جامع بيان العلم وفضله/باب إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة


  • باب اثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة

قال الله عز وجل وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين وقال ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وقال قل هل عندكم من سلطان بهذا قال المفسرون من حجة قالوا والسلطان الحجة وقال الله عز وجل قل فلله الحجة البالغة وقال يوم تاتي كل نفس تجادل عن نفسها حدثنا خلف بن القاسم حدثنا أحمد بن محمد ابن يزيد الحلبي القاضي قال حدثنا أحمد بن علي بن سهل المروزي قال حدثنا محمد بن حميد الرازي قال حدثنا مهران ابن أبي عمر عن سفيان عن عبيد المكتب عن الفضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس بن مالك في قوله اليوم نختم على أفواههم قال كنا عند النبي فضحك حتى بدت نواجذه وقال هل تدرون مم ضحكت وذكر شيئا ثم قال في مجادلة العبد ربه يوم القيامة قال يقول يارب ألم تجرني من الظلم قال بلى قال فإني لا أجيز على اليوم شاهدا إلا من نفسي قال كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا كذا قال فيختم علي فيه ويقال لإركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكم فعنكم كنت أناضل وقال إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ابراهيم ربي الذي يحيى ويميت قال إنا أحيي وأميت قال ابراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتي بها من المغرب فبهت الذي كفر يقول فانقطع وخصم ولحقه البهت عند أخذ الحجة له ووصف الله عز وجل خصومة ابراهيم قومه ورده عليهم وعلى أبيه في عبادة الأوثان إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون إلى قوله أف لكم ولما تعبدون من دون الله الآيات كلها ونحو هذا في سورة الظلة إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون فحادوا عن جواب سؤاله هذا إذ انقطعوا وعجزوا عن الحجة فقالو بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون وهذا ليس بجواب عن هذا السؤال ولكنه حيدة وهرب عما لزمهم وهو ضرب من الانقطاع وقال عز وجل وتلك حجتنا آتيناها ابرايهم على قومه نرفع درجات من نشاء قالوا فالعلم والحجة وقال في قصة نوح قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا الآيات إلى قوله وأنا بريء مما تجرمون وقال في قصة موسى قال فمن ربكما يا موسى الآيات إلى قوله تارة أخرى وكذلك قول فرعون وما رب العالمين إلى قوله أولو جئتك بشيء مبين يعني والله أعلم بحجة واضحة غذ خص بها حجتك قال جل وعز قل هل من شركائكم من يبدء الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فإنى تؤفكون إلى قوله أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون فهذا كله تعليم من الله للسؤال والجواب والمجادلة وجادل رسول الله أهل الكتاب وبأهلهم بعد الحجة قال الله عز وجل إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب الآية ثم قال فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم الآية قال إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض الحديث وجادل عمر بن الخطاب اليهود في جبريل ومكائيل فقال جماعة من المفسرين كان لعمر أرض بأعلى المدينة فكان يأتيها وكان طريقه على موضع مدارسة اليهود وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم وإنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا يا عمر ما من أصحاب محمد أحد أحب إلينا منك إنهم يمرون بنا فيؤذوننا وتمر بن افلا تؤذينا وإنا لنطمع فيك فقال لهم عمر أي يمين فيكم أعظم قالوا الرحمن قال فبالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سينا أتجدون محمدا عندكم نبيا فسكتوا قال تكلموا ما شأنكم والله ما سألتكم وأنا شاك في شيء من ديني فنظر بعضهم لبعض فقام رجل منهم فقال أخبروا الرجل أو لأخبرنه قالوا نعم إنا نجده مكتوبا عندنا ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي هو جبريل وجبريل عدونا وهو صاحب كل عذاب وقتال وخسف ولو أنه كان وليه مكائيل لآمنا به فإن مكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث قال لهم فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سنا