لأنّ حامدا كان في كلّ سنة يجمع جميع حسباناته ويغرّقها في دجلة.

فلمّا جرى المقدار على حامد بما جرى أنسى أن يطلب من هذا الغلام هذا العمل وكان في جملة الظهور. فكان ما ثبت في ذلك العمل من أثمان الغلّات لسنة واحدة خمسمائة ألف دينار ونيّفا وأربعين ألف دينار سوى شعير الكراع المحمول إلى الحضرة.

فبان أنّ في الضمان من الفضل أكثر من الضعف وظهر أيضا أنّ أسعار تلك السنة الثانية في العمل أسعار مناقصة وأنّ أسعار السنين التي بعدها بأسرها أزيد، واتّجهت حجّة ابن الفرات على حامد وأخذ ابن الفرات خطوط القضاة والكتّاب وشفيع اللؤلؤي بما ظهر من الحجّة على حامد.

وكان ابن الفرات يرفق في المناظرة ولا يسمعه ولا يخرق به ولا يزيد على إيجاب الحجّة عليه ويدعه حتى يستوفى منه لنفسه الحجّة.

وكان المحسّن ابنه يشتمه بحضرة الناس أقبح شتم ويقول:

« ليس يخرج المال منك إلّا مثل المكاره التي كنت تجريها على الناس. »

ويقول: « إني أعطى خطّى إن سلّم مني أن أستخرج منه ألفي ألف دينار معجّلة ويبذل دمه إن لم يف بذلك. » ويستكفّه أبوه وينهاه عن الشتم فلا ينتهى. فقال حامد:

« أيّها الوزير قد أكثر من شتمي واحتملته وليس الاحتمال له وإنّما أكرم مجلس الوزير وليس بعد الحال التي أنا فيها شيء يخاف أعظم من القتل فلو لا ما يلزمني من توقير مجلس الوزير لرددت عليه. » فحلف أبو الحسن لئن عاد المحسّن لشتم حامد ليستعفينّ الخليفة من مناظرته. فحينئذ أمسك عن الشتم ثم أعاده إلى المناظرة مرّات وكان يحصل في آخره أنّه لا مال له وكان قد باع ضياعه ومستغلاته وفرشه وداره ولم يبق له حيلة.

فلمّا أعيت ابن الفرات الحيلة فيه خلا به في داره من دور حرمه من حيث لم يحضر معهما أحد من خلق الله ورفق به وحلف له على أنّه إن صدقه عن أمواله وذخائره لم يسلّمه إلى المحسّن ولم يخرجه عن داره وحفظ نفسه. فإمّا أقام في داره مكرما وإمّا خرج إلى فارس متقلّدا لها أو إلى أيّ بلد أحبّ مع خادم من خدم السلطان يحفظ نفسه، ووكّد اليمين على ذلك. ثم قال له:

« أنت تعلم أنّك ضمنتنى من أمير المؤمنين لأسلّم إليك فافتديت نفسي بسبعمائة ألف دينار وأقررت بها عفوا من مالي حتى سلمت منك وأنت فقد تناسيت كلّ جميل فعلته وفعله أخي بك، والخليفة الآن مقيم على أن يسلّمك إلى المحسّن وهو حدث وقد أسلفته من المكاره ما لم يستعمله أحد مع وزير ولا مع ولد وزير، وأنا أرى لك أن تفتدى نفسك بمالك حتى تلحقك الصيانة من التسليم إلى المحسّن. » ووكّد له الأيمان.

فعند ذلك ركن حامد إلى قوله ويمينه وأقرّ له من الدفائن في البلاليع احتفرها وتولّى هو بنفسه دفن المال فيها بخمسمائة ألف دينار، وأقرّ بأنّ له عند جماعة من الوجوه والشهود نحو ثلاثمائة ألف دينار وأقرّ بأنّ له كسوة وطيبا مودعة بواسط.

فأخذ ابن الفرات خطّه بذلك وبادر بالركوب إلى المقتدر من غير أن يحضر معه المحسّن ولا عرّفه شيئا من الخبر.

فسرّ المقتدر بذلك ووعده أن يسلّم إليه كلّ من ضمنه من نصر الحاجب وشفيع اللؤلؤي وغيرهما وأشار ابن الفرات بإنفاذ شفيع لتسلّم هذا المال بواسط. فخرج شفيع فوجد تلك الأموال المدفونة واستخرج تلك الودائع وصار بها إلى المقتدر بالله.

وما زال حامد في دار ابن الفرات مصونا إلى أن توصّل المحسّن إلى المقتدر بالله على يد مفلح، فالتمس منه أن يوقّع إلى أبيه بأن يستخلفه على سائر الدواوين وجميع أمر المملكة. فتردّد مفلح برسائل من المقتدر بالله إلى أبي الحسن ابن الفرات وتنكّر ابن الفرات لابنه وجرت فيه ألوان مناظرات إلى أن خلع على المحسّن وركب معه أبوه والقوّاد ثم انصرف أبوه إلى داره ومضى المحسّن إلى داره.

ثم ركب المحسّن مع أبيه إلى دار السلطان وخاطب الخليفة بحضرة أبيه وقال:

« قد بقيت على حامد جملة وافرة من مال مصادرته، وإن سلّم إليّ استخرجت منه خمسمائة ألف دينار. » فأمر المقتدر أبا الحسن بتسليمه إليه. فقال ابن الفرات:

« قد عاهدته أن لا أسلّمه إليه. » فراجع المحسّن المقتدر إلى أن أمر المقتدر أمرا لم يمكن أبا الحسن مخالفته فيه. فسلّمه إليه وحمله المحسّن إلى داره وطالبه وأوقع به مكروها وأقام حامد على أنّه لم يبق له مال ولا حال، فأمر بصفعه فصفع خمسين صفعة وسقط كالمغشى عليه وما زال يصفع إلى أن تكلّم وقال:

« أيّ شيء تريد مني؟ » قال: « أريد المال. » قال: « ما بقي غير ضيعتي. » قال: « فاكتب بوكالة لابن مكرم - وكان أحمد بن كامل القاضي حاضرا - تقرّ فيها أنّك قد وكّلته في بيعها. » فكتب ذلك ووقعت الشهادة على حامد.

ثم إنّ المحسّن عامله بعد ذلك بمعاملة تجرى مجرى السخف من إذلاله والوضع منه. ثم سلّمه إلى خادم له مع خمسة من الفرسان وعشرة من الرجّالة ليحدروا به إلى واسط، ويبيع ضياعه وأملاكه.

وشاع ببغداد أنّ حامدا طلب ليلة انحداره بيضا فحمل إليه وتحسّى منه وقت إفطاره عشر بيضات، وأنّ خادم المحسّن الموكّل به طرح فيه سمّا فما استقرّ في جوفه حتى صاح ولحقه ذرب عظيم ودخل واسط وهو لمآبه.

فسلّمه الخادم إلى محمّد بن عليّ البزوفري وجعله في داره وبادر الخادم بالانصراف، وقام حامد أكثر من مائة مجلس ولم يتغذّ إلّا بسويق السّلت.

وأراد البزوفري الاستظهار لنفسه فاستحضر القاضي والشهود بواسط وكتب كتابا يقول فيه:

« إنّ حامدا وصل إلى واسط وتسلّمه البزوفري وهو عليل من ذرب شديد لحقه في طريقه بين بغداد وواسط وإنّه إن تلف من ذلك الذرب فإنّما مات حتف أنفه، ولا صنع للبزوفرى في شيء من أمره. » ووجّه بالكتاب إلى حامد فأظهر له حامد الاستجابة إلى الإشهاد على نفسه بما فيه. فلمّا دخل إليه القاضي والشهود قال لهم:

« ابن الفرات الكافر الفاجر المجاهر بالرفض عاهدني وحلف لي بأيمان البيعة والطلاق، على أنّى إن أقررت بجميع أموالى لم يسلّمنى إلى ابنه المحسّن وصانني عن كلّ مكروه وأطلقنى إلى منزلي وولّانى أجلّ الأعمال، فلمّا أقررت له بجميع ما ملكته سلّمنى إلى ابنه المحسّن فعذّبنى بأصناف العذاب وأخرجنى مع فلان الخادم واحتال عليّ وسقاني بيضا وطرح فيه سمّا فلحقني الذرب ولا صنع للبزوفرى في دمى في هذا الوقت، ولكنّه فعل وصنع. ثم أخذ قطعة من أموالى وأمتعتى وجعل يحشوها في المساور البزيون المخلقة فتباع المسورة بخمسة دراهم وفيها أمتعة تساوى ثلاثة آلاف دينار فيشتريها هو فاشهدوا على ما شرحته لكم. » وتبيّن البزوفري حينئذ أنّه أخطأ فيما فعله.

وكتب صاحب الخبر بواسط إلى ابن الفرات بجميع ما تكلّم به حامد.

وتوفّى حامد بن العبّاس ليلة الثالثة عشر من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.

ما جرى في أمر علي بن عيسى وتسليمه إلى ابن الفرات

لمّا قبض المقتدر على عليّ بن عيسى وجعله في يد زيدان القهرمانة، راسله بأن يقرّ بأمواله. فكتب رقعة يقول فيها: إنّه لا يقدر على أكثر من ثلاثة آلاف دينار.

واتفق أن ورد الخبر بدخول أبي طاهر سليمان بن الحسن الجنّابى إلى البصرة سحر يوم الاثنين لخمس بقين من شهر ربيع الآخر في ألف وسبعمائة راجل، وأنّه وصل إليها بسلاليم نصبها بالليل على سورها وصعد إلى أعلى السور، ثم نزل إلى البلد وقتل البوّابين الذين على أبواب السور وفتح الأبواب وطرح بين كلّ مصراعين منها حصى ورملا كان معه على الجمال لئلا يمكن إغلاق الباب عليه، وأنّه لم يعرف سبك المفلحى والى البصرة إلّا في سحر يوم الاثنين ولم يعلم أنّه ابن أبي سعيد الجنّابى، وقدّر أنّهم أعراب. فركب مغترّا ولقيه وجرت بينهم حرب شديدة وقتل سبك ووضع أبو طاهر في أهل البصرة السيف وأحرق المربد وبعض المسجد الجامع ومسجد قبر طلحة ولم يعرض للقبر.

وهرب الناس إلى الكلّاء، فكانوا يحاربونهم عدّة أيّام ثم أخذهم السيف فطرحوا أنفسهم في الماء فغرق أكثرهم. وأقام أبو طاهر بالبصرة سبعة عشر يوما ويحمل على جماله كلّ ما يقدر عليه من الأمتعة والنساء والصبيان، ثم انصرف إلى بلده فأنفذ إلى ابن الفرات في الوقت الذي ورد فيه خبر القرمطي بنيّ بن نفيس وجعفرا الزّرنجى إلى البصرة وقلّد محمّد بن عبد الله الفارقي أعمال المعاون بالبصرة وخلع عليه وانحدر في الطيّارات والشذاءات. وورد الخبر بوصوله إليها بعد انصراف أبي طاهر الجنّابى عنها فأقام فيها الفارقي رجاله وانصرف بنيّ والزّرنجى.

وكان بنيّ بن نفيس أنفذ جماعة من القرامطة إلى بغداد ذكر أنّهم استأمنوا إليه وأنّهم زعموا أنّ عليّ بن عيسى كاتبهم بالمصير إلى البصرة وأنّه وجّه إليهم في عدّة أوقات بهدايا وسلاح فوافوا بغداد وأنهى ابن الفرات الحال في ذلك إلى المقتدر بالله.

ذكر مناظرة ابن الفرات علي بن عيسى

وعرض الكتاب بعينه عليه فأمره المقتدر بإخراج عليّ بن عيسى إليه ليناظره، والجمع بينه وبين القرامطة حتى يواجهوه بما قالوا فيه، ففعل ابن الفرات فاحتجّ عليّ بن عيسى بأن قال:

« إنّه من كان في مثل حالتي وتحت سخط السلطان كاشفه الناس بالكذب والباطل لا سيّما إذا كان الوزير منحرفا ومغتاظا. » ثم أخذ ابن الفرات يخاطبه في أمر الأعمال وكان فيما ناظره عليه أمر المادرائيين وقال:

« قد كان أخذ ابن بسطام خطوطهما في أيّام وزارتي الثانية صلحا عمّا وجب عليهما من خراج ضياعهما بمصر والشام وما أخذاه من المرافق بها مدّة تقلّدهما في أيّامك الأولى بألفي ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار وأدّيا في أيّامى نحو خمسمائة ألف دينار فصرفت على ابن بسطام ساعة وليت الدواوين وقلّدت هذين العاملين المجاهرين باقتطاع مال السلطان وأنشأت إليهما كتابا عن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بإسقاط ذلك بأسره عنهما، ثم ادّعيت أنّ أمير المؤمنين أمر بذلك وقد أنهيت هذه الحال إلى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه. فقال:

« لم آمر بشيء من هذا ولا ظنّ أنّ أحدا يقدم عليه بمثلها. » فأجاب عليّ بن عيسى بأنّه كان في الوقت [ كاتبا ] لحامد بن العبّاس يخلفه على العمل، وكان أمير المؤمنين أمرنى بقبول قوله وأنّ حامدا ذكر أنّ أمير المؤمنين أمر بإسقاط هذا المال عن هذين العاملين ووقّع بذلك توقيعا فوقّعت تحت توقيع حامد بامتثال أمره كما يفعل خليفة الوزير فيما يأمره به صاحبه.

فقال ابن الفرات:

« أنت كنت تعارض حامدا وتخاصمه أبدا في اليسير تخرجه عليه في عبرة ما كان ضمنه حتى جرى بينكما ما تحدّث به الناس. فكيف تركت أن تستأذن أمير المؤمنين في هذا المال العظيم الجسيم؟ » فقال عليّ بن عيسى:

« كنت في أوّل الأمر كاتبا لحامد مدّة سبعة أشهر، ثم بان لأمير المؤمنين ما أوجب أن يعتمد عليّ، وكان الذي جرى من أمر المادرائيين في صدر أيّام حامد. » فقال له ابن الفرات:

« فلمّا اعتمد عليك أمير المؤمنين ألّا صدقّته عن خطأ حامد في هذا الباب وتلافيته؟ » فقال: « أغضيت عن ذلك لأنّى كنت في ذي القعدة سنة ستّ أوصلت الحسين بن أحمد إلى حضرة أمير المؤمنين وأخذت خطّه في مجلسه بما عقدته عليه من ضمان أعمال الخراج والضياع لمصر والشام في كلّ سنة بعد النفقات الراتبة وإعطاء الجيش في تلك النواحي وهو ألف ألف دينار في كلّ سنة خالصة للحمل إلى بيت المال لا ينكسر منه درهم واحد وذلك بعد أن أخذت خطّه بجميع ما تصرّف فيه من عطاء الجيش والنفقات الراتبة في ناحية ناحية ووقفت عليه أيضا في كلّ سنة لما ينكسر ويتأخّر في هذه الأعمال مائة وثلاثين ألف دينار وخطّه بذلك في ديوان المغرب وهذا غاية ما قدرت عليه. » فقال ابن الفرات:

« أنت تعمل أعمال الديوان منذ نشأت وقد وليت ديوان المغرب سنين كثيرة ثم تولّيت الوزارة ودبّرت أمر المملكة مدّة طويلة هل رأيت من يدع مالا واجبا يؤدّى معجّلا ويأخذ عوضا منه مالا مؤجّلا يحال به على ضمان، وهبك أغضيت كما ذكرت ورأيت ذلك صوابا في التدبير، فهل استوفيت مال هذا الضمان من هذا الضامن في مدّة خمس سنين دبّرت فيها المملكة؟ » فأجاب عن ذلك بأنّه قد كان ورد من مال الضمان للسنة الأولى جملة.

ثم سار العلوي من إفريقية حتى تغلّب على أكثر النواحي بمصر فنفذ مونس المظفّر إلى مصر لمحاربته فانصرف أكثر المال إلى أعطيات الجند ونفقات العساكر وانكسر باقيه لأجل استخراج العلويّ ما استخرجه من أموال النواحي المجاورة لمصر.

« فقال ابن الفرات:

« فقد انهزم العلويّ منذ صفر سنة تسع ووجب على هذا الضامن مال سنتين كاملتين بعد هزيمة العلويّ فهل استخرجت من هذا الضامن ألفي ألف دينار؟ » فأجاب عن ذلك ما لم يحفظ.

ثم قال له في آخر خطابه:

« فقد أمر أمير المؤمنين بمطالبتك بالأموال التي جمعتها وخنته فيها فينبغي أن تقرّ بها عفوا وتصون نفسك عن المكروه. » فقال عليّ بن عيسى:

« لست من ذوي المال وما أقدر على أكثر من ثلاثة آلاف دينار. » ثم ناظره على أموال الحاشية، فقال لعليّ بن عيسى:

« أنت قد أسقطت من أرزاق الحرم والولد والحشم والفرسان الذين كنت أوفّيهم أرزاقهم على الإدرار في أيّامى الأولى والثانية مدّة خمس وسنين دبّرت فيها أمر المملكة ما يكون مبلغه في كلّ شهر مع ارتفاع الضياع التي هي ملك خاصّة خمسة وأربعين ألفا يكون في السنة خمسمائة وأربعين ألف دينار وفي هذه المدّة ستّة آلاف ألف دينار ولست تخلو من أن تكون احتجنتها لنفسك أو أضعتها. » فقال عليّ بن عيسى:

« ما استغللته من هذه الضياع، ووفّرته من أرزاق من يستغنى عنه تمّمت به عجز الدخل عن النفقات المسرفة حتى اعتدلت الحال فلم أمدّ يدي إلى بيت مال الخاصّة فأمّا الخمسة والأربعون الألف الدينار التي كنت تحملها من أموال المرافق فإني ما استصوبت ما استصوبته أنت من أخذها والإذن للعمّال في أن يرتفقوا، بل حضرتها ورفعتها فلم أعرض لها، لأنّها كانت طريقا إلى تلف أموال السلطان وظلم الرعيّة وخراب البلاد، وأنت كنت تعوّل في النفقات على ما كنت تحوّله من بيت مال الخاصّة إلى بيت مال العامّة، فترضى به الحاشية وتخرب به بيت المال. » وتكرّر الخطاب في هذا المعنى.

ثم ناظره على ما حمله إلى القرامطة من الهدايا والسلاح وما تردّد بينه وبينهم من المكاتبات مرّة والمقاربات أخرى فقال:

« أردت استمالتهم وإدخالهم في الطاعة وكففتهم عن الحاجّ وأعمال الكوفة والبصرة مدّة ولايتي دفعتين، وأطلقوا من الأسارى الذين كانوا من المسلمين عدّة. » فقال له ابن الفرات:

« فأيّ شيء أعظم من أن تشهد أنّ أبا سعيد وأصحابه الذين جحدوا القرآن ونبوّة النبي   واستباحوا عمان وقتلوا أهلها وسبوهم مسلمين وتكاتبهم بذلك وتؤخّر إطلاق أرزاق من يحفظ السور بالبصرة حتى أخلوا بمراكزهم فدخلها القرمطي وقتل أهلها. » فاحتجّ بحجج يطول شرحها.

فسأل نصر الحاجب والمحسّن أبا الحسن ابن الفرات أن يدعهما يخلوان به، فخلوا وأشارا عليه بالمصادرة فاستجاب إليها، وألزماه ثلاثمائة ألف دينار يعجّل منها في مدّة شهر مائة ألف دينار أوّلها يوم خروجه من دار السلطان إلى حيث يأمن فيه على نفسه ويصل إليه الناس. فأخذ ابن الفرات خطّه بذلك وأنفذه إلى المقتدر بالله فأمضاه.

ثم كتب ابن الفرات كتبا عن نفسه إلى كلّ واحد من أصحاب الدواوين يذكر فيها خيانة عليّ بن عيسى وسرقته وما واجهه به وما بذله من المصادرة.

وحكى أبو الفرج ابن هشام عن ابن المطوّق أنّ أبا الحسن عليّ بن عيسى كان سأل أبا الحسن ابن الفرات أن يتجافى له عن ارتفاع ضيعته لسنة إحدى عشرة وثلاثمائة ليؤدّيه من جملة المصادرة وأنّ ابن الفرات قال له:

« هو خمسون ألف دينار. » فقال عليّ بن عيسى:

« قد رضيت بعشرين ألف دينار. » وذكر أنّه دون ذلك. فلمّا نفى إلى مكّة وجد في ضيعته نحو الخمسين الألف الدينار.

قال أبو الفرج: فسمعت الهمانى الواسطي يقول: سمعت أبا الحسن عليّ بن عيسى يوبّخ أبا عبد الله البريدي ويقول له:

« يا با عبد الله، أما خفت الله حيث حلفت بما حلفت به ونحن مجتمعون في دار السلطان أطال الله بقاءه أنّ استغلالك واستغلال إخوتك من ضيعتكم بواسط عشرة آلاف دينار وقد وجدته من حساب رفعه إليّ - يعنى الهمانى - ثلاثين ألف دينار. »

فقال أبو عبد الله:

« افتديت بسيّدنا - أيّده الله - حيث سأله أبو الحسن ابن الفرات عن ارتفاع ضيعته فلم يصدقه وساتره وعلمت أنّه مع ديانته لو لم يعلم أنّ التقيّة مباحة عند من يخاف ظلمه، لما حلف بتلك اليمين. » فكأنّه ألقم عليّ بن عيسى حجرا.

ونعود إلى تمام خبر عليّ بن عيسى مع ابن الفرات

امتنع المقتدر من تسليم عليّ بن عيسى إلى ابن الفرات. فذكر عليّ بن عيسى أنّه لا يمكنه أن يؤدّى مال مصادرته إلّا بعد أن يخرج من دار الخليفة. وأحضره المحسّن دفعتين وطالبه ورفق به فلم يؤدّ إلّا ثمن دار باعها فقيّده المحسّن، فلمّا رأى نصر ذلك نهض عن المجلس وطالب المحسّن عليّ بن عيسى فقال:

« لو كنت أقدر هاهنا على أداء المال لما قيّدت. » فألبسه جبّة صوف وأقام على أمره فحينئذ صفعه عشر صفعات.

فقام نازوك من المجلس، فقال المحسّن:

« إلى أن تقوم؟ » فقال: « ما أحبّ أن أحضر مكروه هذا الشيخ. » وأعيد عليّ بن عيسى إلى محبسه، وبلغ أبا الحسن ابن الفرات ما عامل به المحسّن عليّ بن عيسى فأقلقه ذلك وقال لابنه:

« قد جنيت علينا بما فعلته، كان يجب أن تقتصر على القيد. »

ابن الفرات يشفع لعلي بن عيسى

ثم كاتب المقتدر بالله يشفع لعليّ بن عيسى وذكر أنّه لمّا وقف على ما جرى عليه لحقه من الغمّ أمر لا يذكر مثله وأنّه لم يطعم طعاما منذ عرف خبره، لأنّه شيخ من مشايخ الكتّاب وقد خدم أمير المؤمنين وتحرّم بداره ومثله يخطئ وأمير المؤمنين أولى بالصفح، وسأل أن يزال عنه القيد والجبّة الصوف.

فأجابه المقتدر بأنّ عليّ بن عيسى مستحقّ لأضعاف ما جرى عليه وأنّ المحسّن قد أصاب فيما عامله به، وأنّه قد شفعه في أمره، وأمر بحلّ قيده ونزع جبّة الصوف عنه، وتقدّم بعد ذلك بتسليم عليّ بن عيسى إلى ابن الفرات ليؤدّى مال التعجيل من مصادرته.

فلمّا حمل إليه [ قال ]:

« لست أحبّ أن يكون في دارى لئلّا يلحقه مرض وهو شيخ فينسب إليّ، وأنا أسأل أمير المؤمنين أن يأذن في تسليمه إلى شفيع. » فقيل للمقتدر ذلك. فقال:

« أنا أسلّمه إليك لأنّك الوزير فاحفظ نفسه ولا تسلّمه إلى المحسّن، فأمّا غير هذا فأنت أولى وما تراه. » فأنفذ ابن الفرات إلى شفيع وأحضره. وأخذ ابن الفرات في توبيخ عليّ بن عيسى وعاتبه على أمر وقوف وقّع أمير المؤمنين بردّها عليه وأنّ مالها كان ينصرف إلى أشياء يتقرّب بها إلى الله - عز وجل - وينصرف بعضها إلى ولده وغلمانه وأنّ ما فعله لا يجوز في الدين ولا في المروءة.

فأخذ عليّ بن عيسى يعترف بالتفريط الذي وقع منه وسأله قبول عذره، وكان المحسّن حاضرا فأطنب في توبيخه وتقريعه على هذا الباب، فأجابه بمثل ما أجاب به والده وزيادة. وقال في عرض كلامه:

« أنا والله أستحليك.. » فقامت على المحسّن القيامة من هذه الكلمة وغلظت على أبيه أيضا، فأجابه المحسّن بجواب فيه غلظة وأقبل أبوه يسكّنه ويرفق به، ثم قال لعليّ بن عيسى:

« أبو أحمد كاتب أمير المؤمنين وصنيعته. » وأخذ يصف محلّه منه وتفويضه إليه. وأخذ عليّ بن عيسى في الاعتذار من تلك الكلمة. ونهض عليّ بن عيسى مع شفيع فأجلسه شفيع في صدر طيّاره وحمله إلى داره.

وحكى أبو الحسن ابن أبي هشام أنّه كان حاضرا المجلس وأنّه رأى الحسن بن دولة ابن أبي الحسن ابن الفرات خرج في تلك الحال، فقام له عليّ بن عيسى وقبّل رأسه وعينيه فاستكثر ذلك ابن الفرات وقال له:

« لا تفعل يا أبا الحسن، هذا ولدك. » ثم فتح دواته ووقّع إلى هارون بن عمران الجهبذ أن يحمل إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى بلا دعاء ألفى دينار يستعين به على أمره في مصادرته، وقال لابنه المحسّن:

« وقّع أنت أيضا بشيء. » فوقّع بألف دينار، ثم أحضرا بشر بن هارون وكتب قبضا لعليّ بن عيسى من مال مصادرته بهذه الثلاثة الآلاف الدينار. فانصرف عليّ بن عيسى شاكرا.

ولم يقبل عليّ بن عيسى من أحد من الكتّاب معونة في مصادرته مع بذل جماعتهم له وحملهم إليه ما أطاق كلّ واحد منهم، إلّا من ابن فرجويه وابني أبي الحسن بن الفرات الفضل والحسين، فإنّه قبل من كلّ واحد منهما خمسمائة دينار وحمل إليه أبو الهيجاء ابن حمدان عشرة آلاف دينار، فردّها وقال:

« لو كنت متقلّدا فارس لقبلتها منك ولكني أعلم أنّ هذه جميع حالك وما أحبّ أن أثلمك. » فحلف أبو الهيجاء أن لا يرجع إلى ملكه، ففرّقت في الطالبيين وفي الصدقة على الضّعفى وبذل له شفيع اللؤلؤي ألفى دينار، فامتنع من قبولها وقال:

« لا أجمع عليك مؤونتي ومعونتى في مصادرتى. » وقبل من هارون بن غريب ومن نصر الحاجب وشفيع والمقتدري.

إبعاد علي بن عيسى إلى مكة ثم إلى صنعاء

فلمّا أدّى عليّ بن عيسى أكثر مال مصادرته قال ابن الفرات للمقتدر:

« إنّ في مقام عليّ بن عيسى في دار شفيع ضررا عليه، فإنّ الأراجيف قد كثرت وإن ردّ إلى دار السلطان زاد الإرجاف. » والتمس الإذن في إبعاده إلى مكّة فأذن له المقتدر في ذلك، فأطلق ابن الفرات لما قدر له من نفقته وما يحتاج إليه سبعة آلاف درهم، فخرج إليها. ثم كتب ابن الفرات بإبعاده إلى صنعاء اليمن فأبعد إليها.

ابن الفرات وأسباب علي بن عيسى

ثم استخرج ابن الفرات من أسباب عليّ بن عيسى وعمّاله وكتّابه مالا عظيما بالمكاره وبسط يد ابنه فأنكر الناس أخلاقه وما كان يعرف من كرمه ونبله.

فأمّا أبو عليّ ابن مقلة فإنّه كتب إلى أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل [ بن ] زنجي رقعة وكانت بينهما مودّة وضمّنها أبياتا له ما أثبتها لأنّى لم أستجدها. وكتب رقعة إلى ابن الفرات يذكّره بحرمته وقديم خدمته ويستعطفه وجعلها في درج تلك الرقعة وسأله إيصالها فلمّا وقف ابن الفرات عليها تقدّم بحلّ قيده وتقرّير مصادرته على ما ينهض به ثم خفّف عنه بعد ذلك وأطلقه.

فأمّا ابن الحوارى فإنّ ابن الفرات سلّمه إلى ابنه المحسّن فصفعه صفعا عظيما في دفعات وضربه بالمقارع ثم أخرجه إلى الأهواز مع مستخرج له، فلمّا وصل إليها قتله المستخرج.

فأمّا المادرائيّان فانّه كتب بإشخاصهما، فحمل الحسين بن أحمد وهو أبو زنبور فاعتقله ابن الفرات في داره واستحضر القضاة وأصحاب الدواوين إلى داره وحضر المحسّن وأحضروا أعمالا عملوها لأبي زنبور وناظره ابن الفرات عليها وأخذ خطّه من الأبواب التي نوظر عليها بألفي ألف وأربعمائة ألف دينار. ثم استكثر ابن الفرات هذا المال فقرر مصادرته على ألف ألف وسبعمائة ألف دينار وعرض خطّه بذلك على المقتدر بالله فاستصاب فعله. وتناهى ابن الفرات في معاملته بالجميل، وكان يسترجله ويصف فهمه ويقول: إنّه ما خاطب عاملا أفهم منه ولا أجلد، وسامه أن يواجه عليّ بن عيسى بأنّه أرفقه في أيّام تقلّده ديوان المغرب وفي أيّام وزارته فاستعفاه من ذلك.

فقال له ابن الفرات:

« فكيف واجهتني أنا بأمره ولا تواجهه بأمري؟ » فقال: « ما حمدت معه تلك الحال ولا أستحسنها إلى أحد مع الظاهر من إساءة الوزير إليّ بتسليمه إيّاى إلى ابن بسطام وبسطه يده عليّ في أيّام وزارته الثانية، فكيف تستحسنون لي هذه الحال في معاملة عليّ بن عيسى مع قديم وحديث إحسانه إليّ. » فأعفاه ابن الفرات من ذلك.

ثم قدم محمّد بن عليّ المادرائى ولم يكن تقلّد في أيّام وزارة حامد ابن العبّاس شيئا من الأعمال، فناظره ابن الفرات على المال الباقي عليه وعلى الحسين بن أحمد من ضمان أجناد الشام ومصر وعن حقّ بيت المال في ضياعه وهو حينئذ شريك للحسين بن أحمد في الضمان فاحتجّ في بعضه.

فقال له ابن الفرات:

« لست بأفهم من الحسين وقد احتجّ بأكثر ما ذكرت فلم تثبت له حجّة. » وأخذ خطّه بلا تهديد ولا مكروه بألف ألف وسبعمائة ألف دينار، ثم سلّمه إلى المحسّن وكان في داره على أتمّ صيانة، وأقام فيها يوما واحدا. وكان المحسّن يتطاول عليه إذا حضر. ثم أطلقه وكان السبب في ذلك أنّه حمل إليه مالا جليلا وثيابا فاخرة وجواهر نفيسة وخدما روقة.

ذكر ما دبره ابن الفرات في أمر مونس حتى أبعده

كان ورد مونس من الغزو بعد أن ظفر بالروم ظفرا حسنا، فتلقّاه المحسّن ونصر الحاجب وشفيع ومفلح وسائر القوّاد ولقي المقتدر بالله، فتحدّث الناس أنّ مونسا أنكر ما جرى على الكتّاب والعمّال من المكروه العظيم من ابن الفرات والمحسّن وما ظهر من وفاة حامد بن العبّاس، وأنّ أكثر الفرسان التفاريق بالحضرة قد عملوا على الانضمام إلى عسكر مونس المظفّر لتروج أرزاقهم.

فغلظ ذلك على ابن الفرات وصار إلى المقتدر بالله بعد أسبوع من قدوم مونس المظفّر فخلا به وأعلمه ما عمل مونس عليه من ضمّ الرجال إليه، وأنّه إن تمّ له ذلك صار أمير الأمراء وتغلّب على أمر المملكة ولا سيّما والقوّاد والغلمان منقادون له. وعظّم عليه الأمر وأغراه به إغراء شديدا.

فلمّا ركب مونس المظفّر إلى دار المقتدر بالله، قال له المقتدر بحضرة ابن الفرات:

« ما شيء أحبّ إليّ من مقامك، لأنّى أجمع إلى الأنس بك والتبرّك برأيك الانتفاع بحضورك في أمر الحضرة كلّه، ولكن أرزاق الفرسان برسم التفاريق عظيمة، وما يتهيّأ أن تطلق أرزاقهم على الإدرار ولا النصف من استحقاقهم وليس يطيعون في الخروج إلى نواحي مصر والشام، لأنّهم يحتجّون بقصور أحوالهم عن ذلك. وقد علمت أنّ الريّ وأبهر وزنجان متعلّقة بأخي صعلوك وكذلك أرمينية وأذربيجان بيوسف بن أبي الساج، وإن أقمت ببغداد التمس الرجال الانضمام إليك، فإن لم أجبهم شغبوا وأفتنوا البلد، وإن أقمت لم يرج من مال ديار ربيعة ومضر والشام شيء، وليس يفي مال السواد والأهواز وفارس بنفقات الحضرة ومال عسكرك. والوجه أن تخرج إلى الرقّة وتتوسّط عملك وتنفذ عمّالك في اقتضاء الأموال وتستخرج ما يجب على المادرائيّين من الأموال العظيمة التي بذلوا بها خطوطهم وتهابك عمّال المعاون والخراج بمصر والشام فيستقيم أمر الملك. » ورسم له الشخوص من وقته في سائر الغلمان الحجريّة والساجيّة برسمه.

فعلم مونس أنّ هذا من رأى ابن الفرات وتدبيره وعرف شدّة عداوته له، فسأل المقتدر بالله أن يأذن له في المقام بقية شهر رمضان حتى يعيّد ببغداد، فأجابه إلى ذلك. فلمّا عيّد صار إلى ابن الفرات لوداعه، فقام له قياما تامّا فاستعفاه مونس وحلف عليه أن يجلس في المصلّى فامتنع، وسأله مونس في عدّة أمور فوقّع له بجميع ما التمسه وأراد القيام عند خروجه من حضرته فاستحلفه برأس الخليفة ألّا يفعل، ثم ودّع الخليفة وخرج إلى مضربه في يوم مطير.

ما دبره ابن الفرات بعد مونس في أمر الحاشية

ولمّا فرغ ابن الفرات من مصادرة جميع الكتّاب وأخرج مونسا شرع في القبض على نصر الحاجب وشفيع المقتدري. فوصف للمقتدر ما في جنب نصر خاصّة من الأموال والضياع وكثرة ما يصل إليه من الأعمال التي يتولّاها، ثم من سائر وجوه مرافقه فأجابه المقتدر إلى تسليمه إليه، واتّصل الخبر بنصر فلجأ إلى السيّدة واستغاث إليها. فكلّمت ابنها وقالت له:

« قد أبعد ابن الفرات مونسا عنك وهو سيفك وثقتك ويريد الآن أن ينكب حاجبك ليتمكّن منك فيجازيك على ما عاملته به من إزالة نعمه وهتك حرمه. فليت شعري بمن تستعين عليه إن أراد بك مكروها من خلعك والتدبير عليك، لا سيّما مع ما أظهر من شرّه وإقدام ابنه المحسّن على كلّ عظيمة. » وقد كان نصر مضى إلى منزله واستظهر بتفريق ماله في الودائع واستتره فراسلته السيّدة بالرجوع إلى داره، فوثق وعاد وهو مع ذلك شديد التذلّل لابن الفرات وابنه وابن الفرات يعرّف المقتدر من أحواله ومن إفساده ابن أبي الساج حتى ضيّع على الخلافة خمسة آلاف ألف دينار من ارتفاع نواحيه ما يهمّ معه المقتدر بتسليمه إليه.

فلمّا كان في ذي الحجّة من هذه السنة ورد الخبر على ابن الفرات بإيقاع ابن أبي الساج بأحمد بن عليّ أخي صعلوك وقتله إيّاه وأنّه أخذ رأسه وهو على حمله إلى بغداد.

فركب المحسّن إلى المقتدر والتمس من مفلح أن يوصله إليه من غير حضور نصر الحاجب فأوصله وبشّره بالفتح وبشّره بالفتح وأعلمه أنّ نصر الحاجب يكره ذلك وأنّه عدوّ لابن أبي الساج وهو الذي أفسده على السلطان فلذلك كتمه الخبر.

ودخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة

فلمّا كان بعد أيّام ظهر في دار للسيّدة كان المقتدر يكثر الجلوس فيها عند والدته رجل أعجمى على سطح مجلس من مجالسها وعليه ثياب فاخرة وتحتها ممّا يلي بدنه قميص صوف ومعه محبرة ومقدحة وسكّين وأقلام وورق وسويق وحبل، يقال إنّه دخل مع الصّنّاع فحصل في الموضع وبقي أيّاما فعطش وخرج ليطلب الماء فظفر به وسئل عن خبره فقال:

« ليس يجوز أن أخاطب غير صاحب الدار. » فأخرج إلى الوزير أبي الحسن ابن الفرات فقال له:

« أنا أقوم مقام صاحب الدار فقل ما شئت. » فقال: « ليس يجوز غير خطابه في نفسه ومسألته عمّا احتاج إليه. » فرفق به فلم يغن الرفق. فلمّا لم تكن فيه حيلة أخذ الخدم يقرّرونه بالضرب والعنف فعدل عن الكلام بالعربية فقال بالفارسية:

« ندانم. » فصلب ولفّ عليه حبل من قنّب ومساقة ولطّخ بالنفط وضرب بالنار.

وخاطب ابن الفرات نصرا الحاجب بحضرة المقتدر في أمر هذا الرجل، وقال له:

« ما أحسبك ترضى لنفسك أن يجرى عليك في دارك مثل هذا الذي جرى على أمير المؤمنين وأنت حاجبه وحافظ داره وما تمّ مثل هذا على أحد من الخلفاء في قديم ولا حديث وهذا الرجل هو صاحب أحمد بن عليّ أخي صعلوك لا محالة، والدليل على ذلك أنّه أعجمى، فإمّا أن يكون أحمد بن عليّ - قبل أن يقتل - واطأك حتى أوصلته إلى هذا الموضع وإمّا أن تكون أنت دسسته ليفتك بأمير المؤمنين لتخوّفك على نفسك منه ولأجل عداوتك لابن أبي الساج وصداقتك لأحمد بن عليّ ولأجل عظيم ما وصل إليك من أحمد بن عليّ من الأموال. » فقال له نصر الحاجب:

« ليت شعري أدبّر على أمير المؤمنين لأنّه أخذ أموالى وهتك حرمي أو قبض ضياعي أو حبسني عشر سنين؟ » فقال المقتدر:

« لو تمّ هذا على بعض العوامّ لكان عظيما. » وتمكّن ابن الفرات منه واندفع عنه المكروه بما ورد به الخبر ممّا جرى على الحاجّ من القرمطي وسنشرحه فيما بعد. فشغل ابن الفرات بنفسه وقوى أمر نصر وسلم من ابن الفرات.

وفي هذه السنة ورد الكتاب بشرح الخبر في مصير ابن أبي الساج من أذربيجان إلى الريّ ومحاربته أحمد بن عليّ وحمل رأس أحمد بن عليّ وجثّته إلى مدينة السلام.

تفريق المال على طلاب الأدب

وفيها فرّق ابن الفرات على طلّاب الأدب مالا وعلى من يكتب الحديث مثله، وكان السبب في ذلك أنّه جرى حديثهم في مجلسه فقيل لعلّ الواحد منهم يبخل على نفسه بدانق فضّة أو دونها ويصرفه إلى ثمن ورق وحبر.

وكان ابن الفرات موصوفا بسعة الصدر وحسن الخلق، وكان فرّق في الشعراء مالا. فقال لمّا جرى حديث هؤلاء:

« أنا أولى من عاونهم على أمرهم. » وأطلق لهم لما يصرفونه إلى ذلك عشرين ألف درهم. » فذكر أنّه لم يسبق ابن الفرات إلى ذلك إلّا ما حدّث به الضبعي عن رجاله أنّ مسلمة بن عبد الملك أوصى عند وفاته بالثلث من ثلثه لطلّاب الأدب وقال:

« هم مجفوءون. » وكان يستعمل كلّ يوم في مطبخ ابن الفرات من لحوم الحيوان وفي دوره من الثلج الكثير ومن الأشربة التي تعرض على كلّ من دخل ومن الشمع ومن القراطيس ما لم يستعمله أحد قبله ولا بعده. وكان إذا ولى الوزارة ارتفعت أسعار الشمع والثلج والقراطيس خاصّة وإذا عزل رخصت.

وكان أهدى إلى مونس المظفّر عند موافاته من المغرب وإلى بشرى ويلبق وإلى نازوك وغيرهم من الغلمان والخدم لمّا حضر النوروز هدايا عظيمة لم تسمح نفس أحد بمثلها وقدّر أنّهم يستكفّهم بها فلم يقع موقعه الذي أراد.

ذكر السبب في ضعف أمر ابن الفرات بعد تناهيه في القوة والاستقامة

اتّفق أن ورد الخبر إلى بغداد على ابن الفرات بأنّ أبا طاهر ابن أبي سعيد الجنّابى ورد إلى الهبير ليتلقّى حاجّ سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في رجوعهم، فأوقع بقافلة فيها خلق كثير من أهل بغداد وغيرها واتّصل خبره بهم وهم بفيد فأقاموا حتى فنى زاد من فيها وضاق بهم البلد فارتحلوا على وجوههم.

وأشار عليهم أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان - وكان إليه طريق الكوفة وطريق مكّة وبذرقة الحاجّ - لمّا بلغهم خبر الهجري، أن يعدل بهم من فيد إلى وادي القرى لئلّا يجتازوا بالهبير فضجّوا من ذلك وامتنعوا عليه وساروا وسار معهم ضرورة إلى الهبير.

فلمّا قربوا من الهبير عارضهم أبو طاهر ابن أبي سعيد الجنّابى وقاتلهم فظفر بهم وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان وأحمد بن كشمرد وغرير العمرى وأحمد بن بدر عمّ السيّدة أمّ المقتدر وجماعة من خدم السلطان وحرمه.

وأخذ أبو طاهر جمال الحاجّ في سائر القوافل وسبى ممّن كان فيها من اختار من النساء والرجال والصبيان وسار بهم إلى هجر وترك باقى الحاجّ في مواضعهم بلا زاد ولا جمال. وكانت سنّ أبي طاهر في ذلك الوقت سبعة عشر سنة ومات أكثر من خلّف من الحاجّ بالعطش والحفا والرجلة.

وانقلبت بغداد وطرقها في الجانبين وخرج النساء حفاة منشّرات الشعور مسوّدات الوجوه يلطمن ويصرخن في الشوارع وانضاف إليهن حرم المنكوبين الذين نكبهم ابن الفرات وذلك في يوم السبت لسبع خلون من صفر فكانت صورة فظيعة قبيحة شنعة لم ير مثلها.

وتقدّم ابن الفرات إلى نازوك بالركوب إلى المساجد الجامعة في الجانبين ببغداد بسبب حركة العامّة فركب في جميع جيشه من الفرسان والرجّالة والنفّاطين حتى سكّن العامّة.

ثم قدم سائق الحاجّ فشرح الصورة لابن الفرات، فركب ابن الفرات آخر هذا اليوم وقد ضعفت نفسه إلى المقتدر وشرح له الحال واستدعى نصرا الحاجب وأدخله في المشاورة وتمكّن نصر من خطاب ابن الفرات بحضرة المقتدر وانبسط لسانه عليه وقال له:

« الساعة تقول: أيّ شيء الرأي، بعد أن زعزعت أركان الدولة وعرّضتها للزوال بإبعادك مونسا الذي يناضل الأعداء ويدفع عن الدولة، فمن يمنع الآن هذا الرجل عن السرير ومن الذي أسلم رجال السلطان وقوّاده وحرمه وخدمه إلى القرمطي سواك وقد ظهر الآن أمر الأعجميّ الذي وجد في دار السلطان وأنّه إنّما كان صاحب القرمطي. » وأشار نصر على المقتدر بمكاتبة مونس بالتعجّل إلى الحضرة، فأمر أن يكتب بذلك. ووثبت العامّة على ابن الفرات ورجمت طيّاره وبالآجرّ، وركب المحسّن من داره يريد طيّاره فرجموه وضجّت العامّة في الطرقات بأنّ:

« ابن الفرات القرمطي الكبير وليس يقنعه إلّا إتلاف أمّة محمّد. » وتحرّكت العامّة فامتنعت من الصلاة في المساجد الجامعة ذلك اليوم وارتجّت بغداد بأسرها من الجانبين. وأشار ابن الفرات بإنفاذ ياقوت إلى الكوفة لضبطها لئلّا تردها الهجريّة ويضمّ الغلمان الحجريّة ووجوه القوّاد إليه وإن كان الهجري مقيما سار لمحاربته.

فتقدّم المقتدر إلى ياقوت بالشخوص، وإلى ابن الفرات بإزاحة علّته فالتزم ابن الفرات له ولولديه وهما المظفّر ومحمّد وللزيادة في إقطاعهم وموائدهم ولمن ضمّ إليه أموالا عظيمة.

وخرج ياقوت بمضربه إلى باب الكناسة، وورد الخبر على ابن الفرات بانصراف الهجري إلى بلده. فوقّع إلى ياقوت بالرجوع فرجع وبطل نفوذه إلى الكوفة.

وأصلح المقتدر بين ابن الفرات وبين نصر وأمر الجماعة بالتضافر على ما فيه الصلاح للدولة وكفاية الهجري.

دخول مونس بغداد

ودخل مونس بغداد وتلقّاه الناس فلم يتأخّر عنه أحد وركب إليه ابن الفرات للسلام عليه ولم تجر له بذلك عادة ولا لأحد قبله. فلمّا عرف مونس خبره خرج إلى باب داره وتلقّاه وسأله أن ينصرف فلم يفعل، وصعد إليه من طيّاره حتى هنّاه بمقدمه. فلمّا خرج لينصرف خرج معه مونس إلى أن نزل إلى طيّاره.

ما عامل به المحسن المنكوبين لما اضطرب أمره وأمر أبيه

استوحش المحسّن بعد إيقاع الهجري بالحاجّ من المنكوبين ونظر إلى سقوط حشمته، فخاف أن يظهر ما أخذه وارتفق به وما أسقطه من أداء المصادرين وفاز به، فنصب أبا جعفر محمّد بن عليّ الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر وكان هذا يدّعى من حلول اللاهوت فيه ما ادّعاه الحلّاج.

وكان المحسّن قد غنى بهذا الرجل فاستخلفه بالحضرة لجماعة من العمّال وكان له صاحب يعرف بملازمته مقدام على الدماء من أهل البصرة. فسلّم المحسّن إلى صاحب ابن الفرات هذا البصري جماعة فيهم النعمان بن عبد الله وعبد الوهّاب ابن ما شاء الله ومونس خادم حامد وأظهر أنّه يطالبهم بما بقي عليهم من المال، فلمّا حصلوا في يده ذبحهم كما يذبح الغنم. وكان جماعة مستترين، فكتب ابن الفرات إليهم كتبا جميلة حتى ظهروا، ثم صادرهم واستخرج منهم أموالا كثيرة.

ذكر القبض على أبي الحسن ابن الفرات وهرب ابنه المحسن

واشتدّ الإرجاف بابن الفرات حتى استتر أولاده وكتّابه فراسله المقتدر على لسان نسيم.

فحكى أبو القاسم ابن زنجي أنّه كان بين يديه إذ جاءه نسيم فتقدّم إليه فأدّى الرسالة التي كانت معه، فسمعته يقول في جوابها:

« قل له: أنت تعلم يا أمير المؤمنين أنّى عاديت في استيفاء حقوقك الصغير والكبير واستخرجت لك المال من الدنيء والشريف وبلغت غاية ما أمكننى في تأييد دولتك ولم أفكّر في أحد مع سلامة نيّتك وما قرّبنى منك واجتلب لي حسن رأيك، فلا تقبل فيّ قول من يريد إبعادى عن خدمتك ويغريك بما لا فائدة فيه ويدعوك إلى ما تذمّ عواقبه.

« وبعد فطالعى وطالعك واحد وليس يلحقني شيء ولا يلحقك مثله، فلا تلتفت إلى ما يقال، فقد علمت الخاصّة والعامّة أنّى أطلقت للرجال النافذين إلى طريق مكّة ما لم يطلقه أحد تقدّمنى واخترت رؤساء الجند والقوّاد وشجعان الرجال وأزحت العلّة في كلّ ما التمس مني، فحدث من قضاء الله عز وجل على الحاجّ ما قد حدث مثله في أيّام المكتفي بالله رحمه الله فما أنكره على وزيره ولا ألزمه جريرته ولا أفسد عليه رأيه. » وتكلّم في هذا المعنى بما يشاكله وانصرف نسيم والغلمان بانصراف نسيم.

واحتدّت الأراجيف وكثرت بأبي الحسن ابن الفرات والمحسّن ابنه، وأراد المقتدر أن يسكّن منهما فكتب إليهما رقعة يحلف فيها على ما هو عليه لهما وما يعتقده من الثقة بهما، وأنّه ينبغي لهما أن يثقا بما تقرّر في نفسه من موالاتهما وأمرهما أن يظهرا رقعته إليهما لأهل الحضرة ويكتب بنسختها إلى جميع عمّال الحرب والخراج في البلدان.

ثم ركب بعد ذلك ابن الفرات والمحسّن إلى الدار، فوصلا إلى المقتدر في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة، ولمّا خرجا أجلسهما نصر الحاجب وكان راسل الغلمان الحجريّة المقتدر في القبض عليهما فدخل مفلح برسالتهم، ثم أشار عليه بتأخير الأمر وقال له:

« إنّ صرف الوزير بكلام الأعداء خطر وخطأ في التدبير وإطماع للغلمان. » فأمره أن يتقدّم إلى نصر بإطلاقهما ويعرّف الغلمان أنّ الأمر يجرى فيما راسلوه على محبّتهم فتقدم مفلح وقال:

« لينصرف الوزير. »

فأذن نصر للوزير وابنه في الانصراف فقام ابن الفرات في الممرّات كالمهزول حتى وصل إلى طيّاره وكذلك ابنه المحسّن. فلمّا وصلا إلى دار الوزير دخل إليه المحسّن فسارّه سرارا طويلا ثم خرج من عنده وانصرف إلى منزله وجلس فيه ساعة وتقدّم بما أراد ثم خرج فاستتر.

وجلس أبوه غير مكترث ينظر في العمل وبين يديه وجوه الكتّاب وانصرفوا آخر النهار وقد تشكّكوا فيما بلغهم من صورة الأمر لمّا رأوه من نشاطه وانبساطه وجريه على رسمه في الحديث والأنس والأمر والنهى.

وتحدّث بعض خواصّه قال: سمعته يقول في آخر الليل وهو في مرقده يتمثّل بهذا البيت:

وأصبح لا يدرى وإن كان حازما ** أقدّامه خير له أم وراؤه

فدلّ ذلك على سهره وتفكّره في أمره، وجلس من الغد ينظر في أمره.

قال أبو القاسم ابن زنجي: فبينا هو كذلك إذ وردت رقعة لطيفة مختومة فقرأها فما عرفت ممّن هي في الوقت ثم عرفت أنّها كانت من مفلح. ثم وردت رقعة أخرى من رجل يجرى مجرى الجند كان ملازما لدار السلطان.

فلمّا قرأها أمسك قليلا ثم دعا يحيى قهرمانه فأسرّ إليه بشيء وانصرف. ثم صرف الناس وواعدهم البكور ونهض ابن الفرات عن مجلسه إلى دور حرمه وتفرّق الناس.

فلمّا صرت إلى الرّوشن ذكرت شغلا عليّ كان شغلي به فانصرفت وجلست لذلك، فإذا بنازوك قد دخل عليه سيفه وبيده دبّوس وإذا بيلبق يتلوه وهما بخلاف ما أعهدهما من الانبساط ومع كلّ واحد منهما نحو خمسة عشر غلاما بسلاح. فلمّا لم يجدوه في مجلسه دخلوا إلى دار حرمه فأخرجوه منها حاسرا وأجلس في طيّار وحمل إلى دار نازوك وقبض معه على ابنيه الفضل والحسين ومن وجد من كتّابه.

ومضى نازوك ويلبق إلى مونس المظفّر وعرّفاه الخبر وكان قد خرج إلى باب الشمّاسية وأظهر أنّه خرج للنزهة، فانحدر معه هلال بن بدر وجماعة من قوّاده وذهب يلبق إلى دار نازوك وأخرج ابن الفرات من هناك مع ولديه وأسبابه وأخرج نازوك من داره رداء قصب وطرحه على رأسه لأنّه كان حاسرا. فلمّا رأى ابن الفرات مونسا أظهر الاستبشار بحصوله في يده فأجلسه معه في الطيّار وخاطبه بجميل مع عتاب وتذلّل ابن الفرات وخاطبه بالأستاذيّة فقال له مونس:

« الساعة تخاطبني بالأستاذيّة وبالأمس تخرجني على سبيل النفي إلى الرقّة والمطر يصبّ على رأسى ثم تذكر لمولانا أمير المؤمنين أنّى أسعى في فساد مملكته! » وانحدر به إلى دار السلطان وتقدّم بحمل ولديه وكتّابه إليها وتسليمهم إلى نصر. فتكاثر العامّة على ابن الفرات ومعهم أسباب المنكوبين يدعون عليه ويضجّون واجتهد مونس في دفعهم فما قدر على ذلك ورجموا طيّار مونس لمكان ابن الفرات فيه وصاحوا:

« قد قبض على القرمطي الكبير وبقي القرمطي الصغير. » ولمّا وصلوا إلى باب الخاصّة صعد جمع عظيم من السميريّات لرجم ابن الفرات وولديه وكتّابه بالآجر حتى حوربوا واحتيج إلى رميهم بالسهام وجرح بعضهم فانصرفوا وتسلّمهم نصر.

فكانت مدّة ابن الفرات في هذه الوزارة الثالثة عشرة أشهر وثمانية عشر يوما.

تسليم ابن الفرات إلى شفيع اللؤلؤي

ثم اجتمع وجوه القوّاد إلى دار السلطان وأقاموا على أنّ ابن الفرات إن حبس في دار الخلافة خرجوا بأسرهم إلى المصلّى وأسرفوا في التهدّد.

فدعا المقتدر مونسا ونصرا وشاورهما فأشارا بتسكين القوّاد وبأن يخرج ابن الفرات ويسلّم إلى شفيع اللؤلؤي ويعتقل عنده. فاستحضر شفيع وسلّم إليه.

ذكر توصل أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقاني إلى الوزارة

كان أبو القاسم عبد الله بن محمّد الخاقاني استتر في أيّام وزارة ابن الفرات الثالثة وأبوه أبو عليّ شديد العلّة وقد أسنّ وتغيّر فهمه ولمّا اضطرب أمر ابن الفرات عند ما جرى على الحاجّ ما جرى، سعى عليه أبو القاسم الخاقاني وعلى ابنه المحسّن وعمل لهما عملا وسعى له في ذلك نصر الحاجب وثمل القهرمانة وغيرهما. وكان مونس أشار بأبي القاسم الخاقاني قبل ذلك.

فقال المقتدر:

« أبوه خرّب الدنيا وهو شرّ من أبيه ولكن نقلّد الحسين بن أحمد المادرائى. » فعرّفه مونس أنّه قد نفذ إلى مصر وأنّ استحضاره يبعد. ثم ساعده نصر وابن الخال في ذلك، ثم استحضره المقتدر وشافهه بتقليده الوزارة والدواوين وخلع عليه وركب معه مونس المظفّر وهارون بن غريب إلى داره.

ذكر ما جرى عليه أمر ابن الفرات وأسبابه بعد تقلد أبي القاسم الخاقاني الوزارة

ذكر أبو الحسن أنّه سلّم إلى شفيع كما ذكرنا فراسله شفيع على يد المعروف بالجمل كاتبه، فيما يبذله من المصادرة عن نفسه ليسلم من أعدائه ومن تسليمه إلى الخاقاني وأبي العبّاس ابن بعد شرّ وهو كاتب الخاقاني فأجابه ابن الفرات بأنّه لا يفعل أو يثق من المقتدر بالله في حفظ نفسه من تسليمه إلى أحد من هذه الطبقة. وقال للكاتب الملقّب بالجمل:

« قل لصاحبك إني قد خلّفت في يد هارون الجهبذ وابنه مائة ونيّفا وستين ألف دينار حاصلة قبلهما من المصادرين ليعرف الخليفة ذلك ويتقدّم بحملها إلى بيت مال الخاصّة من وقته هذا حتى لا يوهمه الخاقاني أنّه هو استخرجه ثم يصرفه في النفقات التي سبيلها أن ينفق من بيت مال العامّة. » فركب شفيع للوقت وأنهى ذلك إلى المقتدر فوجّه إلى الجهبذين وكانا في دار الخاقاني لم يكلّمهما بعد لتشاغله بالتهنئة فأحضرا واعترافا بالمال وحملاه وصحّحاه في بيت مال الخاصّة.

وتقدّم المقتدر إلى نصر الحاجب بتسليم أولاد ابن الفرات وكتّابه وأسبابه إلى الخاقاني، فسلّمهم إليه وأخذ خطّه بتسلّمهم وسلّمهم الخاقاني إلى أبي العبّاس ابن بعد شرّ فقيّدهم وأجلسهم على الأرض في الحرّ الشديد ثم أخذ خطّ كلّ واحد من ولدي ابن الفرات بمائة ألف دينار وخطّ سعيد بن إبراهيم بمائتي ألف وخطّ أبي غانم كاتب المحسّن بمائتي ألف دينار، ووقع النداء على المحسّن وهشام وابني فرجويه والتهديد لمن وجدوا عنده بعد النداء بالنهب وإحراق المنازل وضرب ألف سوط. وواقف أبو الحسن شفيعا على أن يضمن عنده مالا إن ردّ إلى دار السلطان ولم يسلّم إلى أحد.

فذهب شفيع فخاطب في ذلك المقتدر فقال له المقتدر:

« إنّ مونسا ونصرا وهارون بن غريب قد أجمعوا على أنّه لا يمشى للخاقانى أمر إلّا بتسليم ابن الفرات إليه وضمن أن يستخرج منه ومن ابنه وأسبابه ألفي ألف دينار.

فانصرف شفيع ووجّه إلى ابن الفرات بكاتبه يشرح الصورة له.

كلام لابن الفرات في وزارة الخاقاني

فقال هذا الكاتب وهو الملقّب بالجمل: كنت أدخل إلى ابن الفرات في كلّ يوم لتفقّد أحواله. فكنت أجده أقوى الناس نفسا وأصبرهم على نوائب الدهر. قال:

ولقد سألنى: عمّن تقلّد الوزارة.

فعرّفته أنّه أبو القاسم بن أبي على الخاقاني.

فقال: « السلطان نكب وما نكبت أنا. » وسألنى: « عمّن تقلّد الديوان - يعنى ديوان السواد، فقلت:

« محمّد بن جعفر بن حفص. »

فقال: « رمى بحجره. » وسألنى: عمّن تقلّد باقى الدواوين.

فعرّفته أنّهم يحيى بن نعيم المالكي ومحمّد بن يعقوب المصري وإسحاق بن عليّ القنّاى. فقال:

« لقد أيّد الله هذا الوزير بالكفاة. »

مناظرة ابن الفرات لاستخراج ماله

وكان المناظر لابن الفرات ابن بعد شر فرفق به فوعده أن يتذكّر ودائعه ويعرّفه إيّاها فعاوده بالرفق فأقرّ أنّ له عند التجّار مائة وخمسين ألف دينار.

وكان المقتدر رسم أن يكون مال مصادرة ابن الفرات وحده يحصّل في بيت المال الخاصّة ومال مصادرة أسبابه في بيت مال العامّة.

ولمّا استخرج ما ذكره ابن الفرات من التجّار أعاد ابن بعد شر مطالبة ابن الفرات، فذكر أنّه لم يبق له مال فأوقع به مكروها يسيرا، ولم يكن ابن الفرات ممّن يستجيب بالمكروه فتقاعد وامتنع دفعة واحدة من أداء شيء.

فمضى هارون بن غريب إلى المقتدر وعرّفه أن الخاقاني جنى على السلطان بتسليمه ابن الفرات إلى ابن بعد شر وأنّه كان ينبغي أن يرفق به ويداريه، فإنّه ممّن لا يستجيب بالمكروه. فتقدّم المقتدر إلى الخاقاني بأن تكون مناظرة ابن الفرات بحضرة هارون بن غريب وأن يرفق به. وكان ابن بعد شر قد ضيّق على ابن الفرات في مطعمه ومشربه حتى أنّه أدخل إليه خبز خشكار وقثّاء وماء الهواء، فوجّه إليه بطعام واسع وشراب وثلج كثير وفاكهة واعتذر إليه عمّا جرى وحلف أنّه لم يعلم بما عومل به.

ثم إنّ الخاقاني راسله على يد خاقان بن أحمد بن يحيى برفق ومداراة بأن يقرّ بماله ولا يلاجّ السلطان فليس ذلك بمحمود. فأجابه بأن قال:

« قل للوزير ليست حدثا غرّا فتحتال عليّ في المناظرة، ولست أقول إني لا أقدر على المال ولكن إذا وثقت لنفسي بالحياة فديتها بالمال.

وإنّما أثق بذلك إذا كتب أمير المؤمنين بخطّه لي أمانا وشهد الوزير والقضاة بخطوطهم ويكتب لي الوزير أيّده الله أمانا بخطّه ويسلّمنى إلى أحد رجلين:

إمّا مونس المظفّر وإن كان عدوّى وإمّا شفيع اللؤلؤي فإن لم يفعل ذلك فقد وطّنت نفسي وعلى التلف. » فوجّه إليه الخاقاني:

« بأنّى لو قدرت على التوثّق لك لتوثّقت، ولكن إن تكلّمت في هذا المعنى عاداني خواصّ الدولة لأجلك، ثم لم تنتفع أنت بذلك وقد ردّ الخليفة أمرك إلى هارون بن غريب. » فتواعدوا إلى دار الخاقاني بالمخرّم واستحضر ابن الفرات وناظره ابن بعد شر بحضرته فتماتن ابن الفرات. فبدأ ابن بعد شر يسمعه المكروه فأنكره هارون وزبره وقال:

« بهذا تريد أن تستخرج مال ابن الفرات؟ » وأقبل هو على ابن الفرات وداراه وخاطبه بجميل وقال له:

« أنت أعرف بالأمور من كلّ من يخاطبك والخلفاء لا يلاجّهم وزراؤهم إذا سخطوا عليهم. » فقال له ابن الفرات:

« أشر عليّ أيّها الأمير فإنّ من كان في مثل حالي عزب عنه الرأي. » فلم يزل معه في مناظرات إلى أن أخذ خطّه بمصادرة ألفي ألف دينار على أن يعجّل منها الربع وعلى أن يحتسب له من الربع بما أدّاه وما أخذ بعد ذلك ممّا لعلّه استخرج من ودائعه بغير إقرار منه ويطلق له بيع أملاكه وما يستبيع من ضياعه وأمتعته وينقل إلى دار شفيع اللؤلؤي أو غيره من ثقات السلطان ويطلق الكلوذانى ليتصرّف في جمع أمواله ويطلق له الدواة ليكاتب من يرى مكاتبته فأخذ هارون بن غريب خطّه بجميع ما كتب به وحمله إلى المقتدر بالله.

ذكر اتفاق سيء اتفق على المحسن حتى ظفر به وصودر وقتل

كان المحسّن استتر عند حماته حنزابة وهي حماته ووالدة الفضل بن جعفر بن الفرات فكانت تحمله كلّ يوم، بكرة إلى المقابر في زيّ النساء وتردّه إلى المنازل التي يثق بها بالليل.

فمضت به يوما إلى مقابر قريش في زيّ النساء على رسمه وأمست فبعد عنها الطريق إلى الكرخ فوصفت لها امرأة كانت معها منزل امرأة تثق بها ليس معها رجل لأنّ زوجها مات منذ سنة. فصارت حنزابة مع النسوة والمحسّن إلى هناك فقالت لصاحبه الدار:

« إنّ معنا امرأة لم تتزوّج بعد، وقد عادت من مأتم وضاقت عليها فأفردى لها بيتا. »

فأفردت لها بيتا في صفّة وأدخلت إليه المحسّن ثم ردّت عليه الباب وجلس النسوة مع المحسّن في البيت. فجاءت جارية سوداء بسراج معها فوضعته في الصفّة وأدخلت حنزابة إلى المحسّن بسويق وسكّر وكان المحسّن قد نزع ثيابه فاطّلعت الجارية السوداء من حيث لا يشعر المحسّن ولا حنزابة في البيت، وعلمت أنّه رجل، فانصرفت وأخبرت مولاتها.

فلمّا جنّ الليل جاءت مولاتها وطالعت البيت فرأت المحسّن وكان ذلك من نحس المحسّن وخذلان الله إيّاه، لأنّ تلك المرأة كانت زوجة لمحمّد بن نصر وكيل عليّ بن عيسى وكان المحسّن طلبه فأدخل إلى ديوانه فرأى ما يلحق الناس من المكاره بحضرة المحسّن فمات من الفزع فجأة من غير أن يكلّمه المحسّن.

فمضت المرأة في الوقت إلى دار السلطان حتى وصلت إلى دار نصر الحاجب وشرحت له الصورة فأنهى نصر الحاجب الخبر إلى المقتدر بالله، فتقدّم بالبعثة إلى نازوك ليركب إلى الموضع ويقبض على المحسّن.

فركب نازوك من وقته إلى الموضع وكسبه وقبض على المحسّن، وضربت الدبادب لذلك نصف الليل عند الظفر به حتى ارتاع الناس ببغداد وظنّوا أنّ القرمطي قد كبس بغداد.

وحمل المحسّن إلى دار الوزارة بالمخرّم وتسلّمه ابن بعد شر [ وجرّعه ] في وقته مكروها عظيما وأخذ خطّه بثلاثة آلاف ألف دينار. وحضرت هارون بن غريب دار المخرّم وناظر المحسّن فوعده أن يتذكّر وودائعه ويقرّ بها ولحقه في يومين متواليين مكروه عظيم فلم يذعن بدرهم واحد وقال:

« ليس يجمع بين نفسي ومالي. »

وحضر بعد ذلك هارون بن غريب ومعه شفيع اللؤلؤي وأحضر المحسّن والكتّاب وابن بعد شرّ وناظر المحسّن وأوقع به مكروها عظيما وقال له:

« هبك لا تقدر أن تؤدّى المال الذي أخذ خطّك به لا تقدر أن تؤدّى مائة ألف دينار. » فقال له:

« بلى إذا أمهلت وزال عني المكروه. » فقال له:

« نحن نمهلك فاكتب خطّك بمائة ألف دينار. » وكتب بذلك خطّه وأنّه يؤديها في مدّة ثلاثين يوما.

فلمّا قرأ هارون بن غريب الرقعة قال:

« كأنّك ترجو أن تعيش ثلاثين يوما. » فخضع له المحسّن وقال له: « أفعل ما يأمر به الأمير. » قال: « أكتب بأنّك تؤدّيها في مدّة سبعة أيّام. » فارتجع الرقعة ليكتب بدلها. فلمّا حصلت في يده مضغها وبلعها وامتنع أن يكتب غيرها. فقيّد وغلّ وألبس جبّة صوف وضرب على رأسه بالدبابيس على أن يكتب ما كان كتبه فلم يكتب، فأعيد إلى محبسه وعذّب فيه بأنواع العذاب فلم يذعن بدرهم واحد.

الخاقاني يناظر ابن الفرات

فلمّا كان بعد ذلك حضر الأستاذ مونس ونصر الحاجب والقضاة والكتّاب مجلس الوزير الخاقاني وأحضر أبو الحسن ابن الفرات وناظره الخاقاني ولم يكن الخاقاني من رجاله، فكاد أبو الحسن ابن الفرات أن يأكله فكان فيما قال له:

« إنّك استغللت ضياعك في مدّة أحد عشر شهرا ألف ألف دينار. » فقال: « قد كانت هذه الضياع في يد عليّ بن عيسى عشر سنين أيّام وزارته وأيّام وزارة حامد بن العبّاس وما ارتفع له منها إلّا أربعمائة ألف دينار فقد ادّعيت لي المعجزات. » فقال له:

« أضفت حقوق ضياع السلطان إلى ضياعك. » فقال: « الدواوين لا يمكن أن يكتم ما فيها فتنظر في ارتفاع النواحي السلطانية في أيّام نظري فيها وفي ارتفاعها أيّام عليّ بن عيسى ووزارة حامد بن العبّاس ووزارة أبيك التي دبّرتها أنت حتى تعلم هل زادت ارتفاع ضياع السلطان في أيّامى أم نقصت. » ونوظر فيمن قتل وشنّع عليه بهم فقال:

« ليس يخلو من ذلك من أحد أمرين: إمّا أن يقال إني أنا قتلتهم فلم أغب عن الحضرة والقتل لا ينسب إليّ والمدّعى قتله بالبعد منها، وإمّا أن يقال كتبت خطّك بقتلهم وهؤلاء أصحاب المعاون وثقات السلطان وعمّال الخراج ووجوه متصرّفى عمّال السلطان قد حكّمتهم على نفسي. » فقيل له:

« قد قتلهم ابنك. » فقال: « أنا غير ابني وأنتم تناظروننى. »

فقال له ابن بعد الشرّ:

« إذا قتل ابنك الناس فأنت قتلتهم. » فقال له ابن الفرات:

« هذا غير ما حكم الله ورسوله، فإنّه عز وجل يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. وقال النبي   لرجل من أصحابه: أهذا ابنك؟

فقال: نعم. قال: أما إنّه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه، ومع هذا فهو في أيديكم سلوه فإن وجب عليه قود بادّعاء قتل في موضع ناء عنه يقال فيه إنّ غيره تولّى قتله فالحكم في هذا معروف. » فتحيّر القوم في الجواب.

فقال عثمان بن سعيد صاحب ديوان الجيش لنصر الحاجب:

« إن رأى الحاجب أن يقول له حيث كنت تقول لمن تطالبه: إن أدّيت وإلّا سلّمتك إلى المحسّن، أكنت تسلّمه ليسقيه السويق والسكّر أو ليعذّبه؟ ومن أطلق التعذيب فقد أطلق القتل، لأنّ الإنسان قد يتلف بمقرعة واحدة يضرب بها فضلا عن غيرها. » فخاطبه نصر بذلك فقال في الجواب:

« إنّ الخليفة أطال الله بقاءه ولّى المحسّن وأنا إذ ذاك محبوس وهو مطلق فضمن ما ضمنه وجرى ذلك على يد مفلح وتوسّطه جماعة من ثقات السلطان. ثم لمّا تقلّدت الأمر كنت أحبّ الرفق بالناس وإذا ناظرتهم ورفقت بهم لم يذعنوا بما يلزمهم فإذا أقاموا على الامتناع سلّمتهم إلى من نصبه السلطان وأمر بتسليمهم إليه. » فقال له مونس:

« كأنّك تحيل على الخليفة في قتل الناس فإنّ الخليفة قال: ما أمرت بقتل أحد سوى ابن الحوارى فقط. » ثم أقبل نصر عليه فقال له:

« معي رسالة من الخليفة إليك فتسمعها وتجيب عنها. » قال: « وما هي؟ » قال: « يقول: سلّمت إليك قوما بمال ضمنته لي وأريد منك أحد أمرين:

إمّا وفّيتنى المال أو رددت عليّ القوم. » فقال ابن الفرات:

« أمّا المال فقد صحّ في بيت المال، وأمّا الرجال فما ضمنت أرواحهم ولا بقاءهم وقد تلفوا حتف آنافهم. » فقال له مونس المظفّر:

« هب أنّ لك في كلّ شيء عذرا وحجّة، أيّ عذر لك في إخراجى إلى الرقّة حتى كأنّى من العمّال المصادرين أو من أعداء دولة أمير المؤمنين؟ » قال: « أنا أخرجتك؟ » قال: « فمن أخرجنى؟ » قال: « مولاك أمرنى بإخراجك. » قال: « مولاي لم يأمر بذلك. » قال: « معي حجّة بخطّه كتب إليّ رقعة احتفظت بها لأنّها بخطّه يشكو فيها أفعالك وقتا بعد وقت وفتحك البلدان بالمؤمن الغليظة ثم إغلاقك إيّاها بسوء تدبيرك وآثارك القبيحة. » قال: « وأين الرقعة؟ » قال: « في أيديكم في جملة المهمّات التي أمرت بحفظها في السفط الخيزران المكتوب عليه بخطّى بالتحفّظ به من المهمات وفيها الأمر بإخراجك إلى الرقّة والتوكيل بك حتى تخرج. » فأمر الخاقاني بإحضار السفط فوجده مختوما بخاتم ابن الفرات ووجد فيه الرقعة بعينها وفيها جميع ما ذكر ابن الفرات بخطّ المقتدر فأخذها.

ومضى مونس من وقته إلى المقتدر حتى لقيه وأقرأه الرقعة فاغتاظ المقتدر على ابن الفرات غيظا شديدا، فأمر هارون بضربه بالسوط. فمضى هارون حتى ضرب ابن الفرات بين الهنبازين خمس درر فقط وقال له:

« يا هذا أذعن بمالك. » فأعطى خطّه بعشرين ألف دينار وقال:

« هذا مالي. » ثم أخرج المحسّن في الوقت فضربه ضرب التلف، فلم يذعن بشيء بتّة.

فصار هارون بن غريب إلى المقتدر بالله واستعفى من مناظرة ابن الفرات وابنه وقال:

« هؤلاء قوم ليس في عزمهم أن يؤدّوا شيئا البتّة وقد استقتلوا. » فأمر بتسليمهما إلى نازوك وبسط المكروه عليهما فأوقع نازوك بالمحسّن أنواع المكاره حتى تدوّد بدنه ولم يبق فيه فضل لمكروه. وضرب أبا الحسن ابن الفرات ثلاث دفعات بالقلوس فلم يذعن بدرهم واحد.

واستبطأ المقتدر بالله أبا القاسم الخاقاني الوزير وقال له:

« ما رأيت شيئا ممّا ضمنته من أموال ابن الفرات وابنه صحّ. » فقال: « لأنّه لم يترك والتدبير. » وإنّ ابن الفرات لمّا عدل به عن مناظرة الكتّاب وسلّم إلى أصحاب السيوف يئس من الحياة فضنّ بالمال ونظر إليه ابنه فاقتدى به. » وقال نازوك للمقتدر:

« قد انتهيت بهؤلاء القوم من المكاره إلى الغاية حتى إنّ المحسّن مع ترفه قد تدوّد بدنه وصبر بعد ذلك على مكاره عظام لم يسمع بمثلها وقد مضت له الآن أيّام لم يطعم طعاما وإنّما يشرب الماء شربا يسيرا وهو في أكثر أوقاته مغشيّ عليه. » فقال المقتدر بالله:

« إذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من حملهما إلى دارى. » فأظهر مونس والجماعة:

« إنّ الصواب في ذلك. » وقال الخاقاني:

« قد وفّق الله أمير المؤمنين. » وخرجت الجماعة من حضرته.

فأسرّ الخاقاني إليهم وهم بعد مجتمعون في دار السلطان وقال:

« إن حمل ابن الفرات إلى دار الخليفة بذل أسبابه عنه وعن ابنه الأموال، وإذا وثق مع ذلك بالخليفة وحصل في داره أخرج أمواله وتوثّق لنفسه ولابنه، فإذا أمن على نفسه تضمّن الجماعة وحمل الخليفة على تسليمها إليه ويطمعه في أن يوفّر أرزاقها وإقطاعاتها وضياعها ويجمع له أموالا جليلة خطيرة. والوجه أن يقع التجمّع من القوّاد واليمين على أنّهم إن وقفوا على أنّ ابن الفرات وابنه حملا إلى دار الخليفة خلعوا الطاعة. » فقال مونس:

« هذا شيء إن لم نفعله لم يصف لنا عيش. » وتجرّد لهذه الحال هارون بن غريب ونازوك فجمعا القوّاد ووجوه الغلمان الحجريّة وكان يلبق يستحلفهم.

ذكر مقتل أبي الحسن ابن الفرات وابنه المحسن

ثم اجتمعوا بأسرهم إلى مونس ونصر وأظهروا ما في نفوسهم. فأشار مونس بأن يلتمس القوّاد نقل ابن الفرات وابنه إلى دار مونس فإن مات المحسّن استبقى أبوه. فقال له هارون بن غريب:

« إذا مات المحسّن لم يصلح أن يستبقى أبوه وكيف يوثق به وقد قتل ابنه حتى يؤمن على الملك؟ » ثم كاشفوا المقتدر بالله وقالوا بأجمعهم:

« إن لم يقتل ابن الفرات وابنه خلع الأولياء بأسرهم الطاعة. »

وواصل هارون بن غريب مخاطبة المقتدر في قتل هذين وقال:

« ليست آمن أن يجتمع الأولياء على البيعة لبعض بنى هاشم، ثم لا يتلافى الأمر. » وأرادت الجماعة من الوزير الخاقاني التجريد في ذلك فقال:

« لست أدخل في سفك الدماء وإنّما أشرت بألّا يحملا إلى دار السلطان، فأمّا قتله فخطأ، لأنّه ليس ينبغي أن يسهّل على الملوك ولا يحسّن لهم قتل أحد، فإنّهم متى فعلوا ذلك خفّ عليهم قتل خواصّهم حتى يأتوا عليهم بأدنى ذنب وخطإ يكون منهم. » فلمّا كان يوم الأحد لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر قدّم إلى ابن الفرات طعامه فأمر برفعه وقال:

« أنا صائم. » وحضر وقت الإفطار فقدّم إليه لمّا حضر وقت الطعام فقال:

« لست أفطر الليلة. » فحضر عنده من اجتهد به أن يفطر فقال:

« أنا مقتول في غد لا محالة. » فقيل له: « أعيذك بالله. » فقال: « بلى رأيت البارحة أخي أبا العبّاس رحمه الله في النوم وقال لي:

أنت تفطر عندنا يوم الاثنين بعد غد وما قال قطّ في النوم شيئا إلّا صحّ وغدا الاثنين وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن عليّ صلوات الله عليه. » فلمّا كان من الغد وهو يوم الاثنين انحدر الناس إلى دار الخليفة، فلم يصلوا فكتب هؤلاء الرؤساء بقتل ابن الفرات وابنه فأجابهم المقتدر أن:

« دعوني أنظر في ذلك. » فكتبوا إليه: أنّه إن تأخّر قتل ابن الفرات وابنه عن هذا اليوم جرى على المملكة ما لا يتلافى.

وكتب المقتدر إلى نازوك بأن يضرب أعناقهما ويحمل رؤوسهما إلى حضرته فقال نازوك:

« هذا أمر عظيم لا يجوز أن أعمل فيه بتوقيع. » فأمر المقتدر الأستاذين والخدم بالخروج إليه برسالته بإمضاء ما كتب به فخرجوا إليه بذلك فقال:

« لا أعمل على رسالة ولا بدّ من مشافهة بذلك. » وابن الفرات يراعى الخبر فلمّا قيل له إنّ الناس قد انصرفوا وإنّ نازوك انصرف إلى منزله سكن قليلا ثم قيل له:

إنّ نازوك قد عاد إلى دار السلطان.

فاضطرب جدا وصار نازوك إلى دار الوزارة بعد الظهر من ذلك اليوم فجلس في الحجرة التي كان ابن الفرات معتقلا فيها ووجّه بعجيب خادمه ومعه السودان حتى ضرب عنق المحسّن وصار برأسه إلى أبيه فوضعه بين يديه فارتاع لذلك ارتياعا شديدا وعرض هو على السيف فقال لنازوك:

« يا با منصور ليس إلّا السيف؟ راجع أمير المؤمنين في أمري فإنّ لي أموالا عظيمة وودائع كثيرة وجواهر جليلة. » فقال له نازوك:

« قد جلّ الأمر عن هذا. »

وأمر به فضربت عنقه وحمل رأسه ورأس ابنه إلى المقتدر بالله فأمر بتغريقهما، فغرّقا في الفرات وغرّقت الجثتان في التمارين ببغداد.

وكانت سنّ أبي الحسن ابن الفرات رحمه الله يوم قتل إحدى وسبعين سنة وشهورا وسنّ ابنه المحسّن ثلاثا وثلاثين سنة.

حكم المنجم في ابن الفرات وابنه

وقد كان حكم العاصمي المنجّم في تلك السنة أنّه يخاف فيها على ابن الفرات نكبة وتلفا بالسيف وذكر ذلك في مولده الذي كان بين يديه، وحكم على مولد المحسّن أنّ عمره ثلاث وثلاثون سنة، فصحّ حكمه.

إطلاق القرمطي الحاج الأسرى عنده

وفي هذه السنة ورد كتاب الفارقي من البصرة يذكر أنّ كتاب أبي الهيجاء ابن حمدان ورد عليه من هجر يذكر أنّه كلّم أبا طاهر القرمطي في أمر من استأسر من الحاجّ وسأل إطلاقهم فوعده بهم وأنّه أحصى من عنده منهم فكانوا من الرجال ألفين ومائتين وعشرين رجلا ومن النساء نحو خمسمائة امرأة.

ثم وردت الأخبار بورود قوم بعد قوم إلى أن كان آخر من ورد منهم أبو الهيجاء وأحمد بن بدر عمّ السيّدة. وقدم بقدوم أبي الهيجاء رسول أبي طاهر القرمطي يستدعى الإفراج عن البصرة والأهواز ونواح أخر فأنزل الرسول وأكرم وأقيمت له الأنزال الواسعة ثم صرف ولم يقع إجابة إلى شيء ممّا التمس.

عدة حوادث

وفيها خلع على نجح الطولونى وردّ إلى إصبهان لولاية أعمال المعاون بها.

وفيها ورد رسول ملك الروم ومعه أبو عمير ابن عبد الباقي ووصل إلى السلطان وأوصله معه هدايا والتمس الهدنة والفداء فأجيب إلى ذلك بعد الغزاة الصائفة وخلع عليهما ورجع الرسول إلى بلد الروم.

وفيها خلع على جنّى الصفواني وكان ورد من ديار مضر واستدعى محاربة أبي طاهر القرمطي.

قدوم سليمان وابن مقلة وعلي بن عيسى إلى بغداد

وكان سليمان بن الحسن بن مخلد وأبو عليّ ابن مقلة مبعدين بشيراز في يد أبي عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي. فذكر أبو عليّ أنّه كان مجتمعا مع سليمان في دار واحدة مصونين مكرمين، فورد عليه الخبر بالقبض على ابن الفرات، وكان أبو الحسن ابن أبي البغل معتقلا في يد صارفه جعفر بن القاسم الكرخي. قال: فاطّلعت الجماعة على الخبر وكان ابن أبي البغل قد وقف على ما كان رسمه ابن الفرات والمحسّن في أمره فحين وقف على الخبر وقّع في حاشية التقويم:

« وفي هذا اليوم ولد محمّد بن أحمد بن يحيى وله إحدى وثمانين سنة. » ولمّا وقف الكرخي على الخبر أطلق أبا عليّ ابن مقلة وسليمان بن الحسين وهنّأهما بالسلامة قبل أن يرد عليه كتاب بإطلاقهما، ثم ورد كتاب الخاقاني على المسمعي والكرخي بإطلاقهما ومراعاتهم حتى لا يخرجا من شيراز فأقام سليمان مدّة أسبوع حتى أحكم أمره.

ودعا المسمعي جعفر بن القاسم الكرخي دعوة عظيمة وأقام على حال سرور يومين متواليين، فخفى عنهما الخبر في خروج سليمان وكان خرج في زيّ الفيوج. فلمّا كتبا إلى الخاقاني بهرب سليمان عظم عليه واشتدّت الأراجيف بوزارة سليمان ودخل سليمان بغداد مستترا وأقام أبو عليّ ابن مقلة بشيراز إلى أن توصّلت زوجته إلى أسباب الخاقاني وعنى به شفيع المقتدري وأمر الخاقاني بإطلاقه والإذن له في المصير إلى الأهواز، وكتب له بإجراء مائتي دينار في كلّ شهر عليه ومنعه من الخروج، فأقام مدّة ثم أذن له في قدوم بغداد بشفاعات الناس له.

وفيها خاطب مونس المظفّر الوزير الخاقاني في أمر عليّ بن عيسى وأن يكتب إلى أبي جعفر صاحب اليمن بالإذن له بالرجوع إلى مكّة فكتب إليه بذلك فأذن له أبو جعفر وحمل إليه طيبا وكسوة وآلات نحو خمسين ألف دينار وعاد عليّ بن عيسى إلى مكّة مع حاجّ اليمن.

فلمّا حصل بها قلّده الخاقاني بمسألة مونس الإشراف على مصر والشام.

وكتب عليّ بن عيسى لمّا وصل إلى مكّة وقبل تقلّده الإشراف على مصر والشام إلى الوزير الخاقاني كتابا يهنّئه فيه بالوزارة ويعزّيه بأبي على أبيه ويسأله صيانة أهله وولده والعناية بهم في ضيعته ومعيشته. فأجابه الخاقاني بجواب جميل وأنّه قد رعى حقّه في أهله وولده وحاشيته غير معتدّ عليه ولا متحمّد به.

ذكر الأسباب التي اتفقت على الخاقاني حتى صرف عن الوزارة

كان أبو العبّاس ابن الخصيبي وقف على مكان زوجة المحسّن بنت حنزابة فسأل أن يولّى النظر في أمرها واستخراج مالها. ففعل ذلك واستخرج منها سبعمائة ألف دينار وصحّحها في بيت مال الخاصّة. فتمهّدت له بذلك حال جليلة عند المقتدر ورشّحه للوزارة وبلغ ذلك الخاقاني فحمل ابن بعد شرّ على أن بذل خطّه أنّه يستخرج من الخصيبي مائة ألف دينار معجّلة وصلت إليه من مال المحسّن وزوجته زيادة على ما صحّحه من هذه الجهة.

وعرض الخاقاني الرقعة فلم تقع موقعها واتصل الخبر بأبي العبّاس الخصيبي فكتب إلى المقتدر رقعة يذكر فيها معايب الخاقاني وابنه وكتّابه وضياع الأموال وفساد التدبير وسلّمها إلى من يعرضها على المقتدر والسيّدة.

وبلغ ذلك الخاقاني واشتدّت به الأراجيف وضعفت نفسه وكان عليلا فزادت عليه حتى أقام شهورا لا يقدر على أكل لحم حمل ولا طائر وكان يأكل كلّ يوم وزن أربعين درهما خبزا، ثم صار عشرين درهما، وظهر به ورم في يديه ورجليه ووجهه وكان يتجلّد ويركب في كلّ شهر مرّة أو مرّتين إلى دار السلطان وينوب عنه ابنه في أيّام المواكب.

فشغب الفرسان لطلب أرزاقهم وخرجوا إلى المصلّى فوعدوا به وتأخّر عنهم فعادوا وطمعوا في النهب.

وأشرفت بغداد على فتنة عظيمة وخرج إليهم ياقوت بتوقيع المقتدر بالله إلى الخاقاني بإطلاق رزقة تامّة لهم وضمن ياقوت ذلك. فراسل المقتدر الوزير الخاقاني بإطلاق نفقاتهم، فذكر أنّه لا يقدر على ذلك وكان عليلا، فعاوده برسالة يأمره فيها أن يحتال في مائة ألف دينار ليضيف إليها مائتي ألف دينار ينفق فيهم. فأقام على أنّه لا يقدر على احتيال مائة ألف درهم وأنّ له في توجيه مال النوبة للرجّالة ومال الغلمان الحجريّة والحشم وخلفاء الحجّاب شغلا طويلا. فتقدّم المقتدر بإخراج ثلاثمائة ألف دينار من بيت مال الخاصّة واعتمد على ياقوت في تفرقتها.

وكان مونس المظفّر بواسط فاستدعاه المقتدر لمّا شغب الفرسان فوافى وتلقّاه الأمير أبو العبّاس والوزير الخاقاني ونصر وسائر الأستاذين والقوّاد ولقي المقتدر فعرّفه ضيق الأموال وتبلّح الخاقاني وشاوره في صرفه، فأشار عليه بالتوقف ليلقاه ويواقفه. فلقيه مونس فعرّفه الخاقاني أنّه لا حيلة له في شيء يصرفه في المهمّ واحتجّ بأنّه عليل لا فضل فيه للعمل.

فأشار مونس لمّا رأى تبلّح الخاقاني الشديد باستحضار عليّ بن عيسى وتقليده الوزارة، فاستبعد المقتدر ذلك فأشارت السيدة والخالة بأبي العبّاس الخصيبي فقبض على الخاقاني واستتر ابنه عبد الوهّاب وإسحاق بن علي القنّاى وأخوه وابن بعد شرّ وخاقان بن أحمد بن يحيى بن خاقان وظهر الباقون.

فكانت مدّة وزارته سنة واحدة وستة أشهر.

ذكر سبب وزارة أبي العباس الخصيبي

واستحضر المقتدر أبا العبّاس الخصيبي وهو أحمد بن عبيد الله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. فقلّده الوزارة والدواوين وخلع عليه وركب معه هارون بن غريب وياقوت ونازوك وأكثر القوّاد، واستكتبت ثمل القهرمانة مكانه على ديوان ضياع السيّدة أبا يوسف عبد الرحمن بن محمّد وكان قد تاب من عمل السلطان. فلمّا أسند إليه هذا العمل الجليل كسر التوبة فسمّاه الناس المرتد، واستدرك أموالا جليلة كان الخصيبي أضاعها، فتنكّرت ثم للخصيبي في الباطن.

وكان أبو العبّاس الخصيبي يواصل شرب النبيذ بالليل والنوم بالنهار في أيّام وزارته كلّها، وإذا انتبه يكون مخمورا لا فضل فيه للعمل، فردّ فضّ الكتب الواردة من عمّال الخراج والمعاون وقراءتها والتوقيع عليها وإخراجها إلى الدواوين، وقراءة الكتب النافذة والتعليم عليها إلى مالك بن الوليد، ويعمل جوامع مختصرة للمهمّ ممّا يرد وينفذ فيعرضه عليه إذا انتبه فربّما قرأه وربّما لم يقرأه فيقرأه أبو الفرج إسرائيل ويوقّع فيه على حسب رأيه.

وكانت الجوامع تعمل بخطّ أبي سعيد وهب بن إبراهيم بن طازاذ فتبقى أيّاما بحضرته فإذا كثرت تقدّم بأن يقرأ عليه ويتقدّم بالتوقيع تحت كلّ فصل بما عنده فيه ويخرج ذلك الجامع إلى مالك بن الوليد فيبقى عنده يوما أو يومين ثم يخرج إلى صاحب الديوان فيقرأه ويوقّع تحته بما يراه ويجاب عن الكتاب من الديوان بما ينفذ إلى صاحب الديوان فيقرأه ويعلم عليه وإلى أن ينفذ الجواب ما قد تمرّدت البثوق واتسعت الفتوق واحتملت الأعراب الغلّات وحدثت الحوادث المفسدة لمعنى ذلك الكتاب.

فلمّا رأى الكلوذانى ذلك ورأى الضرر يزيد والخطأ لا يتلافى كتب إلى العمّال بأن ينفذوا نسخة لما يكتبونها إلى الوزير إليه فكانوا يكتبون إليه نسخا بما ينفذ منهم إلى الوزير فيوقّع على ظهرها بما يجابون به وتخرج إليه الكتب المكتوبة عن الوزير بعد جمعة وأكثر.

وتقدّم الوزير الخصيبي إلى الحسن بن ثوّابة بأن يقرأ قصص المتظلّمين ويوقّع عنه فيها في غير يوم المظالم ويجمع القصص في يوم المظالم ويختصر ما في الرقعة فإذا قرأها وقّع بحسبه وكان أكثر اعتماده على أموال المصادرين. وكان أوّل المصادرين أبو القاسم الخاقاني واعتنق مونس أمره وذكر للمقتدر أنّه لا فضل فيه للحركة وأنّه قد قرّر أمر مصادرته عن نفسه وابنه وكتّابه المختصين به على مائتي ألف وخمسين ألف دينار. فأمضى المقتدر ذلك وأنفذ خطّه به إلى الخصيبي ووضع الخصيبي، يده على العمّال والكتّاب وجازفهم فيما صادرهم عليه، فصادر جعفر بن قاسم الكرخي على مائة وخمسين ألف دينار وقبض على المالكي وعلى هشام وعليّ بن الحسين بن هندي وورثة أبي أحمد الكرخي والحسن بن أبي الحسن ابن الفرات ويحيى بن عمرويه وأبي الحسن بن مابنداذ وإسحاق بن إسماعيل النوبختي ومحمّد بن يعقوب المصري وورثة نصر بن الفتح صاحب بيت المال وابن عبد الوهّاب وعبد الله بن جبير.

وكثرت الأراجيف بالخصيبي وأنّه مصروف عن الوزارة، لأنّه حمار لا يحسن شيئا غير المصادرات وهو مشغول بالشرب واللعب وأنّ الأمور كلّها ضائعة والمهمّات واقفة، وأرجف بالوزارة لجماعة.

وفيها كانت وقعة أبي طاهر سليمان بن الحسن القرمطي بالكوفة وأسر قوّاد السلطان.

ذكر الخبر عن دخول القرمطي الكوفة

كان جعفر بن ورقاء يتقلّد أعمال الكوفة وطريق مكّة. فلمّا شخص الحاجّ من بغداد تقدّمهم خوفا من أبي طاهر القرمطي وكان معه ألف رجل من بنى عمّه من بنى شيبان، ثم خرج في القافلة الأولى ثمل صاحب البحر وفي قافلة الشمسة جنّى الصفواني وطريف السبكرى وسياشير الديلمي. فكانت عدّة من بذرق بالقوافل من أصحاب السلطان ستة آلاف رجل فتلقاهم أبو طاهر الجنّابى وكان أوّل من لقي جعفر بن ورقاء فناوشه قليلا، ثم طلع على جعفر قوم من أصحاب أبي طاهر على نجب يقودون خيلا فنزلوا عن النجب وركبوا الخيل وخالطوا جعفر بن ورقاء فلم يثبت لهم وانهزم بمن معه من بنى شيبان فلق القافلة وقد نزلوا من العقبة فردّهم وأخبرهم الخبر فولّوا مبادرين حتى دخلوا الكوفة.

وتبع أبو طاهر رجال السلطان والقوافل حتى بلغ باب الكوفة فخرج قوّاد السلطان الذين ذكرناهم، فأوقع بهم وهزمهم وأسر جنّيّا الصفواني، وأقام أبو طاهر بظاهر الكوفة ستّة أيّام يدخل البلد بالنهار ويخرج بالليل فيبيت في معسكره ويحمل كلّ ما قدر على حمله. فكان في جملة ما حمل أربعة آلاف ثوب وشى وثلاثمائة راوية زيت. فلمّا حمل كلّ ما قدر عليه رحل إلى بلده.

ودخل جعفر بن ورقاء وجماعة المنهزمين إلى بغداد فتقدّم المقتدر بالله إلى مونس بالخروج إلى الكوفة لمحاربة القرمطي، واضطرب أهل بغداد اضطرابا شديدا وانتقل أكثر أهل الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي ودخل مونس الكوفة وقد رحل أبو طاهر الجنّابى عنها فاستخلف مونس بها ياقوتا وسار هو إلى واسط ولم يتمّ الحجّ لأحد.

ودخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة

وفيها ورد الخبر بمسير عليّ بن عيسى إلى مكّة حاجّا في هذه السنة من مصر وورد سلامة حاجبة بغداد ومعه سفاتج بمائة ألف وسبعة وأربعين ألف دينار وبآثار واستدراكات أثرها. وكان الخصيبي قد أقرّ عليّ بن عيسى على ما كان إليه من الإشراف على مصر والشام.

وفيها فتح إبراهيم المسمعي ناحية القفص وأسر منهم خمسة آلاف إنسان وحملهم إلى فارس.

وفي هذه السنة كثرت الأرطاب ببغداد حتى عمل منها التمور وحملت إلى البصرة فنسبوا إلى البغي.

وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يرسم لهم أداء الخراج إليه ويقول:

« إن فعلتم ذلك طائعين وإلّا قصدتكم فقد صحّ عندي ضعفكم. »

ودخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة

وفيها دخل الروم ملطية فأخرجوا وسبوا وأقاموا ستّة عشر يوما.

وفيها وصل ثمل إلى عمله من الثغور عند انصرافه من بغداد.

وفيها مات أبو القاسم عبد الله بن محمّد الخاقاني وكان أطلق إلى منزله.

فلمّا ارتفعت الصرخة بوفاته كبست داره لطلب عبد الوهّاب ابنه فلم يوجد.

وفيها دخل أهل ملطية بغداد مستغيثين ممّا نزل بهم من الروم.

وفيها خرج أهل مكّة منها ونقلوا حرمهم وأموالهم لاتصال خبر القرمطي بهم وأنّه قريب منهم فتخوّفوا على أنفسهم وأموالهم منه.

وكتب الكلوذانى إلى الخصيبي بأنّ أبا طالب زيد بن عليّ النوبندجانى قد صار يجرى مجرى أصحاب الأطراف وأنّه قد تغلّب على ضياع السلطان وأنّه يلزمه ممّا استغلّه منها ثلاثة آلاف ألف درهم.

وعمل بذلك عملا أحال فيه على ما كان كتبه أبو القاسم عليّ بن أحمد بن بسطام وقت تقلّده فارس. وكتب إلى الحسن بن إسماعيل وكان شخص ليقرّر خلافا كان بين المسمعي والكرخي بأن يصادره على مائة ألف دينار فاستدعى الحسن بن إسماعيل أبا طالب زيد بن عليّ وأخذ خطّه بمائة ألف دينار.

ذكر تدبير سيئ دبره الخصيبي أخرج به أكثر المماليك عن يده ولم يمكن تلافيه

دبّر الوزير أبو العبّاس الخصيبي أن يقلّد يوسف بن ديوداذ جميع نواحي المشرق ليسلّم أموالها إليه فيكون مع مال ضمانه أرمينية وأذربيجان مصروفة إلى قوّاده وجنده وغلمانه، وكاتبه في المصير إلى واسط لينفذه إلى هجر لمحاربة أبي طاهر الجنّابى وأشار بتكنيته وبأن يكون مونس المظفّر ببغداد ليقوى بمكانه أمر الخلافة وتعظم الهيبة في قلوب الأعداء.

فلمّا قرب ابن أبي الساج من واسط وكان فيها مونس المظفّر رحل مونس إلى بغداد ودخل ابن أبي الساج واسط وأنفذ قبل وصوله إليها أبا عليّ الحسن بن هارون كاتبه وكان يخدمه في خاصّ أمره على سبيل الخلافة لأبي عبد الله محمّد بن خلف النيرمانى كاتبه واختصّ به وخفّ على قلبه، فصار إلى بغداد ليواقف الخصيبي على مال رجاله وأموال الأعمال التي كانت معقودة عليه والأموال التي جعل مالها مصروفا إلى رجاله زيادة على الأموال المتقدّم ذكرها، فإنّ الخصيبي جعل أموال الخراج والضياع بنواحي همذان وساونة ورونة وقمّ وماه البصرة وماه الكوفة والإيغارين وما سبذان ومهرجانقذق لابن أبي الساج لمائدته لمحاربة الجنّابى.

فأمضى المقتدر ذلك وتقدّم بتقليده أعمال الصلاة والمعاون والخراج والضياع بسائر كور الجبل وأنفذ إليه اللواء وكنّاه. فكان يوسف يتكنّى على جميع الناس إلّا على الوزير ومونس المظفّر.

والتمس الحسن بن هارون أن يجعل لابن أبي الساج مائدة مبلغها في الشهر خمسة ألف دينار وقال:

« ليس هو بدون أحمد بن صعلوك. » وكان قد جعلت له مائدة في أيّام وزارة حامد بن العبّاس مبلغها ثلاثة آلاف دينار في الشهر وجعل له عشرة آلاف دينار في كلّ شهرين من شهور المماليك لأرزاق غلمان لا يحضرون. وسام الكتاب الحسن بن هارون أن يشرط على نفسه أن ينفذ السلطان منفقا ينفق أموال تلك النواحي في رجالة غلمانه، فاستجاب إلى جميع ما طالبوه به وأعطى خطّه إلّا أمر المنفق فانّه زعم أنّ صاحبه لا يصوّر نفسه عند أصحاب الأطراف بصورة من لم يوثق به على مال رجاله.

ولمّا عقد لابن أبي الساج على الجبل وندب لمحاربة القرمطي عقد لصاحب خراسان على الريّ فصار إلى الريّ وأنفذ إليه من يخاطبه على المال الذي ووقف على حمله من الريّ. وصار ابن أبي الساج إلى الريّ وحمل إليه المقتدر خلعا سلطانيّة وسيفا ومنطقة ذهب وخيلا بمراكب ذهب وفضّة وطيبا وسلاحا.

ذكر الخبر عن القبض على الخصيبي وتقليد علي بن عيسى الوزارة

أضاق أبو العبّاس إضاقة شديدة واضطرب أمره وأشار مونس بعليّ بن عيسى فأنفذ ضحوة نهار يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة إلى الخصيبي حتى قبض عليه وعلى ابنه وكتّابه وحملوا إلى دار السلطان وحبسوا عند زيدان القهرمانة. وفرّق بين الخصيبي وبين ابنه وحمل باقى المعتقلين إلى دار الوزارة بالمخرّم فاعتقلوا فيها، وأنفذ نازوك وقت قبضه على الخصيبي حتى حفظت داره القديمة من النهب.

واستدعى المقتدر أبا القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى وأوصله إلى حضرته وعرّفه أنّه قد قلّد أبا الحسن عليّ بن عيسى الوزارة وأنّه قد استخلفه له ويقدم إليه بالنيابة عنه واستحضر سلامة الطولونى وتقدّم إليه بالنفوذ في البرّيّة إلى دمشق واستحضار عليّ بن عيسى منها.

وانصرف أبو القاسم الكلوذانى من دار السلطان في الطيّار الذي قبض على الخصيبي إلى دار الوزارة بالمخرّم ونظر في الأعمال وكتب إلى العمّال في النواحي وإلى جميع الأمراء وأصحاب البرد والخبر والقضاة بما قلّد عليّ بن عيسى من الوزارة واستخلاف أمير المؤمنين إيّاه وأمر ونهى وصرف وولّى.

وظهر في ذلك اليوم أبو عليّ ابن مقلة وأبو الفتح الفضل بن جعفر ابن حنزابة وصارا إلى الكلوذانى وسلّما عليه.

ذكر خلافة أبي القاسم الكلوذانى لعلي بن عيسى وتمشيته للأمور

قد كان جمع الخصيبي عنده جميع رقاع المصادرين وكفالات من كفل منهم وضمانات العمّال بما ضمنوا من المال بالسواد والأهواز وفارس والمغرب، وكان عنده خطّ كاتب المسمعي عن مال فارس بما يعجّله عن الزيادة في ضمانه وهو ألف ألف درهم وخطّ سليمان بن الحسن بما استدركه على ابن عبد الوهّاب وهو أربعمائة ألف دينار وكسر، وما ضمن حمله عن أعمال الشام وهو خمسمائة ألف دينار، وخطوط ضمناء واسط والبصرة وطريق خراسان والنهروانات ونهر بوق والذئب الأسفل وجازر والمدينة والعتيقة وغيرهم. فحفظ جميع ذلك الكلوذانى إلى أن قدم عليّ بن عيسى فسلّمه إليه.

وأدّى نصير بن عليّ إليه مائتي ألف درهم وأحمد بن إسحاق بن زريق عشرة آلاف دينار وورد بعد أسبوع من صرف الخصيبي فيج بكتب سليمان بن الحسن وفي درجها سفاتج بثمانين ألف دينار. وورد ما كان حمله عليّ بن عيسى على الظهر من مال مصر ووصل من جهة البرجمالى من قمّ عشرة آلاف دينار ووردت من جهة أبي عليّ ابن رستم من مال الضمان سفاتج بأربعمائة ألف درهم فكان ذلك سبب تمشيته الأمور.

واتفق الكلوذانى في سائر المرتزقة وفي الفرسان قبل العيد ولم يزل أبو القاسم الكلوذانى يدبّر الأمور وقد تمكّنت الهيبة لعليّ بن عيسى في الصدور فاستعان بذلك على أمره.

وسار عليّ بن عيسى من دمشق إلى جسر منبج، ثم انحدر في الفرات إلى بغداد وشخص الناس في استقباله سنة خمس عشرة، فمنهم من أبعد إلى الرقّة.

ودخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة

ذكر ما دبره علي بن عيسى في وزارته هذه وما جرى في أيامه

وصل عليّ بن عيسى إلى بغداد وبدأ بدار المقتدر ووصل إلى حضرته بعد عشاء الآخرة ومعه مونس. فخاطبه أجمل خطاب وانصرف إلى منزله ووجّه المقتدر إليه في ليلته بكسوة فاخرة وفرش ومال يقال إنّه بقيمة عشرين ألف دينار، وخلع عليه من الغد، وسار معه مونس المظفّر إلى أن بلغ داره وحلف عليه عليّ بن عيسى فنزل في داره، وسار بين يديه هارون ابن غريب وشفيع ومفلح ونسيم وياقوت ونازوك وجميع القوّاد حتى وصل إلى داره بباب البستان.