أن ميكائيل وأين جبريل من الله قالوا جبريل عن يمينه ومكائيل عن يساره قال عمر فأشهد أن الذي هو عدو للذي عن يمينه هو عدو الذي عن يساره والذي هو عدو للذي عن يساره هو عدو للذي عن يمينه وإنه من كان عدوا لهما فإنه عدو لله ثم رجع عمر ليخبر النبي فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فدعاه النبي فقرأ عليه قل من كان عدو لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين الآيات فقال عمر والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أخبرك فهذا مما صدق الله فيه قول عمر واحتجاجه وهو باب من الاحتجاج لطيف مسلوك عند أهل النظر وتركنا اسناد هذا الخبر سائر ما أوردناه من الأخبار في هذا الباب والباب الذي قبله وبعده لشهرتها في التفاسير والمصنفات وأخبر النبي إن آدم احتج مع موسى قال فحج آدم موسى وقال جل وعز هذان خصمان اختصموا في ربهم فأثنى على المؤمنين أهل الحق وذم أهل الكفر والباطل قال المفسرون نزلت هذه الآية في حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحرث وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل الدينوري قال حدثنا الحسن بن علي الرافعي قال حدثنا حاجب بن سليمان قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان الثوري عن أبي هاشم الرماني عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال سمعت أبا ذر يقسم لنزلت هذه الآيات هذان خصمان اختصموا في ربهم إلى قوله العزيز الحميد في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر في علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد الملطب وعبيدة بن الحرث بن عبد المطلب وعتبة بن بيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وتجادل أصحاب رسول الله يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صار الحق في أهله وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة وفي فصول يطول ذكرها واحتجوا على أبي بكر بقول رسول الله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حثنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فقال أبو بكر من حقها الزكاة والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ولو منعوني عناقا ويروي عقالا لقاتلهم عليه فبان لعمر وغيره من الصحابة الذين خالفوا أبا بكر في ذلك أن الحق معه فبايعوه وقوله إلا بحقها مثل قوله عز وجل ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وحدثني أحمد بن سعيد بن بشر قال حدثنا محمد بن أبي دليم قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا ابن ماهان قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب الطائي عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال لما جمع أبو بكر أهل الردة قال اختاروا مني حربا مجلية أو سلما مخزية قالوا فالحرب أما الحرب المجلية فقد عرفناها فما السلم المخزية قال تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم فقام عمر بن الخطاب فقال قتلانا قتلوا في سبيل الله لا يؤدون ونزع عنكم الحلقة والكراع يعني السلاح والخيل قاله ابن ماهان قال وتلزمون إذ ناب الإبل حتى يرى الله خليفة رسوله والمؤمنين ما شاء وحدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا ابن دليم قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا سفيان الثوري قال حدثنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب فذكر مثله حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن اسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان حدثنا شعبة عن عاصم بن بهذلة عن زر بن حبيش قال قلت لحذيفة صلى رسول الله الله عليه وسلم في بيت المقدس فقال أنت تقول صلى فيه يا أصلع قلت نعم بيني وبينك القرآن قال حذيفة هات من احتج بالقرآن فقد أفلح فقرأت عليه سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فقال حذيفة بن نجدة صلى فيه وذكر الحديث وناظر على رضى الله عنه الخوارج حتى انصرفوا وناظرهم ابن عباس أيضا بمالا مدفع فيه من الحجة من نحو كلام علي ولولا شهرة ذلك وخشية طول الكتاب لاجتليت ذلك على وجهه حدثنا ابراهيم بن شاكر قال حدثنا محمد بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد ابن حمير قال حدثنا سعيد بن عثمان قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا النضر بن محمد قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثني أبو زميل قال حدثني ابن عباس قال لما اجتمعت الحرورية يخرجون على علي قال جعل يأتيه الرجل فيقول يا أمير المؤمنين القوم خارجون عليك قال دعوهم حتى يخرجوا فلما كان ذات يوم قلت يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتى القوم قال فدخل عليهم وهم قائلون فإذا هم مسمهة وجوههم من السهر وقد أثر اسجود في جباههم كأن ايديهم ثفن الإبل عليهم قمص مرحضة فقالواما جاء بك يا ابن عباس وما هذه الحلة عليك قال قلت ما تعيبون مني فلقد رأيت رسول الله أحسن ما يكون من ثياب اليمنية قال ثم قرأت هذه الآية قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق فقالوا ما جاء بك قال جئتكم من عند أصحاب رسول الله وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله جئت لأبلغكم عنهم وابلغهم عنكم قال بعضهم لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول بل هم قوم خصمون فقال بعضهم بلى فلنكامنه قال فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة قال قلت ماذا نقمتم عليه قالوا ثالثا فقلت ما هن قالوا حكم الرجال في أمر الله وقال الله إن الحكم إلا الله قال قلت هذه واحدة وماذا أيضا قال فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فلئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم ولئن كانوا كافرين لقد حل قتالهم وسيبهم قال قلت وماذا أيضا قالوا ومحا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين قال قلت أرأيتكم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ما ينقض قولكم هذا أرجعون قالوا وما لنا لا نرجع قال قلت أما حكم الرجال في أمر الله فإن الله قال في كتابه يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم بحكم به ذوا عدل منكم وقال في المرأة وزوجها وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها فصير الله ذلك إلى حكم الرجال فنشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين واصلاح ذات بينهم أفضل أو في حكم ارنب ثمن ربع درهم وفي بضع امرأة قالوا بلى هذا أفضل قال أخرجت من هذه قالوا نعم قال فأما قولكم قاتل فلم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة فإن قلتم نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم فأنتم ترددون بين ضلالتين أخرجت من هذه قالوا بلى قال وأما قولكم محا نفسه من امرة المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله أكتب يا على هذا ما صالح عليه محمد رسول الله حدثنا فقال أبو سفيان وسهيل ابن عمرو ما نعلم انك رسول الله ولو نعلم انك رسول الله ما قاتلناك قال رسول الله اللهم تعلم إني رسولك أمح يا علي واكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو قال فرجع منهم الفان وبقى بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعين حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن البختري والشعبي واصحاب علي عن علي أنه لما ظهر على البصرة يوم الجمل جعل لهم ما في عسكر القوم من السلاح ولم يجعل لهم غير ذلك فقالوا كيف تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم ولا نساؤهم قال هاتوا سهامكم فاقرعوا على عائشة فقالوا نستغفر الله فخصمهم علي وعرفهم إنها إذا لم تحل لم تحل بنوها أخبرنا أحمد بن محمد قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار قال حدثنا هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال خرجت الحرورية بالموصل فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بمخرجهم فكتب إلي يأمرني بالكف عنهم وأن أدعو رجالا منهم فأحملهم على مراكب من البريد حتى يقدموا على عمر فجادلهم فإن يكونوا على الحق اتبعهم وإن يكن عمر على الحق اتبعوه وأمرني أن أرتهن منهم رجالا وأن أعطيهم رهنا يكون في أيديهم حتى تنقضي الأمور وأجلهم في سيرهم ومقامهم ثلاثة أشهر فلما قدموا على عمر أمر بنزولهم ثم أدخلهم عليه فجادلهم حتى إذا لم يجد لهم حجة رجعت طائفة