وكان قد ضرّب عليّ بن عيسى على هشام فتأخّر عنه واستوحش فكاتبه وونّسه حتى حضر مجلسه ثم قال له:

« ما مذهبي أن أذكر إساءة لأحد من الناس ولما خلّصنى الله من صنعاء وعدت إلى مكّة عاهدت الله على ترك الإساءة إلى أحد ممّن سعى عليّ في ولايتي ونكبتى ووكلت جميعهم إلى الله ولك خدمة متقدّمة توجب لك حقّا وعليك أضعافه فإن كنت لا ترعى ذلك فلن أدع رعايته. » وقلّد عليّ بن عيسى الكلوذانى ديوان السواد وقال له:

« هذا أجلّ الدواوين ومتى تشاغلت بخلافتى اختلّ وليس يقوم به أحد كقيامك. » ثم نظّم الأعمال وقلّد العمّال ورتّب الدواوين واعتمد على إبراهيم بن أيّوب في إثبات أمر المال بحضرته وفي موافقه صاحب بيت المال على ما يطلقه وينفقه في كلّ يوم ومطالبته بالرّوزنامجات في كلّ أسبوع ليتعجّل معرفة ما حلّ وما قبض وما بقي. وكان الرسم إذا عملت الختمة لم يرفع إلى الديوان للشهر الأوّل إلّا في النصف من الثاني.

وقلّد أبا الفتح الفضل بن جعفر بن حنزابة ديوان المشرق، وأبا بكر محمّد بن جني ديوان المغرب، وأبا عليّ ابن مقلة ديوان الضياع الخاصة والمستحدثة، وأبا محمّد الحسين بن أحمد المادرائى ديوان الضياع الفراتيّة، وأبا محمّد بن روح ديوان زمام الخراج والضياع العامّة بالسواد والأهواز وفارس وكرمان وما يجرى فيه.

وقلّد أبا القاسم ابن النّفاط ديوان زمام النفقات والخزائن. وأبا جعفر القمّى ديوان الدار، وأبا أحمد عبد الوهّاب بن الحسن ديوان البرّ وديوان الصدقات، وأبا الفتح محمّد بن أحمد قلنسوة ديوان زمام الجيش، ومحمّد بن عيسى ديوان الحرم، وأبا يوسف ديوان الفصّ والخاتم.

وقلّد أيضا كفاة العمّال واقتصر في أرزاقهم على عشرة أشهر في كلّ سنة وبأصحاب البرد والمنفقين على ثمانية أشهر في كلّ سنة. وحطّ من مال الرجّالة برسم النوبة ومن مال الفرسان وجميع أرزاق من كان يرتزق بهذين الرسمين من الكتّاب والتجار ومن لا يحمل السلاح. وحطّ أولاد المرتزقة الذين في المهود وحطّ من مال الخدم والحشم وجميع أرزاق الجلساء والندماء والمغنّين والتجّار وأصحاب الشفاعات، وحطّ أرزاق غلمان وأسباب أصحاب الدواوين. ولازم النظر بنفسه في العمل ليلا ونهارا والجلوس لأصحاب الدواوين في الليل وكان يسهر أكثر الليل حتى استقامت الأمور وتوازن الدخل والخرج.

وكان إلى أبي عبد الله البريدي في الوقت الضياع الخاصّة ضمانا واقطاع الوزراء. وكان أبو يوسف البريدي يتولّى لعليّ بن عيسى الخراج برامهرمز سهلها وجبلها.

شرح ما جرى بين الوزير أبي الحسن علي بن عيسى وبين أبي العباس أحمد بن عبيد الله من المناظرة

تقدّم المقتدر إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى بمناظرة أبي العبّاس الخصيبي. فأخرج إليه وناظره في دار السلطان بحضرة الأستاذين والقوّاد والقضاة مناظرة جميلة وسأله عن مبلغ ما أنفق بالحضرة من بيت المال فلم يحفظه، وسأله عمّا صحّ له من مال المصادرين وعن رقاعهم بالمصادرات وعن كفالات من كفل منهم وعن ضمانات ما ضمنه عنهم.

فقال:

« أمّا المصادرات فقد صحّ لي منها في مدّة أربعة عشر شهرا تولّيت فيها الوزارة نحو ألف ألف دينار. » فقال له:

« كم منها من جهة الخاقاني فإنّ أمير المؤمنين عرّفنى أنّك ضمنتهم بخمسمائة ألف دينار. » فقال: « دفع عنه مونس المظفّر. » فردّت الجماعة قوله وقالوا له:

« قد سلّم إليك حتى شنّع عليك بأنّك سممته ثم أطلقته. » ثم قال له عليّ بن عيسى:

« لأيّ شيء استحضرت يوسف بن أبي الساج إلى واسط وسلّمت إليه أعمال المشرق بأسرها سوى إصبهان وكيف وقع لك أنّه يجوز أن يخرج هو مع قوم اعتادوا الجبل والمقام فيه في طريق البرّ يقصدون طريق السواحل في بلدان حوالى هجر؟ » قال: « كان عندي أنّ هذا صواب. » فقال له:

« فحيث فعلت ذلك لم لم تقتصر على أن يعرض رجاله وغلمانه ويجرى مال عسكره مجرى مال عسكر مونس المظفّر، فانّه يسبّب له مال ويطلق على أيدى منفقين من قبل السلطان ويرفع الحساب بذلك إلى دواوين الجيش ولا يقتصرون على ديوان منها دون جميعها ولا يزاد أحد ولا ينقل عنه من رسم إلى رسم إلّا على استقبال معروف ثم يوفّر المعطون كلّ شهر من التوفيرات بسبب الغرم ولأجل سقوط من يسقط جملة من المال ولم لم تترك الأعمال في أيدى عمّال السلطان ويسبّب له عليهم مال رجاله كما يسبّب مال رجال أبي الحسن مونس المظفّر؟ » قال: « لم أفعل هذا لأنّه تكلّف من هذا الأمر عظيما احتيج معه إلى فضل مسامحة. » فقال له:

« فلأيّ سبب ضمّنت إبراهيم بن عبد الله المسمعي أعمال فارس وكرمان؟ » فقال: « لأجل زيادة بذلها. » فقال له:

« أما علمت أنّ حفظ الأصول أولى من طلب الأرباح؟ وهبك رغبت في الزيادة لم لم تستدعه إلى الحضرة فإذا وردها وأردت تضمينه أقام بها واستعمل على العمل خلفاءه وأقام لك الضمناء الثقات بالمال ومضى بعد ذلك. » فقال: « إنّما رغب في الضمان ليعمله بنفسه. » فقال عليّ بن عيسى:

« أرجو أن يسلّم الله. » ثم قال:

« لم قبضت جارى ابنك محمّد ألفى دينار في كلّ شهر وهو لا يقرأ كتابا ولا يحضر ديوانا ولا يحسن أن يعمل شيئا؟ » قال: « سألت أمير المؤمنين له رزق المحسّن وعبد الوهّاب بن الخاقاني

فأجابنى إليه. » قال: « المحسن ربّى في الدواوين ودبّر الأمور وكان مع شرّه واستحلاله وقبح ديانته كاتبا، وابن الخاقاني كان ينوب عن أبيه ويأمر وينهى ويخدم وهو فهم وابنك لا يجرى مجرى واحد منهما فاكتب خطّك انّك تردّ ما قبضه. » فقال: « كيف أردّ مالا قبضه ابني وأنفقه؟ » فقال له:

« على أيّ شيء أنفقه؟ » قال: « على ما ينفق مثله الأحداث. » ثم سأله عن أموال المصادرين وما صحّ من جهتهم فقال:

« لا أحفظه إلّا انّه ثابت في ديوان المصادرين. » قال: « فعنه أسألك. » قال: « هو عند هشام وإن سئل عنه خبّر به، فإنّ رقاع المصادرين والكفالات والأعمال في يده. » فقال له:

« ما سبقك أحد إلى تسليم خطوط المصادرين إلى صاحب ديوان المصادرات لأنّ سبيل الخطوط أن تكون في خزائن الوزراء محفوظة يتسلّمها وزير بعد وزير فإن كنت أردت عمارة الديوان فكان ينبغي أن تأخذ الخطوط على نسختين: نسخة للديوان ونسخة تكون عندك، فلو باع صاحب الديوان رقاع المصادرين والكفالات وضمانات الضّمناء هل كان على السلطان مضرّة في هذا المال أعظم منك، وإذا كان هذا تدبيرك فيما لم تكن تحسن سواه فأيّ شيء دبّرت غيره من أعمال الدواوين؟ فإمّا أن تكون خنت الأمانة وإمّا أن لم تحسن ضبط شيء من الأعمال؟ » وكلّ ذلك يخاطبه به عن غير إسماع مكروه ولا صياح.

ثم قال:

« غررت المملكة فضرب النساء والحرم بالمقارع وهتكت الستور بما فعلت من تسليمهنّ إلى الرجال فلأيّة حال سلّمت بنت جعفر بن الفرات إلى أفلح وهو رجل شاب جميل الوجه يتصنّع حتى تزوّج بها في حبسك ولأيّة حال ضربت دولة وإنها بحضرتك، ثم لم ترض بذلك حتى اعتقلت الجماعة في يد غلمانك وحجّابك عدّة شهور؟ » ثم قال:

« ارتزقت لنفسك خمسة آلاف دينار في الشهر يكون في مدّة أربعة عشر شهرا سبعين ألف دينار سوى ما ارتزقه ابنك وأخذت من أقطاعك في مدّة سنة وشهرين ما ثبت في الختمات الموجودة لجهبذك في ديوانك مائة وثمانين ألف دينار يصير الجميع مائتين وخمسين ألف دينار. » ثم أخرج عملا بخطّ عليّ بن محمّد بن روح بهذا المبلغ وبأنّه أنفق في كلّ شهر من النفقات الراتبة ألفى وخمسمائة دينار تكون في أربعة عشر شهرا خمسة وثلاثين ألف دينار وفي النفقات الحادثة والصلات والمؤونة مع ثمن الطيب والكسوة عشرين ألف دينار وفي ثمن عقارات أضافها إلى داره مع ما أنفقه على البناء أربعين ألف دينار وفي ثمن الهدايا في النوروز والمهرجان إلى الخليفة وإلى الأميرين أبي العبّاس وهارون ابنيه وإلى السيدة والخالة وزيدان ومفلح خمسة وثلاثين ألف دينار. وفي ثمن بغال ودوابّ وجمال وخدم وغلمان عشرة آلاف دينار.

وفيما يحتاج إلى إنفاقه وصرفه إلى من برسم دار الوزارة من خلفاء الحجّاب والبوّابين وأصحاب الرسائل وإنزال الفرسان والرجّالة عشرين ألف دينار. » فقال في الجواب:

« هذا عمل صحيح وليس كلّ ما أنفقته كتبته فقد كنت أصوغ لحرمي وأولادى وأنفق نفقات أسترها عن كاتبي وما سرقت ولا خنت. » فقال له عليّ بن عيسى:

« ما يقول أحد أنّك سرقت أو خنت ولكنّك أضعت وأسأت التدبير ودخلت فيما لا تحسنه ولو أخذت أضعاف ما أخرجناه وعليك لما ناظرك أمير المؤمنين فيه لا سيّما وهو منسوب إلى أرزاقك وإقطاعك ونفقات معروفة لك، وكيف نناظرك في ذلك وما نعيش ولا أحد من كتّاب أمير المؤمنين إلّا في نعمته وإحسانه ولنا ضياع استفدناها في خدمته وخدمة أسلافه رضي الله عنهم. » ولم يزل يرفق به إلى أن أخذ خطّه بأربعين ألف دينار يؤدّيها في مدّة أربعين يوما بعد أن حلف إنّه لا يتّجه له حيلة في غيرها، وسلّم عليّ بن عيسى رقعته بها إلى مفلح وقال له:

« تعرضها على أمير المؤمنين وتقول: إنّ هذا وإن كان قد غرّ من نفسه وأضاع وأهمل فقد تحرّم بخدمة أمير المؤمنين وحلف بأيمان بيعته على أنّه غاية ما يقدر عليه وليس له ذنب وإنّما الذنب لمن غرّك منه ولم ينصحك في أمره. » ثم كتب رقعة إلى المقتدر بقبول ما بذله الخصيبي ويحمله إلى ثمل القهرمانة إلى أن يؤدّى ما فورق عليه.

ذكر ما دبره علي بن عيسى من الأمور في وزارته هذه

لمّا نظر عليّ بن عيسى في الأمور وجد أهمّ ما يحتاج إليه أمر الرجّالة المصافيّة وكان مبلغ مالهم في أيّامه ثمانين ألف دينار ومال رجال مونس المظفّر وهو ستمائة ألف دينار في كلّ سنة سوى مال الرجّالة معه ومال الحجريّة برسمه فانّه يطلق مع أرزاق نظرائهم.

وكان يسبّب مال رجال مونس على نواح اختارها مونس فإذا أزاح العلّة فيما ذكرناه نظر بعد ذلك في أمر مال خلفاء الحجّاب والحشم والمتطبّبين والفرسان برسم التفاريق والمنجّمين والفرّاشين والطبّاخين والساسة وسائر المرتزقة من الخدم. فخرج عليّ بن عيسى يوما من حضرة المقتدر بالله ليركب في طيّاره فوثب به الخدم والحشم بألسنتهم وثوبا قبيحا.

وورد الخبر على عليّ بن عيسى بأنّ إبراهيم بن المسمعي اعتلّ علّة حادّة وتوفّى بالنوبندجان فأشار عليّ بن عيسى بتقليد ياقوت أعمال الحرب والمعاون بفارس وتقليد أبي طاهر محمّد بن عبد الصمد أعمال المعاون بكرمان فخلع عليهما وعقد لهما لواءان.

وكتب عليّ بن عيسى إلى القاسم بن دينار بالمبادرة إلى فارس وقلّده أعمال الخراج والضياع بها وقلّد ما كان إليه من أعمال الأهواز أبا الحسن أحمد بن محمّد بن مابنداذ وابن السلاسل.

فحكى أبو الفرج ابن هشام قال: لمّا بلغ أبا عبد الله البريدي ما تقلّده هؤلاء من أعمال الأهواز وما حولها قال:

« يقلّد هؤلاء هذه الأعمال ويقتصر بأخي أبي يوسف على سرّق وبي على ضمان الضياع الخاصّة، خذ يا أبا هشام هذا الكتاب - يعنى الكتاب الوارد عليه بما قلّد - وأعطه ابنك حتى يمثّل عليه ويتعلّم منه الخطّ، فإنّ لطبلى صوتا سوف تسمعه بعد أيّام. » وكان أبو عبد الله البريدي أنفذ أخاه أبا الحسين إلى الحضرة لمّا بلغه اضطراب أمر عليّ بن عيسى ووافقه على أن يخطب له عمل الأهواز إذا تجدّدت وزارة لمن يرتفق، فإنّ عليّ بن عيسى يعفّ ولا يرتفق.

فلمّا تمّت الوزارة لأبي عليّ ابن مقلّة صار أبو الحسين إلى أبي أيّوب السمسار وبذل له عشرين ألف دينار فقلّد أخوه أبو عبد الله البريدي أعمال الأهواز سوى السوس وجنديسابور وقلّد أبو الحسين الفراتيّة وأبو يوسف الخاصّة والأسافل على أن يكون المال في ذمّته إلى أن يقع الوفاء لهم فوفى لهم وقبض المال.

وكتب أبو عليّ ابن مقلة في القبض على أبي السلاسل فخرج أبو عبد الله بنفسه إلى تستر حتى حصله وأسبابه ووجد له في صناديقه وعند جهبذه عشرة آلاف دينار فأخذها ووافقه على أن يصكّ بما كان عند الجهبذ بنفقات باطلة وأخذ من كاتبه ألفى دينار ومن خليفته ثلاثة آلاف دينار ومن حاجبه ألفى دينار.

وكان أبو عبد الله البريدي أحد دجّالى الدنيا وشياطينها.

ثم كثّر على أبي عليّ ابن مقلة بأنّه أهلّه لما لا يستحقّه فصرفه بأبي محمّد الحسين بن أحمد المادرائى وقلّده إشرافا وقلّد الأصل جماعة من العمّال فما أحلى أبو محمّد ولا أمرّ وكان كاتبه عليّ بن يوسف وخليفته صحبته من الحضرة فبان من تجلّفه وسقوطه ما صار به نكالا وحديثا.

وحسبك أنّ أبا عبد الله البريدي أخذ عليه الطرقات فكان كلّ ما كتب به يؤخذ من رسله فما قرئ له كتاب منذ دخل الأهواز إلى أن صرف عنها.

ثم صرفه بعد ذلك أبو عليّ بأبي عبد الله البريدي وقال:

« اغتررت بطلل ذلك الشيخ وما كلّ من يصلح للكتابة ينفذ في العمالة. »

وعدنا إلى تمام حديث علي بن عيسى وما دبره به المملكة

ولمّا أخرج إليه الارتفاعات كان فيه مبلغ ارتفاع لضياع إقطاع الوزراء بعد نفقاتهم الراتبة مائة وسبعين ألف دينار. فكتب إلى المقتدر بأنّه غنيّ عن هذا الإقطاع وأنّه قد وفّر ماله فإنّ أمر ضيعته قد صلح وكذلك وقفه بإعادته إيّاه إلى خدمته وأنّه يوفّر أيضا رزق الوزارة وهو مع ألفى دينار أجريت لابن الخصيبي سبعة آلاف دينار في كلّ شهر.

وكتب إليه المقتدر بالشكر وانّه لا بدّ من أن يقبض الرزق على الرسم فحلف عليّ بن عيسى إنّه لا يقبض رزقا لهذه الخدمة لأنّ مذهبه ترك التنعّم.

حوادث أخرى

وفيها شغب الفرسان برسم التفاريق وخرجوا إلى المصلّى فنهبوا القصر المعروف بالثريّا وذبحوا الوحش الذي في الحائر وذبحوا البقر التي لأهل القرى التي حوله وخرج إليهم مونس وضمن لهم أرزاقهم فرجعوا إلى منازلهم.

وفيها خلع على مونس للخروج إلى الثغر لأنّ ملك الروم دخل سميشاط وضرب في مسجد الجامع بالنواقيس وصلّى فيه الروم صلاتهم.

وفيها ظهرت وحشة مونس المظفّر

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ خادما من خدم المقتدر بالله حكى لمونس انّ المقتدر تقدّم إلى خواصّ خدمه بحفر زبية في الدار المعروفة بدار الشجر من دار السلطان حتى إذا حصل مونس فيها عند الوداع إذا أراد الخروج إلى الثغر، حجب الناس وأدخل مونس وحده إلى ذلك الصحن، فإذا اجتاز على تلك الزبية وهي مغطاة وقع فيها ونزل إليه الخدم وخنقوه ويظهر أنّه وقع في سرداب فمات. فامتنع مونس من دار السلطان وركب إليه جميع القوّاد والغلمان والحاشية وعبد الله بن حمدان وأخوته وأكثر العرب وخلت دار السلطان من الجند.

وقال عبد الله بن حمدان:

« نقاتل بين يديك أيّها الأستاذ إلى أن تنبت لك لحية. »

فوجّه إليه المقتدر بنسيم الشرابي ومعه رقعة بخطّة إليه يحلف له فيها على بطلان ما بلغه. فصرف مونس جميع من اجتمع إليه من الجيش وأجاب عن الرقعة بما يجب في مثل ذلك وانّه لا ذنب له في حضور من حضر عنده، لأنّه لم يستدعهم. وامتنع ابن حمدان من الانصراف وحلف إنّه لا يبرح من دار مونس ليلا ونهارا إلى أن يركب معه إلى دار السلطان ويطمئن إلى سلامته، ولازم مونسا أيّاما كثيرة.

وانضاف إلى ذلك أنّ إسحاق بن إسماعيل كان سبّب عليه مال مونس ومال رجاله فبلّح فيها. وكان عليّ بن عيسى متنكّرا له لأشياء بلغته عنه في غيبته فشغب الفرسان لتأخّر أموالهم، فجدّ عليّ بن عيسى بإسحاق بن إسماعيل واعتقله وأخذ خطّه بخمسين ألف دينار من مال ضمانه واعتقل أحمد بن يحيى الجلخت كاتبه وعدّة من أصحابه حتى استوفى ذلك، ثم صرفه عن أعماله وجدّ بعمّال السواد حتى صحّ له في مدّة ثلاثة أيّام ما أنفقه في أصحاب مونس.

وكتب المقتدر إلى جماعة من وجوه القوّاد بأنّه قد صفح عمّا كان منهم في نهب الثريّا وإحراقها وقرئت عليهم فشكروا وسألوا أن يضمّ جماعة منهم ممّن اتّهم بذلك إلى مونس المظفّر لينحدر معهم إلى حضرته. فانحدر معهم ووصل إلى المقتدر بالله وقبّل الأرض بحضرته وحلف المقتدر له على صفاء نيّته وودّعه مونس.

وقرأ عليه عليّ بن عيسى كتابا ورد عليه من وصيف البكتمرى بأنّ المسلمين عقبوا على الروم وظفروا بهم وبجميع من في عسكرهم وقتلوا منهم وغنموا غنائم جليلة. وخرج مونس من داره إلى مضربه بباب الشماسيّة وشيّعه الأمير أبو العبّاس والوزير عليّ بن عيسى ونصر الحاجب وهارون ابن غريب. وورد رسول ملك الروم ومعه كتاب من وزير الملك وهو اللعثيط إلى الوزير عليّ بن عيسى يلتمس فيه الهدنة.

ظهور الديلم

وفي هذه السنة ظهر الديلم، وكان أوّل من غلب على الريّ منهم بعد خروج ابن أبي الساج منها، ليلى بن النعمان ثم ما كان بن كاكى. ودخل هذا الرجل في طاعة صاحب خراسان لأنّه كتب إليه واستدعاه، فمضى إليه وغلب على الريّ أسفار بن شيرويه وكان مرداويج بن زيار أحد قوّاده.

عاقبة عسف أسفار بن شيرويه

وكان اسفار بن شيرويه لمّا غلب على قزوين ألزم أهلها مالا جليلا وعسفهم عسفا شديدا وخبطهم وأحلّ بهم من تسليط الديلم على مهجهم وأموالهم واستباحتهم وتعذيب عمّالهم ما استعظمه هو في نفسه فضلا عن غيره، ورقّت القلوب منه وضاقت النفوس وبلغت الحناجر ويئس الناس من الحياة وتمنّوا الموت. فخرج الرجال والنساء والأطفال إلى المصلّى مستغيثين إلى الله تعالى وراغبين إليه في كشف ضرّهم فمضى لهم يوم على ذلك. وأنهى الخبر إلى اسفار فتهاون بالدعاء.

فلمّا كان في اليوم الثاني خرج عليه مرداويج فواقعه وهزمه فمرّ على وجهه فتبعه يومه أجمع فلم يظفر به، ولحقت أسفار مجاعة في اليوم الثاني فأوى إلى رحى طحّان في قرية وسأله أن يطعمه فأخرج إليه خبزا ولبنا، وكان يأكل وأطلّ مرداويج على الموضع فوجد آثار الحافر قد انقطع هناك، فوقف يتأمّل فرأى أكّارا فتشبّث به وسأله عن اسفار فأنكر وأرهبه فقال له:

« ما أعرفه ولكني رأيت فارسا قد دخل إلى هذه الرحى. » وكبس مرداويج الموضع فوجده يأكل خبزا فاحتزّ رأسه، وعاد إلى قزوين فسكّن أهلها وتلافاهم وأزال تلك المطالبة عنهم ووعدهم بالجميل وانصرف عنهم ووهب دعاءهم.

ثم أنّ مرداويج ذهب فتغلّب على الريّ وإصبهان وأساء السيرة بإصبهان خاصّة وتبسّط في أخذ الأموال وانتهاك الحرم وطغى وجلس على سرير ذهب دونه سرير فضّة يجلس عليه من يرفع منه وأقام جنده يوم السلام عليه صفوفا بالبعد منه.

وسام مرداويج رجاله الخسف وكانوا يرهبونه رهبة عظيمة وكان يقول:

« أنا سليمان بن داود وهؤلاء الشياطين. » وكان يغضّ من الأتراك غضّا شديدا. فساءت نيّاتهم له فطلبوا كيدا يكيدونه به وتمكّنت له في نفوس الخاصّ والعامّ البغضاء وضجروا منه وضعفت نفوس أهل مملكته في أيّامه.

مقتل مرداويج

قال: وركب يوما في موكب عظيم وخرج إلى الصحراء وكان ينفرد عن جيشه ويسير وسطا لا يجسر أحد على القرب منه فكان العالم يتعجّبون منه ومن تمرّده وطغيانه إذ اشتقّ العسكر رجل شيخ لا يعرف، على دابّة، فقال:

« زاد أمر هذا الكافر واليوم تكفونه قبل تصرّم النهار ويأخذه الله اليه. » فلحقت الجماعة دهشة وتبلّدوا.

قال أبو مخلد عبد الله بن يحيى:

وكنت في الموكب فنظر بعض الناس إلى بعض ولم ينطق أحد منهم بحرف ومرّ الشيخ كالريح، ثم قال الناس:

« لم لا نتبعه ونستعيده الحديث ونسأله من أين علم أو نأخذه ونمضي به إلى مرداويج لئلّا يبلغه الخبر فيلومنا على تركه. » فركضوا يمينا وشمالا إلى كلّ طريق وسبيل في طلبه فلم يوجد وكأنّ الأرض ابتلعته.

ثم عاد مرداويج ولم يلو على أحد ودخل داره ونزع ثيابه، ثم دخل الحمّام وأطال، وكان كورتكين قريبا منه وخصّيصه يحرسه ويراعيه في خلواته وحمّامه فأمره أن لا يتبعه وتأخّر عنه مغضبا فتمكّن منه الأتراك وهجموا عليه في الحمّام فقتلوه بعد أن مانع عن نفسه وقاتل بكرنيب فضّة كان في يده، فشقّ بعض الأتراك بطنه. فلمّا خرجت حشوته ظنّ أنّه قد قتله فلمّا خرج إلى أصحابه قالوا له:

« أين رأسه؟ » فعرّفهم أنّه قد شقّ بطنه. فلم يرضوا بذلك وعاوده لحزّ رأسه فوجدوه قد قام على سريرين في الحمّام وردّ حشوة بطنه وأمسكها بيده وكسر جامة الحمّام وعاونه قيّم الحمّام وهمّ بالخروج من ذلك الموضع إلى سطح الحمّام.

فلمّا رأوه كذلك حزّوا رأسه فظهر أمره بين الظهر والعصر بخروج الأتراك الذين كانوا معه إلى رفقائهم وإخبارهم إيّاهم بخبره وركوبهم إلى الإصطبلات للنهب.

وفيها ارتفع ذكر أبي جعفر بن شيرزاد وعنى به عليّ بن عيسى.

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ ابن شيرزاد كان يكتب لهارون بن غريب وينظر في جميع أموره. فأطمع هارون فيه وقرّف بجنايات عظيمة فقبض عليه يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الأولى سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وسلّمه إلى خادمه مونس وأمره بالتضييق عليه ومنعه من الدواة فتأخّرت رقعته عن أخيه أبي الحسن زكريّا.

وكان يكتب للخالة على ديوان ضياعها. فعرف الخالة صورة أخيه فشكت الخالة ذلك إلى السيدة فوجّهت السيدة بخادم لها إلى هارون حتى انتزعه من يده وحمله إلى دار السلطان وتقدّمت بإطلاقه.

وخاطب هارون بن غريب عليّ بن عيسى في أمر ابن شيرزاد وقال له:

« قد كان اقترض مني للخاقانى أموالا كثيرة وأخذ بها تسبيبات وفاز بها وقد عمل له المومّل كاتبي بمال عظيم وأنا أرضى بنظر ثقة من ثقات الوزير

في العمل. » فتقدّم الوزير عليّ بن عيسى إلى أبي يوسف كاتب السيّدة بالمصير إلى دار هارون وحضر المؤمّل وكتّابه فنظروا في العمل.

فكان أوّل باب فيه أنّه وجد في دفتر من دفاتر ديوانه ثبت ما قبض من التسبيبات التي سبّبها الخاقاني لابن شيرزاد من مال القروض التي اقترضها من مال هارون بن غريب.

وقد حكى فيه أنّه قبض خمسة عشر ألف دينار وأنّه لم يجد هذا المال في ختمات الجهبذ الثابتة في الديوان. وكان كاتب ابن شيرزاد على ذلك الديوان ابن أبي الميمون، فقال ابن أبي الميمون:

« قد صحّ في ختمة الجهبذ ومع صاحبي خطّ الأمير بقبضه إيّاه، لأنّه حمله إلى حضرته وصرفه في ثمن دار المحسّن التي ابتيعت من وكيل الخليفة في وزارة أبي القاسم الخاقاني. » فأخرجت الختمة بعينها فوجد ذلك فيها. ووجد محرّر هذه الختمة قد كتب هذا المال كأنّه تفصيل المال المتقدّم وكان سبيله أن يكون مخرجا بارزا عن التفصيل الأوّل. فوجد أبو يوسف ومحمّد بن جني الأمر على ما قال كاتب ابن شيرزاد وأخرج ابن شيرزاد خطّ هارون بن غريب بصحّة هذا المال منسوبا إلى تلك الجهة وأنّه أدّى في بيت المال لثمن الدار وأحضر قبض صاحب بيت المال به.

ثم نظر في الباب الثاني أنّ المطلق للفرسان في عسكر هارون من مالهم فيه الربع الدراهم تساوى ستّة عشر درهما بدينار وأنّه لم يضع الصرف من مال الرجال وأنّه يلزمه منه في مدّة ولايته كتابة هارون نيّف وعشرون ألف دينار، فأخرجوا الختمات فوجدوا الجهبذ قد احتسب بما صرفه في أعطيات الرجال ورقا من غير أن يوضع منه شيء لفضل الصرف. فاحتجّ كاتب ابن شيرزاد بأنّ فضل الصرف في ختمة تورد في أصول الأموال في آخر باب من أبواب الأصول وهو ما يتوفّر من هذا الباب وغيره من سائر نفقات هارون بن غريب فأخرج ذلك من الختمات.

فلمّا بطل هذان البابان وهما معظم ما كان في العمل نهض أبو يوسف ومحمّد بن جني وقام معهما ابن شيرزاد وأقبل عليه هارون فقال:

« قد هتكني كاتبي هذا الجاهل الناقص قبّحه الله وقد جنيت على نفسي بصرفك ولكن إن تصرّفت لأحد فعلت وصنعت. » وتهدّده.

فذهب ابن شيرزاد وشرح لعليّ بن عيسى ذلك فصار ذلك سببا لعناية عليّ بن عيسى به واشتهر حديثه وفاض في الكتّاب.

وفيها ورد الخبر وكتاب الفارقي من البصرة بأنّه قد اجتاز بباب البصرة ممّا يلي البريّة جيش للقرمطي كثير العدد يقصد الكوفة فكتب المقتدر إلى مونس المظفّر يأمره بالرجوع إلى بغداد فرجع من تكريت ودخل بغداد بعد صلاة العصر بعد أن أنفذ قطعة من جيشه إلى الثغر.

وخرج ياقوت إلى مضربه بالزعفرانيّة متوجّها إلى عمله بفارس.

القبض على ابن أبي الساج وتقليد الحسن بن هارون

وفي هذه السنة قبض يوسف بن أبي الساج على كاتبه أبي عبد الله محمّد بن خلف النيرمانى وقلّد مكانه أبا عليّ الحسن بن هارون وقيّد محمّد بن خلف بقيود ثقال وأخذ منه يوم قبض عليه من المال والفرش والكسوة والغلمان ما قيمته مائة ألف دينار وأخذ خطّه بخمسمائة ألف دينار مصادرة عن نفسه.

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك ما استعمله بواسط من السرف في التكبّر والتجبّر والتوسّع في النفقات حتى إنّه جعل في داره بواسط في شراب العامّة ثلاثين غلاما وفي شراب الخاصّة عشرين غلاما وكان يخرج من داره إلى دار صاحبه يوسف ويبكّر إليه جميع قوّاد ابن أبي الساج ورؤساء غلمانه ورؤساء العمّال ويسلّمون عليه كما يفعل الناس ببغداد بالوزراء في أيّام المواكب.

وكان قبل ذلك في مسير ابن أبي الساج من الريّ إلى واسط قد لبس القباء والسيف والمنطقة إلّا أنّه لم يكن يركب إلى دار صاحبه بسواد فرقا بينه وبين وزير السلطان واحتمله ابن أبي الساج على ذلك.

ثم أطمع نفسه أيّام مقامه بواسط في الوزارة للسلطان، وتبيّن عداوة نصر الحاجب لابن أبي الساج فكاتبه ووجّه إليه بمن يثق به يلتمس منه أن يشير على المقتدر بتقليده الوزارة مكان عليّ بن عيسى وضمن أن يستخرج من عليّ بن عيسى وأخيه وسليمان بن الحسن وأبي زنبور المادرائى والكلوذانى وأسبابهم ألف ألف دينار ويقوم بنفقات السلطان وأرزاق الأولياء.

سعاية

وسعى بصاحبه وقال: إنّه كان يستر عنه مذهبه في الدين وإنّه لمّا سار إلى واسط أنس به وانبسط إليه فكشف له أنّه يتديّن بأن لا طاعة عليه للمقتدر ولا لبنى العبّاس على الناس طاعة وأنّ الإمام المنتظر هو العلوي الذي بالقيروان وأنّ أبا طاهر الهجري صاحب ذلك الإمام، وإنّه قد صحّ عنده أنّه يتديّن بدين القرامطة وإنّه إنّما صيّر العلوي متحقّقا به وبجميع أسراره بهذا السبب، وإنّه ليس له نيّة بالخروج إلى هجر، وإنّه إنّما يحتال بالوعد بالخروج إلى هجر حتى يتمّ له أخذ الأموال، وإنّه قال في شهر ربيع الآخر:

« أيّ شيء بقي لنا على الخليفة ووزيره من الحجّة ولم ليس تخرج إلى هجر ولا أراك تستعدّ لذلك؟ » فقال له في الجواب:

« لم لا تكون لك معرفة بالأمور من في نيّته الخروج إلى هجر. » وإنّه قال له:

« فلم غررت السلطان من نفسك ووعدته بهذه الحال حتى سلّم إليك جميع أعمال المشرق؟ » فأجابه بأنه يرى انتقاض الخليفة وسائر ولد العبّاس الغاصبين أهل الحقّ فرضا لله - عز وجل عليه - وأنّ طاعته طاغية الروم أصلح من طاعته الخليفة. » وإنّه قال:

« فهبك فعلت ذلك، ما الذي يؤمنك من القرمطي أن يوافى إلى واسط وإلى الكوفة فلا تجد بدّا من لقائه ومحاربته؟ » فقال في الجواب:

« ويحك كيف أحارب رجلا هو صاحب الإمام وعدّة من عدده؟ » فقال له:

« فإن أراد هو حربك أى شيء تعمل؟ » فقال له:

« ليس لهذا أصل، وقد ورد عليه كتاب الإمام من القيروان بأن لا يطأ بلدا أكون فيه ولا يحاربني بوجه ولا بسبب. » وإنّه ختم القول بأن قال:

« إني إنّما انتظر أن يقبض رجالي بأسرهم أموال سنة أربع عشرة وثلاثمائة فإذا قووا بذلك منعت أوّلا من أعمال واسط والكوفة وسقى الفرات وأنفذت إليها العمّال، فلا بدّ للسلطان أن ينكر حينئذ ما أفعله فأكاشفه وأخطب للإمام وأظهر الدعوة وأسير إلى بغداد، فإنّ من بها من الجند قوم يجرون مجرى النساء قد ألفوا الدور على دجلة والشراب والثلج والخيش والمغنيات فآخذ نعمهم وأموالهم ولا أدع الهجري يفوز بالاسم وأكون أنا سائق الدولة إلى الأمام، فإنّ أبا مسلم خرّاز النعال لم يكن له أصل وقد بلغ ما بلغ ولم يكن معه لمّا ارتفع النصف ممّن معي. وما هو إلّا أن أظهر الدعوة حتى قد اجتمع مائة ألف ضارب سيف. » ويقول محمّد بن خلف:

« قد صدقت أمير المؤمنين عن هذا الأمر، فإن ولّانى الوزارة انقمع ابن أبي الساج وبطل عليه تدبيره وأخبّب حينئذ رجاله وغلمانه: فإمّا أسروه وإمّا هرب طائرا على وجهه إلى أذربيجان. فإني إذا تولّيت الوزارة جدّدت به في المطالبة بالخروج إلى هجر فإن كاشف دبّرت عليه. » فأنهى نصر الحاجب كلّه إلى المقتدر وعرّفه انّ محمّد بن خلف قد كتب إليه يحلف له على أنّه ما حمله على هذا الفعل إلّا الغضب للدين أوّلا ثم الأنفة من أن يتمّ لهذا القرمطي على الخليفة وسائر الخاصّة والعامّة ما دبّره.

وكان الحسن بن هارون يخلف محمّد بن خلف ويقف دائما بين يديه على رجله ويخدمه كما يخدم ابن أبي الساج. فلمّا رأى اختصاصه بابن أبي الساج تنكّر له وعمل على القبض عليه وإتلافه وأظهر ذلك لأبي بكر ابن المنتاب وكان قد اختصّ به وغلب عليه. فاتّفق أن شرب ابن المنتاب مع جماعة من إخوانه بواسط وفيهم عبد الله بن عليّ الجرجرائي عامل الصلح والمبارك، فسأله عبد الله بن عليّ أن يشكر له أبا عليّ الحسن بن هارون لما يوليه من الجميل وقال له:

« تعرض لي رقعة على سيّدنا أبي عبد الله محمّد بن خلف أسأله فيها أن يعرّفه شكرى ويأمره بالزيادة فيما شكرته عليه. » فقال له ابن المنتاب:

« اتّق الله في نفسك ولا تفعل، فإنّ أبا عبد الله على غاية التنكّر للحسن بن هارون ولن يبعد أن يقبض عليه ويبلغه. » فحفظ ذلك عبد الله بن عليّ وتقرّب به إلى الحسن بن هارون.

ووقعت بين محمّد بن خلف وبين عبد الله بن عليّ مماحكة فيما سبّب عليه لقوم يعتنى بهم محمّد بن خلف فشتمه محمّد بن خلف وهدّده وأمر بإخراجه من مجلسه على أقبح صورة.

فاجتمع عبد الله بن عليّ والحسن بن هارون على التدبير على محمّد بن خلف ونصبا عليه أصحاب الأخبار إلى أن وقفا على ما عمله في السعى في تقلّد الوزارة للمقتدر وسعايته بصاحبه. فاطلع عبد الله بن عليّ ابن أبي الساج على ذلك وتقرّب إليه فنصب يوسف بن أبي الساج أصحاب أخبار على محمّد بن خلف إلى أن وقف على أنّ خادما له يثق به قد أنفذه دفعات إلى بغداد وأظهر أنّه إنّما ينفذه لابتياع كسوة وفرش ودوابّ وغلمان له وأنّه هو السفير بينه وبين نصر الحاجب في التدبير على ابن أبي الساج فتقدّم ابن أبي الساج إلى عبد الله بن عليّ في أخذ الطرق على هذا الخادم وإلى الحسن بن هارون بمراعاة الوقت الذي ينفذ فيه الخادم. فلمّا نفذ من واسط عرّفه الحسن ذاك فوجّه بثقاته وأمرهم أن يرصدوا الخادم في الطريق، فإذا عاد من بغدا قبضوا عليه وسلّموه إلى صاحب عبد الله بن عليّ بجرجرايا.

وتقدّم إلى عبد الله بن عليّ بأن يوجّه بمن ينتظره بجرجرايا وأنفذت الكتب التي معه إلى ابن أبي الساج فوجدها بخطّ كاتب نصر جوابات عن كتب محمّد بن خلف إليه تدلّ على إشارات ورموز وتراجم وفيها كلّ مكروه وسعى على دم ابن أبي الساج وحاله وإطماع في ماله وحاله وتحذير من تأخّر القبض على عليّ بن عيسى. فبادر ابن أبي الساج في إنفاذ الحسن بن هارون إلى الحضرة بكتب ورسائل إلى عليّ بن عيسى على رسمه ووجّه بتلك الكتب بعينها وقال له:

« تقول للوزير عني: قد سعى هذا الرجل على دمى ودمك ودماء أصحابك وأريد أن أقبض عليه وأكثر ذنوبه عندي سعيه عليك. » فلمّا وقف عليّ بن عيسى على جميع كتبه ورسائله تعجّب وقال له:

« تقول لأخي أبي القاسم: إن كنت تريد أن تفعل ذلك لتريح نفسك من هذا الرجل الخائن المستحلّ فالله يوفّقك ويحسن معونتك. وإن كنت تفعل هذا بسببي فو الله ما أشكر أحدا كما أشكر من يسعى في صرفى عن الوزارة، فالحبس والنفي أسهل ممّا أقاسيه منها. » وزوّر عبد الله بن عليّ عن الخادم كتبا على أنّها من بغداد إلى محمّد بن خلف بأنّه: قد أحكم أكثر ما تحتاج إليه وأنّه سريع العود إلى واسط.

فسكنت نفس محمّد بن خلف إلى ذلك. وصار عبد الله بن عليّ إلى محمّد بن خلف وترضّاه وبذل له أن يحمل إليه من ماله مائة ألف درهم مرفقا ليزول ما في نفسه عليه. فظنّ محمّد بن خلف أنّ ذلك صحيح ودعا عبد الله بن عليّ وواكله وشاربه. ولم يلبث الحسن بن هارون أن عاد من بغداد فبدأ بدار محمّد بن خلف ووقف بين يديه فقال محمّد بن خلف:

« يا عاضّ، قد بلغني أنّك شنّعت عليّ عند عليّ بن عيسى وذكرت له أنّى أطلب الوزارة مكانه وأنّك مع ذلك قد ضرّبت عليّ حاشية الأمير وغلمانه. وو الله يا كلب لأضربنّك خمسمائة سوط ولآخذنّ منك ثلاثين ألف دينار قد أبطرتك. » والحسن بن هارون لا يزيد على أن يقول له:

« الله بيني وبين من أغرى مولاي ومن أنا عبده وغرسه. » ومحمّد بن خلف يشتمه إلى أن قال له:

« لقيت الأمير؟ » فقال الحسن بن هارون:

« ما لقيته بعد. » فقال له:

« فامض إلى لعنة الله فالقه وعد إليّ. » فمضى إلى ابن أبي الساج وشرح له جميع ما وقف عليه من سعى محمّد بن خلف عليه وما خاطبه به لمّا لقيه بعد قدومه من بغداد.

فقال ابن أبي الساج لخازنه الذي يتسلّم من محمّد بن خلف الأموال المحمولة إليه التي ينفقها في رجاله وغلمانه ونفقاته:

« قد كنت أحضرتنى منذ مدّة مالا نصفه غلّة ودراهم بهرجة وخراسانيّة، وذكرت أنّ ابن خلف حمله إليك لتنفقه في الأولياء وغيره، وذكرت أنّ الأمر مسرف في فضل الصرف وأنّه كثير فعرّفنى الآن الحال فيما يحمله إليك؟ » فقال: « الذي يحمله الآن شرّ من كلّ ما تقدّم وقد أخرجت من مائة ألف درهم حملها اليوم ألف وخمسمائة درهم جديد وألفى درهم صحاح لا سيّئة واثنين وأربعين ألف درهم غلّة رديّة. » وعظم عليه الأمر في فضل الصرف في ذلك فقال له:

« فإذا حضر محمّد بن خلف العشيّة فادخل إليّ واحمل المال كهيئته وعرّفنى أنّ جميع غلماني ورجالي قد فسدت نيّاتهم بهذا السبب. » ففعل الخازن ذلك. فقال ابن أبي الساج:

« يا أبا عبد الله أنت تعلم أنّ هذا المال لا يجوز لأحد أن يقبض مثله وإذا فوّت رجالي شهرا وأعطيتهم مالا جيّدا أو مقاربا للجودة كان أصلح من هذا. » فغضب محمّد بن خلف وقال له:

« ما جرّأ هذا الكلب على خطابي بحضرتك في هذا الباب إلّا لأنّه قد وقف على فساد رأيك فيّ، وإنّما أفسدك عليّ من قدّر أن يتولّى كتابتك وهو هذا العلج الحسن بن هارون وأهون به وبهذا الخازن وبجميع غلمانك ورجالك عليّ، وأنا عقدت لك هذه الحال وهذا الأمر والآن فو الله لا نظرت في شيء من أمرك، فاعمل ما شئت. » ونفض يده في وجهه وخرج من مجلسه. فجعل ابن أبي الساج يحلف له أن يعود فلا يفعل ويحلف إنّه لا يرجع.

فلمّا طال ذلك بينهما وبلغ أن يعطف إلى دهليز يغيب به عن عينه قال ابن أبي الساج لغلمانه:

« ضعوا أيديكم في قفا الكلب اللاحد الخنزير فأسمعونى صوته بالصفع. » فصفع نحو من مائة صفعة وأخذ سيفه ومنطقته. واستدعى ابن أبي الساج عبد الله بن عليّ وأحضر للوقت فوجّه به إلى دار محمّد بن خلف ليحفظها ويقبض على سائر غلمانه وأسبابه وخزائنه، وكان عبد الله بن عليّ مشهورا بالعفاف والثّقة. وتقدّم إلى الحسن بن هارون بأن يتقلّد كتابته مكانه واستحلفه أن يدخل إلى الحجرة التي اعتقل فيها ويقيّده بخمسين رطلا ويلبسه قميص بايباف ففعل به الحسن بن هارون ذلك فقال له:

« يا محمّد بن خلف أخبرني أغرّك أنّى أقول لك: يا مولاي؟ إنّما كنت أسخر منك، أيّنا كان أبعد غورا وتدبيرا، أنا أم أنت؟ »

وأخذ الحسن بن هارون خطّه بستمائة ألف دينار بعد أن أهانه وصفعه وضربه بالمقارع، فأدّى نحو خمسين ألف دينار إلى أن رحل ابن أبي الساج من واسط إلى الكوفة لمحاربة الهجري وحمله معه مقيّدا وشغل عنه بالحرب وأسر، فأفلت محمّد بن خلف.

ذكر وقعة ابن أبي الساج مع القرمطي وما استعمله من ترك الحزم واستهانته بالعدوّ حتى أسر وما اتفق عليه بعد الأسر حتى قتل

كتب يوسف بن ديوداذ من واسط إلى الوزير أبي الحسن عليّ بن عيسى يلتمس منه حمل مال إليه ليصرفه فيما يحتاج من إعداد الأنزال والعلوفات بين واسط والكوفة ويحتجّ بأنّ أموال المشرق متأخّره عنه وأنّ الأمر ليس يحتمل مع قرب موافاة الهجري بأن ينتظر ورود مال من الجبل ويقول إنّه لا يقنعه لذلك أقلّ من مائة ألف دينار. فعرض عليّ بن عيسى كتابه على المقتدر، فتقدّم بأن يحمل من بيت المال الخاصّة سبعون ألف دينار وينفذ إليه.

وورد الخبر بخروج أبي طاهر من هجر بنفسه يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، فنزل في الموضع المعروف بالحس وبينه وبين الاحساء مسيرة يومين وأقام به إلى يوم السبت ورحل من غد وكتب السلطان إلى ابن أبي الساج بما ورد من خبره ويأمره بالمبادرة إلى الكوفة.

وكتب عليّ بن عيسى إلى عمّال الكوفة باعداد الميرة والعلوفات ليوسف.

وسار يوسف من واسط يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رمضان نحو الكوفة وعاد سلامة الطولونى منصرفا من عنده وكان حمل إليه المال.

ولمّا قرب أبو طاهر الهجري من الكوفة أطلق جميع من كان معه من أسارى الحاجّ وهرب عمّال السلطان من الكوفة فأخذ أبو طاهر جميع ما أعدّ ليوسف من المير والعلوفات وهو مائة كرّ دقيقا وألف كرّ شعيرا وقد كان خفّ ما مع أبي طاهر من الميرة، ولحقه وأصحابه شدّة فقوى ومن معه بما صار إليهم. ووافى يوسف إلى ظاهر الكوفة يوم الجمعة لثمان خلون من شوّال وقد سبقه أبو طاهر إليها بيوم واحد فحال بينها وبينه.

وحكى عن أبي طاهر أنّه قال: إنّ عسكره قرب من عسكر يوسف في الطريق بين واسط والكوفة، وكان يوم ضباب، فلم ير أحدهما صاحبه وانّه أحسّ به ولو شاء لأوقع به.

ووجّه يوسف إلى أبي طاهر يدعوه إلى الطاعة، فإن أبي فإنّ الوعد للحرب يوم الأحد.

فحكى الرسول: انّه لمّا صار إليه حمل إلى موضع فيه جماعة متشاكلو الزيّ وقيل له:

« تكلّم فإنّ السيّد يسمع. » ولم يعرف من هو منهم. فأدّى الرسالة فأجيب بأنّه غير مستجيب لما دعاه إليه ولا لتأخير المناجرة. فكانت الحرب بينهما يوم السبت لتسع خلون من شوّال سنة خمس عشرة وثلاثمائة على باب الكوفة. فيقال إنّ ابن أبي الساج لمّا عاين عسكر أبي طاهر ووقف على عزّته أزرى عليه واحتقره وقال:

« من هؤلاء الكلاب؟ هؤلاء بعد ساعة في يدي. » وتقدّم بأن يكتب كتاب الفتح قبل اللقاء تهاونا به وزحف كلّ واحد منهما إلى صاحبه.

فلمّا سمع الهجري صوت البوقات والدّبادب والزّعقات عن عسكر ابن أبي الساج - وكانت عظيمة جدّا - التفت رجل منهم إلى رفيق له وهو يسايره فقال له:

« ما هذا الزجل؟ » فقال له رفيقه: « فشل. » فقال له: « أجل. » ما زاده لفظة.

ورسم عسكر أبي طاهر أن لا تكون فيه بوقات ولا دبادب ولا صياح.

وعبّأ ابن أبي الساج رجاله وانفرد هو مع غلمانه على عادة له في الحرب وكان ابتداء الحرب بينهما مذ ضحوة نهار يوم السبت إلى وقت غروب الشمس. وما قصّر ابن أبي الساج في الثبات وأثخن أصحاب أبي طاهر بالنشّاب وجرح منهم خلقا.

فلمّا رأى أبو طاهر ذلك وكان واقفا في عمّاريّة له مع من يثق به من أصحابه نحو مائتي فارس بالقرب من حيطان الحيز نزل من العمّاريّة فركب فرسا له وحمل بنفسه مع ثقاته وحمل يوسف بنفسه وغلمانه عليه واشتبكت الحرب بينهما فأسر ابن أبي الساج آخر النهار وبه ضربة على جبينه بعد أن اجتهد به غلمانه أن ينصرف فامتنع عليهم وحصل أسيرا في يد أبي طاهر مع جماعة من غلمانه بعد أن قتل من أصحابه عدد كثير وانهزم الباقون.

ولمّا أسر يوسف وقت المغرب حمل إلى معسكر أبي طاهر وضربت له خيمة وفرش له فيها ووكّل به وأحضر رجل معالج يعرف بابن السبيعي. فقال ابن السبيعي هذا: لمّا دخلت إليه إلى الخيمة التي حبس فيها وجدته جالسا وعليه درّاعة ديباج فضّى وجرّبانها ولبّتها من ديباج أحمر وقد تلوّنت بالدم الذي سال من الضربة التي في جبينه، ووجدت الدم قد جمد على وجهه، فالتمست ماء حارّا. فقال لي بعض أصحاب أبي طاهر:

« والله ما ذاك عندنا، ولا عندنا ما يسخن فيه. » وكانوا خلّفوا سوادهم بالقرب من القادسيّة وتجردوا للقتال، فغسلت وجهه بماء بارد وغسلت موضع الضربة وعالجته وسألنى عن اسمى وبأيّ شيء أعرف، فذكرت له ذلك فوجدته يعرف أهلى أيّام كان بالكوفة وهو صبيّ مع أخيه الأفشين وكان يتقلّد الكوفة، فعجبت من ذكره وفهمه وقلّة اكتراثه بما هو فيه.

وورد خبر الوقعة وأسر ابن أبي الساج على عليّ بن عيسى، فراح إلى دار السلطان واجتمع مع نصر الحاجب ومونس المظفّر على إنهاء الخبر إلى المقتدر بالله وانتشر الخبر، فدخلت الخاصّة والعامّة لأبي طاهر هيبة عظيمة ورهبة شديدة، وعملت الجماعة على الهرب إلى واسط ثم إلى الأهواز، وابتدأ المنهزمون بالدخول إلى بغداد، وأخرج مونس المظفّر مضربه إلى ميدان الأشنان وخرج على أن يمضى إلى الكوفة.

وورد كتاب العامل بقصر ابن هبيرة على عليّ بن عيسى بأنّ أبا طاهر وأصحابه رحلوا عن الكوفة يوم الثلاثاء لاثنى عشرة خلت من شوّال قاصدين عين التمر، وورد كتابه بعد ذلك بنزولهم عين التمر، فبادر عليّ بن عيسى باستئجار خمسمائة سميريّة وجعل فيها ألف رجل ومعها عدّة من شذاءات وطيّارات وحوّلها من دجلة إلى الفرات وفيها جماعة من الغلمان الحجريّة لمنع الهجري من عبور الفرات، وتقدّم إلى جماعة من القوّاد بالمسير على الظهر من بغداد إلى الأنبار لضبطها.

فلمّا كان يوم الجمعة رأى أهل الأنبار ومن بها من القوّاد خيل أبي طاهر مقبلة من الجانب الغربي فبادروا إلى قطع جسر الأنبار وأقام أبو طاهر إلى أن أمكنه العبور بالسفن فعبر يوم الثلاثاء نحو مائة رجل ولا يعلم بهم أصحاب السلطان إلى ان حصلوا بالأنبار ونشبت الحرب بينهم وبين جماعة من القوّاد.

فلمّا خلا البلد من أصحاب السلطان عقد أبو طاهر جسر الأنبار وعبر وخلّف سواده في الجانب الغربي وفيه ابن أبي الساج، ولمّا علم من في الشذاءات من أصحاب السلطان أنّ أبا طاهر قد عقد الجسر ساروا إليه بالليل فضربوه بالنار فبقى أبو طاهر في جماعة من أصحابه في الجانب الشرقي من الفرات وسواده في الجانب الغربي منه وحالت الشذاءات والطيّارات بينهم.

ولمّا ورد الخبر بعبور أبي طاهر إلى الأنبار وقتله من بها من القوّاد خرج نصر الحاجب ومعه الحجريّة والرجّالة المصافيّة وجميع من كان بقي ببغداد من القوّاد وبين يديه علم الخلافة وهو شبيه باللواء أسود وعليه كتابة بياض:

« محمّد رسول الله. » وكان مونس قد صار بباب الأنبار واجتمع مع نصر وكان عدد من معهما من الفرسان والرجّالة وغيرهم يزيد على أربعين ألف رجل، وخرج أبو الهيجاء ومن إخوته أبو الوليد وأبو العلاء وأبو السرايا في أصحابه وأعرابه وسار نصر وسبق مونسا على قنطرة النهر المعروف بزبارا بناحية عقرقوب على نحو فرسخين من بغداد ولحق به مونس واجتمعا على النهر وأشار أبو الهيجاء على نصر الحاجب بقطع قنطرة نهر زبارا وألحّ عليه في ذلك. فلمّا رآه يتثاقل عن قبول رأيه قال له:

« أيّها الأستاذ اقطعها واقطع لحيتي معها. » فقطعها حينئذ.

وسار أبو طاهر ومن حصل معه من أصحابه من الجانب الشرقي من الفرات قاصدين نهر زبارا. فلمّا صار على فرسخ واحد من عسكر السلطان آخر يوم الاثنين لعشر خلون من ذي القعدة بات بموضعه ليلته وباكر المسير إلى قنطرة نهر زبارا.

وتقدّم من رجّالته راجل أسود يقال له: صبح، فكان أمام عسكره فما زال نشّاب أصحاب السلطان تأخذه وهو يتقدّم ولا يهوله وقد صار بالنشّاب كالقنفذ، فلمّا صعد القنطرة ورآها مقطوعة رجع، وما زال أصحاب أبي طاهر يمتحنون غور الماء في النهر، فلمّا علموا انّه ليس يخيض انصرفوا راجعين القهقرى من غير أن يولّوا ظهورهم وصاروا إلى الحسينية فوجدوا الماء قد أحاط به لأنّ نصرا ومونسا وجّها قبل ذلك بمن بثق هناك بثوقا كبارا فصار الماء المخر محيطا بعسكر أبي طاهر. فأقام هناك يوم الثلاثاء وسار هو وأصحابه إلى الأنبار ولم يجسر أحد من أصحاب السلطان أن يتبعه أو يصلح قنطرة زبارا أو يعبرها.

وكان ما أشار به أبو الهيجاء من قطع هذه القنطرة توفيقا من الله فانّها لو كانت صحيحة لعبر أصحاب القرمطي عليها وما هالهم وفور عسكر السلطان ولا نهزم أصحاب السلطان وملك القرمطي بغداد. وذاك انّ أكثر أصحاب السلطان كرّوا إلى بغداد منهزمين لمّا بلغهم وصول أبي طاهر إلى النهر من غير أن يروهم أو يقع عين عليهم لعظيم ما تداخل القلوب من الرعب بعد الحادث بابن أبي الساج. ولم يحدّث أحد نفسه بعد ذلك أن يجوز له أن يثبت في وجهه.

وكان مع أبي طاهر جماعة من الأولاد فعدلوا به عن المخر وسار نحو الأنبار ولمّا ولّى أبو طاهر وأصحابه عن موضع العسكر بزبارا ارتفع التكبير والتهليل من أصحاب السلطان ليذيع الخبر به وبادر أصحاب الأخبار إلى عليّ بن عيسى بالسلامة وبانصراف أبي طاهر ورجوعه إلى الأنبار وبأنّه لا طريق له ولا مخاضة ولا حيلة في الوصول إلى معسكر عسكره ولا إلى نواحي بغداد.

وطمع مونس في الظفر بسواده وباقى رجاله الذين خلّفهم في الجانب الغربي من الأنبار وفي تخليص ابن أبي الساج فأنفذ يلبق حاجبه وجماعة من القوّاد ومن غلمان ابن أبي الساج في ستّة آلاف رجل وظنّوا أنّه لا يتم لأبي طاهر العبور إلى خيله وسواده. وبلغ أبا طاهر ذلك فاحتال حتى انفرد عن رجاله ومشى مشيا طويلا حتى خرج عن الأنبار إلى الصحراء التي تتّصل بالفرات، ثم عبر في زورق صيّاد يقال: إنّه دفع إليه ألف دينار حتى عبر به إلى سواده. فلمّا حصل في سواده واجتمع مع أصحابه حارب يلبق ومن معه فلم يثبت له يلبق وانهزم ومن معه وقتل جماعة من أصحابه.

وبصر أبو طاهر في الوقت بابن أبي الساج وقد خرج من خيمته التي كان معتقلا فيها متطلّعا إلى الطريق لينظر ما يكون من حال الوقعة فوقع له انّه أراد أن يهرب فدعا به إلى حضرته وقال:

« أردت الهرب؟ »

ويقال: إنّ غلمانه كانوا نادوه فقال له القرمطي:

« طمعت أن يخلّصك غلمانك؟ » فأمر به فضربت عنقه بحضرته وضرب أعناق جماعة كانوا في الأسر.

واحتال بعد ذلك أبو طاهر حتى عبر جميع أصحابه الذين كانوا معه في الجانب الشرقي من الفرات بالأنبار فحصلوا معه في الجانب الغربي الذي يلي البرّيّة وعاد يلبق منهزما مفلولا إلى مونس المظفّر.

وحكى أبو القاسم ابن زنجي أنّه كان عدّة أصحاب أبي طاهر ألف وخمسمائة رجل منهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل وأنّه عرف ذلك من رجل أنباريّ كان يقيم له ولرجاله الخبر. وقد قيل: إنّهم كانوا ألفى وسبعمائة.

قال: وسمعت بعض مستأمنة أبي طاهر وقد سئل عن السبب في سرعة هزيمة أصحاب السلطان وثباتهم هم فقال:

« السبب في ذلك انّ أصحاب السلطان يقدّرون أنّ السلامة في الهرب فيقدّمونه ونحن نقدّر أنّ السلامة في الصبر فنثبت ولا نبرح. » ورتب عليّ بن عيسى بين بغداد ونهر زبارا المرتبين وسلم إليهم مائة طير إلى مائة رجل منهم يكتبون على أجنحتهم كتبا بخبر العدوّ في كلّ ساعة.

وكان السبب في سلامة بغداد وأهلها يوم قصد القرمطي زبارا مع كثرة العيارين والمتشبّهه بالجند وتشوّقهم إلى النهب أنّ عليّ بن عيسى تقدّم إلى نازوك بمواصلة الركوب والتطواف في جميع جيشه كلّ يوم غدوة وعشيّة في الجانبين ففعل ذلك. ثم تقدّم إليه في يوم موافاة أبي طاهر إلى نهر زبارا أن يبكّر إلى باب حرب بجميع جيشه ويقيم فيه إلى وقت العتمة وأن يواصل النداء في الجانبين بأنّه:

« من ظهر من العيّارين والمتشبّهه بالجند ومن وجد معه حديد ضرب عنقه. » فانجحر العيارون وأغلق أهل باب المحوّل ونهر طابق والقلائين وغيرهم دكاكينهم وتحرّز الناس فنقلوا أمتعتهم إلى منازلهم.

وأمّا وجوه الناس فأكثروا والزواريق وجعلوها في الشوارع في دجلة ونقلوا إليها أمتعتهم ومنهم من حدرها إلى واسط. ونقل قوم من المهجّرين أمتعتهم إلى حلوان لتحمل إلى خراسان مع الحاجّ ولم يكن عند أحد من الخواصّ والعوامّ شكّ في أنّ القرمطي يملك بغداد.

وأقام نازوك في ذلك اليوم كما رسم له عليّ بن عيسى، على ظهر دابّته من أوّل النهار إلى أن مضى صدر من الليل لا ينزل هو ولا أحد من أصحابه عن دوابّهم إلّا للصلاة وضربت له ولهم الخيم فنزلوها بالليل وكان ذلك سببا لسلامة البلد.

وقصد القرمطي إلى هيت وبادر هارون بن غريب وسعيد بن حمدان إلى هيت لدفعه عنها فسبقا القرمطي إلى هيت وصعدا إلى سورها وقويت بهما قلوب أهل هيت. فلمّا وصل القرمطي إليها قاتلوه بالمنجنيقات فقتل من القرامطة جماعة وانصرف أبو طاهر عنها.

وورد الخبر بذلك إلى بغداد فسكنت النفوس واطمأنّت القلوب وتصدّق المقتدر والسيّدة لمّا بلغهما خبر انصرافه بمائة ألف درهم.

وكان مونس ونصر أحضرا جرائد جميع الرجال الذين اجتمعوا على نهر زبارا ممّا يلي بغداد سوى الأعراب فوجدوهم اثنين وأربعين ألف رجل سوى غلمانهم وأسبابهم فانّهم كانوا أضعاف هذه العدّة.

وكان عليّ بن عيسى لمّا بلغه أسر ابن أبي الساج بادر في الوقت إلى المقتدر وقال له:

« إنّما جمع الخلفاء المتقدّمون الأموال ليقمعوا بها أعداء الدين والخوارج وليحفظوا بها الإسلام والمسلمين ولم يلحق المسلمين منذ قبض النبي ﷺ شيء أعظم من هذا الأمر، لأنّ هذا الرجل كافر وقد أوقع بالحاجّ في سنة اثنتي وثلاثمائة ما لم يعهد مثله وقد تمكّنت له هيبة في قلوب الأولياء والخاصّ والعامّ.

« وانّما جمع المعتضد والمكتفي في بيت مال الخاصّة ما جمعوا لمثل هذه الحوادث والآن فلم يبق في بيت مال الخاصّة كبير شيء، فاتّق الله يا أمير المؤمنين. » « وتخاطب السيّدة فانّها ديّنة فاضلة فإن كان عندها مال قد ذخرته لشدّة تلحقها أو تلحق الدولة فهذا وقت إخراجه، وإن تكن الأخرى فاخرج أنت وأصحابك إلى أقاصى خراسان فقد صدّقتك ونصحتك. » فدخل إلى والدته ثم عاد فأخبر أنّ السيّدة استرأته وأمرت بإخراج خمسمائة ألف دينار من مالها إلى بيت مال العامّة لينفق في الرجال.

وسأل عليّ بن عيسى عن مقدار ما بقي في بيت مال الخاصّة من المال فعرّفه عليّ بن عيسى أنّ فيه خمسمائة ألف دينار.

وتجرّد عليّ بن عيسى لحفظ الأموال وتقدّم ألّا يضيّع منها درهم واحد في قضاء الذّمامات، وجمع أموال النواحي وأنفذ المستحثين إلى العمّال فاجتمعت له جملة أخرى.

وتنصّح إلى عليّ بن عيسى رجل من التجّار بأنّه وقف على خبر رجل شيرازي يتخبر للقرمطي ويكاتبه. فأنفذ معه جماعة فقبض عليه وحمل إلى دار السلطان وناظره عليّ بن عيسى بحضرة القاضي أبي عمر والقوّاد وقال:

« أنا صاحب أبي طاهر وما صحبته إلّا على انّه على حقّ وأنت وصاحبك ومن يتبعكم كفّار مبطلون ولا بدّ لله في أرضه من حجّة وإمام عدل وإمامنا المهديّ فلان بن فلان بن إسماعيل بن جعفر الصادق وليس نحن مثل الرافضة الحمقى الذين يدعون إلى غائب منتظر. » فقال له عليّ بن عيسى:

« اصدقنى عمّن يكاتب القرمطي من أهل بغداد والكوفة. » قال: « ولم أصدقك عن قوم مؤمنين حتى أسلّمهم إلى قوم كافرين فيقتلونهم؟ لا أفعل ذلك أبدا. » فأمر بصفعه بحضرته وضربه بالمقارع وقيّده وغلّه بغلّ ثقيل وجعل في فمه سلسلة وسلّمه إلى نازوك وحبسه في المطبق فمات بعد ثمانية أيّام لأنّه امتنع من أن يأكل ويشرب حتى مات وشغب الجند.

ودخلت سنة ستّ عشرة وثلاثمائة

ودخل مونس المظفّر بغداد من الأنبار ودخل بعد نصر وذلك يوم الخميس لثلاث خلون من المحرّم وكان الجند قد شغبوا بالأنبار لطلب الزيادة في أرزاقهم فأقاموا ببغداد على مطالبتهم، فزيد كلّ واحد منهم دينارا وأنفق فيهم على الزيادة.

وورد الخبر بدخول أبي طاهر القرمطي الدالية من طريق الفرات فلم يجد فيها شيئا وقتل من أهلها جماعة ثم سار إلى الرحبة فدخلها بعد أن حارب أهلها ووضع السيف فيهم بعد أن ملكهم وندب مونس المظفّر للخروج إليهم بالرقّة، وكان أهل قرقيسيا وجّهوا إلى القرمطي يطلبون الأمان منهم ووعدهم بجميل. ثم أنفذ إليهم من نادى بقرقيسيا ألّا يظهر بها أحد بالنهار فلم يجسر أحد بها أن يظهر فعبرت سريّة له إلى الأعراب على جسر عقده بالرحبة فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذ جمالهم وأغنامهم فرهبه الأعراب رهبة شديدة، وصاروا لا يسمعون بذكره إلّا تطايروا، وجعل عليهم أتاوة إلى هذه الأيام وهي من كلّ بيت دينار في السنة. ثم أصعد من الرحبة إلى الرقّة.

وسار مونس المظفّر إلى الموصل ومنها إلى الرقّة فانصرف أبو طاهر عن الرقّة على طريق الفرات ووصل إلى الرحبة فحمل ما معه من الزاد وغيره في زواريق وانحدر في الماء وعلى الظهر ليعاود هيتا. وكان أهلها قد نصبوا على سورها عرّادات ومنجنيقات، فحاربوه وقتلوا من أصحابه، فانصرف عنها إلى ناحية الكوفة، وورد الخبر بذلك فأخرج بنيّ بن نفيس وهارون بن غريب على مقدّمة نصر.

وجاءت خيل القرمطي ومعها ابن سنبر إلى قصر ابن هبيرة وعبروا الفرات بمخاضة فقتلوا جماعة من أهل القصر. فخرج نصر الحاجب ومعه القوّاد والرجّالة المصافيّة يريدون مواقعة أبي طاهر وحمّ نصر حمّى حادّة فلم يمنعه ذلك من المسير إلى سورا. ووافى أبو طاهر إلى شاطئ سورا وقت المغرب، فلم يكن في نصر نهوض للركوب لشدّة علّته، فاستخلف أحمد بن كيغلغ وأنفذ معه الجيش فانصرف القرمطي قبل أن يلقاه أحمد بن كيغلغ.

واشتدّت علّة نصر وجفّ لسانه من شدّة الحمّى فردّ إلى بغداد في عمارية ومات في الطريق. فخرج شفيع المقتدري برسالة المقتدر إلى الجيش الذي كان مع نصر بأنّه قد جعل الرئيس عليهم مكان نصر هارون ابن غريب فدخل هارون بن غريب مع الجيش بغداد.

ذكر الحال التي أدت إلى صرف علي بن عيسى وتقليد أبي علي ابن مقلة

لمّا رأى عليّ بن عيسى اختلال النواحي في أيّام وزارة الخاقاني والخصيبي ونقصان الارتفاع وزيادة النفقات وما لحق من زيادة الرجّالة بعد انصرافهم من الأنبار من حرب القرمطي وأنّ زيادتهم بلغت مائتي وأربعين ألف دينار في السنة مضافة إلى النفقات المفرطة هاله ذلك واستعظمه ووجد رجال السلطان قد ضعفوا عن القرمطي وتبيّن انحراف نصر الحاجب عنه، وذلك لميل مونس إليه، استعفى المقتدر من الوزارة فأمره بالصبر وقال له:

« أنت عندي بمنزلة المعتضد بالله ولى عليك حقوق. » فواصل الاستعفاء فشاور المقتدر مونسا المظفّر وأعلمه أنّه قد سمّى له ثلاثة: الفضل بن جعفر ابن حنزابة فلم يشر به لأجل من قتل من آل الفرات، وأبو عليّ ابن مقلة فلم يشر به لحداثته وقال:

« لا يصلح للوزارة إلّا شيخ له ذكر وفيه فضل. »، ومحمّد بن خلف النيرمانى فلم يشر به، وعرّفه أنّه جاهل لا يحسن أن يتهجّى اسمه وأنّه متهوّر، وأشار بمداراة عليّ بن عيسى.

ثم لقي مونس عليّ بن عيسى ورفق به وداراه فقال له عليّ بن عيسى:

« لو كنت مقيما بالحضرة لاستعنت بك وعملت ولكنّك خارج إلى الرقّة. » وبلغ أبا عليّ ابن مقلة ذلك فجدّ في السعى، وشاور المقتدر نصر الحاجب في أمر الثلاثة فقال:

« أمّا الفضل بن جعفر فلا يدفع عن صناعة ومحلّ ولكنّك بالأمس قتلت عمّه وبنو الفرات يدينون بالرفض، وأمّا ابن مقلة فلا هيبة له. » وأشار بمحمّد بن خلف لما كان بينهما ممّا ذكرناه فيما تقدّم. فنفر المقتدر منه لما عرفه من جهله وتهوّره، وواصل ابن مقلة مداراة نصر الحاجب فأشار على المقتدر به وقال:

« يقلّد، فإن قام بالأمر كما يجب وإلّا فالصرف العاجل بين يديه. » واضطرّ المقتدر إلى أن استوزر أبا عليّ بن مقلة.

وكان ما مال به المقتدر إلى أبي عليّ أنّ أبا طاهر القرمطي لمّا قرب من الأنبار تشوّف إلى علم خبره ولم يكن يكاتب بشيء من خبره غير الحسن بن إسماعيل الإسكافي عامل الأنبار. فلمّا عرف أبو عليّ ابن مقلة الصورة طلب أطيارا وأنفذها إلى الأنبار وكوتب عليها أخبار القرمطي وقتا بعد وقت فكان ينفذها إلى نصر لوقته ويعرضها نصر على المقتدر ووجد بذلك نصر السبيل إلى تقريظ ابن مقلة وقال للمقتدر:

« إن كان هذه مراعاته لأمورك ولا تعلّق له بخدمتك فكيف يكون إذا اصطنعته؟ »

ذكر القبض على علي بن عيسى وتقليد ابن مقلة

فلمّا كان يوم الثلاثاء للنصف من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة وثلاثمائة أنفذ هارون ابن غريب للقبض على عليّ بن عيسى فصار هارون إلى دار عليّ بن عيسى ومعه أبو جعفر بن شيرزاد وكان أبو جعفر متعطّلا في الوقت فوجّه بأبي جعفر إليه لأنّه استحيا منه وعرّفه ما أمر فيه. فلمّا أدّى إليه الرسالة قال له:

« أنا جالس متوقّع له. » وكان قد لبس عليّ بن عيسى خفّا وعمامة وطيلسانا وفي كمّه مصحف ومقراض وسأل هارون أن يصون حرمه وولده ففعل، وحمله مع أخيه أبي عليّ عبد الرحمن إلى دار السلطان فسلّم عليّ بن عيسى إلى زيدان القهرمانة واعتقل عبد الرحمن عند نصر فكانت وزارته هذه سنة واحدة وأربعة أشهر ويومين.

فلمّا كان في آخر نهار يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر أحدر أبو عليّ ابن مقلة الحاجب في دار السلطان ولم يصل إلى المقتدر وأقام عند نصر الحاجب في دار السلطان. وجدّ محمّد بن خلف في طلب الوزارة وضمن ثلاثمائة ألف دينار معجّلة غير أموال النواحي. فقلق أبو عليّ ابن مقلة لذلك وحضر من غد دار السلطان ولم يصل أيضا.

واجتمعت الألسن على المقتدر بإمضاء أمره وبالذمّ لمحمّد بن خلف، فأمضاه وحضر يوم الخمسين للنصف من الشهر ووصل وخلع عليه وحمل إليه من دار السلطان طعام على رسم الوزراء إذا تقلّدوا.

وكان أبو الحسن عليّ بن عيسى قبل صرفه عن الوزارة بعشرين يوما كتب إلى أبي عبد الله البريدي يأمره باستخراج ما كتب به ابن ما بنداذ أنّه قد اجتمع في بيت مال الأهواز من مال الأهواز وهو ألف ألف وخمسون ألف درهم وانضاف إلى ذلك ما حمله القاسم بن دينار من مال فارس وكرمان على الظهر وهو سبعمائة ألف درهم سوى ما حمله أبو على ابن رستم من مال إصبهان وهو أربعمائة وخمسون ألف درهم فيصير الجميع ألفي ألف ومائتي ألف درهم.

وكان في أبي عبد الله البريدي حركة ورجلة يحتاج إليهما في ذلك الوقت.

فكتب إلى ابن مابنداذ يطالبه بالمال فكتب بأنّ المال حاصل. وكان ابن مابنداذ بتستر، فوجّه إليه يستعجله ولم ينتظره واستحضر كاتبه فحمل في الشذاءات ألفي ألف ومائتي ألف درهم، وكتب أنّه إن عادت الشذاءات حمل فيها باقى المال، فصرف عليّ بن عيسى قبل موافاة بقية المال.

وقد كنّا ذكرنا انحراف نصر الحاجب عن عليّ بن عيسى لميل مونس المظفّر إليه، فلمّا نكب عليّ بن عيسى ادّعى نصر الحاجب أنّه وجد رجلا يعرف بالجوهرى أقرّ أنّه صاحب القرمطي وأنّه جعل سفيرا بينه وبين عليّ بن عيسى.

وحكى عنه أنّ عليّ بن عيسى كان يكاتب القرمطي على يده وجمع بينه وبين عليّ بن عيسى حتى واجهه بذلك فقال له عليّ بن عيسى:

« بهتني وما خلق الله لما يقوله أصلا. » وعاون أبو عليّ ابن مقلة نصرا الحاجب في هذه القصّة إلى أن كاد يتمّ المكروه على عليّ بن عيسى وهمّ المقتدر أن يضربه بالسوط على باب العامّة بحضرة الفقهاء والقضاة وأصحاب الدواوين، فاحتالت السيّدة واستكشفت الحال فيما ادّعى عليه فوقفت على بطلانه وقررت ذلك في نفس ابنها وأزالت ما كان أمره به فيه.

وأخذ أبو عليّ ابن مقلة خطوط العمّال والضمناء بنحو مائة ألف دينار وبلغ أبا عبد الله البريدي وهو بالأهواز تقلّد أبي على ابن مقلة الوزارة وكان بينهما مودّة فأنفذ إليه من وقته سفاتج بثلاثمائة ألف دينار من حمله الباقي بالأهواز بعد ما كان حمله.

وكان القاسم بن دينار وأحمد بن محمّد بن رستم قد حملا إلى عليّ بن عيسى سفاتج بستمائة ألف درهم، فوصلت بعد صرفه فقبضها ابن مقلة فمشى أمر أبي عليّ ابن مقلة بهذه الاتفاقات. وكتب أبو عليّ ابن مقلة كتابا برفع كلّ الجبايات والمصادرات وسكّن من الناس لينبسطوا في أعمالهم.

وفي هذه السنة وقعت حرب بين نازوك وهارون بن غريب خال

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ سوّاس هارون بن غريب وسوّاس نازوك تغايروا على غلام أمرد ووقع الشّر بينهم وأخذ نازوك سوّاس هارون بن غريب وأودعهم حبس الجرائم بعد أن ضربهم، فصار أصحاب هارون بن غريب إلى مجلس الشرطة ووثبوا على أبي الجود خليفة نازوك وانتزعوا أصحابهم من يده.

وركب نازوك إلى المقتدر وشكا إليه هذه الحال فلم يكن من المقتدر إنكار رضيه نازوك فانصرف محفظا وجميع رجاله وجمع هارون ابن غريب رجاله وباتا جميعا مستعدين.

فلمّا أصبحوا زحف أصحاب نازوك إلى دار هارون بن غريب وأغلق هارون بابه دونهم وخارج الباب جماعة من غلمان هارون وأصحابه فقتل منهم قوم وفتح باب هارون حينئذ وخرج أصحابه واستحكمت الحرب بينهم واشتدّت. فوجّه نازوك إلى أصحابه بمن صرفهم، ثم ركب الوزير أبو عليّ ومعه مفلح الأسود لتوسط القصّة، فبدأ بابن الخال وأدّى إليه رسالة المقتدر بالكفّ. ثم صار الى نازوك فأدّى إليه مثل ذلك فسكنت القصّة.

واستوحش نازوك وأقام في داره وفيها غلمانه وأصحابه ورجاله وظهر في ساقه توتة وقلعها وجعلها سببا في ترك الركوب وبعد ثلاثة أيّام صار إليه هارون بن غريب بدرّاعة فاصطلحا وأقام نازوك في داره وصار هارون بن غريب إلى البستان النجمى فأقام فيه ليبعد عن نازوك وكثر الناس عليه وأرجفوا له بإمرة الأمراء فاشتدّ ذلك على أسباب مونس المظفّر وكتبوا به إليه وهو بالرقّة فأسرع الشخوص منها على طريق الموصل إلى بغداد ووصل إليها ولم ينحدر إلى المقتدر ولا لقيه وصاعد إليه الأمير أبو العبّاس والوزير أبو عليّ فسلّما عليه وانحدر نازوك.

ظهور الوحشة بين مونس والمقتدر

وأقام هارون بن غريب في دار السلطان منابذا لمونس المظفّر ودخل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان من الجبل وصار إلى مونس المظفّر وما زالت المراسلات تتردد بين مونس والمقتدر.

ودخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة

ذكر فتنة نازوك وأبي الهيجاء التي أدّت إلى خلع المقتدر وذكر قتلهما ورجوع المقتدر بالله إلى الخلافة

لمّا كان يوم السبت لثمان خلون من المحرّم خرج مونس المظفّر إلى الشمّاسيّة وخرج الجيش معه وركب نازوك من داره في غلمانه وأصحابه في السلاح. فلمّا وصل إلى الجسر وجده مقطوعا فأقام بمكانه إلى أن أصلح وعبر هو وأصحابه عليه وصاروا إلى مونس وخرج أبو الهيجاء ابن حمدان إليه وسائر القوّاد، ثم انتقلوا من باب الشمّاسيّة إلى المصلّى وشحن المقتدر داره بهارون بن غريب وأحمد بن كيغلغ والحجريّة والرجّالة المصافيّة. فلمّا كان آخر النهار انفضّ أكثر من كان في دار السلطان وصاروا إلى مونس وصرف مونس نحرير الصغير عن الدينور وردّها إلى أبي الهيجاء مضافة إلى أعماله.

وراسل مونس المقتدر بأنّ الجيش عاتب منكر للسرف فيما يصير إلى الخدم والحرم من الأموال والضياع ولدخولهم في الرأي والتدبير ويطالبون بإخراجهم من الدار وإبعادهم وأخذ ما في أيديهم.

فكتب المقتدر إلى مونس رقعة نسختها:

« بسم الله الرحمن الرحيم، أمتعنى الله بك ولا أخلانى منك ولا أرانى سوء فيك. تأمّلت الحال التي خرج أولياؤنا وصنائعنا وشيعتنا إليها وتمسّكوا بها وأقاموا عليها، فوجدتهم لم يريدوا إلّا صيانة نفسي وولدي وإعزاز أمري وملكي واجتلاب الخير والمنفعة من كلّ جهة وتطلبها بكلّ سبيل، بارك الله عليهم وأحسن إليهم وأعاننى على صالح ما أنويه فيهم.

« وأمّا أنت يا أبا الحسن المظفّر - لا خلوت منك - فشيخى وكبيرى ومن لا أزول ولا أحول عن الميل إليه والتوفّر عليه والتحقق به والإيجاب له اعترض ما بيننا هذا الحادث أم لم يعترض. وانتقض الأمر الذي يجمعنا أم لم ينتقض، وأرجو ألّا تشكّ في ذلك إذا صدقت نفسك وحاسبتها وأزلت الظنون السيّئة عنها أدام الله حراستها والقوّة بالله والذي خاض لأصحابنا فيه من أمر الخدم والحرم الذين يخرجون من الدار ويباعدون عنها وتسقط رسومهم في الخدمة ويمنعون منها ويبرّءون من نعمهم ويحال بينهم وبينها إلى أن يفرجوا عمّا في أيديهم من المال والضياع ويردّوها إلى حقوقها قول إذا تبيّنوه حقّ تبيّنه وتصفّحوه كنه تصفّحه علموا أنّه قول جاف والبغي عليّ فيه غير مستتر ولا خاف.

« ولإيثارى موافقتهم واتّباعى مسرّتهم ما أجبتهم إلى المتيسّر في أمر هذه الطبقة خاصّة، فأتقدم بقبض بعض إقطاعاتهم وحظر تسويغاتهم وبسط إيغاراتهم وإخراج من يجوز إخراجه من دارى ولا أطلق للباقين الدخول في تدبيري ورأيي وأوعز بمكاتبة العمّال في استيفاء حقّ بيت المال في ضياعهم الصحيحة الملك دون ما يقال إنّه قد لابسه الريب والشكّ.

« وأنظر بنفسي في أمر الخاصّة والعامّة وأبلغ في إنصافها والإحسان إليها الغاية، ولا أعتمد في ذلك على وزير ولا سفير البتّة وانتصب لإثارة الأموال وجمعها ووضعها في مواضعها وأحميها من كلّ ما يثلمها وينتقصها وأشمّر في ذلك وأبلغ في مناهضة الأعداء قربا وبعدا وهذا إنّما قعدت عنه اعتمادا عليكم وتفويضا إليكم وثقة بأنّكم شركائى وسهمائى والمخصوصون بخير أيّامى شرّها وحلوها ومرّها ولو علمت انّه يجعل ذلك ذنبا لي وجرما يتجنّى به عليّ لكنت أوّل شاخص إلى كلّ تعب وأوّل مبادر نحوه من غير إبطاء عنه ولا ريث.

« فأمّا أنتم فمعظم نعمكم مني وما كنت لأغور عليكم في شيء سمحت به لكم ورأيته في وقته وأراه الآن زهيدا في جنب استحقاقكم وأنا بتثميره أولى وبتوفيره أحرى والله المطّلع على جميل معتقدي للجماعة فيها والشاهد على محبّتى لإيصالها إلى أقصى أمانيها.

« ونازوك، فلست أدرى من أيّ شيء عتب ولا لأيّة حال استوحش واضطرب لأنّى لم ألمه على محاربة هارون بن غريب الخال ولم أمنعه من الإنتصار منه والأخذ بثأره عنده ولا أمرت بمعاونة هارون عليه ولا قبضت يده عمّا كانت طويلة إليه منبسطة فيه متمكّنة منه ولا غيّرت له حالا ولا حزت له مالا ولا سمع مني ولا بلغه عني ما يسوء موقعه وينفر منه والله يغفر لنا وله.

« وعبد الله بن حمدان فالذي أحفظه صرفه عن الدينور وقد كان يتهيّأ إعادته إليها إن كان راغبا فيها فيسعف بمسألته وأن يستدعى تعويضه من الأعمال ما هو أعظم خطرا من الدينور فلا نقصر عن إرادته وما عندي له ولنازوك وللعصاة كلّها إلّا التجاوز والإبقاء والإغضاء وقبل هذا وبعده، فلي في أعناقكم بيعة قد وكّدتموها على أنفسكم دفعة بعد دفعة، ومن بايعنى فإنّما بايع الله ومن نكث إنّما نكث عهد الله.

« ولى أيضا عليكم نعم وأياد وعندكم صنائع وعوارف آمل أن تعترفوا بها وتلتزموها ولا تكفروها وتشكروها وإن راجعتم الجميل وتلافيتم هذا الخطب الجليل وفرّقتم جموعكم ومزّقتموها وعدتم إلى منازلكم واستوطنتموها وأقبلتم على شئونكم وتشاغلتم بها وأجريتم في الخدمة على عادتكم فلم تقصروا فيها كنتم بمنزلة من لم يبرح من موضعه ولم يأت بما يعود بتشعث محله وموقعه وكنت الذي تعرفونه في الثقة بكم والإيثار لكم والسكون إليكم والاشتمال عليكم لكم بذلك عهد الله إن عهده كان مسئولا.

« وإن أبيتم إلّا مكاشفة ومخالفة وإثارة فتنة وتجديد محنة فقد ولّيتكم ما تولّيتم وأغمدت سيفي منكم وتبرّأت إلى الله أن أمدّ باعى إلى أحد منكم ولجأت في نصرى ومعونتى وكفايتي إلى الله عز وجل ولم أخرج من منزلي ولم أسلّم الحقّ الذي جعله الله لي إلّا كما خرج عثمان بن عفّان عن داره وكما سلّم حقّه لمّا خذله عامّة ثقاته وأنصاره وكان ذلك حجّة فيما بين الله عز وجل وبيني ومعذرة وسببا بإذن الله لما أؤمّله من الفوز في الدنيا والآخرة والله بصير بالعباد وللظالمين بالمرصاد وحسبي الله ونعم الوكيل. » ولمّا وصلت هذه الرقعة إلى مونس ووقف نازوك وأبو الهيجاء على ما تضمّنت عدلوا إلى مكاتبته بإخراج هارون بن غريب عن بغداد، فأجابهم إلى ذلك وقلّد هارون الثغور الشاميّة والجزريّة من يومه ومضى إلى قطربّل فأقام بها.

ولمّا كان يوم الاثنين لعشر خلون من المحرّم دخل مونس المظفّر والجيش بغداد وعدلوا عن دار السلطان كراهية لمعرّة الجند وظهر عند الناس ظهورا بيّنا وأرجفوا إرجافا قويّا أنّ نازوك وأبا الهيجاء واقفا مونسا المظفّر على الاستبدال به ونصب غيره في الخلافة.

فلمّا كان يوم الأربعاء لاثنى عشرة ليلة خلت من المحرّم خرج مونس إلى باب الشمّاسيّة دفعة ثانية وخرج معه أبو الهيجاء ونازوك وبنيّ بن نفيس وجميع القوّاد والجيش وزحفوا إلى دار السلطان.

ذكر الخبر عن خلع المقتدر بالله وتقليد القاهر بالله الخلافة

لمّا زحف القوم بأسرهم إلى دار السلطان هرب المظفّر بن ياقوت وسائر الحجّاب والحشم والخدم والوزير أبو عليّ ابن مقلة منها ودخل مونس من باب الزاوية وحصل الجيش كلّه في دار السلطان. فلمّا كان بعد عتمة بساعة أخرج المقتدر ووالدته وخالته وخواصّ جواريه من الدار وأصعد بهم إلى دار مونس المظفّر ودخل هارون بن غريب من قطربّل سرّا إلى بغداد واستتر بها.

ومضى أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى دار ابن طاهر ليحدر منها محمّد بن المعتضد بالله فلم يفتح له كافور الموكّل بحفظ الدار وطالبه بعلامة من مونس، فلم تكن معه فانصرف، وأصعد ونازوك بعد أن أخذ العلامة وطرح في طريقه النار في دار هارون بن غريب وأحدر محمّد بن المعتضد ووصل إلى دار السلطان في الثلث الأخير من ليلة السبت للنصف من المحرّم وسلّم عليه بالخلافة وبايعه مونس والقوّاد ولقّب القاهر بالله.

وزارة علي بن مقلة

وأخرج مونس عليّ بن عيسى من الحبس في دار السلطان وأطلقه إلى منزله وأحضر أبا عليّ ابن مقلة وقلّده وزارة القاهر بالله وقلّد نازوك الحجبة مضافة إلى ما إليه من الشرطة بمدينة السلام وأضاف إلى ما كان إلى أبي الهيجاء من أعمال طريق خراسان وحلوان والدينور وطريق سرّ من رأى وبزرج سابور والراذانين ودقوقاء وخانيجان والموصل أعمال المعاون بهمذان ونهاوند والصيمرة والسيروان وماسبذان ومهرجانقذق وأرزن.

ووقع النهب في دار السلطان ومضى بنيّ بن نفيس إلى تربة السيدة بالرصافة فوجد لها هناك ستّمائة ألف دينار فحملها إلى دار السلطان. وخلع المقتدر بالله من الخلافة يوم السبت النصف من المحرّم وأشهد على نفسه بذلك القضاة وسلّم الكتاب بذلك إلى القاضي أبي عمر محمّد بن يوسف.

ذكر حزم استعمل وانتفع به

فحدّث أبو الحسين ابن أبي عمر أنّ أباه سلّم الكتاب إليه بالخلع وقال له:

« يا بنيّ احفظه واستره ولا يراه أحد من خلق الله عندك. » قال: فقلت له:

« وما الفائدة في كتمانه وقد علم به الخلق؟ » قال: فقال لي:

« وما الفائدة في إظهاره ومن أين تعلم ما يكون؟ » قال: فامتثلت أمره. فلمّا أعيد المقتدر بالله إلى الخلافة بعد يومين أخذ القاضي أبو عمر ذلك الكتاب فسلّمه إلى المقتدر بالله من يده إلى يده وحلف له على أنّه ما رآه أحد من خلق الله عنده غيره. فحسن موقع ذلك من المقتدر جدّا وشكره له وقلّده بعد مديدة قضاء القضاة.

قال: فقال لي:

« يا بنيّ ما ضرّنا كتمان الكتاب وستره شيئا»

وانصرف الناس من دار السلطان يوم السبت ولمّا كان من غد وهو يوم الأحد جلس القاهر بالله وحضر الوزير أبو عليّ ابن مقلة ووصل إليه وأمره بالجلوس بين يديه وسكن النهب وكتب أبو عليّ ابن مقلة بخبر تقليد القاهر بالله الخلافة كتابا أنشأه إلى الولاة في النواحي. وأمر نازوك الرجّالة المصافيّة بقلع خيمهم من دار السلطان وأقام رجّالته مكانهم فاضطربوا من ذلك ثم تقدّم إلى خلفاء الحجّاب والبوّابين ألّا يدخل الدار إلّا من كانت له مرتبة فاضطربت الحجريّة من ذلك وتكلّموا وصار ذلك سببا لردّ المقتدر إلى الخلافة.

ذكر السبب في رد المقتدر إلى الخلافة

فلمّا كان يوم الاثنين السابع عشر من المحرّم بكرّ الناس إلى دار السلطان لأنّه يوم موكب ودولة جديدة، فامتلأت الدهاليز والممرّات والرحاب وشاطئ دجلة منهم وحضر الرجّالة المصافيّة بالسلاح يطالبون بالبيعة ورزق سنة ولم ينحدر مونس إلى دار السلطان ذلك اليوم وأقام في منزله.

وارتفعت زعقات الرجّالة وسمعها نازوك وأشفق أن يجرى بين أصحابه وبينهم قتال، فتقدّم إلى غلمانه وأصحابه ألّا يعرضوا لهم. وزاد شغب الرجّالة وهجموا يريدون الصحن التسعينى فلم يمنعهم أحد لما كان نازوك تقدّم به إلى أصحابه ودخل منهم من كان على الشطّ من الروشن بالسلاح المشهور وقربت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله وكان جالسا في رواق التسعينى وبين يديه أبو عليّ ابن مقلة ونازوك وأبو الهيجاء، فوجّه نازوك ليخاطبهم وكان نازوك مخمورا كالسكران قد شرب طول ليلته، فلمّا برز إلى الروشن ونظر إليه الرجّالة أسرعوا نحوه فخافهم لأنّهم شهروا السلاح عليه، فولّى منهم وعدا وأطمعهم في نفسه وعدوا خلفه وانتهى به الهرب منهم إلى باب كان هو سدّه أمس ذلك اليوم بالآجر والجصّ ولم يمكنه النفوذ ووصلوا إليه وقتلوه وقد كانوا قتلوا قبله عجيبا وصاحوا:

« مقتدر يا منصور. » فتهارب كلّ من في الدار من الوزير والحجّاب والحشم وسائر الطبقات حتى بقيت الدار خالية.

وصلب الرجّالة نازوك وعجيبا على خشب الستارة التي على شاطئ دجلة [ ثمّ صار الرجّالة إلى ] دار مونس يطالبون بالمقتدر بالله، وبادر الخدم في دار السلطان فغلقوا أبوابا وكان جميعهم خدم المقتدر وحاشيته وصنائعه، وأراد أبو الهيجاء أن يخرج من الدار فتعلّق به القاهر وقال:

« يا أبا الهيجاء تسلّمنى؟ » فدخلت أبا الهيجاء الحميّة والأنفة، فرجع معه وقال:

« والله لا أسلمتك. » وعاد فوجد الأبواب مغلقة فدخلا دار السلام وارتفعت ضجّة وتكبير.

فقال فائق وجه القصعة، لبعض الخدم الصغار الرسائليّة:

« أنظر ما هذه الضجّة؟ » فمضى وعاد وقال:

« قتل أبو الهيجاء. »

فقال له:

« أنظر ويلك ما تقول. » فأعاد ذلك ثلاثا فقال أبو الهيجاء:

« هو ذا أنا ويلك. » فقال الخادم:

« غلطت، قتل نازوك. » فقال القاهر لوجه القصعة:

« افتح لي الباب لأخرج إلى الشطّ. » فقال: « إنّ وراءه أبوابا كثيرة يتعذّر منها الوصول إلى الشطّ، ولكن نفتحه على كلّ حال. » ففتح فأفضى بالقاهر المشي إلى درجة الدواليب المنصوبة على دجلة فوق موضع التاج فصعدها ويده في يد أبي الهيجاء ابن حمدان، وأشرفا على دجلة، فرأيا الرجّالة في السلاح من نهر المعلّى منتظمين متراصّين إلى التاج وإلى باب الخاصّة لا يحصيهم العدد فنزل مبادرا فقال له أبو الهيجاء:

« امض يا مولاي فو تربة حمدان لا فارقتك أو أقتل دونك. » ومضيا حتى دخلا الفردوس وخرجا من باب الفردوس إلى الرحبة، فلقيا غلاما لمقبل الخادم راكبا فلمّا رآهما ترجّل وقالا له:

« من أين جئت؟ » قال: « من باب النوبى. » فنزع أبو الهيجاء سواده ومنطقته ودفعها إلى الغلام وقال له:

« أعطنى جبّتك. »

وكانت عليه جبّة صوف مصري فأعطاه إيّاها فلبسها وركب دابّة الغلام وترك القاهر مع الخدم وقال:

« يا مولاي قف بمكانك حتى أعود إليك. » فلم يطل أبو الهيجاء حتى عاد فقال له القاهر:

« ما وراءك؟ » فقال: « صرت إلى باب النوبى فلقيني جعفر البوّاب فقلت له:

« افتح الباب. » فقال: « لا يمكنني لأنّ وراءه من الرجّالة والجيش من لا يحصى لأنّه قد جيء برأس نازوك إلى ها هنا. » ثم قال للقاهر:

« هذا أمر من السماء فعد بنا. » ودخلا الفردوس فجالا فيه ثم خرجا إلى القرب من القلّاية ثم دخلا الصحن الحسني الصغير ثم دخلا إلى دار الأترجّة وخفّ من معهما من الخدم وتأخّر هناك فائق وجه القصعة وقال لمن وقف بوقوفه من الخدم:

« ادخلوا إليهما فافرغوا من عدوّ مولاكم. » فدخل نحو عشرة منهم بعضهم بقسيّ وبعضهم بدبابيس. فلمّا رآهم أبو الهيجاء صاح بهم وجرّد سيفه ونزع الجبّة الصوف التي كانت عليه، فلفّها على يده وأسرع نحوهم فانجفلوا من بين يديه ودهشوا وسقط بعضهم في البركة وغشيهم فرموه ضرورة، فرجع ودخل بيت ساج في بستان دار الأترجّة. فلمّا حصل في البيت خرج من كان في البركة من الخدم وصاروا إلى قرب البيت وأحسّ بهم فخرج إليهم بسيفه فولّوا بين يديه إلى جانب من الصحن وفتحوا بابا من زاوية هذا الصحن فدخل منه خمارجويه أحد أكابر الغلمان بسيفين ودرقتين وأقبل على الخدم وقال لهم:

« أين هو يا أصحابنا؟ » فقالوا:

« هو في البيت الساج. » فقال لهم:

« تحرّشوا به حتى يخرج. » فشتموه فخرج كالجمل الهائج وقال:

« يا آل تغلب أأقتل بين الحيطان، أين الكميت أين الدهماء؟ » فرماه خمارجويه بسهم أصابه تحت ثديه وأتبعه بسهم آخر فأصاب ترقوته ورماه بسهم ثالث وقد اضطرب فشكّ فخذيه.

قال بشرى وهو الحاكي لهذه الصورة عن مشاهدة: فقد رأيت أبا الهيجاء وقد ضرب السهم الذي شكّ فخذيه فقطعه وجذب السهم الذي أصابه تحت ثديه فانتزعه ورمى به ومضى نحو البيت فسقط قبل أن يصل إليه على وجهه فأسرع إليه أحد الأسودين فضرب يده اليمنى فقطعها وفيها السيف وأخذ السيف وغشيه الأسود الآخر فحزّ رأسه فأسرع بعض الخدم فأنتزع الرأس من يد الأسود ومضى مبادرا به.

وكان الرجّالة لما انتهوا إلى دار مونس وسمع زعقاتهم قال:

« ما الذي يريدون؟ » فقيل له:

« يريدون المقتدر بالله. »

فقال: « سلّموه إليهم. » فلمّا قيل للمقتدر:

« امض معهم إلى الدار حتى تعود إلى أمرك. » خاف أن يكون حيلة عليه فامتنع فحمل حملا على رقاب الرجال من دار مونس إلى الطيّار ومن الطيّار إلى درجة الصحن التسعينى فحين وضع رجله في الدار صار إلى دار زيدان القهرمانة وقال:

« ما فعل أبو الهيجاء؟ » فقيل: « هو في دار الأترجّة. » فدعا بدواة فأبطأ بها الغلمان ولم يزل يطلبها حتى جاءوه بها فكتب له أمانا بخطّه ودفعها إلى بعض الخدم وقال:

« ويلك بادر به لئلّا يحدث عليه حادثة. » فلقى الخادم الخادم الذي معه الرأس فعاد معه فلمّا رآه قال له:

« ويحك ما وراءك؟ » قال: « عمر الله أمير المؤمنين. » فقال: « ويلك من قتله؟ » فغمزه مفلح الأسود فقال:

« لا أدري من قتله ولا يعرف قاتله فإنّ أخلاط الرجّالة قاتلوه. » قال: « فإنّا لله. » وأقبل يكرّرها وقال:

« ما كان يدخل إليّ في هذه الأيام وأنا في دار مونس من يسلّينى ويظهر لي الغمّ حتى كأنّه بعض أهلى سواه. هذا إلى ما له ولأهله من الحقوق. » وظهر فيه من الكآبة أمر عظيم.

فبينا هو كذلك إذ ارتفعت ضجّة فشغل عن أمر أبي الهيجاء وقال:

« ما هذا؟ » فجاءه خادم يعدو وقال:

« محمّد» - يعنى القاهر بالله.

وقد أخذ وجيء به.

فأحضر القاهر بالله فأجلسه بين يديه واستدناه ثم جذبه إليه وقبّل جبينه وقال له:

« يا أخي أنت لا ذنب لك وقد علمت أنّك قهرت. » والقاهر بارك يقول: « نفسي نفسي الله الله يا أمير المؤمنين. » فلمّا كرّر ذلك قال له:

« وحقّ رسول الله ﷺ لا جرى عليك سوء مني أبدا ولا وصل أحد إلى مكروهك وأنا حيّ، ولأحرصنّ على انصرافك إلى منزلك من دار ابن طاهر في هذه الليلة، فطب نفسا ولا تجزع. » وأخرج رأس نازوك ورأس أبي الهيجاء وشهرا في الشوارع ونودى عليهما:

« هذا جزاء من عصى مولاه وكفر نعمته. »

سكون الهيج ورجوع الخلافة إلى المقتدر

وسكن الهيج وعاد أبو عليّ ابن مقلة إلى وزارته وكتب عن المقتدر بالله برجوع الخلافة إليه وتجديد البيعة له إلى الولاة في النواحي.

ولمّا تمكّن المقتدر من دار الخلافة وأقرّ أبا عليّ ابن مقلة على وزارته أطلق للجند البيعة. أمّا للرجّالة فستّ نوائب وزيادة دينار لكلّ راجل، وأمّا الفرسان فثلث رزق وزيادة ثلاثة دنانير لكلّ فارس. ولمّا نفذت الأموال في ذلك أخرج ما في الخزائن من الكسوة وغيرها فباع ذلك ثم أطلق لهم بها العهد بالأشرية على وكيل نصبه المقتدر وهو عليّ بن العبّاس النوبختي وأشهد على نفسه بتوكيله إيّاه في البيع، وشرط للمبتاعين في كتب الأشرية أن يحملوا في حقّ بيت المال فيما اشتروه على معاملة القطائع المعشورة، ثم بيع منهم بالصلة فضل ما بين المعاملتين في أملاك الرعيّة وهو فضل ما بين الأستان والقطيعة ووقعت لهم الشهادة بذلك على عليّ بن العبّاس وحسبت عليهم الضياع والأملاك بأرخص الأثمان.

فحكى ثابت بن سنان أنّه حضر مجلس الوزير أبي عليّ ابن مقلة ولم يكن له شغل غير التوقيع للجند ببيع الضياع وفضل ما بين المعاملتين بالصلة ولا كان لأصحاب الدواوين عمل غير إخراج العبر لما يباع. وكان الناس مجتمعين عليه وهو يوقّع إذ استؤذن لعليّ بن عيسى عليه فأذن له، فلمّا رآه قام له قياما تامّا وأجلسه معه على دسته وأقبل عليه وترك ما كان فيه، فلمّا سأله عن خبره رأى الناس منكبّين عليه فقال له:

« يشتغل الوزير أيّده الله بشغله. » وأقبل أبو على ابن مقلة على الناس يوقّع لهم، فلمح عليّ بن عيسى خرجا قد أخرج بعبرة ضياع جبريل والد بختيشوع فوجد الثمن بالإضافة إلى ما اشترى نزرا يسيرا فقال:

« لا إله إلّا الله، بلغ الأمر إلى هذا؟ » فترك ابن مقلة ما كان في يده وأقبل عليه فقال:

« حدّثني شيخنا أبو القاسم رحمه الله - يعنى عيسى بن داود - أنّ المتوكّل على الله لمّا غضب على بختيشوع المتطبّب أنفذ إلى داره لإحصاء ما في خزائنه فوجد في خزانة كسوته رقعة فيها ثبت ما اشتراه من الضياع وهو ببضعة عشر آلاف ألف درهم فقد آل أمرها إلى أن تباع بهذا القدر النزر، فعجبا جميعا من ذلك وعاد ابن مقلة إلى شغله وقام عليّ بن عيسى لينصرف فقام له الوزير أبو عليّ كما قام لدخوله.

وفي هذه السنة خلع على أبي على ابن مقلة وكنّى وكتب إلى جميع النواحي.

وفيها قلّد أبو عمر قضاء القضاة وكتب عهده.

وفيها أوقع القرمطي بالحاجّ في البيت الحرام بمكّة وقتل أميرها.

ذكر الخبر عن إيقاع القرمطي بالحاج وتخريبه مكة

كان منصور الديلمي بذرق بالحاجّ في هذه السنة فسلموا في طريقهم فلمّا وصلوا إلى مكّة وافاهم أبو طاهر الهجري إلى مكّة يوم التروية فقتل الحاجّ في المسجد الحرام وفي فجاج مكّة وفي البيت قتلا ذريعا، وقلع الحجر الأسود، وقتل ابن محلب أمير مكّة وعرّى البيت وقلع الباب وأصعد رجلا من أصحابه ليقلع المرزاب فتردّى الرجل على رأسه ومات، وأخذ أموال الناس وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن باقيهم في مصارعهم في المسجد الحرام وغيره من غير أن يصلّى عليهم، وأخذ أسلاب أهل مكّة وانصرف إلى بلده وحمل معه الحجر الأسود.

وفيها قلّد ابنا رائق شرطة بغداد مكان نازوك.

ودخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة

وشغّب الفرسان وتهدّدوا بأمور عظيمة، فأحضر المقتدر قوّادهم وخاطبهم بجميل ووعدهم بإطلاق أرزاقهم في الشهر الجديد، فانصرفوا وسكنوا، وشغّب الرجّالة فأطلقت أرزاقهم.

وفي شوّال منها خلع المقتدر على الأمير هارون ابنه وركب معه الوزير والجيش وكانت ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران إليه.