منهم ونزعوا عن رأيهم وأجابوا عمر وقالت طائفة أخرى لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتتبر أمنهم فقال عمر إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق أعلموني هل تبرأتم من فرعون أو لعنتموه أو ذكرتموه في شيء من أموركم قالوا لا قال فكيف وسعكم تركه ولم يصف الله عبدا بأخبث من صفته إياه ولا يسعني ترك أهل بيتي ومنهم المحسن والمسيء والمخطئ والمصيب وذكر الحديث وأخبرنا أحمد حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا نعيم قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا جرير بن حازم عن محمد ابن سليم أحد بني ربيعة بن حنظلة بن عدي قال بعثني وعون بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت بالجزيرة فذكر الخبر في مناظرة عمر للخوارج وفيه قالوا خالفت اهل بيتك وسميتهم الظلمة فأما أن يكونوا على الحق أو يكونوا على الباطل فإن زعمت أنك على الحق وهم على الباطل فالعنهم وتبرأ منهم فإن فعلت فنحن منك وأنت منا وإن لم تفعل فلست منا لسنا منك فقال عمر إني قد علمت إنكم لن تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم القتل والقتال إلا وأنتم ترون إنكم مصيبون ولكنكم أخطأتم وضللتم وتركتم الحق أخبروني عن الدين أواحد أو أثنان قالوا إبل واحد قال فليسعكم في دينكم شيء يعجز عني قالوا لا قال أخبروني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم قالوا أفضل أسلافنا أبو بكر وعمر قال ألستم تعلمون أن رسول الله لما توفي ارتدت العرب فقاتلهم أبو بكر فقتل الرجال وسبى الذرية والنساء قالوا بلى قال عمر بن عبدالعزيز فلما توفي أبو بكر قام عمر رد النساء والذراري على عشائرهم قالوا بلى قال عمر فهل تبرأ عمر من أبي بكر ولعنه بخلافه إياه قالوا لا قال فتتولونهما على اختلاف سيرتهما قالوا نعم قال عمر فما تقولون في بلال بن مرداس قالوا من خير أسلافنا بلال بن مرداس قال أفلستم قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه أيديهم في الدماء والأموال فهل تبرأت احدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت احداهما الأخرى قالوا لا قال فتتولونهما جميعا على اختلاف سيرتهما قالوا نعم قال عمر فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي حين خرج من البصرة هو وأصحابه يريدون أصحابكم بالكوفة فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه وبقروا بطن جاريته ثم عدوا على قوم من بني قطيعة فقتلوا الرجال وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل وتأولوا قول الله إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ثم قدموا على أصحابهم من أهل الكوفة وهم كافون عن الفروج والدماء والاموال فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى أو لعنت أحداهما الأخرى قالوا لا قال عمر فتتولونهما على اختلاف سيرتهما قالو نعم قال عمر فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة والأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض على اختلاف سيرتهم ووسعهم ووسعكم ذلك ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الأحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم أخبروني عن العن أفرض على العباد قالوا نعم قال عمر لأحدهما متى عهدك بلعن فرعون قال مالي بذلك عهد منذ زمان فقال عمر هذا رأس من رؤوس الكفر ليس لك عهد بلعنه منذ زمان وأنا لا يسعني العن من خالفتهم من أهل بيتي وذكر تمام الخبر قال أبو عمر هذا عمر عبد العزيز رضي الله عنه وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال في الدين وهو القائل من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل ولما اضطر وعرف الفلج في قوله ورجبيء أن يهدي الله به لزمه البيان فبين وكان أحد الراسخين في العلم رحمه الله قال بعض العلماء كل مجادل عالم وليس كل عالم مجادلا يعني أنه ليس كل عالم يتأتى له الحجة ويحضره الجواب ويسرع إليه الفهم بمقطع الحجة ومن كانت هذه خصاله فهو أرفع العلماء وأنفعهم مجالسة ومذاكرة والله يؤتي فضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم قال أبو ابراهيم المزني رحمه الله لبعض مخالفيه في الفقه من أين قلتم