وفي ذي القعدة منها خلع المقتدر على ابنه الأمير أبي العبّاس وركب معه الوزير، مونس المظفّر وجميع الجند وكان مرسوما بولاية المغرب ومونس يخلفه عليه.

وفيها صرف ابنا رائق عن الشرطة وقلّدها أبو بكر محمّد بن ياقوت.

وفي هذه السنة كان هلاك الرجّالة المصافيّة.

ذكر السبب في هلاكهم

كان قد عظم الأمر في تسحّب الرجّالة المصافيّة وأدلوا بأنّهم كانوا السبب في ردّ المقتدر إلى الخلافة بعد ما خلع وثقل مالهم واحتدّت مطالبتهم وكثر شغبهم وزاد تعدّيهم وبلغ ما لهم في كلّ شهر من شهور الأهلّة مائة وثلاثين ألف دينار. فاتّفق أن شغّب الفرسان وطالبوا بأرزاقهم وناوشهم الرجّالة فقتل منهم جماعة واحتجّ السلطان على الفرسان بأنّ المال منصرف إلى الرجّالة، فحاربوهم حتى طردوهم من دار السلطان، وركب محمّد بن ياقوت فنادى فيهم ألّا يقيموا ببغداد وكان من وجد منهم بعد النداء قبض عليه وأودع حبس الجرائم.

وهدمت دور عرفاء الرجّالة وركب في ذلك ابن ياقوت وجدّد النداء فيهم ثم ظفر بنفر منهم فضربوا وشهّروا وقبضت أملاك الرجّالة المصافيّة وهدمت دورهم.

ثم هاج السودان بباب عمّار فركب محمّد بن ياقوت والقوّاد الحجريّة فأوقعوا بهم وضربوا الصقع بالنار. وكانت لأبي سعيد بن حمدان فيهم نكاية مشهورة وهربوا متفرّقين ثم اجتمع منهم جماعة من البيضان من رجّالة المصافيّة وغيرهم فكثر عددهم وانحدروا إلى واسط ورأّسوا على أنفسهم رجلا من الفرسان يعرف بنصر الساجي وطردوا عمّال السلطان بواسط، فانحدر إليهم مونس وأوقع بهم بواسط وقتلهم فلم يرتفع لهم راية بعد ذلك.

وفيها قبض على الوزير أبي عليّ ابن مقلة

ذكر السبب في القبض عليه

كان المقتدر متّهما لابن مقلة لممايلة مونس المظفّر وكان مستوحشا من مونس يظهر له الجميل، وانحرف عنه ياقوت لميل مونس إليه. واتفق أن خرج مونس المظفّر إلى أوانا متنزّها وانحدر أبو عليّ ابن مقلة إلى دار السلطان فتغنّم المقتدر بالله فيه غيبة مونس فقبض عليه. وكان محمّد بن ياقوت معاديا له، فلمّا قبض عليه أنفذ إلى داره بالليل من أحرقها.

وكان المقتدر قد عمل على أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله فرحل مونس من أوانا ودخل بغداد وراسل المقتدر بالله بكراهته للحسين ابن القاسم وسأله ردّ أبي عليّ ابن مقلة، فاغتاظ المقتدر وعزم على قتل ابن مقلة. وكان السفير عليّ بن عيسى. فكان يداريه إلى ان سكّنه وقال:

« ما ذنب وزيرك في شفاعة مونس له؟ » ولم يزل به حتى انصرف عن رأيه.

وكان المقتدر من محبته لأن يستوزر الحسين بن القاسم، استحضره وبيّته عنده وخلع عليه ووعده أن يصل في غد تلك الليلة بحضرة الناس ويخلع عليه الوزارة. فلمّا اتصل ذلك بمونس غلظ عليه أن يتفرّد المقتدر بهذا التدبير ولا يشاوره فيه وقد كان طعن عليه قديما وقال:

« لا يصلح للوزارة. » فترددت الرسائل بينه وبين المقتدر على لسان عليّ بن عيسى، فاستشار المقتدر عليّ بن عيسى. فأشار بردّ أبي عليّ ابن مقلة موافقة لمونس وذلك بعد أن سأله أن يتقلّدها هو فامتنع فقال المقتدر:

« هذا غير ممكن، فاذكر سواه. » فذكر سليمان بن الحسن وأشار به أو عبد الرحمن بن عيسى. فمال المقتدر إلى سليمان لما كان قدّمه من الطعن على ابن مقلة وما ظهر من عداوته له، فأمره بإحضاره وانصرف الحسين بن القاسم من دار السلطان واستتر.

وكانت مدّة وزارة أبي عليّ محمّد ابن عليّ ابن مقلة سنتين وأربعة أشهر.

ذكر ما جرى في أمر الوزارة بعد أبي علي وتقلد سليمان بن الحسن لها

أحضر سليمان بن الحسن يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى دار السلطان ولم يوصله المقتدر بالله إليه في ذلك اليوم وعاد من غد وهو يوم الخميس فوصل وخلع عليه. وتقدّم المقتدر إلى عليّ بن عيسى بالإشراف على سائر الأمور من الأعمال والدواوين وبمعاضدة سليمان وألّا يتراخى في ذلك فصار يصل مع سليمان إلى المقتدر ولا يقلّد سليمان أحدا ولا يصرفه ولا يعمل شيئا إلّا بموافقة عليّ بن عيسى.

وفيها قبض على البريديين وصودروا

ذكر الخبر عن ذلك

حكى أبو الفرج ابن أبي هشام قال: كان أبي يكتب لأحمد بن نصر القشوري وكان أحمد يطمع أن يجعل مكان أبيه نصر ويستحجب. قال:

فبينا نحن بين يدي أحمد بن نصر بالأهواز - وكان يتولّى أعمال المعاون بها - إذ ورد عليه توقيع من المقتدر بالله بخطّه مع ركابيّ يعرفه سرّا يقول فيه:

« يا أحمد قد عرفت ذنبك الذي جنيته وحرمت به نفسك رأيي، وقد تيسّر لك تلافيه بامتثال أمري فيما أضمّنه توقيعى هذا، اقبض على البريديين الثلاثة وحصّلهم في دارك، وإيّاك أن تفرج عنهم إلّا بتوقيع يرد عليك بخطّ كهذا الخطّ الذي في هذا التوقيع وثق مني بالعود لك إذا فعلت ذلك إلى ما يرفع منك ويصلح حالك ويعيد منزلتك. » قال: فأقرأنى أحمد بن نصر هذا التوقيع وسجد شكرا لله على ثقة المقتدر به وعبر في الوقت إلى دار أبي عبد الله وأنفذ حاجبه أبا يعقوب إلى دار أبي يوسف وأنفذ أحمد بن مقبل إلى دار أبي الحسين فوجدوهم قد خرجوا قبل ركوبه بلحظة وركبوا طيّاراتهم. وكان الخبر قد سبق إليهم فأظهروا أنّهم يريدون مسجد الرضا المتصل بالشاذروان بالأهواز فاتبعهم وعرف أنّهم ساروا إلى البصرة، فقامت قيامته من ذلك.

وأنفذ أبا يعقوب والغلمان وراءهم، فاتّفق أن عصفت الريح على البريديين فمنعتهم عن السير ولحقهم الطلب فأخذوا.

وبذل أبو عبد الله لأبي يعقوب خمسين ألف دينار على أن يفرج عنهم فما أجابه، ثم سأله أن يفرج عن أحد أخويه ويقبل منه عشرين ألف دينار فأبى، وردّهم وحصلوا في دار أحمد بن نصر ولم تمض خمسة أيّام حتى ارتفعت ضجّة. فقال لي أحمد بن نصر:

« اخرج فاعرف ما سبب هذه الضجّة. » قال: وكان سلّم إليهم داره الشطيّة واعتزل في حجرة، فخرجت مبادرا فرءانى أبو عبد اله فقال:

« قل له وبشّره أنّ الفرج قد أتى وأنّ هذا كتاب الوزير بالإطلاق وإقراري وأن أنظر في الأعمال. » وأعطاني الكتاب وبادرت به إلى أحمد بن نصر فقرأه وخرج إليه وإلى أخويه وقال:

« هذه نعمة يلزمني فيها الشرك والصدقة والوفاء بالنذر ولكن هذا خطّ أمير المؤمنين إليّ بما رسمه وأريد خطّا مثله بما ينقضه. » فتغيّرت وجوه الأخوة من ذلك واضطربوا حتى ظهر على وجوههم ما في قلوبهم ثم أخذوا في مداراته ومسألته الرفق. فلمّا كان من الغد شغّب الرجّالة بالأهواز تعصّبا لهم وقالوا:

« لا بدّ من إطلاقهم. » وحملوا السلاح وكان مع أحمد بن نصر طوائف من البصريّة وعدّة كثيرة من السودان والغلمان والحجريّة فجمعهم ثم حلف بالطلاق أنّه إن هجم على داره أحد منهم قتلهم وأخذ رؤوس الثلاثة وحملها إلى الخليفة. وقال:

« هذا كتاب مزوّر وإلّا فلم لا يقع تثبّت وإنّما ضرّبتم عليّ الرجّالة وراسلتموهم في حمل السلاح وأخذكم من منزلي لئلّا يظهر ما زوّرتموه وتتعجّلون الخروج والهرب. » فلمّا رأوا المصدوقة اعتذروا ووضعوا جنوبهم له وأرسلوا الرجّالة في الانصراف بعد أن حلفوا أنّهم تبرّعوا بالتعصّب لهم وأقاموا بمكانهم.

ووافى بعد عشرة أيّام ابن موسى دانجو بتوقيع مثل ذلك التوقيع وذلك الخطّ فتسلّمهم وحملهم وعلم أنّهم كانوا زوّروا واحتالوا وتأكّدت الوحشة بينهم وبين أحمد بن نصر القشوري ولم يزالوا عليها حتى فرّق بينهم الدهر.

ولمّا ورد البريدون الحضرة نوظروا على المصادرة فقال أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي وكان في الوقت عدوّا لهم:

« بكرت إلى أبي جعفر محمّد بن القاسم الكرخي وقلت له: الأهواز

خطّة القاسم أبيك وهي دارك ودار أخيك وأنتم تتصرّفون فيها منذ ستين سنة فلم تركتموها لهؤلاء الفعلة الصنعة وهلّا سعيت على سحقهم وسحبهم حتى لا يبقى لهم جناح يطيرون به؟ » فقال: « يا أبا زكريا ما الذي تقدّره في مصادرتهم التي تؤدّيهم إلى هذه الحال؟ » فقلت معظما: « ثلاثمائة ألف دينار يزهق الله به نفوسهم. » فقال لي:

« يا أخ قم بنا حتى نعبر إلى دار الوزير. » وكان يومئذ أبو القاسم سليمان بن الحسن. فخرجت معه فنزلنا الطيّار فلمّا وصلنا وتوسّطنا الدار وجدنا أبا القاسم الكلوذانى في جانب منها والبريديّين بين يديه والكتّاب. فقال لي أبو جعفر:

« ترى أن نقضي حقّه ونعرّج عليه ونعرف الصورة من أمرهم فنبنى ما نخاطب الوزير به بحسبه؟ » فقلت: « صواب. » فعدلنا إلى أبي القاسم وجلسنا عنده فقال لأبي جعفر:

« قد فصلنا أمر أصحابنا وأنت وجه الحضرة وتاجها وحرّها وهم إخوتك وما أحقّك بمعونتهم؟ » فقال: « إنّ أيسر ما يكون لهم أيّدهم الله مشاركتهم في المحنة فأمّا المعونة فما أقنع من نفسي بها فعلام انفصل أمرهم؟ » فقال: « على تسعة آلاف ألف درهم. »

قال أبو زكريا: فنظر إليّ أبو جعفر وقد بهت. ونهضنا فقال: « يا أبا زكريا هذا خلاف ما كان عندك. » فقلت: « هذا الأمر يراد والله ما يملكون هذا المال فإني أعرف بمكاسبهم ولكن لأبي عبد الله نفس أبيّة وهمة عليّة فعرفت نفسه على سلطانه فأعطاه أكثر ممّا أطمع فيه وممّا سعى به أعداؤه متربّصا بالأيّام والأوقات ومتوقّعا الدوائر وإن يسمع الخليفة التزامه هذا المال الجليل فيستكثر قدره ويرغب في تجديد الصنيعة عنده وما كلّ أحد يغرّر هذا التغرير وما هذا آخر أمره وسيكون له شأن عظيم كفافا الله شرّه. » قال أبو زكريا: وعدلت مذ ذلك اليوم إلى مداراته وخدمته واستصلاحه.

مناظرة أبي علي بن مقلة

وتقدّم المقتدر بالله إلى سليمان بن الحسن وأبي الحسن عليّ بن عيسى بمناظرة أبي عليّ ابن مقلة فاختارا لذلك أحمد بن محمّد بن صالح العكبري وأنفذه إلى دار السلطان فناظره ولم يزد على توبيخه ومواقفته على قبيح آثاره.

فالتمس أبو عليّ ابن مقلة أن يكون المناظر له عليّ بن عيسى. فاجتمع الوزير سليمان وعليّ بن عيسى على مناظرته في دار الحجبة بحضرة ياقوت الحاجب، فاغلظ له سليمان في الخطاب والتخطئة والاحتقار ونسبه إلى التضريب بين السلطان وأوليائه إلى أن قرّر عليّ بن عيسى أمره على مائتي ألف دينار على جمل، يعجّل منه النصف ويؤدّى الباقي في نجوم المصادرات، وكانت تلك النجوم إنّما هي رسم لا يطالب من يؤخذ خطّه بها.

فكتب مونس المظفّر إلى المقتدر يشفع لابن مقلة ويسأله أن يعفيه من المصادرة وأن يكون معتقلا في يد مرشد الخادم فأجابه إلى ذلك.

ودخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة

وفي هذه السنة استوحش مونس المظفّر زيادة استيحاش.

ذكر السبب في استيحاش مونس وخروجه

كان محمّد بن ياقوت منحرفا عن سليمان ومائلا إلى الحسين بن القاسم ومونس المظفّر، وأسبابه يميلون إلى سليمان لمكان عليّ بن عيسى وثقتهم به وينحرفون عن الحسين بن القاسم. وقوى أمر محمد بن ياقوت وقلّد مع الشرطة الحسبة [ ببغداد ] واستضمّ رجالا وقويت بهم شوكته فشقّ ذلك على مونس وسأل المقتدر صرفه عن الحسبة وتقليد ابن بطحاء ففعل ذلك.

وتقدّم مونس إلى أصحابه بالاجتماع إليه، فلمّا فعل ذلك جمع ياقوت وابنه الرجال في دار السلطان وفي دار محمّد بن ياقوت. وقيل لمونس إنّ محمّد بن ياقوت قد عمل على كبس داره بالليل وما فارقه أصحابه حتى أخرجوه إلى باب الشمّاسيّة وخرجوا معه وصار إليه عليّ بن عيسى فعرّفه خطأ هذا الرأي وأشار عليه بأن يعود إلى داره فلم يقبل منه وأقام على أمره.

وطالب بصرف محمّد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة وياقوت عن الحجبة وإبعادهما عن الحضرة، فوجّه المقتدر قاضى القضاة أبا عمر وابنه الحسن وابن أبي الشوارب وجماعة من شيوخ الهاشميين أصحاب المراتب إلى مونس برسالة يرفق فيها ويسأله الرجوع إلى داره، فقال قاضى القضاة:

« الوجه أن يكتب رقعة بما حمّلناه من الرسالة نرجع إليها ونثنى الكلام على معانيها، فإنّا جماعة والقول يختلف والنسيان غير مأمون. » فقال الوزير:

« وما معنى هذا؟ » فقال عليّ بن عيسى:

« هذا هو الصواب. » وكتب بذلك رقعة.

وقعد الوزير وعليّ بن عيسى في دار السلطان ينتظران عود الجماعة، فعادوا وذكروا أنّهم لم يصلوا إلى مونس وأنّهم أجلسوا في الحديدى وراسلهم مونس في إعلامه بما وردوا فيه فذكروه له فصار إليهم كتّابه يخاطبونهم خطابا جميلا عنه.

فبينا هم كذلك إذا هجم الجيش على الحديدى فكادوا يغرقونه وقالوا:

« لا نرضى إلّا بإخراج ياقوت وابنيه. » وتكلّموا بكلام قبيح فراح في آخر النهار الوزير سليمان بن الحسن وعليّ بن عيسى ومن معهما من الخدم الخاصّة إلى باب الشمّاسيّة فشافهوا مونسا بالرسالة فلم يبعد عليهم وخرجوا من عنده فقبض عليهم عند مغيب الشمس وحبسهم في الحديدى.

فخرج ياقوت في تلك الليلة ونزل المدائن ومعه ابناه فلمّا كان من غد ذلك اليوم وعرفت المونسيّة انّ ياقوتا وابنيه قد خرجوا عن الحضرة أفرجوا عن الوزير والجماعة وانصرفوا إلى منازلهم.

وقلّد المقتدر ياقوتا أعمال الخراج والمعاون بفارس وكرمان وكتب إلى أبي طاهر محمّد بن عبد الصمد بالانضمام إليه وانضمّ إليه وخاطبه بالأستاذيّة، وقلّد المظفّر بن ياقوت إصبهان وتقلّد ابنا رائق: إبراهيم ومحمّد، مكان ياقوت وأقام ياقوت بشيراز مدّة وكان عليّ بن خلف بن طيّاب متضمنا أموال الضياع والخراج بها فتظافروا وتعاقدوا فقطعا الحمل عن السلطان إلى أن ملك عليّ بن بويه الديلمي فارس يوم السبت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.

وفيها دخلت قوافل الحاجّ من مكّة سالمين مع مونس الورقائى فاستبشر الناس بتمام الحجّ وانفتاح الطريق وضربت له القباب ببغداد.

وفيها قبض على الوزير سليمان بن الحسن

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ سليمان أضاق إضافة شديدة وكثرت عليه المطالبات وبلّح واتصلت الرقاع ممّن يلتمس الوزارة بالسعاية فقبض على سليمان بن الحسن وأبي القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى فشقّ من ذلك وجزع جزعا عظيما وحملا إلى دار السلطان.

وكان المقتدر شديد الشهوة لتقليد الحسين بن القاسم الوزارة فامتنع عليه مونس وأشار بتقليد الكلوذانى فاضطرّ المقتدر إلى تقليده. وكانت مدّة وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين وأيّاما.

استحضار الكلوذانى لتقليده الوزارة

واستحضر المقتدر أبا القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى من دار مونس يوم السبت لخمس بقين من رجب وخرج إليه مفلح برسالة المقتدر بأنّه قد قلّده وزارته ودواوينه ولم يوصله إليه وتقدّم إليه بأن ينحدر إليه يوم الاثنين ليخلع عليه. فخاف الكلوذانى من حيلة تتمّ للحسين بن القاسم في تقلّده الوزارة لأنّه بلغه أنّ الحسين قد جدّ بعد القبض على سليمان وراسل مونسا المظفّر وقال:

« لا يؤمن أن يحتجّ الخليفة في تأخّر الخلع على الكلوذانى بأنّه لم تعدّ له الخلع. » وأشار بأن يوجّه مونس بخلع من عنده إلى دار السلطان ليخلعها عليه، ففعل مونس ذلك وخلع المقتدر على أبي القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانى يوم الاثنين وخاطبه بتقليده الوزارة والدواوين وتقدّم إليه بأن يقلّد الحسين بن القاسم ديوانا جليلا ليظهر ويزول عنه الأراجيف بالوزارة.

ووصل عليّ بن عيسى بوصول الكلوذانى فأمره المقتدر بحضرة الكلوذانى بأن يجرى على عادته في الإشراف على الأمور والحضور معه وعرّفه أنّه قد أفرده بالنظر في المظالم دون الكلوذانى فركب الكلوذانى في الخلع من دار السلطان إلى داره فأخذ خطّ سليمان بن الحسن بمائتي ألف دينار.

وقدم أبو الفتح الفضل بن جعفر من الشام وأبو جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله من نواحي جند قنّسرين والعواصم وكان أبو الفتح منصرفا إلى ناحية قومس فأشار مونس بتقليده ديوان السواد فقلّده الكلوذانى مكرها وانقطعت بتقليده موادّ كانت تصل إلى الكلوذانى وأبي الفياض من أرزاق قوم لا يحصرون وتسبيبات بأسماء قوم لم يخلقوا وما كان يسبّب للغلمان والوكلاء في الدار والحاشية برسم الفقهاء والكتّاب وما كان يستطلق لهم من الورق والقراطيس ويبتاع ببعضه ما يحتاج إليه وأشياء تشبه هذه ولم تنبسط يد الكلوذانى على قوم لعناية مونس المظفّر بهم.

وكان أبو بكر ابن قرابة متحققا بمفلح الأسود فأوصله مفلح إلى المقتدر وجعله واسطة للمرافق التي أخلق بها الخلافة. وكان ابن قرابة ذكر له أنّ الوزراء كانوا يرتفقون بها وأنّ الضمناء قد بذلوا أن يرفقوا به الخليفة ليصرفه في مهمّ نفقاته لشدّة الإضافة.

وكان ابن قرابة يظهر للمقتدر ولمفلح الأسود أنّه يمشّى أمر الوزارة وأنّ الوزراء لا يتمّ أمرهم من دونه وكان يلزم دار الكلوذانى ويقرضه عن بنى البريدي وغيرهم بربح درهم في كلّ دينار فأقرضه مائتي ألف دينار مشّى بها أمر الكلوذانى وبمال المصادرات.

مرداويج يملك الجبل بأسره

وفيها ورد الخبر بوقعة كانت بين هارون بن غريب وبين مرداويج بنواحي همدان وأنّ هارون انهزم وملك مرداويج الجبل بأسره إلى حلوان ونزل هارون بدير العاقول.

قصد لشكري الديلمي إصبهان

وفيها قصد لشكري الديلمي إصبهان وحاربه أحمد بن كيغلغ فانهزم أحمد وملك لشكري إصبهان وهذا لشكري من أصحاب أسفار بن شيرويه، فلمّا قصد هارون بن غريب ابن الخال أسفار استأمن إليه لشكري، ثم لمّا انهزم ابن الخال انهزم لشكري بانهزامه إلى قنسرين، فلمّا تأهّب ابن الخال ثانيا وجهزت إليه العساكر من بغداد لحرب مرداويج أنفذ لشكري إلى نهاوند من الدينور مع جماعة من الغلمان لحمل مال إليه ورسم أن يحمل المال إلى همذان ويقيم بها حتى يلحقه هناك فلمّا صار لشكري إلى نهاوند رأى يسار أهلها وكثرة أموالها وطمع فيهم وصادرهم على نحو ثلاثة آلاف ألف درهم واستخرجها في مدّة أسبوع وأثبت جندا ثم خرج إلى الكرج ففعل مثل ذلك.

واتّصل الخبر بابن الخال فطلبه فرحل من بين يديه وسار حتى وقع إلى إصبهان والوالي عليها أبو العبّاس أحمد بن كيغلغ.

ذكر اتفاق حسن لأحمد بن كيغلغ بعد هزيمته ودخول أصحاب لشكري إصبهان

حكى أبو الحسن المافرّوخى أنّه كان بإصبهان في الوقت وأنّ أحمد بن كيغلغ انهزم أقبح هزيمة ثم لجأ إلى بعض القرى في ثلاثين نفسا معه وراء حصنها.

ودخل أصحاب لشكري إصبهان ونزلوا في الدور والخانات والحمّامات وتأخّر لشكري بنفسه عن العسكر ثم سار قليلا ونزل عن دابّته لإهراق ماء فرأى كوكبة أنكرها وقال: « ما هذه؟ »

فقيل: « شرذمة من الكيغلغية. » فركب في الوقت يريدها فلمّا قرب منها أسرع أحمد بن كيغلغ إليه بعد أن علم أنّه هو فتناوشا وكاد لشكري يستأسره فخرج أهل تلك القرية فزعقوا به فضعفت نفس لشكري وتقارب وهو أحمد فضربه أحمد بسيفه ضربة قدّ المغفر والخوذة ونزل السيف في رأسه فقتله وخرّ لشكري ساقطا فنزل أحمد إليه وحزّ رأسه وعرف أصحابه الخبر فطاروا هاربين وكان فتحا طريفا واتفاقا عجيبا. وكانت سنّ أحمد بن كيغلغ يومئذ تجاوز سبعين سنة.

وفيها صرف الكلوذانى عن الوزارة وقلّدها الحسين بن القاسم.

ذكر السبب في تقلد الحسين بن القاسم الوزارة وما تم له من الحيلة فيها

كان أبو القاسم ابن زنجي يحكى في توصّل الحسين بن القاسم إلى الوزارة خبرا طريفا ويقول: كان أبو عليّ الحسين بن القاسم يعرف بأبي الجمال وكان لي صديقا يسكن إليّ ويستدعينى إلى الموضع الذي كان مستترا فيه ويشاورني فالزمنى بذلك حقّا وحرمة فاجتهدت في السعى له والتوصّل بكلّ سبب وحيلة إلى أن تقلّد الوزارة.

فكان من أنجع ما عملته أنّ رجلا بمدينة السلام يعرف بالدانيالى كان يلزمني ويبيت عندي ويخرج إليّ بسرّه ويحدّثني أنّه يظهر كتبا ينسبها إلى دانيال بخطّ قديم ويودع تلك الكتب أسماء قوم من أرباب الدولة على حروف مقطّعة إذا جمعت فهمت واستوى له بذلك جاه وقامت له به سوق.

ووصلت إليه جملة من القاضي أبي عمر وابنه أبي حسين ووجوه الدولة وغلب على مفلح واختصّ به لأنّه عرّفه أنه وجد في الكتب أنّه من ولد جعفر بن أبي طالب فجاز ذلك عليه ووصل إليه منه برّ كثير.

فانفتح لي أن سألته إثبات فصل في كتب يكتبها بشرح ما أسأله فأجابنى إلى ذلك فوصفت له الحسين بن القاسم واقتصرت من وصفه على ذكر قامته وآثار الجدري في وجهه والعلامة التي في شفته العليا وخفة الشعر هناك وأنّه إن وزر للثاني عشر من خلفاء بنى العبّاس استقامت أموره كلّها وعلا على أعدائه وانفتحت البلاد على يده وعمرت الدنيا في أيّامه.

ودفعت النسخة إلى الدانيالى وواقفنى على عمل دفتر يذكر فيها أشياء ويجعل هذا الباب في تضاعيفها فسألته تقديم ذلك ولم أزال أطالبه حتى أعلمني أنّه لا يستوى على ما يريد حتى لا يشكّ في قدمه وعتقه في أقلّ من عشرين يوما وأنّه يحتاج أن يجعله في التبن أيّاما ثم يجعله في الخفّ ويمشى فيه أيّاما وأنّه يصفرّ ويعتق.

فلمّا بلغ المبلغ الذي قدّر صار إليّ وهو معه وأرانيه فوقفت على الفصل ورأيت دفترا لو لا ما عرفته من الأصل فيه لحلفت على أنّه قديم لا شكّ فيه.

ومضى بذلك إلى مفلح فقرأه عليه في جملة أشياء قرأها، فقال له مفلح:

« أعد عليّ هذا الفصل. » فأعاده. ومضى مفلح إلى المقتدر بالله فذكر له ذلك فطلب الدفتر منه فأحضره إيّاه فقال له:

« من تعرف بهذه الصفة؟ » وأقبل المقتدر يكرّرها فذكر مفلح أنّه لا يعرف أحدا بها وحرص المقتدر على أن يعرف إنسانا يوافق هذه الصفة صفته. فقال مفلح:

« لست أعرف بهذه الصفة إلّا الحسين بن القاسم الذي يقال له: أبو الجمال. » فقال له المقتدر:

« إن جاءك صاحب له برقعة فخذها منه وإن حمّلك رسالة فعرّفنيها واكتم ما يجرى في أمره ولا تعلم أحدا به. » وخرج مفلح إلى الدانيالى فقال له:

« هل تعرف أحدا بهذه الصفة؟ » فأنكر أن يعرف ذلك وقال:

« إنّما قرأت ما وجدته في كتب دانيال ولا علم لي بغير ذلك. » وانصرف إليّ فحدّثني بهذا الحديث فقمت من فورى إلى الحسين بن القاسم فأعدته عليه فسرّ به غاية السرور وابتهج نهاية الإبتهاج وظهر في وجهه استبشار عظيم وقال لي:

« اعلم أنّ أبا بشر الكاتب كان أمس عند مفلح برسالة لي إليه فانصرف كاسف البال ظاهر الانخزال مغموما بما شاهده من إعراضه عنه. » فغمّنى ذلك. فقلت:

« الآن يتبيّن لنا صدق الدانيالى من كذبه. ابعث بأبي بشر في غد إلى مفلح برسالة منك فإنّه سيتبيّن له فيما يعامله به صحّة ما حكاه من بطلانه. » فدعا أبا بشر النصراني كاتبه وحمّله إليه رسالة ووكّد عليه في البكور إليه. فلمّا كان من غد آخر النهار مضيت إليه أتعرّف خبره وما جرى، فدعا أبا بشر وقال له:

« أعد عليه خبرك. »

فأعلمني أنّه دخل إليه وفي مجلسه جماعة فرفعه عليهم فأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه يحدّثه ثم استدناه وسأله سرّا عن خبر الحسين بن القاسم واستمع رسالته وقال:

« تقرأ عليه سلامي وتعرّفه تكفّلى بأمره وقيامي به. » وكلاما في هذا المعنى، وأن ينفذ إليه رقعة ليوصلها وينوب معه.

قال لي أبو بشر: وانصرفت وأنا في نهاية قوّة النفس والثقة بالله عز وجل وبتمام ما يسفر فيه. فأعلمت الحسين أنّ الرجل قد صدق فيما ذكره وقد بان لنا أثره.

قال: ثم إنّ الدانيالى طالبني بالمكافأة فطيّبت نفسه واستمهلته إلى أن تقلّد الحسين الوزارة فأذكرته حقّ الرجل فقلّده الحسبة ببغداد وأجرى له مائة دينار في كلّ شهر واختصّ به وكان يحضر مجلسه فيجلسه إلى جانب مسورته. ثم مضت أيّام فقال:

« لا يقنعني ما أجرى لي. » وسأله زيادة. فكلّمت الحسين بن القاسم في أمره فأجرى له مائة دينار أخرى تسبّب برسم الفقهاء.

وكان ما ذكرته من حديث الدانيالى من أوكد الأسباب في تقليد الحسين الوزارة مع كثرة الكارهين له والمعارضين في أمره.

وانضاف إلى هذا الخبر الذي أخبر به أبو القاسم ابن الزنجي أنّ الكلوذانى عمل عملا لما يحتاج إليه من مهمّ النفقات وأخذ خطّ صاحبي ديوان الجيش والنفقات بأعمال أخر مفردة عملوها لما يحتاج إليه بزيادة مائتي ألف دينار على ما عمل هو حتى تبيّن للمقتدر بالله وقوع الاحتياط منه فيما عمل واقتصر عليه فكان العجز سبعمائة ألف دينار وعرض ذلك على المقتدر وقال له:

« ليس لي معوّل إلّا على ما يطلقه أمير المؤمنين لأنفقه. » فعظم ذلك على المقتدر. فلمّا بلغ الحسين بن القاسم خبر العمل الذي عمله الكلوذانى كتب رقعة إلى المقتدر يضمن فيها القيام بجميع النفقات من غير أن يطلب منه شيئا وانّه يستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار يكون في بيت مال الخاصّة.

فأنفذ المقتدر رقعته إلى الكلوذانى وقال:

« هذه رقعة فلان ولست أسومك الاستظهار بالمال وما أريد منك إلّا القيام بالنفقات فقط. » فقال الكلوذانى:

« قد يجوز أن يتمّ لهذا الرجل ما لم يتمّ لي. » وسأله تقليد من ضمن هذا الضمان فأعفاه من الأمر. فلمّا وقف المقتدر على تبلّح الكلوذانى وحصل في نفسه ما بذله الحسين بن القاسم عمل على أن يستوزره وعلم شدّة كراهية مونس المظفّر لذلك فراسله على يد مفلح بأن يجتهد في إصلاح أعدائه فابتدأ الحسين بنى رائق فكان يمضى بنفسه إلى كاتبهم إبراهيم النصراني ويضمن لهم الضمانات حتى صلحوا له ثم فعل ذلك بأبي نصر الوليد بن جابر كاتب شفيع ثم فعل مثله باصطفن بن يعقوب كاتب مونس وقال له:

« إن تقلّدت الوزارة فأنت قلّدتنيها. » فأشار عليه بملازمة أبي عليّ يحيى بن عبد الله الطبري كاتب يلبق ففعل ذلك. وكان يلبق قد سمع أنّه متّهم في دينه شرير فجمع أبو عليّ الطبري بينه وبين يلبق حتى حلف له الحسين بكلّ يمين يحلف مسلم ومعاهد إنّه مكذوب عليه في كلّ ما يطعن به عليه في ديانته أوّلا ثم في عداوته لمونس وخاصّته وأصحابه لا ينوي لأحد من الناس سوء ولا يأخذ الأموال إلّا من بقايا صحيحة على تجار ملاء كسروا مال السلطان من أثمان الغلّات ومن ضمناء قد ربحوا ربحا عظيما.

وضمن الحسين ليلبق ضياعا جليلة كذلك لكاتبه فسعى له يلبق وسأل مونسا في أمره وسأل مونس المقتدر فتقرّرت الوزارة له وبلغ ذلك الكلوذانى فواصل الاستعفاء.

واتّفق أن دخل خمسمائة فارس كانوا مقيمين بالجبل في ماه الكوفة وحلوان وهذه نواح لم يتغلّب عليها مرداويج وكانت أرزاقهم قد تأخّرت فطالبوا الكلوذانى وأمرهم الكلوذانى بالرجوع لينفق فيهم هناك فلم يسمعوا ورجموه بالآجر وهو منصرف في طيّاره فجعل ذلك حجّة وأغلق بابه وحلف على أنّه لا ينظر في أعمال الوزارة.

فكانت مدّة وزارته شهرين وثلاثة أيّام.

وزارة الحسين بن القاسم

وكتب المقتدر إلى الحسين بن القاسم توقيعا بتقليد الوزارة وركب إليه وجوه الكتّاب والعمّال والقوّاد وبلغ ذلك أبا الفتح الفضل بن جعفر فصار إليه مع قاضى القضاة أبي عمر محمّد بن يوسف وابنه والقاضي ابن أبي الشوارب وكتب عن المقتدر بخبر تقليده الوزارة إلى خراسان وجميع النواحي والأطراف وكان تقلّده للوزارة يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر رمضان فعدل عن الجلوس للتهنئة وتشاغل بالنظر في أمر المال وما يحتاج إليه في نفقة العيد ولزمه الفضل بن جعفر وهشام بن عبد الله لأنّهما كانا يتولّيان ديوان المشرق وزمامه وديوان بيت المال وأخذ خطوط عدة من العمّال والضمناء بسبعين ألف دينار.

وصار إليه عليّ بن عيسى آخر النهار فهنّأه وقد كان الحسين شرط لنفسه ألّا ينظر عليّ بن عيسى في شيء من الأمور ولا يجلس للمظالم فأجيب إلى ذلك. وتبسط كاتب بنى رائق وكلّ من كان سعى له في الوزارة في طلب الأموال حتى قبضوا على شذاءة وردت من الأهواز فيها مال الأهواز وإصبهان وفارس. فكتب الحسين الوزير إلى المقتدر يشكو هذه الحال فلم ينكر كلّ الإنكار. فوقع الاتفاق بين الحسين وبين ابني رائق على أن يأخذوا من المال النصف ويفرجوا عن الباقي ففعلوا ذلك.

وكانت دمنة جارية المقتدر حظيّة عنده وكانت توصل رقاع الحسين إلى مولاها وتقوم بأمره فحمل إليها جملة عظيمة من المال وبعث إلى ابنها وهو الأمير أبو أحمد إسحاق أيضا جملة. واستأذن المقتدر أن يستكتب له ابنه القاسم بن الحسين فأذن له في ذلك وضمن لدمنة أن تحمل إلى ابنها في كلّ يوم مائة دينار وتدفع عن صرفه.

واختصّ به بنو البريدي وأبو بكر ابن قرابة وقدّم له جملة من المال عن الضمناء بربح درهم في كلّ دينار على رسمه. واختصّ به من القوّاد جعفر بن ورقاء وأبو عبد الله محمّد بن خلف النيرمانى وقلّده أعمال الحرب والخراج والضياع بحلوان ومرج القلعة وماه الكوفة وألبسه القباء والسيف والمنطقة وتسمّى بالأمارة وخوطب بها وضمن أن يجمع الرجال ويفتح أعمال كور المشرق وينتزعها من يد مرداويج.

وكان قد احتجن أموال السلطان من بقايا ضمان كانت عليه في أيّام سليمان بن الحسن لأعمال الضياع والخراج الخاصّة والعامّة وكانت جملة عظيمة. وكان تقلّد كرمان في بعض الأوقات واستخرج من مالها شيئا كثيرا فحملها وانصرف فكتب صارفه أنّه ما أنفق منها درهما واحدا وأنفقت له أشياء تجرى هذا المجرى.

وتجرّد الحسين بن القاسم لإخراج عليّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن إلى مصر والشام فراسل المقتدر عليّ بن عيسى في ذلك ودفع عنه مونس المظفّر وقال:

« هذا شيخ يرجع إلى رأيه ويعتضد بمكانه. » إلى أن تقرّر أمره على أن يخرج إلى الصافية فخرج.

وابتدأ مونس في الاستيحاش والتنكر في يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجّة.

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك ما بلغه من اجتماع الوزير الحسين بن القاسم مع جماعة من القوّاد على التدبير عليه.

وبلغ الحسين تنكّر مونس له وأنّه عزم على كبسه بجماعة من خواصّه في الليل للقبض عليه فتنقّل في مدّة عشرة أيّام في نحو عشرة مواضع وكان لا يعرف له دار ولا موضع يلقاه فيه أحد وكان لا تلقاه أصحاب الدواوين إلّا إذا طلبهم ثم ختم الأمر بأن أقام في دار الخليفة.

وراسل مونس المظفّر المقتدر بالله في صرف الحسين بن القاسم عن الوزارة فأجابه إلى صرفه والتقدّم إليه بلزوم منزله فلم يقنع مونس بذلك وطالب بالقبض عليه ونفيه إلى عمان فامتنع المقتدر من ذلك وتردّدت بينهما فيه رسائل.

وأوقع الحسين بن القاسم للمقتدر أنّ مونسا قد عمل على أخذ الأمير أبي العبّاس من داره بالمخرّم والخروج به إلى مصر والشام ليعقد له الأمر في الخلافة هناك وأشار بردّ الأمير أبي العبّاس إلى داره من دار الخلافة ففعل المقتدر ذلك. ووقف الأمير أبو العبّاس على ما فعله الحسين ابن القاسم فحقد عليه في نفسه إلى أن أفضت إليه الخلافة فأنزل به من المكروه ما سنشرحه في موضعه إن شاء الله.

وكتب الحسين بن القاسم إلى هارون بن غريب وهو بدير العاقول بعد هزيمته من بين يدي مرداويج بالمبادرة إلى الحضرة فزادت وحشة مونس بهذه الأحوال وصحّ عنده أنّ الحسين بن القاسم في تدبير عليه فخرج من داره لخمس خلون من المحرّم وجلس في حديدي وامتدّ إلى باب الشمّاسيّة وخرج أكثر رجاله وضربوا مضاربهم هناك.

وكتب مونس إلى المقتدر بأنّ مفلحا الأسود مطابق للحسين بن القاسم في التدبير عليه وأنّ نفسه لا تسكن إلّا بإنفاذ مفلح إليه ليقلّده أجلّ الأعمال ويخرج. فكتب المقتدر بأنّ مفلحا خادم يثق به في خدمته وأنّه ليس ممّن يدخل نفسه فيما ظنّه به وبلغ مونسا أنّ الحسين قد جمع الرجال والغلمان الحجريّة في دار السلطان وأنّه قد ابتدأ بالنفقة فيهم وأنّ هارون بن غريب قد قرب من بغداد فأظهر الغضب وسار إلى الموصل ووجّه ببشرى خادمه ليؤدّى رسالة إلى المقتدر. فلمّا حصل بشرى في دار السلطان بحضرة الحسين ابن القاسم قال له الحسين:

« هات الرقعة التي معك. » فقال له:

« ليس معي رقعة وانّما معي رسالة. » قال: « فتذكرها. » فقال: « قد أمرت ألّا أذكرها إلّا للخليفة. » فوجّه الحسين إلى المقتدر بالله وعرّفه ذلك فوجّه المقتدر إلى بشرى يأمره أن يؤدّى الرسالة إلى الحسين فقال بشرى:

« حتى أمضى وأستأذن صاحبي في ذلك وأعود. » فشتمه الحسين وشتم صاحبه وأمر به فقبض عليه وضربه بالمقارع وقال:

« لا أرفع عنك الضرب أو تكتب خطّك بثلاثمائة ألف دينار. » فكتب وأمر به إلى الحبس ثم وجّه للوقت إلى داره وقبض على امرأته وصادرها وحمل ما فيها.

ولمّا بلغ مونسا ما جرى على خادمه بشرى امتدّ وأصعد ومعه من كان برسمه من قوّاده وأصحابه، وكتب الحسين بن القاسم إلى من كان معه من القوّاد والغلمان بالانصراف عنه والمصير إلى باب السلطان، فانصرف عنه جماعة منهم ومضى مونس في خواصّه وغلمانه مسرعا إلى الموصل ووقّع الحسين بقبض أملاك مونس وضياعه وضياع أسبابه وأفرد لها ديوانا سمّاه ديوان المخالفين وردّه إلى محمّد بن جني.

وزاد محلّ الحسين بن القاسم عند المقتدر وأنفذ إليه طعاما من بين يديه وأمر بأن يكنّى ويلقّب عميد الدولة وأن يضرب لقبه على الدنانير والدراهم، ففعل ذلك وخلع عليه يوم الاثنين لأربع بقين من المحرّم وأنشأ في ذلك كتابا نفذ إلى جميع الأعمال والأطراف.

وصرف قوما وقلّد قوما فكان فيمن قلّد أبو يوسف يعقوب بن محمّد البريدي وذلك بمسألته فقلّده أعمال البصرة من الخراج والضياع والمراكب وسائر وجوه الجبايات بها فضمنه ذلك بمقدار نفقات البصرة وفضل له بعده ثلاثون ألف دينار وقّع بتسبيبها على مال الأهواز.

فلمّا وقف أبو الفتح الفضل بن جعفر على ذلك استعظم ألّا يفي ارتفاع البصرة بنفقاتها حتى يحتاج إلى أن يسبّب على غيرها وتقدّم بإخراج الجماعات والحسبانات إليه وتقدّم إلى كلّ واحد من أصحاب المجالس أن يخرج إليه ما عنده من ارتفاع البصرة لثلاث سنين وأخرجت الجماعات إليه وهو ينظر فيها وفي أعمال كتّاب المجالس ويضيف من عمل إلى عمل ويعمل بيده من صلاة الغداة إلى بعد العتمة إلى أن انتظم العمل على ما أراد.

ثم أحضر أبا يوسف البريدي وواقفه عليه ولم يتهيأ له انكار شيء ممّا أخرجه فأعطاه خطّه بالقيام بجميع ما يجب للأولياء وأن يثبت لحفظ السور ألف رجل زيادة على رسم من يحفظه ومن ينضمّ إليه وسائر النفقات الراتبة ويحمل إليه بعد ذلك كلّه ستين ألف دينار إلى بيت المال بالحضرة.

فصار الفضل بن جعفر بالخطّ إلى الوزير الحسين بن القاسم متبجّحا به وعرضه عليه وعرّفه ما جرى بينه وبين ابن البريدي حتى تقرّر على ما كتب به خطّه. فلم يقع ذلك من الحسين بن القاسم الموقع الذي قدّره الفضل وتبين منه تكرّها له وظنّ أنّه كالتوبيخ والتقريع وكالزيادة على عمله. فلمّا تبيّن الفضل الصورة راسل المقتدر بما فعله فوقع ذلك عنده أحسن موقع وشاع ما عمله في الدواوين وتناقلته الرؤساء والكتّاب بينهم.

واتّصل ذلك بالحسين فغلظ عليه وأراد أن يضع منه، فواقف ابن جبير على مهاترته في المجلس والغضّ منه ففعل ابن جبير ذلك حتى تكلّم بما لم تجر العادة بمثله والحسين ممسك عن الجميع لا يكفّ أحدهما عن الآخر، فلمّا تبيّن أبو الفتح ذلك وعرف الغرض نهض عن المجلس وقال:

« ليس المكلّم لي أنت بل المكلّم غيرك. » فلمّا ولّى خارجا عرف الحسين الخطأ فيما جرى فقال لأبي عبد الله بن زنجي:

« إنّ أبا الفتح صديقك وهو يطيعك وما أحبّ أن يخرج على هذه الجملة فأحبّ أن تلحقه وترضيه وتردّه. » فبادر إليه أبو عبد الله وما زال يرفق به حتى ردّه واعتذر إليه الحسين من خطاب ابن جبير له. وانصرف وهو مستوحش واستتر عند أبي بكر ابن قرابة وبقي ديوانه شاغرا إلى أن يئس الحسين من ظهوره فقلّد أبا القاسم الكلوذانى الديوان ولم يزل أبو الفتح يسعى له في طلب الوزارة حتى تمّ له كما سنذكره.

ولمّا لم يعد مونس إلى بغداد وجّه الحسين إلى ابن مقلة فصادره وكان معتقلا فأعطى خطّه بمائتي ألف دينار وأنفذ إلى عليّ بن عيسى وهو بالصافية يستحضره وأطمع المقتدر من جهته في مائتي ألف دينار. فلمّا وصل الرسول إلى الصافية وجد بها هارون بن غريب وكان هارون شديد العناية بعليّ بن عيسى فمنعه من حمله وقال:

« أنا أخاطب أمير المؤمنين في أمره. » فلمّا وقف الحسين على عناية هارون بعليّ بن عيسى أمسك عنه. ولمّا وصل هارون بن غريب إلى دار السلطان وصل إليه في خلوة وانصرف إلى داره فقصده الوزير وابنا رائق ومحمّد بن ياقوت ومفلح وشفيع وعظم أمره فخاطب المقتدر في أمر عليّ بن عيسى فأعفاه من المصادرة وخاطبه في أمر أبي عليّ ابن مقلة فحطّ من مصادرته خمسين ألف دينار وأمر بحمله إليه.

ثم لم يستصوب ذلك وخاف أن يكاتب مونسا أو يراسله فسأل ابن مقلة هارون أن يعاود الخطاب في بابه ويستحلفه بأيمان مغلّظة ألّا يكاتب ولا يراسل مونسا ولا أحدا من أسبابه ففعل ذلك وحمل إليه.

قال: فحدّثنا أبو عليّ ابن مقلة في وزارته للراضى أنّه أخذ في استماحة الناس وأدّى المال كلّه بما وصل إليه من المال من الجهات وفضل له عشرون ألف دينار وأنّه اشترى بها ضياعا باسم عبد الله بن عليّ النّفّرى ووقفها على الطالبيين.

وكتب الحسين إلى ياقوت بالقبض على الخصيبي وحمله وكان بشيراز فبادر خليفته عليّ بن محمّد بن روح بالخبر إليه فخرج من يومه من شيراز مستترا حتى وافى بغداد واستتر عند أبي بكر ابن قرابة وكان الفضل بن جعفر مستترا عنده أيضا فلم يعلم أحدهما خبر صاحبه وقدم محمّد بن ياقوت من الأهواز وقبض على محمّد بن المعتضد بالله وعلى أبي أحمد ابن المكتفي بالله وحدرا إلى دار السلطان واعتقلا فيها ولم تقصر السيّدة في التوسعة على محمّد بن المعتضد وفي إكرامه وأهدت إليه عدّة من الجواري.

وابتدأ أمر الحسين الوزير بالاضطراب

ذكر السبب في ذلك

اشتدّت الإضافة فباع الحسين من الضياع نحو خمسمائة ألف دينار واستسلف من مال سنة عشرين وثلاثمائة شطره قبل افتتاحها بشهور ولم يبق له وجه حيلة لتمام نفقات سنة تسع عشرة وثلاثمائة الخراجيّة. وعرف هارون بن غريب ذلك فصدق المقتدر عنه فعزم على تقليد الخصيبي الوزارة وكتب له أمانا، فظهر فخوطب في تقلّد الوزارة فذكر أنّه لم يبق للسلطان في النواحي من مال سنة تسع عشرة شيء وقد بقي منها نحو ثلاثة أشهر وأنّ الحسين قد استسلف من مال سنة عشرين قطعة وافرة وأنّه لا يغرّ السلطان من نفسه فأشار عليه هارون أن يتقلّد أزمّة الدواوين من قبل المقتدر وتكون دواوين الأصول في يد الحسين ليضبط الأموال مستأنفا فرضي الحسين بذلك وتقلّد الخصيبي دواوين الأزمّة وأجرى عليه وعلى كتّابه ألفى وسبعمائة دينار في كلّ شهر. وخلع المقتدر على الحسين ليزول عنه الأرجاف.

ثم إنّ الحسين بن القاسم عمل أعمالا أخذ فيها خطوط أصحاب الدواوين الأصول والأزمّة بصحّتها وفيها ارتفاع الأموال من النواحي وما يرجى حصوله منها وقدّر النفقات تقديرا متقاربا للارتفاع، فسكن بذلك قلب المقتدر فسلّم المقتدر ذلك العمل إلى الخصيبي وأمر بتتبّعه، فوجد الخصيبي الحسين بن القاسم قد احتال بأن أضاف إلى ما يقدّر حصوله من النواحي أموال نواح قد خرجت عن يد السلطان بتغلّب من تغلّب عليها مثل الديلم على أعمال الريّ والجبل ومونس على أعمال الموصل والشام منذ أربع سنين وذلك جملة عظيمة، وأسقط من النفقات الزيادات التي زادها هو للجند والحاشية وغيرهم ولم يسقط من الأموال التي يقدّر حصولها من النواحي ارتفاع ما باع من الضياع، فعمل الخصيبي عملا عرضه على المقتدر فأمر المقتدر أن يواقف عليه الوزير فاجتمع الكتّاب وأمره المقتدر بمناظرتهم فلمّا خاطبوه أخذ في التشنيع عليهم وأنّهم سعوا به وقال:

« في أيّ شيء غالطت السلطان؟ أليس هذه خطوط الضمناء؟ » فقالوا: « معاذ الله أن يقول أحد في الوزير ذلك ولكن العمل أخرج بما اضطر الوزير أيّده الله إلى التسبيب به على مال سنة عشرين وثلاثمائة من الأموال المستحقّة في سنة تسع عشرة وقد رفع الضمناء إلى ديوان الزمام أعمالا لما أطلقوه من مال سنة عشرين وما كانوا ضمنوا إطلاقه من مال هذه التسبيبات عند إدراك الغلّات ولهذا أحضرنا. » فقال الحسين:

« أفتعلم كم مبلغه؟ » فقال: « نعم. » وأحضر عملا كان عمله بمبلغ ذلك فوجد أنّ الذي سبّب على مال السواد والأهواز وفارس لسنة عشرين وثلاثمائة قبل افتتاحها بشهور، أربعون ألف ألف درهم وأنّ الذي يبقى إلى آخر سنة عشرين على الضمناء إلى افتتاح سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وعشرون ألف ألف درهم وقد كان قيل في العمل:

إنّ هذا ما لم يجر به في قديم الدهر ولا حديثه رسم بمثله.

فلمّا وقف الحسين على ذلك استعظمه وأراد أن يقطع المجلس بالمشاغبة وقال:

« يكتب في الأعمال التي عملت ما لم يعمله أحد من الوزارء قطّ ثم يعرض عليّ. » فقال هشام:

« هذا غلط كتب على سبيل السهور وليس ممّا يزيد في المال ولا ينقص منه. » وضرب على تلك الحكاية وقال:

« إنّما أحضرنا لننظر في أمر المال ونصدق الوزير عنه. » فعدل إلى الخصيبي يهاتره فترك الحجّة فنهض الخصيبي عن المجلس لمّا ظهرت الحجّة على الحسين وصار مع الضمناء ومع أبي جعفر ابن شيرزاد إلى هارون بن غريب فشرحوا له ما جرى. وأعيد المجلس كهيئته إلى المقتدر ثم شافه الخصيبي بمثله الحسين بحضرة المقتدر فانحلّ أمر الحسين وقبض عليه فكانت وزارته سبعة أشهر.

وزارة أبي الفتح الفضل بن جعفر

واستوزر أبو الفتح الفضل بن جعفر وخلع عليه يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر فركب في الخلع وركب معه القوّاد وخواصّ المقتدر وسلّم المقتدر الحسين بن القاسم إلى الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر فأجمل عشرته وقرر أمره على أربعين ألف دينار فلمّا أدّاها استأذن الوزير أبو الفتح المقتدر في تقليد الإشراف على مصر والشام فأذن له في ذلك.

ثم ظهر أنّه أراد أن ينقب الموضع الذي كان فيه. وقال الخصيبي:

« هذا رجل في جنبه للسلطان مال عظيم وليس يصلح أن يخرج وأن يدبّر شيئا من الأعمال. » فتأخّر أمره وصودر أيضا ثم تسلّمه الوزير فبقى عنده مدّة ثم أبعده إلى البصرة وأقام له في كلّ شهر خمسة آلاف درهم.

مناظرة عن مرداويج

وفي هذه السنة حضرت من ناظر عن مرداويج بن زيار والتمس أن يقاطع عن الأعمال التي غلب عليها من أعمال المشرق وتكفّل هارون بن غريب بأمره فقرّره على أن يسلّم إلى السلطان أعمال ماه الكوفة وهمذان ويقلّد باقى الأعمال ويحمل عنها مالا وكتب له العهد وأنفذ إليه اللواء ومعه خلع.

المقتدر يهم بتقليد ابن مقلة الوزارة

ثم إنّ المقتدر همّ بتقليد أبي على ابن مقلة الوزارة وبلغ ذلك هارون بن غريب فكره ذلك لميل أبي على إلى مونس فاجتمع مع الوزير أبي الفتح وألزما أبا عبد الله البريدي مائة ألف دينار وسلّم ابن مقلة إليه فمشى أمر الوزير أبي الفتح وحمل ابن مقلة إلى شيراز مع رشيق الأيسر.

موت أبي عمر القاضي

وفيها مات أبو عمر القاضي فأغرى أبو بكر ابن قرابة بورثته إغراء شديدا وقال للمقتدر:

« ينبغي لابنه أن يحمل مائة ألف دينار فانّه من ورائها وإلّا حضر من يتقلّد قضاء القضاة ويوفّر هذا المال من جهته. » فرسم المقتدر لهارون بن الخال أن ينفذ كاتبه وللوزير أن يضمّ إليه ثقته حتى يصيرا مع ابن قرابة إلى أبي الحسين ابن أبي عمر ويخاطبه بحضرتهما.

فمضى أبو بكر ابن قرابة ومعه أبو جعفر ابن شيرزاد وأبو على أحمد بن نصر البازيار. فلمّا حصلوا عند أبي الحسين القاضي وجدوا عنده عالما من الناس معزّين له فعزّوه وجلسوا وأمسكوا كما يحسن أن يعمل في المصائب.

فقال ابن قرابة:

« ما لهذا حضرنا، قم يا أبا الحسين معنا حتى نخلو. » فنهض واستوفى عليه ابن قرابة استيفاء شديدا فقال أبو الحسين:

« إنّ نعمت ونعمة والدي من أمير المؤمنين المقتدر ولست أدّخر دونه شيئا. » وسأل أن يمهل يومه حتى يحصّل أمره ويبكّر فيصدق عنه. وكان شهر رمضان فلمّا جنّة الليل قصد أبا بكر ابن قرابة وقت الإفطار فاستأذن عليه ودخل والمائدة بين يديه فدعاه إلى الإفطار فغسل يده وسمّى وأكل ومصيبته طرية وأنّها ليومه ولكنّه ليستكفى شرّه. فلمّا انقضى الإفطار قال له:

« يا سيدي قد جئتك مستسلما إليك فدبّرنى بما تراه. » فقال له:

« قم فامض بسلام وما بك حاجة إلى أن توصيني ولا تفكّر في أمرك فانّى أفصله وأعمل فيه ما يرضيك. » وكان على مائدة أبي بكر ابن قرابة أبو عبد الله وأبو يوسف ابنا البريدي.

فلمّا فرغوا من الأكل قرب البريديّان من القاضي أبي الحسين كالمتوجّعين له ووصفا مشاركتهما إيّاه واستصوبا قصده أبا بكر وإفطاره معه وقالا له:

« أنت مقبل. » وعرض عليه أبو يوسف ثلاثة آلاف دينار وقال:

« إن احتجت إليها فخذها وافتد نفسك وإن أوجبت الصورة أن تستتر فأنفقها في استتارك فلن ينفذ حتى يأتيك الفرج. » ولم يحتج أبو الحسين إلى الاستتار وتعطّف عليه المقتدر بالله وعاونه البريديون وإخوانه أحسن معاونة فقلّده قضاء القضاة فقويت نفسه ومشى أمره.

ثم إنّ المقتدر وصف لابن قرابة الإضاقة، فقال له:

« يا أمير المؤمنين لم لا يعاونك هارون بن الخال وعنده آزاج مملوءة مالا؟ » فأعاد المقتدر ذلك على ابن الخال فقال:

« يا أمير المؤمنين إن كنت أملك ما قال فلست أبخل عليك به لأنّى أسلم بسلامتك وفي جيشك أنفقه وإليك معاده، وابن قرابة معه من المال ما لا يحتاج أبدا إليه وأنا أستخرج لك منه خمسمائة ألف دينار وليس بينه وبين أمير المؤمنين الذي يجمعني وإيّاه، فلم يترك عليه وأنا أؤدّيها من ماله إليك؟ » فقال له:

« اذهب فتسلّمه. » فقبض عليه وجرى عليه من المكروه ما أشفى به على التلف حتى قتل المقتدر بالله فتخلّص ولا عجب من أمر الله.

وكان قد وقّع الوزير أبو الفتح بأن يعمل لابن قرابة عمل بما صار إليه من الربح في الأموال التي قدّمها عن الضمناء وبقايا مصادرته في أيّام عبد الله الخاقاني وما يجب عليه من الفضل فيما ابتاعه من الضياع فأخرج عليه من هذه الجهات ألف ألف دينار فصحّ له من هذه الجملة تسعون ألف دينار.

ثم شغل الوزير وهارون بورود الخبر عليهما بانحدار مونس من الموصل وكان هارون قيّده وسلّمه إلى حاجبه وعدّة من غلمانه ليخرجوه إلى واسط فقتل المقتدر في ذلك اليوم فهرب من كان موكّلا به وبقي معه غلامان كان هو اشتراهما لابن الخال فعنيا به وصارا معه إلى فرضة جعفر وأدخلاه إلى مسجد وأحضرا حدّادا وحلّا قيوده وأطلقاه فمشى إلى منزله بسويقة غالب ووهب لهما خمسمائة دينار.

استشارة في الأمر الواضح وعاقبة المستشير

وحكى ثابت بن سنان في كتابه أنّ أباه سنان بن ثابت كانت بينه وبين أبي بكر ابن قرابة مودّة فصرنا إليه لنهنّئه بخلاصه فقال لوالدي:

« يا أبا سعيد قد اجتمع لي فيك المحبّة والعقل وجودة الرأي وأريد أن أستشيرك في أمري. » فقال له أبي:

« قل فانّى أمحضك النصيحة. » فقال: « أنت تعلم أنّى كنت في بحار من التخليط وكانت عليّ تبعات فيما كنت أدخل فيه وأقدّمه من مالي عن الضمناء لم يكن على أحد مثلها، وقد غسلت هذه النكبة وما أدّيت فيها من المصادرة دون ما كنت فيه وقد حصل لي الآن ما يرتفع منه عشرون ألف دينار خالصة وحصل لي من البساتين والمستغلات بعد ذلك ما ليس لأحد مثله ولى من الفرش والآلات والبلور والمخروط والصيني والجوهر والطيب والكسوة ما ليس لأحد مثله ومن الرقيق والخدم الروقة والغلمان والكراع ما ليس لأحد مثله، ولى بعد ذلك كلّه ثلاثمائة ألف دينار صامت لا أحتاج إليها وبيني وبين هذا الوزير - يعنى أبا عليّ ابن مقلة وقد كان القاهر استوزره وهو بفارس - مودّة وكيدة فهل ترى لي إذا قدم أن أقتصر على لقائه في الأوقات لعمارة الحال بيني وبينه ولا أداخله ولا أعاود ما كنت فيه أو أعاود وأرجع إلى التخليط. » فقال له والدي:

« ما رأيت أعجب من هذه المشاورة وإنّما يشاور في المشكل من الأمر فأمّا الواضح فيستغنى فيه عن الرأي. انظر - أعزّك الله - فإن كان ذلك التخليط أثمر لك ما تحبّ فارجع إليه وإن كان إنّما أثمر ما تكره وعرضك لزوال المهجة وزوال النعمة فلا تعاوده ومع هذا فإنّ الإنسان إنّما يكدّ ويكدح ويتعرّض للمكاره ليحصل له بعض ما حصل لك فاحمد الله وتمتّع بالنعمة وقد حصل لك من الجاه ما يحرسها واربح الصيانة وحسن العافية. » فسمع ذلك كلّه [ و ] قال:

« قد علمت والله أنّك قد نصحت وبالغت ولكنّ لي نفسا مشؤومة لا تصبر وسأعاود ما كنت فيه. » فقال له والدي:

« خار الله لك. » وانصرفنا فقال لي والدي:

« يا بنيّ ما رأيت قطّ أجهل من هذا الرجل ولا يموت مثله إلّا مقتولا أو فقيرا بأسوأ حال. » فكان الأمر على ما قدّر وأدّاه التخليط إلى أن قبض عليه القاهر فأزال نعمته وقبض أملاكه وهدّمت داره وأراد قتله حتى زال أمر القاهر. ثم عاد أيضا إلى التخليط ومضى إلى البريديين لمّا خالفوا السلطان، ثم مضى إلى أبي الحسين أحمد بن بويه لمّا غلب على الأهواز، ثم وقع أسيرا لمّا انصرف الأمير أبو الحسين من نهر ديالى وصودر حتى لم يبق له بقية واضطرّ إلى أن يخدم ناصر الدولة أبا محمّد ابن حمدان برزق مائة دينار في كلّ شهر فكثرت في عينه وكان ينفق مثلها كلّ يوم. ومات بالموصل، ونعوذ بالله من الجهل والإدبار.

ودخلت سنة عشرين وثلاثمائة

وفيها انحدر مونس من الموصل إلى بغداد وقتل المقتدر بالله

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك ما ذكرناه من استيحاش مونس. فلمّا تمّ له الانصراف إلى الموصل كتب الحسين بن القاسم إلى داود وسعيد ابني حمدان والحسن بن عبد الله بن حمدان بمحاربة مونس ودفعه عن الموصل فإنّه عاص.

وكان مونس يكتب في طريقه إلى رؤساء العرب في ديار ربيعة بأنّ السلطان أنفذه لمحاربة بنى حمدان يريد بذلك أن يقعدهم عنهم فامتنع داود من لقاء مونس لإحسانه إليه فإنّه كان عظيما جدّا، فما زال أهله به حتى فثؤوا رأيه وقالوا له:

« نحن بعد ما غسلنا قبيح ما عمله الحسين بن حمدان ثم ما عمله أبو الهيجاء بالأمس نريد أن نعمل لنا حديثا ثالثا. » وما زالو به حتى استجاب على تكرّه شديد وقال:

« يا قوم! بأيّ وجه ألقى مونسا مع إحسانه العظيم إليّ؟ » وكان يعدّدها ثم يقول:

« والله ما آمن أن يجيئني سهم عائر فيقع في هذا الموضع مني - يعنى حلقه - فيقتلني. » قال: فو الله ما هو إلّا أن لقيه مونس حتى أتاه السهم العائر فوقع في موضع إصبعه فذبحه ولم يقتل غيره.

وكان بنو حمدان في ثلاثين ألفا ومونس في ثمانمائة رجل فانهزموا وقتل داود.

وكان مونس إذا قيل له:

« قد أقبل داود لمحاربتك. » يعجب ويقول:

« يا قوم يلقاني داود وفي حجري طهّر ولى عليه من الحقّ ما ليس لوالده. »

خروج مونس وقصده بغداد

فلمّا ملك مونس أموال بنى حمدان وغلّاتهم وضياعهم واستولى على أعمال الموصل خرج إليه الناس من الأولياء إرسالا وكثروا عنده فحملوه على الخروج من الموصل وقصد بغداد وكان أقام بالموصل تسعة أشهر.

فانحدر مونس وبلغ الجند بالحضرة ذلك فشغبوا وطالبوا بالرزق فأطلق المقتدر المال وجلس في الجوسق وأنفق فيهم وأخرج مضربا ليه يسمّى مضرب الدم إلى باب الشمّاسيّة.

ووافى مونس وأصحابه إلى باب الشمّاسيّة وكان المقتدر قد وجّه أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصري في خيل إلى سرّ من رأى ثم أنفذ أبا بكر محمّد بن ياقوت في ألفى فارس ومعه الغلمان الحجريّة [ إلى المعشوق ].

ثم أنفذ مونسا الورقائى على سبيل الطلائع، فلمّا قرب مونس أقبلوا يراجعون حتى اجتمعت الجماعة بعكبرا، فلمّا قرب مونس من عكبرا انكفأت الجماعة مع محمّد بن ياقوت إلى البردان، فلمّا نزل مونس عكبرا انكفأت الجماعة إلى باب الشمّاسيّة فعسكروا هناك. واضطربت الأمور وتقاعد الضمناء والعمّال بحمل الأموال.

واجتهد المقتدر بهارون أن يشخص إلى حرب مونس فتقاعد واحتجّ بأنّ معظم أصحابه ممّن انضمّ إليه من رجال مونس أو ممّن كان معه في وقت محاربته مرداويج في المشرق أو من استأمن إليه من عسكر الديلم وقد عرف محاربتهم وأنّهم ينهزمون ولا يثبتون للحرب وليس يثق بأحد منهم لأنّه يعلم أنّهم يستأمنون ويسلّمونه ودافع بالخروج إلى أن صار أصحاب مونس بباب الشمّاسيّة بإزاء عسكر محمّد ابن ياقوت. فجاء محمّد بن ياقوت إلى الوزير الفضل بن جعفر فانحدر إلى المقتدر ومعهما ابنا رائق ومفلح فشرح محمّد بن ياقوت الصورة وقال له:

« إنّ الرجال لا يقاتلون إلّا بالمال وإن أخرج استغنى عن القتال واستأمن أكثر رجال مونس ودفعت الضرورة مونسا إلى الهرب أو الاستتار. » وقال له:

« إنّ الوزير أطلق مالا لم يعمّ. » وسألوه أن يحتال مائتي ألف دينار من جهته وجهة والدته ليصرف في المهمّ. فعرّفه أنّه لم يبق له ولا للسيّدة حيلة في مال يطلق وتقدّم الشذاءات والطيّارات لينحدر هو وحرمه إلى واسط ويسلّم البلد إلى مونس ويكتب من واسط إلى من بالبصرة والأهواز وفارس يستنجدهم ويستحضرهم لقتال مونس ودفعه.

فقال له محمّد بن ياقوت:

« اتّق الله يا أمير المؤمنين في جماعة غلمانك وخدمك ولا تسلّم بغداد بغير حرب. »

وجعل يفثأه عن رأيه ويشير بأن يخرج بنفسه إلى المعسكر حتى يراه الناس ويقاتلون وقال له:

« إن رآك رجال مونس وأحجموا عن محاربتك. » فقال له المقتدر:

« أنت والله رسول إبليس. » ثم أمر هارون على لسان الوزير الفضل بن جعفر أن يخرج ووبّخه فمضى إليه ووافقه على أن يخرج يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوّال إلى دار السلطان.

وركب المقتدر وهم معه وعليه البردة التي توارثها الخلفاء وبيده القضيب وبين يديه الأمير أبو عليّ بن المقتدر والأنصار ومعهم المصاحف المنشورة والقرّاء يقرأون القرآن وحوله جميع رجاله بالسلاح وخلفه جميع القوّاد مع الوزير واشتقّ بغداد إلى الشمّاسيّة وكثر دعاء الناس له جدّا وسار في الشارع الأعظم إلى المعسكر، فلمّا وصل إليه أشير عليه أن يقوم إلى موضع عال بعيد عن موضع الحرب.

واشتدّت الحرب بين أصحاب مونس وأصحاب المقتدر بالله وكان مونس مقيما بالراشديّة لم يحضر الحرب وثبت محمّد بن ياقوت وهارون بن غريب واشتبكت الحرب، وصار أبو العلاء سعيد بن حمدان إلى المقتدر بالله برسالة هارون بن غريب ومحمّد بن ياقوت بأن يحضر الحرب. وقال له:

« إنّ رآك أصحاب مونس استأمنوا. » فلم يبرح من موضعه ومضى أبو العلاء ووافاه صافى البصري فقال له مثل هذا القول فلم يسمع منه.

ثم حضر محمّد بن أحمد القرايطى كاتب محمّد بن ياقوت فاستدعى الوصول إلى المقتدر بالله فأوصل إليه وهو واقف على ظهر دابّته فقبّل الأرض وقال له:

« يا أمير المؤمنين، القوّاد وعبدك محمّد بن ياقوت يقول: يا مولانا أمير المؤمنين الله الله سر بنفسك إلى الموضع فإنّ الناس إذا رأوك انفلّوا. » فلم يبرح وبقي واقفا على دابّته وخلفه الوزير أبو الفتح ومفلح الأسود وجماعة من الغلمان الخاصّة.

فهم على تلك الحال إذ وافت رسالة القوّاد المحاربين فتقدّم بعضها بأن ينادى بين يديه:

« من جاء بأسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة دنانير. » فنودي بذلك. ثم جاءته رقعة فسلّمت إليه فقرأها ثم استدعى مفلحا والقراريطي فسارّهما ثم استدعى الوزير فسارّه وأجابه بشيء ما سمع به.

ثم وردت رقعة أخرى فقرأها ثم وافته الرسائل علانية من القوّاد تؤدّى إليه ويسمع الناس أنّ الرجال في الحرب يقولون:

« نريد أن نرى مولانا حتى نرمي بأنفسنا على هؤلاء الكلاب. » ولم يزل القراريطي وغيره يسهّلون عليه ويسألونه المسير حتى سار مع مفلح ومن بقي معه.

وتخلّف الفضل بن جعفر عنه وسار نحو الشطّ وانكشف أصحاب المقتدر وانهزموا من قبل أن يصل المقتدر إلى موضع المعركة وكان آخر من ثبت وحارب حربا شديدا محمّد بن ياقوت واستؤسر أحمد بن كيغلغ وجماعة من القوّاد.

ولقي عليّ بن يلبق المقتدر وهو في الطريق لم يصل إلى المعركة في صحراء منبسطة، فلمّا وقعت عينه عليه ترجّل وعليه سلاحه وقال:

« مولاي أمير المؤمنين. »

بربري من أصحاب مونس يقتل المقتدر

وقبّل الأرض ثم قبّل ركبته، ووافى البربر من أصحاب مونس فأحاطوا بالمقتدر وضربه رجل منهم من خلفه ضربة سقط منها إلى الأرض وقال:

« ويحكم أنا الخليفة. » فقال البربري:

« إيّاك أطلب. » وأضجعه فذبحه بالسيف. وكان معه رجل من خلفاء الحجّاب طرح نفسه عليه فذبح أيضا ووقع رأس المقتدر على سيف ثم على خشبة وسلب ثيابه حتى سراويله وترك مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل من الأكرة فستر عورته بحشيش ثم حفر له في الموضع ودفن حتى عفا أثره. ونزل يلبق وعليّ ابنه في المضارب وأنفذ للوقت إلى دار السلطان من يحفظها وانحدر مونس من الراشديّة إلى الشمّاسيّة فبات بها ومضى عبد الواحد بن المقتدر ومفلح وهارون بن غريب ومحمّد بن ياقوت وابنا رائق على الظهر إلى المدائن.

فكان ما فعله مونس من ضربه وجه المقتدر بالسيف وقتله إيّاه ودخوله بغداد على تلك السبيل سببا لجرأة الأعداء وطمعهم فيما لم تكن أنفسهم تحدّثهم به من الغلبة على الحضرة، وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة مذ ذلك وتفاقم حتى انتهى إلى ما نشرحه فيما بعد إن شاء الله.

تبذير المقتدر

وحكى ثابت حكاية في تبذير المقتدر للأموال ما رأيت أن أثبته مشروحا لئلّا يغترّ أحد من الملوك ومدبّرى أمر المملكة بكثرة الأموال فيترك تثميره ويعدل عن التعب به إلى الراحة اليسيرة فإنّه حينئذ يتبدّد ولا يلحق ويكون مثله مثل البثق الذي ينفجر بمقدار سعة الدرهم ثم يتّسع فلا يضبط.

قال صاحب الكتاب: ولقد ووعظت أنا بذلك بعض مدبّرى الملك فأكثرت عليه فتبسّم تبسّم المدلّ بكثرة الذخائر والأموال فما أتت عليه سنتان حتى رأيته في موضع الرحمة لا ينفعه الرحمة، وسأشرح خبره وحاله إذا انتهيت إليه بمشيئة الله. فأمّا المقتدر فإنّه أتلف نيّفا وسبعين ألف ألف دينار سوى ما أنفقه في موضعه وأخرجه في وجوهه وهذا أكثر ممّا جمعه الرشيد وخلّفه. ولم يكن في ولد العبّاس من جمع أكثر ممّا جمعه الرشيد، فإنّ القاسم بن عبيد الله قال للمعتضد وقد سأله عن مقدار ما خلّفه واحد واحد من ولد العبّاس من المال:

« إنّه لم يكن فيهم من خلّف أكثر ممّا خلّفه هارون الرشيد فإنّه خلّف في بيت المال ثمانية وأربعين ألف ألف دينار. » وهذه نسخة لما أثبته بعض كتّاب أبي الحسن ابن الفرات لمّا وزّره المقتدر بالله.

« بسم الله الرحمن الرحيم. الذي كان في بيت مال الخاصّة لمّا تقلّد المقتدر الخلافة أربعة عشر ألف ألف دينار، وافتتح أبو الحسن ابن الفرات أعمال فارس وكرمان سنة تسع وتسعين ومائتين فارتفع من مال الخراج والضياع العامّة والمعروف بالأمراء في كلّ سنة ثلاثة وعشرون ألف ألف درهم وثمانمائة ألف درهم، منها من مال فارس ثمانية عشر ألف ألف درهم، ومن مال كرمان خمسة آلاف ألف درهم، يكون ذلك في مدّة احدى وعشرين سنة آخرها سنة عشرين وثلاثمائة الخراجيّة بعد وضع ثمانمائة ألف درهم كانت تنكسر في كلّ سنة من مال البقايا أربعمائة ألف ألف درهم وثلاثة وثمانين ألف درهم.

« وإذا وضع من ذلك ما كان يحمله من يتغلّب على فارس وكرمان إلى بيت مال العامّة بالحضرة وهو نحو أربعة آلاف ألف درهم في السنة ومبلغه في هذه السنين ثلاثة وثمانين ألف ألف درهم وكان الباقي بعد ذلك أربعمائة ألف ألف درهم قيمتها ثمانية وعشرون ألف ألف دينار.

« ومن أموال مصر والشام في هذه السنين زيادة على ما كان يحمل منها في أيّام المعتضد: ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف دينار.

« وأخذ المقتدر من أموال عليّ بن محمّد بن الفرات في مصادرته ومصادرات كتّابه وأسبابه: أربعة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار، منها في الدفعة الأولى: ألفي ألف وثلاثمائة ألف دينار، وفي الدفعة الثانية: ألف ألف ومائة ألف دينار، وفي الثالثة مع ما أخذ من زوجة المحسّن دولة: تسعمائة ألف دينار.

« وما حصل من ارتفاع ضياع ابن الفرات الملك سوى الإقطاع والإيغار في مدّة سبع عشرة سنة مع ما انصرف في ذلك من المبيع والمقطع والموغر للحاشية حسابا في السنة مائتي وخمسين ألف دينار: أربعة آلاف ألف ومائتي وخمسون ألف دينار.

« وما صحّ ممّا أخذ لأبي عبد الله الجصّاص الجوهري دون ما كان يذكره وهو يتكثّر به من العين: ألفي ألف دينار.

« وما حصل من ضياع العبّاس بن الحسن بعد قتله في مدّة أربع وعشرين سنة حسابا في السنة مائة وعشرين ألف دينار:

ألفي ألف وثمانمائة ألف دينار.

« وما أخذ من أموال حامد بن العبّاس وأسبابه ومع ما يرتفع من ضياعه إلى أن ردّت على ولده ألفي ألف ومائتي ألف دينار.

« وما أخذ من أموال الحسين بن أحمد ومحمّد بن عليّ المادرائيين في أيّام وزارة أبي عليّ الخاقاني ووزارات ابن الفرات الثلاث وأيّام أبي القاسم الخاقاني وأبي العبّاس الخصيبي وأبي الحسن عليّ بن عيسى الثانية وأبي عليّ ابن مقلة: ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار.

« وما أخذ من أموال عليّ بن عيسى وابن الحواريّ وسائر الكتّاب ووجوه العمّال المصادرين: ألفي ألف دينار.

« وما أخذ من تركة الراسبي، خمسمائة ألف دينار.

« وما أخذ من تركة إبراهيم المسمعي: ثلاثمائة ألف دينار.

« وما حصل من ثمن المبيع في أيّام الوزراء وازداده الفضل بن جعفر: ثلاثة ألف ألف دينار.

« وما حصل من أموال أمّ موسى وأخيها وأختها وأسبابها: ألف ألف دينار.

« فصار الجميع من العين: ثمانية وستين ألف ألف وأربعمائة وثلاثين ألف دينار. وضع من ذلك لارتفاع ما خرج من المبيع منذ سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى آخر سنة عشرين وثلاثمائة حسابا في السنة على التقريب تسعمائة ألف دينار: ثلاثة ألف آلاف وستّمائة ألف دينار. » الباقي بعد ذلك ممّا حصل في خزانة المقتدر زائدا على ما كان يحمل إلى بيت مال الخاصّة في أيّام المعتضد والمكتفي من أموال الضياع والخراج بالسواد والأهواز والمشرق والمغرب: أربعة وستين ألف ألف وثمانمائة وثلاثين ألف دينار.

وقد كان كلّ واحد من المعتضد والمكتفي يستفضل في كلّ سنة من سنى خلافته من أموال النواحي بعد الذي يصرف في أعطيات الرجال والغلمان والخدم والحشم وجميع النفقات الحادثة مع ما كان يحصّله في بيت مال الخاصّة: ألف ألف دينار.

وكان سبيل المقتدر أن يستفضل مثلها فيكون مبلغه في خمسة وعشرين سنة: خمسة وعشرين ألف ألف دينار. فيكون جملة ما يجب أن يحضر في بيت مال الخاصّة للمقتدر بالله في هذه السنين إلى آخر سنة عشرين: تسعة وثمانين ألف ألف دينار وثمانمائة ألف وثلاثين ألف دينار.

خرج من ذلك ما ليس يجرى مجرى التبذير وهو ما أطلق في البيعة ثلاث دفعات وما أنفق على فتح فارس وكرمان: بضعة عشر ألف ألف دينار. وبقي بعد ذلك ما بذّر وأتلف: نيّف وسبعون ألف ألف دينار. » وكانت مدّة وزارة أبي الفتح الفضل بن جعفر للمقتدر خمسة أشهر وتسعة وعشرين يوما.

خلافة القاهر بالله أبي منصور محمد بن المعتضد سنة عشرين وثلاثمائة

لمّا قتل المقتدر بالله وحمل رأسه إلى بين يدي مونس بكى وقال:

« قتلتموه والله لتقتلنّ كلّنا فأقلّ ما يكون أن تظهروا بأن ذلك جرى بغير قصد منكم ولا أمر به وأن تنصبوا في الخلافة ابنه أبا العبّاس فإنّه تربيتي وإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدّته والدة المقتدر وإخوته وغلمان أبيه بإخراج المال. » فعارض هذا الرأي أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي لحينه وما سبق له في حكم الله تعالى وقال:

« بعد الكدّ استرحنا ممّن له والدة وخالة وخدم فنعود إلى تلك الحالة؟ » وما زال بمونس وأسبابه حتى فثأ رأيهم عن أبي العبّاس وعدل به إلى محمّد بن المعتضد بالله ليتمّ المقدار من جرى قتله على يده.

وحضر فائق وجه القصعة الحرمي فذكر لمونس أنّ والدة المقتدر لمّا بلغها قتل ابنها أرادت الهرب وأنّه وكّل بها وتوثّق منها. وذكر أنّ محمّد بن المعتضد ومحمّد بن المكتفي معتقلان في يده. فوجّه به مونس وأمره بإحضارهما وأصعد بهما إلى دار مونس بعد أن أطلق بشرى خادمه.

وابتدأ مونس بخطاب محمّد بن المكتفي فامتنع من قبول الأمر وقال:

« عمّى أحقّ به. » فخاطب حينئذ محمّد بن المعتضد فاستجاب واستحلف لمونس المظفّر وليلبق ولعليّ ابنه وليحيى بن عبد الله الطبري كاتب يلبق.

فلمّا توثقوا منه بالأيمان والعهود بايعوه وبايعه من حضر من القضاة والقوّاد ولقّب: « القاهر بالله ». وكان ذلك سحر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوّال. وأشار مونس بأن يستوزر له عليّ بن عيسى ووصف سلامته واستقامة أموره ومذهبه ودينه فقال يلبق وابنه:

« الحال الحاضرة لا تحتمل أخلاق عليّ بن عيسى وأنّه يحتاج إلى من هو أسمح منه وأوسع أخلاقا. » فأشار بأبي عليّ ابن مقلة وبأن يستخلف له إلى أن يقدم من فارس أبو القاسم الكلوذانى. فأمضى مونس ذلك وكتب إلى أبي على ابن مقلة بالإسراع، وإلى ياقوت بحمله وتعجيله.

وانحدر القاهر إلى دار الخلافة وصعد الدرجة. وانحدر مونس وأسبابه إلى دورهم وصرف محمّد بن المكتفي إلى داره في دار ابن طاهر واستحجب القاهر بالله عليّ بن يلبق واستكتب عليّ بن يلبق أبا عليّ الحسن بن هارون.

ووجّه مونس المظفّر فاستقدم عليّ بن عيسى من الصافية فراسله القاهر على يد الحسن بن هارون واستدعاه فلقى مونسا ثم انحدر إلى القاهر فوصل إليه وخاطبه بجميل وذلك قبل ورود ابن مقلة.

واستحضر مونس أبا القاسم الكلوذانى وانحدر معه إلى دار السلطان وأوصله إلى القاهر فعرّفه أنّه قد استوزر أبا عليّ ابن مقلة واستخلفه له إلى أن يقدم وأمره أن ينتقل إلى دار مفلح ليقرب عليه إذا طلبه ففعل ولقيه أصحاب الدواوين وهنّأوه وأمر ونهى.

تشاغل القاهر بالبحث عمن استتر

وتشاغل القاهر بالبحث عمّن استتر من أولاد المقتدر وحرمه وبمناظرة والدته وكانت في علّة عظيمة من فساد مزاج وابتداء استسقاء ولمّا وقفت على ما لحق ابنها من القتل وأنّه لم يدفن جزعت جزعا شديدا ولطمت رأسها ووجهها وامتنعت من المطعم والمشرب حتى كادت تتلف ورفق بها رفقا كثيرا إلى أن اغتدت بيسير من الخبز والملح وضربت الماء.

ثم دعاها القاهر فقررها بالرفق مرّة وبالتهديد مرّة فحلفت له على أنّه لا مال لها ولا جوهر إلّا صناديق فيها صياغات وثياب وفرش وطيب وأنّ هذه الصناديق في دار تتصل بالدار التي كانت تسكنها من دار السلطان ووقفته على تلك الدار وتلك الصناديق وقالت:

« لو كانت عندي مال لما سلّمت ولدي للقتل. » فضربها حينئذ بيده وعلّقها بفرد رجل وأسرف في ضربها على المواضع الغامضة من بدنها ولم يرع لها إحسانها وقت اعتقال المقتدر إيّاه ولمّا أوقع بها المكروه لم يجد زيادة على ما اعترفت به طوعا.

فلمّا كان مستهلّ ذي القعدة حضر يلبق وعليّ ابنه ومعهما أبو القاسم الكلوذانى دار السلطان فأوصلهم إلى حضرته فطالبوه بحمل مال إلى مونس المظفّر لينفق في صلة البيعة فحدّثهم بما فعله بوالدة المقتدر وأنّه ضربها بيده مائة مقرعة ضرب التقرير على المواضع الغامضة من بدنها فما أقرّت بدرهم واحد غير ما كانت أقرّت به عفوا وقال لهم:

« هي بين أيديكم. » ثم أدخلهم إلى الدار التي فيها الصناديق فإذا فيها ثياب وشى وديباج رومي وتستريّ مثقّلة بالذهب وفرش أرمنيّ وخزّ رقم وديباج وصناديق فيها ثياب فاخرة وصياغات يسيرة ذهب وصياغات كثيرة فضّة وطيب كثير من عود هنديّ وعنبر ومسك وكافور وتماثيل كافور قيمة ذلك نحو مائة وثلاثين ألف دينار وقيمة التماثيل نحو ثلاثمائة ألف درهم فتسلّم أكثر ذلك مونس المظفّر ليباع فتركوا بعضه ليخدم به القاهر.

وصودر جميع أسباب المقتدر وظهر الفضل بن جعفر فعنى به مونس ويلبق وابنه وخاطبوا فيه القاهر فقال:

« هذا كان وزير المقتدر ولا بدّ من مصادرته. » فبذل عشرين ألف دينار عاجلة فقال مونس:

« أنا أزن هذا المال عنه فإنّه ثقة عفيف كاتب ديّن. » ورسم أن يقلّد ديوان الضياع المقبوضة عن والدة المقتدر وديوان أولاد المقتدر وما قبض عنهم وعن سائر الأسباب وأكرم كل إكرام وصار إلى الكلوذانى فقام له لمّا حضر ولمّا انصرف ووقّع له القاهر بجميع تلك الدواوين التي ذكرتها فتسلّم الدواوين ولم يؤثر فيها شيئا لأنّه لم يستحسن وكان بالأمس وزير المقتدر أن يتقلّد اليوم ديوان المقبوضات عن والدته وأولاده وأسبابه فاستحضر الكلوذانى هشاما وقلّده ذلك أزمّة وقلّد أبا محمّد المادرائى ديوان الأصول فكانت مدّة ولاية الفضل هذه الدواوين سبعة عشر يوما.

وكانت مصادرة أبي بكر ابن ياقوت قد اشتهرت وأنّه لم يؤدّ منها إلّا تسعين ألف دينار فطولب بتمامها. وأخرج القاهر والدة المقتدر لتشهد على نفسها القضاة والعدول بأنّها قد حلّت وقوفها ووكّلت في بيعها عليّ بن العبّاس النوبختي ونوظرت على ذلك فامتنعت منه وذكرت أنّها وقفته على مكّة والثغور على الضعفى والمساكين ولا أستحل حلها فأمّا أملاكى الطلق فقد وكّلت عليّ بن العبّاس في بيعها.

فنهض القاضي عمر بن محمّد والشهود إلى حضرة القاهر فأشهدهم على نفسه بأنّه قد حلّ وقوفها ووكّل في بيعها عليّ بن العبّاس النوبختي وفي بيع سوى ذلك من الضياع الخاصّة والفراتيّة والعبّاسية والمستحدثة والمرتجعة وما يجرى مجراها في سائر النواحي ووكّل أبا طالب النوبختي وإسحاق بن إسماعيل وأبا الفرج جلخت في بيع المستغلات بالحضرة المقبوضة وما أمكنهم بيعة من فضل ما بين المعاملتين. ورأى أسباب مونس أنّه لا يتمّ البيع إلّا بأن يبتدءوا بالشراء منهم فابتاعوا أشياء بنحو خمسمائة ألف دينار.

وزارة ابن مقلة

وقدم أبو على ابن مقلة من شيراز في يوم النحر وكان كتب إلى القاهر بالله ويسأله أن يجلس له في الليل لأنّه كان اختار لنفسه أن يلقاه بطالع الجدى وفيه أحد السعدين والآخر في وسط السماء فوصل في الوقت الذي قدّره وصادف القاهر ينتظره فلقيه وخرج من عنده وقد أعدّت له دار هارون بن المقتدر وفرشت فدخلها ووقّع فيها بتقليد قوم وخلع عليه من الغد خلع الوزارة وصار إلى مونس المظفّر فسلّم عليه وانصرف إلى داره.

وحضر الناس للتهنئة وراح إليه في آخر النهار عليّ بن عيسى فلم يقم له واستقبح الناس له ذلك وصار إليه أبو بكر ابن قرابة ووفى بوعده في مداخلته إيّاه والعود إلى التخليط كما كنّا شرحناه من أمره.

ودخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة

كان أبو عليّ ابن مقلة عاتبا على الكلوذانى وذاك أنّه لم يعرف خبر أحد من إخوته وولده وحرمه وأسبابه بعد تقليده خلافته ولا صار إلى داره ولا قلّد أحدا من أسبابه شيئا من الأعمال ولا تفقّد حرمه وولده بشيء، وأعظم من هذا كلّه أنّ أبا عبد الله ابن ثوابة استأذن أبا القاسم الكلوذانى في وقت خلافته أبا عليّ في ذكر كنيته على الكتب النافذة إلى العمّال فلم يأذن له فقبض على الكلوذانى وأسبابه وكان هذا أوّل ما وبّخه به وأخذ خطّه بمائتي ألف دينار ونقله مع كاتبه وأسبابه إلى أبي بكر ابن قرابة ثم قبض على جماعة من العمّال وكتّاب الدواوين وقبض على إسحاق بن إسماعيل النوبختي وعلى بنى البريدي وضمن أعمالهم من محمّد بن خلف النيرمانى بما كانت عليهم وزيادة ثلاثمائة ألف دينار وضمن أيضا أن يصادرهم على ستمائة ألف دينار وتسلّمهم وحملهم إلى داره وجميع ذلك بتوسط ابن قرابة فاعتقلهم محمّد بن خلف في داره وفرّق بينهم.

وجمع أبو على ابن مقلة لمحمّد بن خلف مع هذه الأعمال أعمال المعاون فخاف إسحاق بن إسماعيل وبنو البريدي على أنفسهم لما يعرفونه من شدّة إقدام محمّد بن خلف وتهوّره فأمّا أبو عبد الله البريدي فإنّه دارى محمّد بن خلف ورفق به وأوهمه أنّه يعمل من قبله ويقوم بمال النواحي وبالزيادة التي بذلها وأن يطيعه في المال كلّه ويعمل بما يأمره فيه ولا يخالفه فرفّهه من بين الجماعة وأوقع بأخويه وعلّق عليهما الجرار المملوءة ودهقهما فلم يذعنا بشيء وضيّق على إسحاق بن إسماعيل ولم يوقع به مكروها.

وكانت بين أبي جعفر ابن شيرزاد وبين إسحاق بن إسماعيل مودّة وكيدة فخاطب أبو جعفر الوزير أبا عليّ في لقاء إسحاق وقال:

« أحتاج أن أواقفه على ما سبّب لصاحبي هارون بن غريب عليه في أيّام المقتدر وما أطلقه حتى لا يحيل عليّ بما لم يطلقه. » فوجّه معه بحاجب من حجّاب الوزارة فأوصله إلى إسحاق فلمّا وقعت عين إسحاق عليه قال له:

« يا سيدي الله الله في أمري بادر إلى الأستاذ المظفّر ولا تفارقه حتى يخلصني من يد هذا المجنون. » فمضى أبو جعفر إلى مونس ولم يزل يسأله حتى دعا يلبق وأمره أن يمضى إلى أبي على ابن مقلة ويخاطبه في أمره فإن أطلقه وإلّا انتزعه من يد محمّد بن خلف وحمله إليه. فمضى يلبق إلى ابن مقلة فخاطبه فلم يجد ابن مقلة بدّا من الاستجابة لتقريب أمر إسحاق.

فحكى أبو الفرج ابن أبي هشام عن أبي سعيد ابن قديدة أنّ السبب فيما لحقهم عتب أبي بكر ابن قرابة عليهم لتأخيرهم مالا كان له عليهم وهو الذي قدّمه عنهم فتقاعدوا عن الوفاء له فعاهد محمّد بن خلف يوم تضمّنهم من أبي عليّ ابن مقلة بستمائة ألف دينار على أن يستوفى له من جماعتهم ما قدّمه عنهم ويردّه عليه. فلمّا حصلوا في يد محمّد بن خلف استخرج من أبي عبد الله وأخويه عشرين ألف دينار وأنفذ قبض بعض الصيارف بدرب عون إلى أبي بكر ابن قرابة بها وجعل ذلك من دينه عليهم وجدّ بهم.

واستسلم له أبو يوسف وأبو الحسين ولحقهما منه مكاره عظيمة وأطمعه أبو عبد الله إطماعا لم يصحّ ورفق به. فلمّا كان في اليوم الثالث ركب محمّد بن خلف إلى أبي عليّ ابن مقلة فقال له أبو عليّ:

« يا أبا عبد الله غررتنا والقوم في يدك فنفذت مخاريقهم عليك وذهبت بريحك. » فخجل محمّد واغتاظ وقال:

« قد حملت من جهتهم عشرين ألف دينار وإنّما ضمنت المال في مدّة ثلاثة أشهر فأيّ عتب للوزير عليّ حتى يخاطبني بهذا الخطاب البشع. » فقال الوزير:

« ما سمعت بهذا إلّا منك فإلى من سلّمت المال؟ » قال: « إلى ابن قرابة. » فدعا بابن قرابة وسأله عمّا ذكر محمّد بن خلف فقال:

« أنفذ أيّها الوزير هذا الخط وو الله ما قبضت ماله من الصيرفي وزعم أنّه من دين لي عليهم ولو قال إنّه من الحمل لأنهيت حاله في الوقت وإذ قد بدا له فها هي الرقعة بارك الله له فيها. » وسلّمهما إلى محمّد بن خلف فقال محمّد:

« ولا والله ما جعلتها من دينك وكيف يجوز أن أقدّم مالك على مال السلطان؟ » فاستوحش كلّ واحد منهما من صاحبه وبلغ أبا عبد الله البريدي خبر المجلس فسرّى عنه واجتهد في أن يكتب رقعة إلى ابن قرابة يسأله فيها المصير إليه فلم يجد دواة ولا من يحملها واتفق أن أنفذ أبو سعيد ابن قديدة غلامه أحمد ليشاهد حاله فاستأمن إليه أبو عبد الله ورغّبه في الإصطناع والإحسان ووعده أن يغنيه إذا أوصل رقعة له إلى ابن قرابة فاستجاب له الغلام واحتال له في جوزة جعل فيها كرسفا وأحضره قلما صغيرا وقطعة من كاغذ فكاتب أبا بكر ابن قرابة وحلف له إنّه إن أخذه إليه وفّاه ماله عن آخره وخدمه أحسن خدمة.

فبكر أبو بكر ابن قرابة إلى محمّد بن خلف وأظهر له أنّه قد قصده لمعاتبته حتى استوفى المفاوضة معه. ثم قال له:

« أخرج ابن البريدي إليّ فإنّه يستقيم إلى كلامي حتى أقرر مصادرته وأعرف ما عنده في ديني. » فأخرج إليه أبا عبد الله فقال أبو عبد الله:

« أوّل إقبالى إن قلت لمحمّد بن خلف: لم يبق من السحر إلّا السرار فيتفضّل الأمير ويخلى لنا مجلسنا. » فنهض محمّد بن خلف من مجلسه وسلّمه إليّ برقاعته وقال:

« أنا داخل إلى دار الحرم. » فتخاطبنا وجلست مجلسه وقعدت مقعده فتفاءلت وقلت:

« هذا مجلس كان لي فأنتقل إليه وقد عاد إليّ. »

فاستصلحت أبا بكر ابن قرابة ووعدني بتخليصى ووفى ومضى ففصل أمرنا وضمن الوفاء عنّا.

فلمّا كان في اليوم الثاني رضى عنّا أبو عليّ ابن مقلة واستدعاني وإخوتى فدعانا محمّد بن خلف وسكّن منّا وأنفذنا إليه فلمّا أردت الخروج قلت لمحمّد ابن خلف:

« أيّها الأمير، أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل خادمك ومونس يعتنى به وسينفذ الساعة من يأخذه فدعني حتى أستصلحه لك وأعقد بينك وبينه عهدا ويمينا. » فقال: « افعل. » فخلوت بإسحاق بن إسماعيل وقلت له:

« قد سخرت من هذا النفس وأنا منصرف فعاقده واحلف له ثم قل له: بيننا الآن عهد ولا بدّ من صدقك ابن مقلة يبغضك ويتّهمك بأنّك تطلب الوزارة وإنّما أراد أن يستنفر لك الأعداء ويأخذ أموالنا بيدك ثم يحملنا على أن نتضمّنك وقد ضمنك أبو عبد الله البريدي بثلاثمائة ألف دينار وحدّثني بهذا فلا تركب أيّاما فإن كان الوزير سأل عنك فقد حماك منه الخليفة وإن طلبك فإنّما يريد أن يسلّمك إليه. » ثم انعطفت إلى محمّد بن خلف وقلت:

« قد فرغت من القصّة والرجل يخدم الأمير كما يريد. » وخرجنا فأعاد عليه إسحاق ما سمعه مني فانصرف قبل العصر بعدي.

فلمّا جلس محمّد بن خلف في منزله ولم يركب إلى أبي عليّ ابن مقلة مضى أبو عبد الله البريدي إلى ابن مقلة وقال له:

« قد عرفت من دار محمّد أنّه يطلب الوزارة وأنّ رسله منبثّون إلى أسباب مونس وإلى القاهر فلا تدعه يقيم في البلد. » وكان ابن مقلة جبانا فطلبه وكان ذلك القول الأوّل قد تقدّم إلى محمّد بن خلف، فوثب بخدم ابن مقلة وغلمانه وحاجبه وضربهم وحصّلهم في بيت وقفل الباب عليهم وتسوّر السطوح وهرب فلم يظهر إلّا في وزارة أبي جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله للقاهر بالله.

وكان أبو عبد الله البريدي مقيما بالأهواز وعرف محمّد بن خلف من بعد أنّ الحيلة تمّت عليه، فقال لمن بلّغ أبا عبد الله البريدي:

« ظننت بك ظنّا جميلا ولم أعلم أنّك في الحيلة عليّ وكنت قد صدقت عنك فلم أقبل. » فقال أبو عبد الله البريدي لأبي عليّ الكاتب:

« اكتب إلى فائق الغلام بأن يقول لمحمّد بن خلف: هذه الحيلة يجوز أن تخفى عليك، فقد خفى مثلها على من هو أكبر منك ولكنّ أعظم من ذلك أنّه كان لنا من الموضع الذي حسبنا فيه طرق إلى دور حرمك وذهبت عليك ولم تعرفها فاحترس منها في المستأنف. » وتوسّط أبو بكر ابن قرابة أمور الجماعة وفصلها مع ابن مقلة فوقّع ابن مقلة بإعادة ابني البريديين إلى أعمالهم فاستقامت أمورهم. ولمّا بطل ضمان محمّد بن خلف ما كان ضمنه من ضمانات البريديين وإسحاق بن إسماعيل صرف أيضا عن أعمال المعاون في هذه النواحي وطلبه ابن مقلة وكان من وثوبه برسله وحاجبه واستتاره ما ذكرناه.

ووجّه ابن مقلة إلى دار محمد بن خلف من فتح الباب عن خدمه وغلمانه وحاجبه وانصرفوا.

بين ابن مقلة وأبي الخطاب

وكان أبو عليّ ابن مقلة يعادى أبا الخطاب ابن أبي العبّاس ابن الفرات ولم يكن يجد إلى القبض عليه طريقا ديوانيّا لأنّه كان ترك التصرف عشرين سنة ولزم منزله وقنع بدخل ضيعته. وكان سبب عداوة أبي عليّ له أنّه كان استسعفه أيّام نكبته فاعتذر بالإضاقة ولم يسعفه. ثم إنّ أبا الخطّاب طهّر أولاده فتجمّل كما يتجمّل مثله ودعا أولاد أبي عليّ ابن مقلة فشاهدوا مروّة تامّة وآلات جليلة وصياغات كثيرة وكان بعضها عارية فانصرفوا وحدّثوا أباهم الحديث وعظّموا وكثّروا وصار أبو الخطّاب ابن أبي العبّاس ابن الفرات إلى الوزير أبي عليّ ابن مقلة على رسمه يوم الموكب للسلام عليه فقبض عليه.

فحكى أبو الفرج ابن أبي هشام أنّ أبا زكريا يحيى بن أبي سعيد السوسي حدّثه أنّه كان حاضرا حين قبض على أبي الخطّاب وأنّ الوزير أبا عليّ أنفذ إليه وسائط وأنّه كان فيهم وطالب بثلاثمائة ألف دينار وأنّ أبا الخطّاب قال:

« بما ذا يتعلّق الوزير عليّ وقد تركت التصرف منذ عشرين سنة ولمّا تصرفت كنت عفيفا سليما ما آذيت أحدا ولى على الوزير حقوق وليس يحسن به أن يتناساها مع اشتهاره بالكرم ويقبح

بي أن أهجّنه بخطوط له عندي قبل هذه الحال الغالية فقولوا له: أيّها الوزير أبو عليّ، ذكّرتك بما لو طالبتك برعايتها أو بالمجازاة على ما أسلفتك في أوقات انحراف الزمان عنك أو سألتك ولاية أو إماحة أو إحسانا في معاملة في ضيعة أو إرفادا وهل من الجميل ألّا أجد عندك إذا رفّهتك من هذا كلّه سلامة في نفسي فيما قد ركبته مني ممّا إذا صدقت نفسك خفت العقوبة من الله عز وجل ثم قبح الأحدوثة من الناس.

« أما ما ظننته عندي، فما الأمر كما وقع لك لأنّ هذا المال إن كان موروثا عن أبي رحمه الله فلست وارثه وحدي ولو كان لاقتسمناه ونحن عدّة فلم يكن بدّ من أن يشيع ويعرف خبره وإن ظننته من كسبي فتصرفى وما وصل إليّ منه معروف وما خفيت عنك نزارته ومن بحضرتك من أصحاب الدواوين يشهدون لي بأنّى ما حظيت ببعض مؤونتي وإن ظننته من استغلال فما استغلّه مقسوم بين الورثة وإن رجعت إليهم بالمسألة لم تجد ما يخصّنى في زمان تصرفى إلّا بعض ما انصرف إلى مئونتي ومروّتى.

« وقد خلف الوزراء والأكابر وأولادا مثلي في كفايتي ودوني فتعرضوا لمواقف واستشرفوا لرتب وراسلوا وروسلوا فهل رأيتنى إلّا في طريق التسلّم وراضيا بامتداد ستر الله تعالى والزهد في هذه الدنيا. فأيّ شيء تقول الله تبارك اسمه، ثم لعباده إذا أسأت إليّ؟ » فلمّا أعيد هذا الكلام على ابن مقلة من غير جهتنا فإنّه كان أنفذ من يتسمع، خجل وتبلّد وتحيّر ثم قال:

« هذا يدلّ عليّ بالفراتيّة وأمير المؤمنين ليس يمكّننى من رعاية حقوق أمثاله وأنا أنفذه إلى الخصيبي فإنّه أعرف بدوائه. » فقمنا وجئت إلى الخصيبي فحدّثته بما جرى في المجلس وقلت له:

« أعيذك بالله أن تنتصب للتشرّر على الناس وأن يقال: إنّ النعم تزال بك وأنت وزير ابن وزير وقد رفع الله قدرك من ذلك وأجلّك بصناعتك وعفافك وأبوّتك. » فقال: « أحسن الله جزاءك ستعلم أنّى أردّه إليه بعد أن أعذر باليسير إليه. » ثم إنّ أبا عليّ ابن مقلة استدعى الخصيبي وسلّمه إليه بعد أن اضطرّه إلى كتب خطّه بثلاثمائة ألف دينار يصحّحها في مدّة عشرين يوما. فأحضر له الخصيبي صاحب الشرطة وجرّده وضربه عشر درر وخلّع تخليعا يسيرا، ثم ضربه بالمقارع، فأقام على أنّه لا مال له وأنّ ضياعه قد وقفها ولا يمكنه بيعها. فاستعفى الخصيبي منه وردّه إلى دار ابن مقلة فحبسه ثم سلّمه إلى المعروف بابن الجعفري النقيب وأحضر له غلاما من غلمان القاهر وذكر له أنّه قد أمر بضرب عنقه إن لم يؤدّ قدرا من المال.

فما زال يعلّلهم إلى آخر الوقت ولم يؤدّ شيئا. فلمّا حضر الوقت أحضره السيف وشدّ رأسه وعينيه. فقال له أبو الخطّاب:

« وجّهنى رحمك الله إلى القبلة. »

فوجّهه.

ثم قال له:

« برفق ».

وتشاهد.

فبادر بالخبر ابن الجعفري إلى ابن مقلة فقال ابن مقلة:

« لا يجوز أن يكون بعد هذا شيء. » وقال مونس المظفّر لابن مقلة:

« أيّ طريق على رجل لم يعمل عملا منذ آخر سنة تسع وتسعين ومائتين؟ » فأخذه ابن مقلة وسلّمه إلى حاجبه وأمره أن يعتقله. فأقام فيه يومين وحضر أبو يوسف البريدي فشكا إليه ابن مقلة ما أقام عليه أبو الخطّاب من التجلّد ووسّطه بينه وبينه. فصار إليه أبو يوسف وقرّر أمره على عشرة آلاف دينار فحلف أبو الخطّاب ألّا يؤدّى منها درهما ولو قتل أو يطلق إلى منزله.