كذا وكذا ولم قلتم كذا وكذا فقال له الرجال قد علمت يا أبا ابراهيم أنا لسنا لمية فقال المزني إن لم تكونوا لمية فأنتم إذن في عميه أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا يوسف بن أحمد اجازة عن أبي جعفر العقيلي قال حدثنا محمد بن عتاب بن المربع قال سمعت العباس بن عبد العظيم العنبري قال كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبا على دابة قال فتناظرا في الشهادة وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء وكان أحمد يرى الشهادة وعلي يأبى ويدفع فلما أراد علي الانصراف قام أحمد فأخذ بركابه وسمعت أحمد في ذلك المجلس يقول لا ننظر بين أصحاب محمد فيما شجر بينهم ونكل أمرهم إلى الله والحجة في ذلك حديث حاطب وأما تناظر العلماء وتجادهلم في مسائل الأحكام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أكثر من أن تحصى وسنذكر منها شيئا يستدل به قال زيد بن ثابت لعلي في المكاتب أكنت راجمه لو زنى قال لا قال فكنت تجيز شهادته قال لا قال فهو عبد ما بقى عليه درهم وقد ذكر معمر عن قتادة أن عليا قال في المكاتب يورث بقدر ما أدى وأحتج زيد أيضا على من خالفه من الصحابة إذ خاصموه في ذلك بأن المكاتبين كانوا يدخلون على أمهات المؤمنين ما بقى على أحد من كتابتهم شيء ويقول زيد يقول فقهاء الأمصار وناظر عبيد الله بن عمر أباه في المال الذي أعطاه إياه أبو موسى الأشعري هو وأخاه وقال عبيد الله لو تلف المال ضمناه فلنا ربحه بالضمان قال سليمان بن سالم في الحامل تلد ولدا ويبقى في بطنها ولد آخر إن لزوجها عليها الرجعة وقال عكرمة لا رجعة له عليها لأنها قد وضعت فقال له سليمان أيحل لها أن تتزوج قال لا قال خصم العبد وقال ابن عباس ليتق الله زيد أيجعل ولد الولد بمنزلة الولد لا يجعل أب الأب بمنزلة الأب إن شاء باهلته عند الحجر الأسود وعن ابن عباس من شاء باهلته إن الظهار ليس من الأمة إنما قال الله من نسائهم وقيل لمجاهد في هذه المسئلة أليس الله جل وعز يقول والذين يظاهرون من نسائهم فليس الأمة من النساء فقال مجاهد قد قال الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم أفليس العبد من الرجال افتجوز شهادته يقول كما أن العبد من الرجال غير المراد بالشهادة فكذلك الأمة من النساء غير المراد بالظهار وهذا عين القياس وناظر أبو هريرة عبد الله بن سلام في الساعة التي في يوم الجمعة على حسب ما ذكره مالك في موطئه وناظر سعيد بن المسيب ربيعة في اصابع المرأة وناظر عمر بن الخطاب أبا عبيدة في حديث الطاعون قوله أرأيت لو كانت لك ابل هبطت بها واديا الحديث وهذا أكثر من أن يحصى وفي قول الله عز وجل فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح سائغ لمن تدبر ومن مليح الاحتجاج والكر على الخصم ما روى حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس أن الأحنف ابن قيس كان يكره الصلاة في المقصورة فقال له رجل يا أبا بحر لم لا تصلي في المقصورة قال له الأحنف وأنت لم تصل فيها قال لا أترك قال الأحنف فلذلك لا أصلي فيها وهذا ضرب من الاحتجاج والزام الخصم بديع وقال المزني لا تعدو المناظرة احدى ثلاث أما تثبيت لما في يديه أو انتقال من خطأ كان عليه أو ارتياب فلا يقدم من الدين على شك قال وكيف ينكر المناظرة من لم ينظر فيما به يردها قال وحق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يقبل منها ما يتبين وقالوا لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونا متقاربين أو متساويين في مرتبة واجدة من الدين والفهم والعقل والانصاف وإلا فهو مراء ومكابرة وقال سليمان بن عمران سمعت أسد ابن الفرات يقول بلغني أن قوما كانوا يتناظرون بالعراق في العلم فقال قائل من هؤلاء فقيل قوم يقتسمون ميراث رسول الله وذكر ابن مزين قال حدثنا عيسى عن ابن القاسم عن مالك قال قال عمر بن عبد العزيز رأيت ملاحاة الرجال تلقيحا لألبابهم قال مالك وقال عمر بن عبد العزيز ما رأيت أحدا لاحى الرجال إلا أخذ بجوامع الكلم قال يحيى بن مزين يريد بالملاحاة هنا المخاوضة والمراجعة على وجه التعليم والتفهم والمدارسة والله أعلم

جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر
مقدمة جامع بيان العلم وفضله | باب قوله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم | تفريع أبواب فضل العلم وأهله | باب قوله صلى الله عليه وسلم ينقطع عمل المرء بعد موته إلا من ثلاث | باب قوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله | باب قوله صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين | باب قوله صلى الله عليه وسلم الناس معادن | باب قوله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين | باب تفضيل العلم على العبادة | باب قوله صلى الله عليه وسلم العالم والمتعلم شريكان | باب تفضيل العلماء على الشهداء | باب ذكر حديث صفوان بن عسال في فضل العلم | باب ذكر حديث أبي الدرداء في ذلك وما كان في مثل معناه | باب دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لمستمع العلم وحافظه ومبلغه | باب قوله صلى الله عليه وسلم من حفظ على أمتي أربعين حديثا | باب جامع في فضل العلم | باب ذكر كراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف | باب ذكر الرخصة في كتاب العلم | باب معارضة الكتاب | باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه | باب في فضل التعلم في الصغر والحض عليه | باب حمد السؤال والإلحاح في طلب العلم وذم ما منع | باب ذكر الرحلة في طلب العلم | بابا الحض على استدامة الطلب والصبر على اللأواء والنصب | باب جامع في الحال التي تنال بها العلم | باب كيفية الرتبة في أخذ العلم | باب ما روي عن لقمان الحكيم من وصية ابنه وحضه إياه | باب آفة العلم وغائلته وإضاعته وكراهية وضعه عند من ليس بأهله | باب في هيبة المتعلم للعالم | باب في ابتداء العالم جلساءه بالفائدة وقوله سلوني وحرصهم على أن يؤخذ ما عندهم | باب منازل العلم | باب طرح العالم المسألة على المتعلم | باب فتوى الصغير بين يدي الكبير بإذنه | باب جامع لنشر العلم | باب جامع في آداب العالم والمتعلم | فصل في الإنصاف في العلم | فصل في فضل الصمت وحمده | فصل في مدح التواضع وذك العجب وطلب الرياسة | باب ما روي في قبض العلم وذهاب العلماء | باب حال العلم إذا كان عند الفساق والأرذال | باب ذكر استعاذة رسول الله صلى الله عليه وسلم | باب ذم العالم على مداخلة السلطان الظالم | باب ذم الفاجر من العلماء وذم طلب العلم للمباهاة والدنيا | باب ما جاء في مسائلة الله عز وجل العلماء يوم القيامة | باب جامع القول في العمل بالعلم | باب الخبر عن العلم أنه يقود إلى الله عز وجل على كل حال | باب معرفة أصول العلم وحقيقته وما الذي يقع عليه اسم الفقه والعلم مطلقا | باب العبارة عن حدود علم الديانات وسائر العلوم المنتحلات | باب مختصر في مطالعة كتب أهل الكتاب والرواية عنهم | باب من يستحق أن يسمى فقيها أو عالما حقيقة لا مجازا | باب ما يلزم العالم إذا سئل عما لا يدريه من وجوه العلم | باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة | باب نكتة يستدل بها على استعمال عموم الخطاب في السنن والكتاب | باب في خطأ المجتهدين من المفتيين والحكام | باب نفي الالتباس في الفرق بين الدليل والقياس | باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء | باب ذكر الدليل في أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب | باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء | باب إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة | باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع | باب ذكر من ذم الاكثار من الحديث دون التفهم والتفقه فيه | باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس | باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض | باب تدافع الفتوى وذم من سارع إليها | باب رتب الطلب والنصيحة في المذهب | باب في العرض على العالم وقول أخبرنا وحدثنا | باب الحض على لزوم السنة والاقتصار عليها | باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له | باب من تأول القرآن أو تدبره وهو جاهل بالسنة | باب فضل السنة ومباينتها لسائر أقاويل علماء الأمة | باب ذكر بعض من كان لا يحدث عن رسول الله إلا وهو على وضوء | باب في انكار أهل العلم ما يجدونه من الأهواء والبدع | باب فضل النظر في الكتب وحمد العناية بالدفاتر