فوجّه إليه ابن مقلة بخلعة من ثيابه وحمله على دابّة بمركب واستدعاه ووثب إليه حتى كاد أن يقوم له ثم قال له:

« كثّر على الخليفة في أمرك وعزيز عليّ ما لحقك فامض مصاحبا إلى منزلك. » فانصرف وأدّى المال في مدّة عشرة أيّام وأطلق ضياعه وأملاكه.

وأحضر ابن مقلة إسحاق بن إسماعيل وأخذ خطّه بأن يحمل في كل شهر من شهور الأهلّة مثل ما كان يحمله إلى المقتدر بالله لخريطته على سبيل المرفق وهو ألفا دينار وأخذ خطّ أبي عبد الله البريدي بحمل ثلاثة آلاف دينار في كلّ شهر على هذه السبيل وخطّ أبي يوسف وأبي الحسين أخويه بألف وخمسمائة دينار في كلّ شهر.

ذكر ما جرى في أمر الذين هربوا من قواد المقتدر وما آل أمرهم إليه

كتب هارون بن غريب إلى أبي جعفر محمّد بن يحيى بن شيرزاد من واسط بأن يقطع أمره على مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له ضياعه الملك في سائر النواحي ومستغلّاته دون الإجارات والوقوف التي كانت في يده وعلى أن يؤدّى حقوق بيت المال على الرسوم القديمة ويرتجع إقطاعاته. وعنى به مونس المظفّر وأسبابه وكتب له القاهر أمانا وقبلت مصادرته التي بذلها وقلّد أعمال المعاون بماه الكوفة وماسبذان ومهرجانقذق.

وخرج عبد الواحد بن المقتدر ومحمّد بن ياقوت الباهلي وابنا رائق وسرور ومفلح من واسط مفارقين لهارون بن غريب من واسط إلى السوس وجنديسابور فأفسدوا أمر الأعمال هناك وعاثوا وخرّبوا ومدّوا أيديهم إلى التنّاء والتّجار ثم خرجوا على الظهر إلى سوق الأهواز. فلمّا طال مقامهم بالأهواز شخص يلبق والجيش معه نحوهم فلقيه هارون بن غريب بجرجرايا ثم نفذ لحرب القوم.

فأمّا ما حكاه أبو الفرج ابن أبي هشام عن مشاهدة وعيان فإنّه قال: إنّ الهاربين من قوّاد المقتدر مع عبد الواحد ابنه دخلوا سوق الأهواز من طريق الطيب وما دخلوا السوس ولا جنديسابور واستبدّ محمّد بن ياقوت بالأمور على ابني رائق والجماعة.

وقلّد أبا إسحاق القراريطي كاتبه النظر فاستخرج وأمر ونهى وكانت الأموال تنصبّ إلى ابن ياقوت ويعطى منها ابنا رائق وغيرهما ما يريد فتغيرت له القلوب واعتقدوا الخلاف عليه.

وتحقق أبو عبد الله البريدي بأبي عليّ ابن مقلة. وكانت الكتب ترد عليه من الأهواز بجميع ما يجرى فأشار بأن يتلاحق أمرهم وقال:

« إنّ القوم متخاذلون وابن ياقوت مستبدّ عليهم وقلوبهم شتّى وإنّ ابني رائق صديقاه فإن أخرج إليهم جيش اختلفت كلمتهم وإن تركوا قويت شوكتهم بأموال الأهواز وعقدوا لعبد الواحد الخلافة وطلبوا الحضرة. » فأنفذ أبو عليّ ابن مقلة أبا عبد الله البريدي إلى مونس حتى شافهه بذلك كلّه فقال مونس:

« قد ترى الحيرة في مال البيعة وقد استحقّ الناس رزقه لأنّ الحادثة المقتدر منذ ثلاثة أشهر فمن أين المال؟ » فقال أبو عبد الله البريدي:

« أنا أضمنه ويسبّب عليّ وأقدّم بالحضرة ثلاثين ألف دينار وأصحّح بالسوس خمسين ألف دينار وبتستر عشرين ألف دينار والباقي بالأهواز. » وأحضر صاحب ديوان الجيش وعمل جريدة لمن تجرّد مع يلبق وأجمل ما لهم فبلغ مائتي وخمسين ألف دينار فحمل أبو عبد الله الثلاثين الألف الدينار التي ضمن تعجيلها بالحضرة وخوطب القوّاد وتكاثرت العساكر مع يلبق وأبو عبد الله البريدي معه.

وخرج بدر الخرشنى في الماء وكوتب أحمد بن نصر القشوري وكان يتقلّد البصرة أن يسير معه فلمّا تحصّلت الجيوش بواسط تغيّرت القلوب على محمّد بن ياقوت وتبيّن ذلك فقال للجماعة:

« أنا واحد منكم ولست أخالفكم في رأى ولكنّ الوجه أن نجتمع بتستر فإنّها حصينة منيعة وندبّر أمرنا بما يوفق الله عز وجل له ولا نحارب. » وواقفهم على مال يعطيهم وساروا للوقت إلى عسكر مكرم وأفرجوا عن قصبة الأهواز فعمل القراريطي بها ما لا يعمله الدمستق وفتح الدكاكين بالليل وبعث إليها البغال وحمل منها أمتعة التجّار وصادر الأسود والأبيض.

ولمّا ورد الخبر بنزول يلبق السوس نفذت الجماعة إلى تستر وورد البريديّ وسلك طريق القراريطي وزاد وما زال يحتال حتى وفّى الخمسين الألف الدينار ثم وافى يلبق والجيوش جسر تستر فوجده مقطوعا وحال بينه وبين تستر دجيل.

فحكى عن أبي عبد الله البريديّ بعد ذلك أنّه قال: هممت بالتغلّب ووضعت في نفسي الإمرة وتدبير الرجال منذ ذلك لمّا رأيت انحلال يلبق وسقوط ابن الطبري كاتبه لأنّى رأيتهما متخلّفين ساقطين. وكان الشارد قد طار وضجّ يلبق واضطرب رجاله فهمّ بالانصراف فثبّته أبو عبد الله البريديّ وما زال يتردّد إلى القوّاد ويهزّهم ويهاديهم ويسكّنهم ويكاتب ابني رائق بالمودة ويشير عليهما بمفارقة ابن ياقوت ويذكر لهما سوء أخلاقه وشدّة عجبه وتطاوله عليهما حتى استجابا إلى تقلّد البصرة والانصراف عن تستر.

فما عرف ابن ياقوت الخبر حتى ضربا بالبوق بكرة ورحلا فلم يكن له بهما يدان لأنّه لو كاشفهما لعبر العسكر الذي بازائه إليه وقتل أو أسر. ولمّا توجّه ابنا رائق إلى البصرة استأذن مفلح وسرور في العبور بعبد الواحد إلى يلبق وقالوا لمحمّد بن ياقوت:

« قد ضعفت نفوسنا وأنت معتصم برجالك ونحن فلا عدّة لنا ولأصحابنا إلّا غلماننا. » فردّ الإختيار إليهم، كاتبوا وتوثّقوا لنفوسهم من يلبق وعبروا إليه وتحيّر محمّد بن ياقوت فراسل يلبق في أن يحلف بسلامة نيّته إذا لقيه ليعبر إليه ويفاوضه ويعود إلى معسكره. فأجابه وحلف له على ذلك وعبر إليه محمّد بن ياقوت بدرّاعة بيضاء وعمامة وجمشك في رجله ومعه غلام واحد وقت العصر فقام له يلبق وتفرّدا وتطاولا حديثا ما عرف في الوقت.

واشتعلت النيران في ثياب البريدي وتردّد دفعات إلى ابن الطبري يشير بالقبض على ابن ياقوت وراسل ابن الطبري يلبق بذلك وقال له:

« البريدي خليفة الوزير وثقة الأستاذ مونس يشير بذلك ولست أقول أنا شيئا. » فقال يلبق:

« ما كنت بالذي أخفر أمانتى وأحنث في يميني ولو ذهبت نفسي. » وحضر وقت الصلاة فقام محمّد بن ياقوت تحت الفازة في موضع فسيح فأذّن وأقام وتقدّم للصلاة يلبق وأكثر العسكر وراءه ولمّا استتمّ المكتوبة انثنى إلى يلبق معانقا له فقام إليه وودّع كلّ واحد منهما صاحبه وعاد محمّد بن ياقوت إلى عسكره وظهر السرّ وكان تعاتبهما أوّلا ثم تحالفا وتعاقدا واصطلحا على أن يسيرا إلى الحضرة بشروط الأمان على أن يكون بينهما في المسير منزل فمنزل.

ورحل محمّد بن ياقوت بعد ثلاثة أيّام من تستر إلى عسكر مكرم ودخل يلبق تستر فعمل بها البريدي أعظم ممّا عمل القراريطي بكثير لأنّ الناس توقّوا منه، فلمّا رأوا أصحاب السلطان أنسوا. فأتى البريدي عليهم وكبس اليهود وهم معظم التّجار وتجاوز كلّ قبيح ووفى بالمائة الألف الدينار.

وسار يلبق إلى الأهواز وأهلها هاربون من محمّد بن ياقوت فسلّموا لأنّهم مضوا إلى البصرة. وابتلى بالبريدى أهل عسكر مكرم وتستر. فأيسر ما عمل أن ركب إلى دور الصيارف فأخذ ما وجد من الأموال لهم ولمن يضاربهم وخسف بالسواد حتى صحّح ليلبق مائتي ألف دينار وبقيت على البريديّ خمسون ألف دينار وعنى به ابن الطبري لأنّ البريديّ خدمه خدمة تامّة حتى إنّه كان يحضر أبواب البيع في البلدان ويجلس على غاشيته ينتظر خروجه، فإذا خرج سأله أن يعطيه برشائه فإذا أعطاه قبّله وجعله في كمّه وأشهد له بضياع ارتفاعها عشرة آلاف دينار فكان ذلك سبب عناية ابن طبرى به.

وخاطب له يلبق وقال له:

« أبو عبد الله ثقة ونجعل هذه الخمسين الألف الدينار فيما يخصّ الأمير - وكان ماله في الجملة - وقد خدم وبيّض وجه الأمير فيما خدم ودبّر وبدّد شمل هؤلاء وإنّه لأحقّ بمجلس أبي عليّ ابن مقلة منه وأنفذ في التدبير والأمور. » فأجابه يلبق إلى ما سأل وخلّف غلاما عند البريدي يقال له ايتاخ.

ورحل ابن ياقوت إلى شابرزان وتبعه يلبق ودخلوا مدينة السلام.

وأطلقت أملاك ابني رائق ومحمّد بن ياقوت ومفلح وسرور دون إقطاعاتهم وأطلق لعبد الواحد بعض أملاكه القديمة وأعفى هو ووالدته من المصادرة وعادت يد ابن البريدي إلى عمالة الأهواز واستقامت الأمور وخلع القاهر على يلبق وطوّقه وسوّره بطوقين وسوارين مرصّعين بالجواهر.

وخرج أمر القاهر ببيع دار المخرّم التي كانت برسم الوزارة وكانت قديما لسليمان بن وهب فقطعت وبيعت من جماعة من الناس بمال عظيم لأنّ ذرعها يشتمل على أكثر من ثلاثمائة ألف ذراع وصرف ثمنها في مال الصلة لبيعة القاهر بالله.

وورد الخبر بموت تكين الخاصّة بمصر فأشار الوزير أبو عليّ ابن مقلة بإنفاذ عليّ بن عيسى إليها للإشراف عليها فابتدأ بالاستعداد للخروج، ثم صار إلى أبي عليّ ابن مقلة في بعض العشايا وصادفه خاليا فعرّفه كبر سنه وضعف حركته ونقصان قوّته وأنّه لا يستشفع إليه بغير كرمه ولا يوسّط بينه وبينه أحدا غيره وحلف على موالاته أيمانا أكّدها وسأله إعفاءه من الشخوص وتذلل له وانكبّ على يده ليقبّلها فمنعه من ذلك وخاطبه بمعرفته بحقّه وعلمه بمكانه فأعفاه من الشخوص فانصرف عليّ بن عيسى شاكرا.

وورد كتاب محمّد بن تكين يخطب مكان أبيه فأجيب إلى ذلك وحمل إليه الخلع والعهد. وكتب القاهر رقعة بخطّه إلى أبي عليّ ابن مقلة بالتكنية وبزيادة في التشريف والرتبة وأمره أن يكتب بذلك إلى الأمصار والأعمال كلّها، ففعل ذلك ثم حمل إليه خلعة بعد خلعة للمنادمة وحمل إليه صينية فضّة مذهّبة فيها ندّ وعنبر وغالية ومسك وصينية أخرى فيها رطلية بلّور فيها شراب مطبوخ عتيق وقدح بلّور وكوز ومغسل فضّة.

وشغب الجند بمصر على محمّد بن تكين فقاتلهم وهزموه.

استيحاش مونس ويلبق وابنه وابن مقلة من القاهر

وفي هذه السنة استوحش مونس المظفّر ويلبق وعليّ ابنه والوزير أبو عليّ ابن مقلة من القاهر بالله فضيّقوا عليه وعلى أسبابه.

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك انحراف الوزير أبي عليّ ابن مقلة عن محمّد بن ياقوت فمكّن في قلب مونس المظفّر ويلبق وعلى ابنه أنّه في تدبير عليهم مع القاهر بالله وأنّ عيسى المتطبّب يترسّل للقاهر إليه فوجّه مونس بعليّ بن يلبق إلى دار السلطان وسأل عن عيسى فعرّف أنّه بحضرة القاهر فهجم عليه غلمان عليّ بن يلبق فوجدوه واقفا بحضرة القاهر فقبضوا عليه وأخرجوه إليه فنفاه من وقته إلى الموصل.

واجتمع رأى مونس ويلبق وابنه والوزير أبي عليّ على الإيقاع بمحمّد بن ياقوت والنداء في أصحابه ألّا يقيموا ببغداد.

فلمّا كان يوم الأربعاء لليلة خلت من جمادى الآخرة خرج عليّ بن يلبق في الجيش ومعه طريف السبكرى للإيقاع بمحمّد بن ياقوت وبلغ محمّد ابن ياقوت ذلك فانكشف من معسكره من ميدان الأشنان وطلبه عليّ بن يلبق فلم يقف على خبره وذلك أنّه دخل إلى بغداد واستتر بها وتفرّق رجاله وانصرف عليّ ابن يلبق من فوره إلى دار السلطان وأوقع التشدّد على القاهر ووكّل بالدار أحمد بن زيرك وأمره أن يفتّش كلّ من يدخل ويخرج من الرجال والنساء والخدم ويفتّش كلّ ما يدخل إلى القاهر ففعل أحمد بن زيرك ما أمره به حتى بلغ الأمر به أن فتّش لبنا حمل إلى القاهر وأدخل يده فيه لئلّا يكون فيه رقعة.

ونقل عليّ بن يلبق المحبوسين في دار السلطان إلى داره من والدة المقتدر وغيرها ومنع القاهر أرزاق حشمه وأكثر ما كان يقام له، وطالب عليّ بن يلبق القاهر أن يسلّم إليه ما بقي عنده من الفرش وأمتعة والدة المقتدر وابن الخال، فسلّم ذلك إليه وبيع وحصّل ثمنه في بيت المال وأطلق للجند.

وباع أبو عليّ ابن مقلة من الضياع وأملاك السلطان لتمام الصلة للبيعة بألفي ألف وأربعمائة ألف دينار مع ما باعه الكلوذانى أيّام خلافته إيّاه قبل قدومه من شيراز.

ومكثت والدة المقتدر عند والدة عليّ بن يلبق مكرّمة مرفّهة مدّة عشرة أيّام وماتت لستّ خلون من جمادى الآخرة لزيادة العلّة عليها ولما جرى عليها من مكاره القاهر فحملت إلى تربتها بالرصافة ودفنت فيها.

وفيها همّ عليّ بن يلبق والحسن بن هارون كاتبه بلعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر فاضطربت العامّة من ذلك وتقدّم عليّ بن يلبق بالقبض على البربهارى رئيس الحنبليّة فنذر به وهرب وقبض على جماعة من كبار أصحابه وجعلوا في زورق مطبق وأحدروا إلى البصرة.

تدبير ابن مقلة وحيلة القاهر

وفيها نفذت حيلة القاهر على مونس المظفّر وانعكس ما دبّره الوزير أبو عليّ ابن مقلة من القبض على القاهر حتى قبض على مونس ويلبق وابنه وهرب أبو عليّ بن مقلة والحسن بن هارون.

ذكر انعكاس هذا التدبير

لمّا ضيّق عليّ بن يلبق على القاهر وعومل بما ذكرناه أخذ القاهر في الحيلة على مونس وأصحابه وبلغه فساد نيّة طريف السبكرى وبشرى ليلبق وابنه ومنافستهما إيّاهما على مراتبهما الجليلة ثم علم أنّ مونسا ويلبق أكثر اعتمادهما إنّما هو على الساجيّة وكانا وعداهم بالموصل إذا دخلا بغداد أن يجعلاهم برسم الحجريّة وأنهما ما وفيا لهم بذلك وأنّ نيّاتهم متغيّرة لهما. فراسل القاهر الساجيّة وهزّ بهم على مونس ويلبق وضمن لهما أن ينقلهم إلى رسم الحجريّة - وكان الساجيّة يقبضون في كلّ ستين يوما برسم المماليك، والحجريّة يقبضون في كلّ خمسين يوما - وأن يلحقهم في النزل والعلوفة بالحجريّة.

وكان بين اختيار القهرمانة وبين أبي جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله معرفة قديمة وبينها وبين والدته مخالطة، فأشارت على القاهر بمكاتبته أن يعده بوزارته ليعاونه على التدبير على مونس وأصحابه وأشارت على محمّد بن القاسم بأن يكاتب القاهر ويصدقه عن تدبير أبي عليّ ابن مقلة وابن يلبق عليه. وكانت اختيار هذه تخرج من دار السلطان إلى دار القاهر القديمة التي في دار ابن طاهر وتظهر أنّ خروجها في حوائج حرم القاهر وولده، فإذا كان بالليل صارت إلى محمّد بن القاسم ولقيته.

وبلغ أبا عليّ ابن مقلة أنّ القاهر قد جدّ في التدبير عليه وعلى مونس ويلبق وابنه والحسن بن هارون وحملهم على الجدّ والمبادرة إلى خلعه من الخلافة واتّفق رأيهم على تقليدها أبا أحمد ابن المكتفي بالله وواقفوا شاذمروز حماة إبراهيم بن خفيف صاحب ديوان النفقات وكانت متحققة بأبي أحمد على ما دبّروه وعقدوا الأمر سرّا لأبي أحمد ابن المكتفي بالله وحلف له يلبق وابنه وأبو عليّ ابن مقلة والحسن بن هارون ثم كشفوا ما فعلوه لمونس فقال لهم مونس:

« لست أشكّ في شرّ القاهر وقد أسرفتم في الاستهانة وبه وأخطأتم في تقليده الأمر فلا تعجلوا الآن وترفّقوا حتى تؤنسوه ويأنس وينبسط إليكم ثم حينئذ تقبضون عليه. » فقال عليّ بن يلبق والحسن بن هارون:

« الحجبة إلينا والدار في أيدينا وما نحتاج أن نستعين بأحد في القبض عليه لأنّه بمنزلة طائر في قفص. » وعملوا على معاجلته.

فاتّفق أن ركب يلبق إلى الميدان فصدمه خادم له فسقط واعتلّ ولزم منزله وتمكّن عليّ بن يلبق من متابعة ابن مقلة وحسنوا الأمر عند مونس وهوّنوه عليه وعلى يلبق حتى أذنا فيه. فلمّا كان يوم السبت سلخ رجب انصرف أبو عليّ ابن مقلة من دار السلطان واجتمع إليه كتّابه وأخوه ومن جرى عادته بمواكلته وفيهم أبو بكر ابن قرابة فلمّا فرغ من طعامه التفت إلى أبي بكر ابن قرابة فقال له:

« قد وافى صديقك القرمطي إلى الكوفة في ثلاثة آلاف راحلة ومعه صاحبه فلان ودخل الكوفة ونادى بأنّه قد آمن الرعيّة سوى أصحاب المعروف بمحمّد المتلقّب بالقاهر. » فقال ابن قرابة:

« أيّها الوزير هذا باطل لأنّ ابن بسر الكوفي جارى واليوم كان عندي وقد وقعت عليه أطيار بأخبار السلامة. » فقال أبو عليّ: « سبحان الله أنت وابن بسر أعرف من صاحب المعونة بالكوفة وقد سقط من عنده طائر على أبي الحسن ابن يلبق وقد جاءني سعيد بن حمدان ومعه رجل من الأعراب قد قتل نفسه وقطع عدّة من الأفراس فخبر عن معاينة ومشاهدة. » وكان ابن مقلة قد واطأ سعيد بن حمدان على ذلك.

ثم دعا بالدواة وثلث قرطاس وكتب بخطّه إلى القاهر رقعة يقول فيها:

« إنّ القرمطي الهجري المعروف بأبي طاهر قد وافى الكوفة في ثلاثة آلاف راحلة فنزلها وسقط عليّ من عامل الخراج وعلى عليّ بن يلبق من عامل المعونة طائران بكتابين بتاريخ يومنا هذا بنزوله ونزول أصحابه بها وأنّى أنا ويلبق سترنا ذلك عن القوّاد والجند وخواصّ الدولة لئلّا يذيع الخبر وتضعف قلوب الأولياء وقد اتفقت مع مونس على إخراج عليّ بن يلبق مع أكثر قوّاده وقوّاد أبيه إلى نواحي الكوفة ليدفع القرمطي عن الرحيل منها إلى بغداد وهو يخرج في سحر غد مارّا إلى صرصر من حيث لا يضرب بباب بغداد مضربا حتى يلحق به الرجال. وقد وجّه النقباء في عشية يومنا وقد واقفت عليّ بن يلبق على الرواح إلى دار مولانا أمير المؤمنين ليصل إليه ويودّعه وعملت على التأخّر لئلّا يشيع الخبر بحضوري في غير وقت حضور مثلي الدار ويفسد التدبير في خروج عليّ بن يلبق بكرة غد، وأنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ليقف عليه ويسكن إلى ما دبّرته وينعم بإيصال عليّ بن يلبق إذا حضر العشيّة إن شاء الله. » وأنفذ الرقعة ونام.

فكتب القاهر في جوابها:

« وإنّه استصوب فعله وبأنّه يوصل ابن يلبق إذا حضر. » ولمّا انتبه ابن مقلة من النوم لم ينتظر ورود جواب رقعته إلى القاهر وأعاد إليه رقعة ثانية بمثل ما كتب به. فلمّا وصلت الثانية إلى القاهر ولم تكن الحال تقتضيها لنفوذ جوابه عن الأولى استراب وخاف أن تكون حيلة عليه.

ثم نمّ إليه الخبر من جهة طريف السبكرى بما عمل عليه عليّ بن يلبق من القبض عليه إذا أوصله إليه فأخذ القاهر حذره وراسل الساجيّة بالحضور وعرّفهم أنّ عليّ بن يلبق يحضر لحيلة يوقعها، فحضروا متفرّقين.

فلمّا كان بعد العصر حضر عليّ بن يلبق وفي رأسه نبيذ ومعه عدد يسير من غلمانه بسلاح خفيف في طيّاره، وأنفذ جماعة من غلمانه بسلاح إلى دار السلطان وصعد من طيّاره في الروشن وراسل القاهر يسأله إيصاله إليه فدافعه القاهر إلى أن حضر الساجيّة كلّهم بالسلاح فبرزوا إليه وشتموه وعملوا على القبض عليه وحامى عنه غلمانه وحاجبه ابن خندقوقى وحالوا بينه وبينهم ونادى بهم وطرح نفسه من الروشن إلى الطيّار وعبر واستتر من ليلته.

وبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر من ليلته واستتر الحسن بن هارون وأبو بكر ابن قرابة وانحدر يلبق إلى دار السلطان وانحدر بانحداره جميع من حضر دار مونس من القوّاد وقدّر يلبق أنّه يمسح القاهر ويعتذر لابنه فلمّا حصل في الدار قبض عليه وحبس وقبض على أحمد بن زيرك وعلى يمن الأعور صاحب الشرطة وحصل الجيش كلّه في دار السلطان.

فراسل حينئذ القاهر مونسا وسأله الانحدار إليه ليشاوره فيما يعمل وقال له:

« أنت عندي كالوالد وما أحبّ أن أعمل شيئا ولا أمضى عزما إلّا عن رأيك. » فاعتذر مونس بثقل الحركة عليه وألحّ القاهر في طلبه وسأله الحمل على نفسه فاستقبح له طريف السبكرى التأخّر وحمله على الانحدار. فلمّا حصل في الدار قبض عليه وحبس.

فكانت وزارة عليّ ابن مقلة للقاهر تسعة أشهر وثلاثة أيّام.

وزارة أبي جعفر محمد بن القاسم

ووجّه القاهر إلى أبي جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله فاستحضره يوم الأحد مستهلّ شعبان فلقّبه وقلّده وزارته ودواوينه وخلع عليه من غد وهو يوم الاثنين خلع الوزارة، ووجّه القاهر من يومه بمن استقدم عيسى المتطبب من الموصل وطرحت النار في دار أبي عليّ ابن مقلة بباب البستان وأحرقت ووقع النهب ببغداد.

وظهر محمّد بن ياقوت وصار إلى دار السلطان وخدم في الحجبة يومه ذاك ثم وقف على كراهية طريف السبكرى والساجيّة والحجريّة فاحتال إلى أن تمّ له الهرب واستتر وانحدر إلى أبيه وهو بفارس فلم يتجاوز كورة أرّجان ولا لقي أباه.

وكان جلس في الماء بزيّ أصحاب المحابر وركب البحر ووافى مهروبان وجاء ليلا إلى أرّجان فنزل على أبي العبّاس ابن دينار وحمل إليه أبوه مالا وكسوة ودوابّ وكانت له على فارس تسبيبات فاستوفاها ولحق به رجاله، وكاتبه القاهر بما يسكّته منه وأعلمه أنّه عجّل على نفسه واستوحش وقلّده المعاون بكور الأهواز فأقام بارجان حتى اعتلّ وكان يفسد مزاجه ثم انتقل إلى رامهرمز.

وكان القاهر قد كاتب مرداويج بالإفراج عن إصبهان ليقلّده الريّ والجبل ويصير في جملة الأولياء ويزول عنه العصيان فأتمر له، وكاتب وشمكير بالانصراف عن إصبهان فانصرف وبقيت شاغرة سبعة عشر يوما خالية من مدبّر. وكاتب القاهر محمّد ابن ياقوت بتقليده إصبهان وأمره أن يسير إليها وكان ذلك بعقب هزيمة المظفّر بن ياقوت وبعد انصراف عليّ بن بويه من إصبهان. فأخذ محمّد بن ياقوت في التأهّب فبقى هو كذلك إذ ورد عليه الخبر بخلع القاهر فانتكث أمره.

ولمّا استتر عليّ بن يلبق وهرب محمّد بن ياقوت استحجب القاهر سلامة الطولونى وطلب المستترين وقلّد أبا العبّاس أحمد بن خاقان الشرطة ببغداد وطلب أبا أحمد ابن المكتفي فوجده مستترا في دار عبد الله بن الفتح فقبض عليه وتقدّم القاهر بأن يقام في فتح باب ويسدّ عليه بالجصّ والآجرّ وهو حيّ، ففعل، وأمر بنهب دور بنى مقلة ودار الحسن بن هارون ودار أبي بكر ابن قرابة.

ووجد عليّ بن يلبق مستترا بقرب باب المقبرة وكبس وأخذ من تنور كان دخله لمّا أحسّ بالكابس وأطبق على نفسه بغطاء التنور وقد كان خفى أمره وخرج من كان يفتّش عنه حين لم يجده. فاتّفق أن تأخّر بعض الرجال لطلب شيء يأخذه من الدار فانتهى إلى التنور وطلب فيه خبزا يابسا، فلمّا كشفه وجد عليّ بن يلبق فصاح حتى رجع القوم وأخذوه وحملوه إلى دار السلطان وضرب بحضرة القاهر ضربا مبرحا فأقرّ بعشرة آلاف دينار فوجدت وصحّحت في بيت المال ثم أعيد الضرب عليه فلم يوجد له غيرها وحبس.

وكان الحسين بن عبيد الله مستترا فراسله أخوه الوزير محمّد ابن القاسم بن عبيد الله وسأله أن يظهر ويعينه حتى يقلّده ديوان السواد وديوان الجيش وديوان النفقات ويستخلف له الكلوذانى وإبراهيم بن خفيف وعثمان بن سعيد وحلف له بحضرة السفير الذي كان بينهما بالله العظيم وبسائر أيمان البيعة بعتق مماليكه وبطلاق نسائه على صحّة ضميره له وبأنّ باطنه له مثل ظاهره فيما بذله له، وكتب له بذلك رقعة بخطّة أشهد فيها الله على نفسه وتسلّم ذلك السفير وحمله إلى الحسين فأعاد عليه ما جرى ولم يزل محمّد يتوقّع أخاه إلى آخر النهار.

فحكى ابن أخيه القاسم بن الحسين أنّ عمّه الوزير أبا جعفر صار في الليلة إلى الحسين أخيه وليس معه غلام فخاطبه في الظهور وسأله معاونته بنفسه وأعاد عليه تلك الأيمان حتى وعده بالرواح إليه وعرّف الحسين أصحابه فاجتمعوا بالعشيّ له وركبوا بركوبه وصار إلى أخيه وكان الوزير أخوه قد أعدّ له زورقا مطبقا. فلمّا حصل عنده أمر بتحصيله في الزورق.

فوقفت والدته على خبره فجاءت حتى وقفت له على شاطئ دجلة في الموضع الذي ينزل منه إلى طيّارة وهناك خلق من الناس، فاستغاثت إليه وكشفت شعرها بين يديه وأظهرت ثديها وحلّفته بكلّ حقّ لها عليه أن يطلق ابنها، فلم يلتفت إليها ولا يفكر فيها وجلس في طيّاره وانحدر إلى دار السلطان فلم يبق أحد ممّن حضر إلّا استقبح فعله ودعا عليه وذهب.

فحكى للقاهر أنّه إنّما طلب أخاه الحسين ونفاه إلى الرقّة لما كان يعتقد من مذهب ابن أبي العزاقر وأنّه خاف منه على الدولة. فوكّل القاهر بدور بنى بسطام لما كان يذكر عنهما في اعتقادهما لدين ابن أبي العزاقر.

ذكر مقتل مونس ويلبق وعلي ابنه

اضطرب رجال مونس ويلبق وشغبوا وشغب معهم سائر الجيش وخرجوا إلى الصحراء ثم قصدوا دار الوزير أبي جعفر محمّد بن القاسم وأحرقوا روشنه ونادوا بذكر مونس فكان ذلك سبب القتل لمونس. ودخل القاهر إلى الموضع الذي كان فيه مونس ويلبق وابنه معتقلين فذبح عليّ بن يلبق بحضرته ووجّه برأسه إلى أبيه.

فلمّا رءاه جزع وبكى بكاء عظيما ثم ذبح يلبق ووجّه برأسه ورأس أبيه إلى مونس. فلمّا رءاهما لعن قاتلهما فأمر به فجرّ برجله إلى البالوعة وذبح كما يذبح الشاة والقاهر يراه وأخرجت الرؤوس الثلاثة في ثلاث طسّات إلى الميدان حتى شاهدها الناس وطيف برأس عليّ بن يلبق في جانبي بغداد ثم ردّ إلى دار السلطان وجعل مع سائر الرؤوس في خزانة الرؤوس على الرسم.

قال ثابت: فحدّثنا سلامة الطولونى الحاجب أنّه لمّا أخرج إليه رأس مونس ليصلحه فرّغ الدماغ منه ووزنه فكان ستّة أرطال وسمعت أنا ذلك من الجفني وكان حاضره.

وممّا جرى في ذلك أنّه كبس جماعة من الفرسان والرجّالة أبا بكر ابن نباته العدل الدقاق في درب الريحان وأظهروا أنّ السلطان وجّه بهم لطلب الحسن بن هارون وأخذوا من منزله ثلاثين ألف دينار وطرحوا منديلا على رأس واحد منهم وأخرجوه وأظهروا أنّه الحسن بن هارون. فركب أحمد بن خاقان في طلب القوم فظفر بواحد منهم وقرّره فأقرّ على جماعة ظفر ببعضهم ووجد اليسير من المال وقتل من وجد من هؤلاء الكبّاسين.

القاهر يأمر بتحريم القيان والخمر

وفيها خرج أمر القاهر بتحريم القيان والخمر وسائر الأنبذة وقبض على من عرف بالغناء من الرجال والمخانيث والجواري المغنّيات فنفى بعضهم إلى البصرة وبعضهم إلى الكوفة وبيع الجواري على أنهنّ سواذج. وكان القاهر مع ذلك مولعا بشرب الخمر ولا يكاد يصحو من السكر ويسمع الغناء ويختار من جواري القيان من يريد.

وسعى بأبي عبد الله ابن مقلة فوجد وقبض عليه ووجد عنده خطوط أخيه أبي على في رقاع، فحمل إلى دار الوزير أبي جعفر فسأله عمّن كان يوصل إليه الرقاع فذكر أنّ أبا عبد الله محمّد بن عبدوس الجهشيارى كان ينفذها إليه فقبض عليه وعلى أخيه وسئلا عمّا يعرفان من خبر أبي عليّ بن مقلة، فحلفا أنّهما لا يعرفان له خبرا منذ استتر وعرّف القاهر أنّهما من قوّاد السلطان وسهّل أمرهما فأطلقا ولم يستترا وكانا يركبان في أيّام المواكب إلى دار السلطان.

وقبض الوزير أبو جعفر على أبي جعفر محمّد بن شيرزاد واحتجّ عليه بأنّه قد تقلّد أعمالا جليلة وابتاع من المبيع ضياعا كثيرة وأنّ ارتفاعه قد بلغ ألف ألف درهم في السنة، فتوسّط بينه وبينه إسحاق بن إسماعيل وأخذ خطّه بعشرين ألف دينار وأطلق إلى منزله من يومه.

ذكر السبب في تقليد أبي العباس الخصيبي الوزارة

كان بنو البريدي بعد استتار ابن مقلة والجماعة استتروا فقلّد الوزير مكانهم على أعمالهم أبا جعفر محمّد بن القاسم الكرخي فتوسّط إسحاق بن إسماعيل أمرهم فأخذ لهم أمانا من الوزير حتى ظهروا. ثم أشار إسحاق على الوزير أبي جعفر بأن يخاطب القاهر في أمر بنى البريدي ويعرّفه أنّ الوجه ردّهم إلى ضمانهم بالبصرة والأهواز، فقبل الوزير مشورته وخاطب الخليفة وعرّفه أنّه ذامّ لمحمّد بن القاسم الكرخي لتقصيره في أمر استخراج الأموال وحملها وأنّ البريديّين أقوم بذلك، وأطمعه في أن يزداد عليهم في مقدار مال الضمان فوعده القاهر وقال:

« حتى أنظر في ذلك. » واستدعى القاهر عيسى المتطبّب وأعاد عليه ما جرى، وكان عيسى كارها للوزير محمّد بن القاسم لأنّه لم يكن له مدخل في تقليده الوزارة لغيبته بالموصل فطعن على هذا الرأي وعلى الوزير أبي جعفر وأشار بتقليد الخصيبي الوزارة. فأمر القاهر بلقاء الخصيبي ومسألته عمّا عنده في أمر البريديين وغيرهم، فصار إليه وتقرر الأمر معه وضمن استخراج أموال جليلة.

وكتب إلى القاهر على يد عيسى أنّه متى ظهر أنّه تقلّد الوزارة استتر من عنده الأموال التي وعد باستخراجها وأنّ الوجه أن يتقدّم إلى الوزير بالقبض على جماعة سمّاهم على مهل، فإذا قبض عليهم وجّه القاهر فحملهم إلى داره وانتزعهم من يد الوزير فتركهم معتقلين أيّاما ثم قبض على الوزير محمّد بن القاسم. ففعل القاهر ذلك وتقدّم إلى سابور الخادم بالمصير إلى دار الوزير والقبض على بنى البريدي وإسحاق بن إسماعيل. فوجّه سابور بثقة له إلى دار الوزير لينظر هل يجد فيها بنى البريدي وإسحاق بن إسماعيل فيرجع إليه بالخبر. وكان بنو البريدي قد نصبوا أصحاب أخبار على سابور وسلامة وأصحاب القاهر فبلغهم ما تقدّم به سابور إلى الرجل الذي وجّه به يتعرّف أخبارهم فاستتروا.

وكان سابور قد قال لثقاته:

« إنّ الخليفة أمرنى بتفتيش دار إسحاق لأنّه قد بلغه أنّ جواريه قد سترن جماعة من جواري القيان. » وأمرهم أن يستعدّوا للركوب معه فبلغ الخبر إسحاق من وقته ولم يقع له أنّ ذلك لمكروه يراد به فقال لجواريه:

« إن صار إليكم سابور بطلب المغنّيات فلا تمنعوه ودعوه يفتّش. » وانحدر هو إلى دار الوزير وصار سابور إلى دار الوزير أبي جعفر فوجد إسحاق بحضرته فقبض عليه وحمله إلى دار السجّان.

ووجّه القاهر بمن كبس دور البريديين فلم يوجدوا وكبست دور إسحاق في النوبختيّة وعلى شاطئ دجلة وتهارب حرمه وولده وسلموا وقبض على أحمد بن عليّ الكوفي كاتبه.

واستحضر القاهر عليّ بن عيسى وعرّفه أنه ليس لوزيره نظر في أعمال واسط وسقى الفرات وكانت في ضمان إسحاق وقلّده هذه الأعمال واعتمد في تدبير المعاون فيها عليه ووقّع له بخطّه فتقلّده عليّ بن عيسى.

وورد الخبر بموت أبي عليّ أحمد بن محمّد بن رستم بإصبهان وأنّ المظفّر بن ياقوت مدّ يده إلى ماله ودوابّه فحازها لنفسه. وكان المظفّر إليه أعمال المعاون بإصبهان فتنكّر القاهر له ولأبيه ولأخيه.

وسعى بأبي يوسف البريدي فكبس عليه وأخذ وحمل إلى دار الوزير محمّد بن القاسم فأجمل عشرته وكتب القاهر إلى الوزير بأن يقرّر معه مصادرته ومصادرة أخويه فأحضره الوزير وخاطبه وسامه أن يقرّر الأمر معه في مصادرتهم فقال له أبو يوسف:

« إذا وثقنا بأنّ الأمر لك وأنّك مقرّ على الوزارة فقرّرنا الأمر معك فأمّا ونحن نتحقق أنّ الوزارة لغيرك فلا يجوز فصل الأمر معك. » فلمّا كان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة انكسف القمر وقبض القاهر على الوزير محمّد بن القاسم وأنفذ إليه سابور الخادم فأخذه وأخذ من وجد في داره وفيهم أبو يوسف البريدي وغيره فنقلهم إلى دار السلطان.

فكانت مدّة وزارة أبي جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان للقاهر ثلاثة أشهر واثنى عشر يوما.

إحضار للوزارة أو للحبس

ووجّه القاهر إلى إسحاق بن عليّ القنّاى وأحضره وأحضر معه عبد الوهّاب بن عبد الله الخاقاني على أن يقلّد أحدهما الوزارة والآخر الدواوين. فلمّا حضرا قبّل القوّاد أيديهما وجلس بين أيديهما سلامة الحاجب فلم يلبث أن خرجت رسالة القاهر بالقبض عليهما وإدخالهما الحبوس الغامضة. ثم وجّه القاهر إلى سليمان بن الحسن واستحضره للوزارة وحضر في طيّاره وتلقّاه القوّاد والناس وقبّلوا يده وجلس الأستاذون بين يديه في دار السلطان ووجّه القاهر من قبض عليه وأدخله الحبوس الغامضة ووجّه إلى الفضل بن جعفر للوزارة وقد ظهر ما عمله بالخاقانى وبسليمان فاستتر الفضل ولم يتقرّر الوزارة لأحد في ذلك اليوم.

وزارة الخصيبي

فلمّا كان من الغد تقدّم القاهر إلى عيسى المتطبّب أن يحضر الخصيبي يوم الخميس ويأمره بالتأهّب للوزارة وأن يحضر بسواد وسيف ومنطقة فراسله عيسى بذلك فحضر كما رسم له وخلع عليه خلع الوزارة وركب فيها إلى داره ولقيه الناس فهنّئوه ونظر في الدواوين وقلّدها من استصلحه ونصب ديوانا للمبيع وأحضر الناس وناظرهم وألزمهم لفضل ما بين المعاملتين خمسين ألف دينار وكتب لهم شروطا ووقّع لهم فيها بالإمضاء وصادر الناس وقبض على خلق.

وتوسّط عيسى وسلامة الحاجب أمر البريديين بعد مكاره عظيمة لحقت أبا يوسف على اثنى عشر ألف ألف درهم وكتبت الأمانات لأحمد وعليّ ابني البريدي بخطّ الخليفة والوزير وأشهدا القضاة والعدول فيها على أنفسهما فظهرا.

فحكى أبو زكريا السوسي وأبو سعيد ابن قديدة أنّ أبا عبد الله البريدي حضر عند أبي العبّاس الخصيبي بطيلسان وعمامة وخفّ وهما معه فاستخلاه المجلس فأخلاه له فعاتبه عتابا طويلا وذكّره بحقوق كثيرة وضروب من الخدمة خدمه بها في أوقات مختلفة عند نكبات كانت للخصيبي وقال له في آخر كلامه:

« إنّما أعددتك بجميع هذا للدنيا لا للآخرة وأنت معذور في أمر المال لأنّك تزعم أنّه بأمر الخليفة وطاعته واجبه وفي ضربك أبا يوسف لأنّه تماتن عليك لم ذكرت أمّ أبي يوسف وهي أمي ولم استحسنت قذفها أما استحققت عليك بجميع حقوقي هذه أن تصونها عن الذكر بالقبيح لأجلى؟ » فخجل الخصيبي وقال:

« صدقت، كان يجب أن أفعل ذلك ولكن لم أضبط نفسي عند الغيظ وأنا معتذر إليك ودع ما مضى. الخليفة مقيم على أنّه لا بدّ من ألف ألف دينار وقد وصفتك لأمير المؤمنين وقلت: أبو يوسف حرج الصدر وأبو عبد الله أخوه رحب الصدر ولا يخالف أمير المؤمنين ولو لا ذلك لنقل أبا يوسف إليه ولما أمنت عليه فأحبّ أن تكفيني أمركما فحسبي حيائى ممّا مضى واكتب خطّك بزيادة ألفي ألف درهم. » فقال أبو عبد الله:

« لقد أغنيتنى أيّها الوزير وما قصّرت وأحسنت العذر والتلافي. » فقال له:

« بحياتى لمّا كتبت. »

فقال: « أكتب وأنا آمن أيّها الوزير ممّا أقول والله ما أملك ولا إخوانى هذا المال فإن عطف الله بقلب الخليفة وقلبك علينا تصرّفنا وأدّينا وإن حرمنا ذلك استدفعنا القتل إلى مدّة فإنّ الله قد أجرى عادتنا بالكفاية ونحن نرجو تفضّله. » فقال الخصيبي ولم يكن في المجلس إلّا أبو زكريا وابن قديدة مستخرج الخصيبي:

« يا أبا عبد الله وقد قسمت ووفيت الرأي [ حقّه ] » وضحك وأخذ خطّه بألفي ألف درهم زيادة وانصرف. وكان أبو عبد الله البريدي قد تحقق بأبي بكر محمّد بن رائق وتناهى أبو بكر في إكرامه وواقفه أبو بكر على أن يتنجّز تسبيباته وتسبيبات رجاله على الأهواز ويخرج إليها ويتغلّب عليها. وشخص هو عن البصرة لئلّا يتمّ هذا الرأي بمقامه عنده فينسب إليه فلمّا وافى واسطا وجد بها أبا الحسن عليّ بن عيسى وقد عمر واسطا فعقدها عليه القاهر - لأنّه كان من قبله لا من قبل الوزير - بثلاثة عشر ألف ألف درهم. وأشهد على أبي عبد الله البريدي بالضمان واستخلف أبو عبد الله أبا الحسن محمّد بن حمد بن حمدون الواسطي وأقام مدّة خمسين يوما بالنعمانيّة ينظر في أعمال الموفقى ثم مضى إلى بغداد وركب يوما هو وأخوه إلى سوق الثلاثاء ينتظرون خروج الخصيبي فراسله عيسى المتطبّب بأنّ القاهر قد عزم على القبض عليهم فانحطّوا عن دوابّهم وغيّروا زيّهم واستتروا فما ظهروا حتى خلع القاهر من الخلافة وتقلّدها الراضي بالله.

ظهور علي بن بويه

وفي يوم الاثنين لأربع خلون من ذي الحجّة من هذه السنة ورد كتاب عليّ بن خلف بن طناب إلى الخصيبي يذكر فيه مصير رجل من وجوه قوّاد الديلم الذين كانوا مع مرداويج إلى نواحي أرّجان يقال له عليّ بن بويه وأنّ هذا الرجل كان ضامنا لنواحى ماه البصرة فانكسر عليه مال لمرداويج ففزع منه وعصى عليه وصار في أربعمائة من الديلم إلى أرّجان وتغلّب عليها.

ذكر السبب في ظهور علي بن بويه والاتفاقات التي اتفقت له حتى ملك ما ملك

كان أبو الحسن علي بن بويه وأخوه أبو عليّ الحسن بن بويه من قوّاد ما كان بن كاكى ولم يزل الحال بين ما كان وبين مرداويج جميلا منذ اتفقا على قصد أسفار بن شيرويه وانصرافه عن قلعة سميران بالطرم وكانا يتهاديان ويتلاطفان إلى أن قتل مرداويج أسفار كما كتبنا أخبارهما فيما تقدّم وملك نواحي الريّ والجبل واستعلى أمره وقوى بالمال والرجال.

وقصد ما كان نواحي آمل وطبرستان فملكها وامتدّ إلى نيسابور عند انصراف نصر بن أحمد صاحب خراسان عنها واشتغاله بأخويه الخارجين عليه. فلمّا فرغ من استصلاح خراسان عاد إلى نيسابور وراسل ما كان يسأله أن يعود إلى مكانه وأن يفرج عن نيسابور ويلطف له ويستبقى الحال بينهما.

ففعل ما كان ذلك وعاد إلى جرجان وطبرستان.

وابتدأت الحال تنقدح بينه وبين مرداويج على طريق التحاسد والتباغي فاستدعى مرداويج خلفاءه بالجبل وإصبهان وسائر نواحيه وجميع جيوشه وسار إلى ما كان فثبت له ما كان واستظهر عليه مرداويج وهزمه وملك طبرستان ورتب فيها بلقسم بن بلحسن وكان اسفهسلاره ومدبّر جيشه وكان رجلا نجدا جيّد الرأي في الحرب. ثم مضى إلى جرجان وكان فيها من قبل ما كان شير زيل بن سلّار وبأعلي بن تركي، فهربا جميعا وملكها مرداويج ورتّب فيها سرخاب بن بلوس على خلافة بلقسم بن بلحسن لأنّ سرخاب خال ولد بلقسم. فجمع بلقسم جرجان وطبرستان وعاد إلى إصبهان ظافرا غانما. ثم قصد ما كان أبا الفضل الثائر مستنجدا له فأكرمه وعظّمه، ثم سار معه بنفسه إلى طبرستان وبها بلقسم بن بانجين وكان مستعدّا لهما فبرز إليهما وتحاربوا فانهزم الثائر وما كان جميعا.

فأمّا الثائر فعاد إلى بلده بالديلم وأمّا ما كان فامتدّ على طريق الساحل مفلولا ضعيفا حتى ورد جرجان ثم منها إلى نيسابور قاصدا بها أبا عليّ أحمد بن محمّد بن محتاج صاحب جيش خراسان فدخل في طاعته واستنجده. وأقام بلقسم بن بالحسن بجرجان إلى أن بلغه مسير أبي على أحمد بن محمّد بن محتاج إليه مع ما كان فكتب إلى مرداويج يستمدّه فأمدّه بأكثر عسكره ووجوه أصحابه وبالغ في تقويته. ووافى ابن محتاج وما كان فبرز إليهما وواقعهما فظهر عليهما وهزمهما فانصرفا إلى نيسابور.

ثم كرّ ما كان كرّة أخرى على نواحي الدامغان طامعا في أن يستولى عليها وكان فيها من قبل مرداويج الجيش بن اوميذوار فسار إليه بلقسم بن بانجين حتى اجتمعا على دفع ما كان، فانهزم ثانيا ويئس من هذه الأعمال فأنفذه صاحب خراسان إلى كرمان وقلّده إيّاها وكان بها أبو عليّ محمّد بن الياس بن اليسع وواقعه وهزم أبا عليّ وملك كرمان على طاعة صاحب خراسان.

فأمّا أبو الحسن عليّ بن بويه وأخوه أبو عليّ الحسن فإنّهما عند هزيمة ما كان الأولى وضعفه انحازا إلى مرداويج بعد أن استأذناه وقالا:

« إنّ الأصلح لك مفارقتنا إيّاك لتخففّ عنك مؤونتنا ويقع كلّنا على غيرك فإذا تمكنت عاودناك. » فأذن لهما واقتدى بعليّ بن بويه جماعة من القوّاد لما صار عليّ بن بويه وأخوه أبو عليّ إلى مرداويج فقبلهما وأكرمهما وخلع عليهما وقلّد كلّ واحد من قوّاد ما كان ناحية من نواحي الجبل. أمّا عليّ بن بويه فإنّه تقلّد الكرج، وأمّا اللشكري بن مردى فإنّه ردّه إلى عمله وكان متقلّدا... وأمّا سليمان بن سركلة فإنّه قلّده همذان وكذلك سائر القوّاد.

ذكر سبب تم به لعلي بن بويه ولايته وصرف الباقون بأجمعهم قبل وصولهم إلى أعمالهم

كان السبب في ارتفاع عليّ بن بويه وبلوغه ما بلغ سماحة كثيرة كانت في طبعه وسعة صدره. واقترن بهذا الخلق الشريف خلق آخر أشرف منه وهي شجاعة تامّة كانت له واتّصل بجميع ذلك اتفاقات محمودة ومولد سعيد. فمن ذلك أنّه لمّا قلّد الكرج وقلّد الجماعة المستأمنة معه النواحي التي ذكرناها وكتبت لهم العهود ووردوا الريّ وبها وشمكير وأبو عبد الله الحسين بن محمّد الملقّب بالعميد - وهو والد أبي الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة - وكان ناظرا في الأمور بالريّ فعرضت عليه بغلة حسنة كانت لعليّ بن بويه أراد بيعها والاستعانة بثمنها وكان ثمنها ثلاثة آلاف درهم قيمتها مائتا دينار، فاشتراها وحمل المال إليه فظهر لعليّ بن بويه أنها تشترى لأبي عبد الله العميد فقادها إليه وحلف ألّا يأخذ ثمنها، ثم تابع ذلك بملاطفات كثيرة إلى أن غمره بالبرّ ثم أوجب الرأي عند مرداويج أن يتعقّب ما أمر به من تولية أولئك القوّاد.

وكتب إلى أخيه وشمكير وإلى أبي عبد الله العميد بمنعهم من الخروج من الريّ وإن كان بعضهم خرج منع من بقي. وكانت الكتب تصدر أوّلا إلى العميد فيقف عليها ثم تعرض على وشمكير جملها. فحين وقف على الكتاب تقدّم إلى عليّ بن بويه سرّا أن يبادر إلى عمله، فسار من وقته وساعته وطوى المنازل. وأصبح العميد من الغد فأظهر الكتب فلمّا عرضها على وشمكير كان قد صار عليّ بن بويه على مسافة بعيدة فمنع من لم يكن خرج من أولئك القوّاد. وفاز عليّ بن بويه بالولاية التي كانت سبب ملكه وتمكّنه وليس يعرف لجميع ذلك بعد قضاء الله عز وجل سبب إلّا سخاءه وسعة صدره.

فلمّا وصل إلى الكرج ابتدأ بالإحسان إلى الرجال وملاطفة عامل البلد فكان العامل يكتب بشكره وضبطه الناحية وحمايته واتّفق أن افتتح قلاعا كانت في أيدى الخرّميّة في تلك الأطراف ووقع بين أربابها خلاف فانحاز بعضهم إليه وأظهره على ذخائر جليلة صرفها كلّها إلى استمالة الرجال واستعطاف القلوب. فلمّا عاد مرداويج إلى الريّ سبّب أموال جماعة من قوّاده على ناحية الكرج وفيهم إبراهيم بن سيارهى المعروف بكاسك وجماعة أكبر منهم، فاستمالهم عليّ بن بويه وأفضل عليهم حتى أوجبت الجماعة طاعته.

فاتّصل ذلك بمرداويج فأوحشه ذلك وندم على إخراج أولئك القوّاد الأكابر إليه وكاتبه بالمصير إليه وكاتب القوّاد بمثل ذلك فدافعه وتعلّل عليه ورفق به إلى أن أخذ العهود والمواثيق عليهم. وعلم استيحاش الجماعة وخوّفهم من غدر مرداويج وسطوته، فحينئذ خرج بهم عن الكرج وجمع أكثر ما قدر عليه من المال واستأمن إليه من جرباذقان شيرزاد أحد قوّاد الديلم في أربعين رجلا فقويت نفسه وعرض رجاله فكانوا ثلاثمائة رجل وكسرا، لكنّهم أعيان ونخب مستظهرين بالآلات والعدد، وتوجّه إلى إصبهان وبها أبو الفتح ابن ياقوت في نحو عشرة آلاف وأبو عليّ ابن رستم يلي الخراج، فقدّم إليهما كتبا جميلة وعرّفهما أنّه ينحاز إليهما داخلا في طاعة السلطان فدافعاه عن ذلك.

وكان أبو عليّ بن رستم أشدّ الناس كرها له وإنكارا لقدومه، واتّفق موت أبي عليّ ابن رستم، وبرز أبو الفتح ابن ياقوت حتى صار من إصبهان على ثلاثة فراسخ. وكان في أصحاب ابن ياقوت ديلم وجيل كثير مقدارهم ستمائة رجل وكانوا يسمعون فضل عليّ بن بويه وعطاءه وسعة صدره فاستأمنوا إليه، وواقعه الوقعة وانهزم ابن ياقوت لما ضعف باستئمان هؤلاء. ولما ظهر له من ثبات الديلم واضطراب أصحابه ومضى نحو فارس.

وملك عليّ بن بويه إصبهان فقوى شأنه وكبر في عيون الناس لأنّه هزم بمائتين من أصحابه ألوفا وألوفا من أصحاب السلطان. وبلغ ذلك مرداويج فأقلقه ودبّر في أمرهم تدبيرا لم يتمّ له.

ذكر حيلة مرداويج التي لم تتم له

أشفق مرداويج أن يستأمن أصحابه إلى عليّ بن بويه لما يسمعون من إقباله ولما انتشر من صيته وفيض عطائه، ولأنّ سيرة مرداويج كانت سيرة صعبة لا يسكن إليها أحد ولا يصبر عليها من له نفس أبيّة. فرأى أن يراسل عليّ بن بويه بعتاب وتأنيس ويرفق به ويستدعى جوابه. وضمن ضمانات له يرغب في مثلها. ووجّه في أثره أخاه وشمكير في عسكر عظيم كثيف قوى.

فعلم عليّ بن بويه أنّ الرسالة لا تشبه التأهّب له فنذر به فرحل عن إصبهان بعد أن جباها شهرا وتوجّه إلى أرجان وبها أبو بكر ابن ياقوت فانهزم بين يديه إلى رامهرمز من غير حرب ودخلها عليّ بن بويه واستخرج منها أموالا قوى بها.

ووردت عليه كتب أبي طالب زيد بن عليّ النوبندجانى يستدعيه ويشير عليه بالمسير إلى شيراز ويهوّن عنده أمر ياقوت وأصحابه لتهوّره في جباية الأموال وكثرة مؤونته ومؤنة جنده وثقل وطأتهم على الناس مع فشلهم وخورهم، فأشفق عليّ بن بويه أن يلقى ياقوتا مع صيته وكثرة رجاله وأمواله وحصول ابنه أبي بكر بن ياقوت من ورائه، فأبى عليّ بن أبي طالب وتمنّع عليه ولم يقبل مشورته، فشجّعه أبو طالب وأعلمه أنّه إن توقّف لم يأمن أن يتّفق بين ياقوت ومرداويج أمر يجتمعان له عليه وإنّ أعداءه كثير، ومتى اجتمعوا عليه لم يقم لهم وتمكّنوا بطول الزمان من التدبير عليه، وربّما لحق مدد السلطان فتجتمع الجيوش من كلّ وجه، والصواب لمن كان في مثل صورته أن يبادر ويعاجل من بين يديه ولا ينتظر بهم الاحتشاد وإنشاء التدابير عليه. ولم يزل يراسل عليّ بن بويه ويهوّن عليه الخطب إن بادر ويعظّمه إن توانى وتأخّر إلى أن سار نحو النوبندجان وسبقه مقدّمة ياقوت وهي في نحو ألفى رجل وفيهم وجوه أصحابه وشجعانهم مثل المعروف بكورمرد الخراساني وابن خركوش وكانا شديدين مذكورين بالبأس ومعهما أشباههما من أهل النجدة.

فوافاهم عليّ بن بويه إلى النوبندجان فلم يثبتوا وانهزموا إلى كركان وجاءهم ياقوت وأصحابه إلى هذا الموضع فنصب أبو طالب النوبندجانى وكلاءه وثقاته لخدمة عليّ بن بويه وتنحّى بنفسه إلى ضيعة له مغالطة لياقوت وراسل ياقوتا انّ الخوف الذي شمله والناس ألجأه إلى الهرب والتباعد واستشاره فيما يعمل وهو مع ذلك مجتهد في نصيحة عليّ بن بويه وإرشاده إلى صواب الرأي وإهداء الأخبار إليه ودلالته على المسالك والطرق. وأقام لمئونته وإنزاله من يزيح علّته في الجميع حتى أضافه وجميع عسكره أربعين يوما ولزمته مؤونة عظيمة يذكر أنّ مبلغها مائتا ألف دينار.

وأنفذ عليّ بن بويه أخاه أبا عليّ إلى كازرون وغيرها من أعمال فارس فاستخرج منها أموالا عظيمة وأثار ذخائر جليلة كانت للأكاسرة يتوارثها قوم هناك، فزاد استخراجه على استخراج أخيه.

وأنفذ ياقوت عسكرا ضخما إلى الحسن بن بويه فواقعهم بالنفر اليسير الذين معه فهزمهم وصار موفورا إلى أخيه عليّ بن بويه. ثم اتّفق أن تمّ عليه مواطأة ياقوت ووشمكير ومرداويج، وبلغه من ذلك ما أوجب أن يسير إلى كرمان. فتوجّه من النوبندجان إلى إصطخر ومنها إلى البيضاء وياقوت يتبعه بجميع عسكره ويقفو أثره. وانتهى بعليّ بن بويه المسير إلى قنطرة كان الطريق عليها إلى كرمان، فسبقه ياقوت إلى القنطرة وحال بينه وبين عبورها واضطرّه إلى الحرب.

ودخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة

وابتدأت الحرب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين، وأصبحوا يوم الأربعاء على أشدّ ما تكون الحرب. فاستدعى عليّ بن بويه أصحابه ليلة الخميس وأعلمهم أنّه يترجّل معهم ويقاتل كأحدهم ووعدهم ومنّاهم واستوثق منهم الأيمان في الثبات والجهاد والجدّ.

ذكر اتفاق جيد اتفق لعلي بن بويه ورديء جدا على ياقوت مع تدبير سيئ وتسرع من ياقوت غير صواب

أمّا التدبير السيّئ الذي استعمله ياقوت وتسرّع فيه فإنّه استأمن إليه من أصحاب عليّ بن بويه رجلان من وجوه الديلم فحين وقفت عينه عليهما أمر بضرب أعناقهم وتيقّن الديلم أنّه لا أمان لهم عنده، فشحذ ذلك بصائرهم وجاهدوه جهاد المستقتلين.

وأمّا الاتفاق الذي اتّفق عليه، فإنّه باكر الحرب يوم الخميس وقدّم على مصافه رجّالة كثيرة من أصحابه يحاربون بمزاريق النفط والنيران. فانقلبت الريح واشتدّت للوقت فاحترق شيء من مصافّ ياقوت وأكبّ الديلم على أولئك الرجّالة فقتلوهم وانهزم الفرسان وزحف الديلم على تعبيتهم.

ذكر تدبير دبره ياقوت في حال الهزيمة فلم ينفذ له واحترز منها علي بن بويه فظفر

لمّا أشرف الديلم على سواد ياقوت عند هزيمته وهزيمة أصحابه طلب نشزا من الأرض عاليا في طريقه، فصعد إليها وركّز عليها رايته، فاجتمع إليه نحو من أربعة آلاف رجل. وظنّ أن الديلم يتسرعون إلى خزائنه ويشتغلون بالنهب فيضطرب نظامهم ويكرّ عليهم - وهذه لعمري مكيدة طال ما صارت سببا لظفر قوم بعد هزيمتهم - فقال لأصحابه:

« لا تفرّقوا وتأهّبوا للكرّة فإنّها الظفر لا محالة. » وأحسّ عليّ بن بويه بذلك فبرز أمام مصافّه ونادى أصحابه وقال لهم:

« لا تبعدوا ولا تنقضوا تعبيتكم فإن الخصم واقف ينتظر اشتغالكم بالنهب ثم يعطف عليكم ولم يبق له غير هذه المكيدة. » وأعلمهم أنّ الغنيمة لا تفوت. فلمّا رأى ياقوت ثباتهم وامتناعهم من النهب واحترازهم من مكيدته مضى على وجهه منهزما وملك عليّ بن بويه جميع ذلك السواد. ووجد لياقوت صناديق فيها برانس وقيود وما أشبه ذلك كان أعدّها للأسارى. فأشار جماعة من قوّاد عليّ بن بويه بأن يجعل ذلك لأسارى رجال ياقوت وأن يجعل البرانس على رؤوسهم والقيود في أرجلهم ويشهّر بهم في المعسكر ثم في البلد. فأبى ذلك عليّ بن بويه وقال:

« بل نعدل عن هذا إلى العفو عمّن أظفرنا الله بهم من أعدائنا ونشكر الله على هذه النعمة، فإنّه أدعى للمزيد وأبعد من البغي والطغيان. » ثم امتدّ إلى الزرقان يوم الجمعة وإلى الدينكان يوم السبت وتولّت المستأمنة والشحنة وأكابر الناس إليه وتتابعوا فتقبّل الجميع وأحسن إليهم قولا وفعلا وصفح عن كلّ من بلغه عنه فحش في الخطاب أو إساءة في عمل، وأحسن في سيرته حتى اطمأن إليه الناس وأمنه أعداؤه. وعسكر بظاهر شيراز ونادى فيها ببث العدل وأمان الناس من جميع ما يكرهون، وأمر العامّة بالانتشار في معايشهم والخروج إلى مصالحهم آمنين، ففعل الناس ذلك.

ثم اضطرّ بعد ذلك إلى سيرة أخرى لكثرة مطالبات الجند واقتراحاتهم وبلغ من أمره ما سنكتبه في موضعه بمشيئة الله وعونه.

ورود خبر دخول أصحاب مرداويج إصبهان

وفيها ورد كتاب أبي جعفر محمّد بن القاسم الكرخي وكان يتقلّد أعمال الخراج والضياع بالبصرة والأهواز بتاريخ يوم الثلاثاء لأربع خلون من المحرّم بأنّ الكتب وردت عليه بدخول أصحاب مرداويج إصبهان وأنّه خرج من جملة مرداويج قائد جليل كان يتقلّد ماه البصرة وفاز بمال جليل وهرب إلى أرجان يقال له عليّ بن بويه وأنّه كتب إليه أنّه في طاعة السلطان وهو يستأذن الوزير في ورود الحضرة أو النفوذ إلى شيراز لينضمّ إلى ياقوت مولى أمير المؤمنين.

حرق مراكب القرامطة

وفي هذه السنة صار أصحاب أبي طاهر القرمطي إلى نواحي توّج وسينيز في مراكب وخرجوا منها إلى البلد. فلمّا بعدوا من المراكب أحرقها صاحب لياقوت كان يتقلّد البلد. ثم اجتمع مع أهل البلد وأوقع بالقرامطة وقتل منهم وأسر ثمانين رجلا فيهم رجل يعرف بابن الغمر فقدم رسول محمّد بن ياقوت بهؤلاء الأسارى فأدخلهم مشهّرين، فوضع على رأس ابن الغمر منهم قرونا وكانوا على جمال بدراريع وديباج وبرانس حتى دخلوا دار السلطان فاعتقلوا بها.

وفيها قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل وأبا السرايا نصر ابن حمدان

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في قتله إسحاق أنّه كان أراد شراء الجارية المعروفة برتبة قبل الخلافة وكانت موصوفة بالجمال والغناء فزايده إسحاق بن إسماعيل فيها واشتراها. وسبب قتله أبا السرايا أنّه كان أراد شراء جارية أخرى قبل الخلافة فاشتراها أبو السرايا.

فحكى ثابت عن خادم حضر قتلهما قال: جاء القاهر فوقف على رأس بئر كانت في موضع ذكره ثم استحضر إسحاق فأحضر وهو مقيّد فأمر بطرحه في تلك البئر فرمينا به فيها بقيده وهو حيّ. ثم أمر بإحضار أبي السرايا فأحضرناه وهو مقيّد فأمر بطرحه في تلك البئر فما زال أبو السرايا يتضرّع إليه ويسأله العفو وهو لا يلتفت إليه وتعلّق بسعف نخلة كانت بقرب البئر فأمرنا بضرب يده فضربناها فخلّى عن السعفة ودفعناه في البئر ثم أمر بطمّ البئر فطرحنا عليهما التراب حتى أمتلأت وهو واقف.

فسبحان الله العظيم ما أعجب أمر المقادير أراد مونس لمّا قتل المقتدر أن ينصّب في الخلافة أبا العبّاس بن المقتدر فما زال إسحاق بن إسماعيل مجتهدا قائما قاعدا إلى أن عدل بها إلى القاهر بالله وهو لا يعلم أنّه إنّما يسعى في حتف نفسه ليتمّ الأمر المقدور.

وفيها حضر دار سلامة الحاجب أبو بكر بن مقسم وقيل أنّه ابتدع قراءة لم تعرف للقرآن وأحضر ابن مجاهد والقضاة وناظروه فاعترف بالخطإ وتاب فأحرقت كتبه.

وفيها خرج رجل من الصغد يعرف بأبي على محمّد بن إلياس واجتاز بكرمان حتى بلغ باب إصطخر وأظهر لياقوت أنّه يريد أن يستأمن إليه ثم عرف ياقوت أنّ ذلك حيلة منه فخرج إليه ياقوت فلم يثبت له ابن الياس وانكفأ راجعا إلى كرمان وصار إليه من قبل صاحب خراسان ما كان بن كاكى الديلمي فواقعه وانهزم ابن الياس وصار إلى أعمال فارس فواقعه ياقوت وانهزم ابن الياس.

وفيها استوحش الحجريّة والساجيّة من القاهر فدبّروا عليه وتمّ لهم القبض عليه.

ذكر السبب في القبض على القاهر

كان السبب في ذلك أنّ أبا عليّ ابن مقلة كان يراسل الساجيّة والحجريّة في استتاره ويضرّبهم على القاهر ويوحّشهم منه والحسن بن هارون يفعل مثل ذلك ويلقاهم بالليل وهو يتزيّا بريّ السؤال وفي يده زبّيل وفي وقت بزيّ النساء إلى أن شحذ نيّاتهم وجمع كلمتهم على قصد القاهر والفتك به وحذّرهم منه وعرّفهم أنّه قد بنى لهم المطامير. واحتال من جهة منجّم كان لسيما حتى لقّنه أن يقول لسيما من جهة النجوم أنّه يخاف عليه من القاهر ويحذّره منه. وأعطى الحسن بن هارون هذا المنجّم مائتي دينار فملأ عينه حتى مكّن في نفس سيما الخوف من القاهر وكان سيما يقبل منه ويستحسن إصاباته. ثم دسّ إليه من جهة منامات يدعيها أشياء حتى اشتدّ خوف سيما من القاهر.

فلمّا كان يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الآخر وقع بين الغلمان الحجريّة وبين الغلمان الساجيّة خلاف وذكر الساجيّة أنّ القاهر يريد أن يفتك بسيما وهو رئيس الساجيّة وخرج سيما من دار السلطان مبادرا إلى داره واجتمع إليه الساجيّة بأسرهم والقوّاد في السلاح وأقاموا عنده إلى آخر النهار، ثم انصرفوا وباكروه فاجتمع قوّاد الساجيّة مع قوّاد الحجريّة وتحالفوا أن تكون كلمتهم واحدة ثم استحلفوا باقى الحجريّة والساجيّة. واتّصل ذلك بالقاهر وبالوزير وبالحاجب، فوجّهوا من يسألهم عمّا أوحشهم فقالوا:

« قد صحّ عندنا أنّ القاهر عزم على القبض على سيما وعلى حبسنا في مطامير قد بناها لنا. » وكان الفضل بن جعفر يتولّى بناء مطامير من ماله ويحتسبها من مال مصادرة عليه فعرف القاهر ما يقولونه فتقدّم إلى سلامة بالخروج إليهم وحلف القاهر له على أنّه لم يفعل ذلك ولا همّ به وإنّما بنى حمامات روميّة للحرم، وخرج سلامة لذلك.

وخلا الخصيبي وعيسى المتطبّب بالقاهر فذكرا له أنّ الآفة في هذا كلّه الفضل بن جعفر وأنّه هو الذي قال للساجيّة والحجريّة ذلك لأنّه شيء لم يعرفه غيره. وكان سلامة أشار بالفضل حتى أعفى من المصادرة عناية به واقتصر منه على ما ينفقه على المطامير. فتقدّم القاهر بالقبض على الفضل بن جعفر وطالبه الوزير الخصيبي بحضرة عيسى بثلاثمائة ألف دينار فقال الفضل:

« لو كنت ذا مال لكانت لي ضياع ودور وخدم ومروءة بحسبها. » فاغتاظ الخصيبي وظنّ أنّه قد عرّض به وخاطبه بمخاطبة فيها جفاء فاستوفى الفضل عليه الجواب. فهمّ الوزير الخصيبي أن يوقع به فقال سابور الخادم:

« أمرت بصيانته وألّا يلحقه مكروه. » وردّه إلى دار السلطان وحبس في الموضع الذي كان إسحاق بن إسماعيل محبوسا فيه.

وورد يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادى الأولى كتاب أبي جعفر الكرخي وكتاب أبي يوسف عبد الرحمن بن محمّد الذي كان يكتب للسيدة بأنّ أصحاب ابن رائق كبسوا سوق الأهواز وأنّهم استولوا على سائر عمل الأهواز وصار كلّ من يتقلّد المعاون في أعمال الأهواز من قبله سوى محمّد بن ياقوت فإنّه كان يتقلّد المعاون بالسوس وجنديسابور فلم ينفذ لابن رائق لأنّه نظيره فكتب الخصيبي رقعة بما ورد عليه من ذلك إلى القاهر.

وكان القاهر قد ابتدأ بشرب فدعا بسلامة وأقرأه الكتاب وقال له:

« امض إلى الخصيبي واجتمع معه على التدبير في ذلك. » وعاود شربه فمضى سلامة وعيسى معه إلى الخصيبي وأطالا عنده إلى نصف الليل ولم يتقرر لهم رأى عليه شيء. فانصرف سلامة إلى منزله لعلمه بأنّ القاهر قد سكر ولا فضل فيه باقى ليلته وصدر نهار الغد، وبكّر سلامة إلى الخصيبي فوجد عنده عيسى المتطبّب وبلغهم خبر الساجيّة والحجريّة واجتماعهم لقصد دار السلطان. فتقدّم الخصيبي إلى عيسى بأن يبادر إلى دار السلطان ويعرّف القاهر الخبر ليتحرّز وإن وجده نائما أنبهه، فمضى عيسى واجتهد في إنباه القاهر فلم تكن فيه حيلة وقيل له: كان يشرب إلى أن طلعت الشمس وأنّه لو أنبه لما فهم عنه ما يقوله لشدّة سكره.

وكانت الحجريّة والساجيّة قد اجتمعوا عند سيما وتحالفوا على اجتماع الكلمة في كبس دار الخليفة والقبض على القاهر فقال لهم سيما:

« إن كان قد صحّ عزمكم على هذا فقوموا بنا الساعة حتى نمضيه. » فقالوا:

« بل نؤخّره إلى غد فهو يوم الموكب ويظهر لنا فنقبض عليه. » فقال لهم سيما:

« إن تفرّقتم الساعة وأخّرتموه إلى ساعة أخرى اتّصل الخبر به فتحرّز ودبّر علينا فأهلكنا كلّنا. » فقبلوا رأيه وركبوا معه إلى دار السلطان بالسلاح فرتّب سيما على كلّ باب من أبوابها غلاما من الساجيّة وغلاما من الحجرية ومعهما قطعة وافرة منهما فلمّا أحكم أمر الأبواب كلّها وقف على باب العامّة وأمر بالهجوم فهجموا كلّهم من جميع الأبواب في وقت واحد، وبلغ سلامة والخصيبي وهما مجتمعان في دار الخصيبي فخرج الخصيبي في زيّ امرأة واستتر وانحدر سلامة إلى مشرعة الساج واستتر.

ولمّا دخل الساجيّة والحجريّة الدار لم يدخلها سيما وأقام بمكانه من باب العامّة إلى أن قبض على القاهر فلما قبض عليه دخل.

ولمّا علم القاهر بحصول الغلمان في الدار انتبه من سكره وأفاق وهرب إلى سطح حمّام في دور الحرم فاستتر فيه ولمّا دخل الغلمان إلى المجلس الذي كان فيه ولم يجدوه وأخذوا من كان بالقرب [ منه ] مثل زيرك الخادم وعيسى المتطبّب واختيار القهرمانة فوكّلوا بهم ووقع في أيديهم خادم صغير فضربوه بالطبرزينات حتى دلّهم على موضعه فدخلوا فوجدوه على سطح الحمّام على رأسه منديل ديبقي وفي يده سيف مجرّد واجتهدوا به على سبيل الرفق أن ينزل إليهم وقالوا:

« نحن عبيدك وما نريد بك سوءا وإنّما نتوثق لأنفسنا. » فأقام على الامتناع من النزول إلى أن فوّق إليه واحد منهم بسهم وقال:

« إن لم تنزل وضعته في نحرك. » فنزل حينئذ وقبضوا عليه - وكان ذلك ضحوة نهار يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة - وصاروا به إلى موضع الحبوس وقصدوا البيت الذي فيه طريف السبكرى ففتحوه ووجدوا فيه طريفا فكسروا قيده وأطلقوه وأدخلوا القاهر إلى موضعه وحبسوه فيه ووكّلوا بالباب جماعة من الساجيّة والحجريّة ووقع النهب ببغداد وانقضت خلافة القاهر بالله.

خلافة الراضي بالله أبي العباس محمد بن المقتدر

في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة

واستدلّ الغلمان الساجيّة والحجريّة حين اقبضوا على القاهر على الموضع الذي فيه أبو العبّاس ابن المقتدر فدلّهم عليه خليفة لزيرك الخادم. ففتحوا عنه الباب ودخلوا عليه وسلّموا عليه بالخلافة وأخرجوه وأجلسوه على السرير وبايع له قوّاد الساجيّة والحجريّة وطريف السبكرى وبدر الخرشنى ولقّب: الراضي بالله.

وتقدّم بإحضار عليّ بن عيسى وأخيه عبد الرحمن وأحضرا، فوصلا إليه وشاورهما واعتمد عليهما فيما يعمل. فعرّفه عليّ بن عيسى أنّ سبيله أن يعقد لواء لنفسه على الرسم في ذلك فاستحضر اللواء وعقده بيده، ثم أمر بالاحتفاظ به وأشار عليه بتسلّم الخلافة، فسلّمها من كان في يده وهو خاتم فضّة فصّه من حديد صينى وعليه كتابة ثلاثة أسطر:

« محمّد رسول الله. » وأشار عليه بتسلّم خاتم الخلافة من القاهر بالله. فوجّه إليه الراضي، ثم فتح عنه الباب وطالبه بخاتمه فسلّمه وكان فصّه ياقوتا أحمر وعليه منقوش:

« بالله محمّد الإمام القاهر بالله أمير المؤمنين يثق. » وصار به إلى الراضي فأمر أن يسلّم إلى حاذق من حذّاق الخزانة ليمحو ذلك النقش منه، ففعل ذلك ونقش له خاتم آخر عليه:

« الراضي بالله » وتقدّم عليّ بن عيسى بأن يحضر القاضي أبو الحسين عمر بن محمّد، والقاضي أبو محمّد ابن أبي الشوارب، والقاضي أبو طالب البهلول، وجماعة من الشهود وممّن يقرّب من دار السلطان فحضروا. فحكى القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح الهاشمي ابن أمّ شيبان أنّه لمّا استدعى القاضي أبو الحسين عند القبض على القاهر بالله وجم جميع أطرافه وأخذ معه خمسين دينارا في حجزة سراويله استظهارا واستخلفه في داره ومضى وانصرف بعد أن مضى أكثر الليل إلى منزله قال: فقال لي:

« أنا أعرف ضيق صدرك وتطلّعك إلى معرفة حديثنا فاسمعه: اعلم أنّى مضيت فأدخلت إلى حجرة فيها القاهر بالله ومعي ثلاثة من الشهود وطريف السبكرى. فقال له طريف: تقول يا سيّدي. » وكرّر ذلك دفعات. فقال له:

« اصبر. » ثم التفت إليّ فقال:

« ألست تعرفني؟ » فقلت: « بلى. » فقال: « أنا أبو منصور محمّد بن المعتضد بالله رحمة الله عليه ثم القاهر بالله بيعتي في عنقك وأعناق أهلى وسائر الأولياء ولست أبرّئكم منها ولا أحلّكم بوجه ولا سبب، فانهضوا. » فقمنا فلمّا بعدنا عذلت طريفا ولمته ملاما كثيرا وقلت:

« أيّ رأى كان إحضارنا إلى رجل لم يوطّأ ولم يؤخذ خطّه ويشهد عليه الكتّاب والجند؟ كان ينبغي أن تقدّم ذلك ثم تحضرنا له. » وعدل بنا إلى عليّ بن عيسى فسألنا عمّا جرى فحدّثناه به فقطّب وجهه ثم قال:

« يخلع ولا يفكّر فيه فإنّ أفعاله مشهورة وأعماله معروفة وما يستحقّه غير خاف. » فقلت له:

« بنا لا تعقد الدول وإنّما يتمّ بأصحاب السيوف ونصلح نحن ونراد لشهادة واستيثاق وقد سمعت من الرجل ما حدّثتك به ولم يكن الرأي أن يجمع بيننا وبينه إلّا بعد إحكام أمره. » فتغاضب وحضر وقت الصلاة فقمنا.

فقال القاضي أبو الحسن محمّد بن صالح:

فسمعت ذلك منه وبكّرنا إلى دار السلطان فقيل له: إنّ القاهر سمل البارحة. فلمّا حضر أبو عليّ ابن مقلة استدعينا وكنت مع القاضي أبي الحسين وثلاثة من الشهود واجتمعنا بحضرة الراضي بالله فأومأ إلى مفلح الأسود فأحضر ثلاثة من إخوته فأجلسهم عن يمينه وأخرج أبو عليّ ابن مقلة قرطاسا من كمّه ونشره فاستحلفهم على البيعة ثم أومأ الراضي إلى مفلح إيماء ثانيا فأحضر اثنان آخران من إخوته فأجلسهما عن شماله وأخذت البيعة عليهما ثم أعطى أبو عليّ القرطاس القاضي أبا الحسين فأخذ عليه البيعة وكتبنا خطوطنا في ذلك القرطاس على من بايع وانصرفنا.

وكان سيما أشار بسمل القاهر تلك الليلة فستر الراضي ذلك عن عليّ بن عيسى واستحضرا بختيشوع بن يحيى المتطبّب وسأله عمّن يحسن أن يسمل فذكر له رجلا فأحضره وسمل القاهر.

وما زال عليّ بن عيسى يوم الأربعاء إلى الليل يأخذ البيعة للراضى بالله على القضاة والقوّاد وكتّاب الدواوين والغلمان وطالبه الراضي أن يتقلّد الوزارة فامتنع وذكر أنّه لا يفي بالأمر، فأشار سيما بأبي علي بن مقلة. قال:

« هو يضمن أن يقوم بسائر الأمور. » فقال عليّ بن عيسى:

« قد أشرت به على أمير المؤمنين وما يصلح للوقت غيره. » وكان عليّ بن عيسى يسأل في الفضل بن جعفر فأطلق بمسألته ووقّع الراضي إلى أبي عليّ ابن مقلة فبكّر يوم الخمسين لسبع خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وحضر عليّ بن عيسى وأخوه عبد الرحمن ووقفا بين يديه يستحلفان من يحضر ويأخذان البيعة عليه وتأخّر الفضل بن جعفر والحسن بن هارون وخلع على أبي عليّ ابن مقلة خلع الوزارة وركب معه سيما وطريف السبكرى وسائر القوّاد والغلمان والخدم الخاصّة وظهر الحسن بن هارون وأبو بكر ابن قرابة وصاروا إلى أبي عليّ ابن مقلة ثم انصرفوا إلى منازلهم.

واستأنف أبو عليّ ابن مقلة سيرة حسنة وقال: « قد عاهدت الله في استتاري ألّا أسىء إلى أحد ونذرت نذورا. »

فوفى وأطلق كلّ من كان في حبس القاهر من كاتب وجنديّ وأطلق عيسى المتطبّب وإسحاق بن عليّ القنّائى وكان الراضي أنفذهم إليه. ثم تعقّب الرأي في عيسى المتطبّب فصادره. وكان القاهر قد اعترف بوديعة أودعها إيّاه من العين والورق والطيب، فاستخرج كلّه منه. وسأل في أمر أبي العبّاس الخصيبي فكتب له أمان وقّع الراضي فيه بخطّه وتسلّمه الوزير أبو عليّ وأنفذه في درج رقعة منه بخطّه إلى الخصيبي وخاطبه أجمل مخاطبة وظهر الخصيبي فقلّده دواوين الضياع الخاصّة والمستحدثة والعبّاسيّة والفراتيّة والمقبوضة عن أمّ موسى ونذير وشفيع اللؤللؤى وضياع المخالفين وضياع البرّ وضياع الجدّة والدة المقتدر وديوانى زمام المشرق والمغرب وأجرى عليه لنفسه سوى أرزاق كتّابه في هذه الدواوين ألف دينار في كلّ شهر وقلّد الراضي بدرا الخرشنى الشرطة بمدينة السلام.

ولمّا تقلّد الراضي الخلافة وردت كتب أبي جعفر الكرخي وأبي يوسف كاتب السيّدة بتخلصهما من الأهواز إلى نواحي دور الراسبي هاربين من محمّد بن رائق وكان بنو البريدي يستترون في أنهار الأهواز نهر بعد نهر.

ووصل الخبر إلى ابن رائق وهو بالباسيان: أنّ القاهر خلع من الخلافة وتقلّدها الراضي بالله وأنّه قد ندب للحجبة. فرجع منكفئا إلى واسط ولم يدخل البصرة ورجع الكرخي إلى البصرة ثم عاد إلى غيلة بالأهواز فنظر وعمل إلى أن ضمّن ابن مقلة بنى البريدي أعمال الأهواز.

ذكر ابتداء أمر أبي الحسن علي بن بويه الديلمي

كنّا كتبنا فيما تقدّم أنّ أبا الحسن عليّ بن بويه لحق بمرداويج وهو في حدود طبرستان فقوّده وضمّ رجالا إليه فلمّا أنفذه إلى الريّ - وكان أخوه وشمكير بها - اتفق أنّ عامل الكرج طمع في مالها فأنفذ عليّ بن بويه ليتلافى أمر الكرج ومعه دون مائة رجل من أصحابه فأقام بها وتلفّق إليه من الأطراف ديلم فصار في نحو ثلاثمائة رجل فأنكر مرداويج أمره وكاتبه بالانصراف فتأخّر، وروسل فتعلّل، وكان قد استخرج من مال الكرج نحو خمسمائة ألف وفوقها في مدّة يسيرة واستوحش مرداويج وهدّده ففزع وأخذ مرداويج ووشمكير في تدبير القبض عليه.

وكان عليّ بن بويه قد استخلف بحضرة وشمكير وهو بالريّ عند خروجه أحمد حاجبه - وهو والد أبي إسحاق الطبري الشاهد - في هذا الوقت، فكتب إليه أحمد بما فيه مرداويج ووشمكير من الخوض في سيّئه. وكان مرداويج قد صار إلى عند أخيه بالريّ بهذا السبب ولتسريب الجيوش إليه فخرج من الكرج إلى إصبهان خائفا ليستأمن إلى المظفّر بن ياقوت وكان عند المظفّر بن ياقوت في الوقت سبعمائة رجل من الديلم ووجههم فناخسره والد الحسن الديلمي الذي كان ببغداد ونظر في الشرطة بها. فلمّا قرب من إصبهان خرج إليه المظفّر ليمنعه ومعه نحو أربعة آلاف رجل فتخاذل أصحابه ووقع بين أصحابه من الديلم خلاف. لأنّ فناخسره كان له عدوّ من الديلم يضادّه فتقاعد المولّدون أيضا وافترقت كلمتهم وانهزم المظفّر بن ياقوت إلى فارس وبها أبوه ياقوت واستأمن إلى عليّ بن بويه نحو من أربعمائة رجل من الديلم فصارت عدّته سبعمائة رجل وملك إصبهان وهو في ثلاثمائة رجل.

وبلغ الخبر مرداويج فسيّر أخاه وشمكير لطلبه في الوقت فلمّا قرب إصبهان رحل عنها عليّ بن بويه وصار إلى أرجان وكان قد تهيّبها لحصوله بين ياقوت وهو بفارس وبين ابنه محمّد وهو برامهرمز فصوّر عنده بالمهانة واضطراب الرأي والرجال. فدخل أرجان واستوطنها وكاتب ياقوت واستخرج من مال أرجان خراجا نحو ألفي ألف درهم ووصل مع ذلك إلى ودائع ونظّم أمره للمسير إلى كرمان وبها ما كان بن كاكى الديلمي ليستأمن إليه فلم يجبه ياقوت عن كتابه ولم يقبله فكاتبه عليّ بن بويه وخاطبه بالإمارة والتعبّد وعرّفه أنّه يسأله أحد الأمرين: إمّا أن يقبله، أو يأذن له في المصير إلى باب السلطان. فلمّا لم يقبله ياقوت وسار إليه مع ابنه المظفّر ليحاربه سار عليّ بن بويه إلى النوبندجان وقدّر أن تكون الحرب بها وقدّم كتبه إليه وطلب منه الأمان واستعفاه من الحرب فحذّره ياقوت وخشي أن يغتاله وكان قيل له: إنّ عليّ بن بويه يريد الحيلة عليه ليحصل بفارس ويخدعه عنها.

وكان عليّ بن بويه قد حصل أيّام مقامه بكازرون وبلد سابور - وذلك عند خروجه من أرجان - نحو خمسمائة ألف دينار مع كنوز كثيرة وجدها فقويت شوكته وزاد رجاله. فلمّا صار إلى النوبندجان قام بأمره أبو طالب زيد بن عليّ وتكفّل بنفقاته فلزمه عليه في كلّ يوم خمسمائة دينار وأقام عنده مدّة. فلمّا خرج إليه ياقوت تهيّبه هيبة شديدة وذلك أنّ جيش ياقوت كانوا سبعة عشر ألف رجل من جميع الأصناف ساجيّة وحجريّة والرجّالة المصافية وغيرهم من الديلم وأصناف العسكر وعليّ بن بويه في ثمانمائة رجل، فسأله أن يفرج له عن الطريق لينصرف عنه ويجتاز إلى حيث يجتاز.

فمنعه ياقوت وطمع فيه لقلّة عدده ولوفور ما وصل إليه من المال.

فلم يثبت له عليّ بن بويه وسار إلى البيضاء فمنعه ياقوت وواقعه على باب إصطخر يومين فكانت لياقوت فاشتدّ طمع ياقوت فيه وزاد تهيّب عليّ بن بويه وحقّق عليه المسألة في الإفراج له لينصرف عنه فامتنع عليه فلمّا كان يوم الخميس لاثنى وعشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة واقعه مستقتلا.

فحدّثني من شهد الوقعة من الديلم أنّه ترجّل ستّة نفر من الديلم وصفّوا تراسهم وتقدّموا زحفا واستأخر من واجههم من أصحاب ياقوت فاشتملوا وتقدّموا وحمل أبو الحسين أحمد بن بويه في نحو ثلاثين رجلا فانهزم ياقوت وجميع من معه وذلك وقت الظهر من ذلك اليوم وانصرف إلى شيراز.

فقدّر عليّ بن بويه أنّ انصرافه مكيدة منه لا هزيمة فتوقّف في موضعه ولم يتبعه إلى وقت العصر، فلمّا صحّ عنده أنّها هزيمة سار إلى شيراز فنزل أوّل منزل قرية يقال لها: الزرقان على ستّة فراسخ من شيراز وبكّر منها يوم السبت فنزل قرية يقال لها: الدينكان، وعنده أنّ سيحارب عن البلد ويدفع عنه لأنّ الجيش الذي انهزم عنه كانوا قد انصرفوا عنه موفورين لم يحاربوه ولا وقفوا بين يديه، فنزل على فرسخ من شيراز في مضاربه، وبلغه أنّ ياقوتا وعليّ بن خلف بن طناب قد خرجا عن شيراز والبلد شاغر خال.

فوجّه بجماعة من الديلم وأخلاط من الجند إلى شيراز للمقام بها وضبطها فبادر إليهم العامّة بشيراز مع جماعة من الرجّالة السودان ومماليك للتنّاء.

وكان الديلم قد تفرقوا في الأسواق فقتلوا منهم نحو سبعين رجلا. فبلغ عليّ بن بويه ذلك ووجّه بأخيه أبي الحسين أحمد وكان إذ ذاك تسع عشرة سنة وهو أمرد وهو حينئذ صحيح اليدين وأنفذ معه ثمانين رجلا من الديلم فقتل من السودان نحو ألف رجل ونادى في البلد ألّا يقيم فيه أحد من أصحاب ياقوت ولا من الجند وأنّ من وجد بعد النداء فقد أباح دمه وماله.

فلم يبق في البلد أحد منهم.

اتفاقات عجيبة مساعدة لعلي بن بويه بعد دخوله شيراز وانفتاح وجوه الذخائر والودائع له

ودخل عليّ بن بويه شيراز واتفقت له بها ضروب من الاتفاقات عجيبة كانت سببا لثبات ملكه. فمنها أنّ أصحابه اجتمعوا وطالبوه بالمال ونظر فإذا القدر الذي معه لا يرضيهم وأشرف أمره على الانحلال فاشتغل قلبه واغتمّ غمّا شديدا فبينا هو مفكّر قد استلقى على ظهره في مجلس ياقوت من داره وقد خلا فيه للفكرة والتدبير، إذ رأى حيّة قد خرجت من موضع من سقف ذلك المجلس ودخلت موضعا آخر منه وخاف أن تسقط عليه وهو نائم فدعا بالفرّاشين وأمرهم بإحضار سلّم وإخراج تلك الحيّة ففعلوا. ولمّا صعدوا وبحثوا عنها، وجدوا ذلك السقف يفضى إلى غرفة بين سقفين، فعرّفوه ذلك، فأمرهم بفتحها ففتحت ووجد فيها عدّة صناديق من المال والصياغات خمسمائة ألف. فاستوى جالسا وحمل إلى بين يديه ذلك المال فسرّ به وأنفقه في رجاله وثبت أمره بعد أن أشفى على الانحلال.

وحكى أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي أنّ عليّ بن بويه أراد قطع ثياب وسأل عن خيّاط حاذق فوصف له خيّاط لياقوت فأمر بإحضاره وكان أطروشا ووقع له أنّه قد سعى به إليه في وديعة كانت لياقوت وأنّه طلبه بهذا السبب. فلمّا خاطبه حلف أنّه ليس عنده إلّا اثنا عشر صندوقا لا يدرى ما فيها. فعجب عليّ بن بويه من جوابه ووجّه معه بمن حملها. فوجد فيها أمرا عظيما من المال والثياب.

والذي كان يكتب لعليّ بن بويه في ذلك الوقت رجل نصراني من أهل الريّ يعرف بأبي سعد إسرائيل بن موسى ثم قتله بعد مدّة بسبب سنفرد له خبرا، واستكتب مكانه أبا العبّاس أحمد بن محمّد القمّى المعروف بالحنّاط.

وسفر الأمير أبو الحسن عليّ بن بويه بعد تمكّنه من البلد في أن يقاطع السلطان عنه ويتقلّده من قبل الراضي، فأجيب إلى ذلك وقنع منه بما بذل وهو في كلّ سنة بعد جميع المؤن والنفقات الراتبة والحادثة ثمانية آلاف ألف درهم خالصة للحمل.

وكتب إلى الوزير أبي عليّ ابن مقلة يحلف له بأغلظ الأيمان على موالاة الوزير أبي عليّ ابن مقلة وابنه الحسين ومعاضدتهما وما يقال في هذا المعنى وأكّده. فأنفذ إليه الوزير أبو عليّ بالخلع واللواء في شوّال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ورسم للرسول وهو أبو عيسى يحيى بن إبراهيم المالكي الكاتب ألّا يسلّم اللواء والخلع إلّا بعد أن يتسلّم المال ووقف عليه. فلمّا قرب المالكي من البلد تلقّاه عليّ بن بويه على بعد وسار معه إلى ظاهر شيراز وطالبه بأن يسلّم إليه اللواء والخلع فعرّفه ما رسم له وأنّه لا يمكنه من ذلك إلّا بعد تسلّم المال الذي ووقف عليه فخاشنه عليّ بن بويه وأرهبه حتى سلّم إليه الخلع ولبسها ودخل بها إلى شيراز وبين يديه اللواء.

وأقام المالكي مدّة يطالب بالمال فلم يدفع إليه شيئا بتّة وحصل على المواعيد والمطل والتوقّف ثم اعتلّ المالكي ومات بشيراز وحمل تابوته إلى بغداد في سنة ثلاث وعشرين.

وانفتح لعليّ بن بويه وجوه الذخائر والودائع ووزير [ ه ] أبو سعد النصراني فضمن له بقايا مال السنة أبو الفضل العبّاس بن فسانجس وابن مرداس وأبو طالب زيد بن عليّ وغيرهم من وجوه البلد بأربعة آلاف ألف درهم، واستخرجت له الذخائر وانفتحت له كنوز وودائع عمرو بن الليث ويعقوب بن الليث وياقوت وابنه وعليّ بن خلف ورجال السلطان وكثرت أموال عليّ بن بويه وعمرت خزائنه واستأمن إليه رجال ما كان بن كاكى من كرمان وكثر جمعه واستفحل أمره وانتهى خبره إلى مرداويج فقامت قيامته ووافى إصبهان وبها وشمكير أخوه لأنّه لمّا خلع القاهر من الخلافة وتأخّر محمّد بن ياقوت عنها وبقيت سبعة عشر يوما خالية أعاد مرداويج أخاه إليها. فلمّا استقرّ بها وورد مرداويج لتدبير عليّ بن بويه عند استعصائه عليه ردّ أخاه وشمكير إلى الريّ لخلافته عليها.

وأنفذ شيرج بن ليلى اسفهسلّاره مع حاجبه الشابشتى ومعهما ألفان وأربعمائة رجل من الجيل والديلم ووجوه القوّاد مثل بكران وإسماعيل الجبلي إلى الأهواز، وكان غرضه أن يملكها فيأخذ الطريق على عليّ بن بويه ويحجز بينه وبين السلطان حتى إذا قصده بعد ملكه الأهواز لم يكن له منفذ إلّا إلى تخوم كرمان والتيز ومكران وأرض خراسان.

ولمّا نزلت عساكر الجيل ايذج خاف ياقوت أن يحصل بينهم وبين عليّ بن بويه، فوافى الأهواز ومعه ابنه وقلّده السلطان أعمال الحرب والمعاون بها وارتسم أبو عبد الله أحمد بن محمّد البريدي بكتابة ياقوت مضافة إلى ما إليه من أعمال الخراج والضياع بالأهواز وصار أخوه أبو الحسين يخلف أخاه وياقوتا بالحضرة. وحصل رجال مرداويج برامهرمز في غرّة شوّال من سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وصلّوا العيد بها وخطبوا لمرداويج وساروا إلى الأهواز فعسكر ياقوت بقنطرة أربق وقطعها والماء الذي تحت هذه القنطرة حاد الجرية فأقام رجال مرداويج بإزاء ياقوت أربعين يوما لا يمكنهم العبور إليه وسار ياقوت إلى بغداد على طريق دور الراسبي وسار عليّ بن خلف بن طناب في البحر من ساحل مهروبان إلى البصرة. ورحل جيش مرداويج عن قنطرة أربق وضمن لهم طائفة من العيّارين أن يعبروا بهم نحو المسرقان بعسكر مكرم حتى يصير الطريق بينهم وبين الأهواز جددا فعدلوا إليها.

واجتمع البريدي وياقوت فتشاوروا وقرّر الرأي على إنفاذ مونس غلام ياقوت في أربعة آلاف رجل إلى عسكر مكرم لدفعهم عن عبور المسرقان وكانا حسبا أنّ القوم بعد منازلة أربعين يوما قد ضجروا وانصرفوا وأنّهم لا يلبثون بعسكر مكرم إلّا يومين أو ثلاثة فلمّا حصلوا بها عملوا أطوافا من خشب وشاشا من قصب وعبر منهم خمسون رجلا عليها فانهزم مونس لوجهه وعاد إلى مولاه فأخبره الخبر. وكان قد ورد إليه مدد من بغداد وخيل عظيمة فرحل لوقته من قنطرة أربق بعد اجتماع الجيل إليه بيومين وصاروا بأجمعهم إلى قرية الريح وهم بالحقيقة قد حصلوا من أمرهم على الريح. وصار ياقوت ومن تبعه وهم عدّة وافرة كثيرة إلى باذاورد ومنها إلى واسط فأفرج له محمّد بن رائق عن غربيها فنزله بعسكره وعرف عليّ بن بويه حصول عسكر مرداويج بالأهواز وشرح ما جرى وتملّق لكاتب مرداويج واستصلحه وأقام الخطبة وواقفه على مال وأنفذ إليه رهينة فسكن مرداويج وقلّد عليّ بن بويه أرجان بعد انصراف ياقوت وعليّ بن خلف عنها إبراهيم بن كاسك.

واستقرّت كتابة ياقوت لأبي عبد الله البريدي فورد الخبر وهو بالبصرة في بستان المؤمّا يريد المسير في طيّاره إلى واسط بقتل مرداويج في الحمّام بإصبهان فأنفذ للوقت أبا عبد الله بن جني الجرجرائي إلى الأهواز بخلافته عليها وقال له:

« اقصد ظاهر البلد بل أقم على فرسخ منه فإذا صحّ عندك خروج الجيل والديلم فادخله واثبت عند دخولك الفرسان والرجّالة فإني أنفذ من واسط أبا الفتح ابن أبي طاهر وأبا أحمد السجستاني في ألف رجل لضبط البلد وكور الأهواز. » ثم وافى أبو عليّ غلام جوذاب كاتب البريدي في طريق الماء وترتب ابن أبي طاهر بالأهواز وأبو أحمد السجستاني بعسكر مكرم. ووافى إبراهيم بن كاسك من أرجان إلى رامهرمز طمعا في الأهواز لما خلت فكاتبه عليّ بن بويه بالتوقف وألّا يبرحها حتى يمدّه بالجيش فمن قبل ورود الجيش عليه من فارس ما وافى ياقوت إلى عسكر مكرم على طريق السوس فلمّا بلغ إبراهيم بن كاسك خبره رحل من رامهرمز إلى أرجان.

وكانت مع ياقوت قطعة من الديلم والأتراك والخراسانيّة فظنّ أنّهم يثبتون وأنّه مستظهر بهم ووافاه أبو عبد الله البريدي والتقيا بعسكر مكرم وأنفق فيه وفي رجاله ثلاثمائة ألف دينار على يد ابن بلوى وابن سريج المنفقين وسيّرهم إلى أرجان ووافاه عليّ بن بويه وحاربه بها فانهزم ياقوت هزيمة ثانية لم يفلح بعدها ولا شدّ منها حزاما ولم ينفعه عدد العجم والديلم ولا عجب من أمر الله وتبعه عليّ بن بويه إلى رامهرمز وخيف على الأهواز منه فراسله أبو عبد الله البريدي في الصلح فاستجاب له وكاتب الوزير أبا عليّ ابن مقلة فيما قرره من الصلح فعرضه على الراضي بالله فأمضاه فانصرف عليّ بن بويه إلى شيراز وعقدت فارس على عليّ بن بويه بما ذكرناه ونفذ إليه أبو عيسى المالكي باللواء والعهد وكان من أمره ما قدّمت ذكره.

وقتل أبو الحسن عليّ بن بويه أبا سعد إسرائيل كاتبه

ذكر السبب في ذلك

كان السبب في ذلك أنّ أبا سعد كان مكينا عند عليّ بن بويه يتبرّك به ويكرّمه جدا وكان يقود الجيش وله غلمان أتراك ولبس القباء والسيف والمنطقة وكان قد حارب في وقت ياقوتا فهزمه. فكان أبو العبّاس الحنّاط القمّى يضرّب عليه دائما ويجتهد في إفساد رأى صاحبه فيه فلا يقبل منه وينهاه عن ذكره فلا ينتهى إلى أن قال يوما وقد أكثر عليه في الإغراء به:

« يا هذا إنّ هذا الرجل صحبني وحالي صغيرة وقد بلغت ما ترى ولست أدرى هل ما وصلت إليه بدولته أم بدولتى وليس إلى تغيير أمره طريق فإيّاك أن تعاودني فيه. » فما أغنى ذلك منه ولا انتهى عن الوقيعة فيه وثلبه.

وكان بين أبي سعد هذا وبين حاجب لعليّ بن بويه يقال له: خطلخ - وإليه مع الحجبة رئاسة الجيش - عداوة فاتفق أن دعى أبو سعد دعوة عظيمة دعا فيها عليّ بن بويه والقوّاد وأنفق فيها في الخلع والحملان ما له قدر كثير ودعا خطلخ فلم يستجب إلى المصير إليه واجتهد به فلم يكن فيه حيلة وأصبح أبو سعد من غد يوم الدعوة فأقام على أمره ودعا من يأنس به وانتبه خطلخ من نومه وهو مغتاظ يزعم أنّه لا بدّ له من أن يركب إلى أبي سعد فيقتله لأنّه رأى في نومه أبا سعيد يريد قتله فاجتهد به خواصّه في أن يؤخّر ذلك فامتنع وحمل في خفّه دشنيا وركب وقيل لأبي سعد أنّ خطلخ قد ركب على أن يجيئه فأنكر ذلك لأنّه كان دعاه فامتنع فلم يعرف لمجيئه إليه بغير استدعاء وجها، فاستعدّ ليستظهر وقال لغلمانه:

« تأهّبوا بالطبرزينات وكونوا مستترين في المجالس حوله فإن أنكر من خطلخ أمرا صاح بهم فخرجوا ووضعوا عليه. » وحضر خطلخ فتلقّاه أبو سعد وجاء حتى جلس وأخذ يتجنّى ويعربد إلى أن ضرب يده إلى خفّه وأخرج الدشنى فصاح أبو سعد بالغلمان فخرجوا بالدبابيس والطبرزينات ووضعوا على خطلخ ووقع في رأسه دبّوس فدوّخه وسقط وقدّر أنّه مات وحمل إلى منزله فعاش يومين ومات.

فبادر أبو العبّاس الحنّاط إلى الأمير في الوقت فوجده نائما فقال للغلمان:

« أنبهوه ».

فلم يجسروا، فصاح وجلب إلى أن أنبهه ودخل إليه وقال له:

« إنّ أبا سعد قتل حاجبك خطلخ. » فلم يصدّقه وانتهره فقال:

« وجّه وانظر. » فورد عليه الخبر بصدقه فاستعظم ذلك ووجم ساعة ودخل أبو سعد فلم يظهر له أنّه أنكر شيئا ولا أنّه استوحش وسأله عن السبب فيما فعله فعرّفه الصورة واستشهد من حضر فاستصوب ما فعله. وخاف أبو سعد ووجد أبو العبّاس الحنّاط فرصته وأقبل يقول:

« هو ذا يأخذ البيعة على القوّاد وهو خارج عليك لا محالة. » فوجّه الأمير إلى أبي سعد فأنسه غاية التأنيس وحلف له أيمانا مؤكّدة على ثقته به وأنّه لا يلحقه سوء من جهته. واتّفق أن أخرج أبو سعد صناديقه من البيوت إلى صحن داره ليسترها استظهارا وخلا بموسى فياذه يشاوره فمضى الحنّاط إلى الأمير عليّ بن بويه فقال له:

« قد استحلف أبو سعيد قوّادك وآخر من استحلفه موسى فياذه وها هو قد أخرج صناديقه وهو خارج الساعة. » فوجّه بالأمير بمن عرف خبره فرأى الرسول الصناديق وموسى فياذه خارجا من عنده فعاد إليه بالخبر فلم يشكّ الأمير حينئذ في صحّة قول الحنّاط فقبض عليه وعلى جميع ماله من سائر الأصناف واعتقله. وكان في الاعتقال إلى أن ورد بعض قوّاد الأتراك من بعض أعمال فارس فواطأه الحنّاط على الدخول مع أصحابه وهم خمسون رجلا مخرّقي الثياب مسودّي الوجوه يضجّون بما جرى على خطلخ من أبي سعد ويتهددون إن لم يقتل أبو سعد. ففعل القائد ذلك ودخل والأمير على شرب فأمر بقتل أبي سعد ثم وقعت الندامة عند الصحو وبعد فوت الأمر واستكتب الأمير بعده أبا العبّاس الحنّاط وبقي معه إلى أن مات الأمير عليّ بن بويه.