محلى ابن حزم - المجلد الرابع/الصفحة الخامسة عشر


كتاب البيوع

1467 - مسألة : ولا يحل لأحد أن يسوم على سوم آخر ، ولا أن يبيع على بيعه - المسلم ، والذمي سواء - فإن فعل فالبيع مفسوخ ، فإن وقف سلعته لطلب الزيادة ، أو قصد الشراء ممن باعه لا من إنسان بعينه ، لكن محتاطا لنفسه جازت المزايدة حينئذ هذا إذا لم يبتد بسوم آخر فقط ، فإن بدأ بمساومة إنسان بعينه فلم يزده المشتري على أقل من القيمة ووقف على ذلك فلغيره أن يبلغه إلى القيمة وأكثر حينئذ . وكذلك لو طلب البائع أكثر من القيمة ولم يجب إلى القيمة أصلا فلغيره حينئذ أن يعرض على المشتري سلعته بقيمتها وبأقل . برهان ذلك - : ما رويناه من طريق مالك عن نافع ، وأبي الزناد ، قال أبو الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة ، وقال نافع : عن ابن عمر ، ثم اتفق أبو هريرة ، وابن عمر ، كلاهما عن رسول الله أنه قال : { لا يبع بعضكم على بيع بعض } . ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي أنه قال : { لا يبع أحدكم على بيع أخيه } . قال علي : هذا خبر معناه الأمر ؛ لأنه لو كان معناه الخبر لكان كذبا لوجود خلافه ، والكذب مقطوع ببعده عن النبي ولا يجيزه عليه إلا كافر حلال دمه . ومن طريق شعبة عن الأعمش عن أبي صالح - هو السمان - عن أبي هريرة : " أن رسول الله قال : { لا يسم المسلم على سوم المسلم } . قال علي : هذا بعض ما في حديث أبي هريرة ، وابن عمر ؛ لأن البيع على البيع يدخل فيه السوم ضرورة ؛ لأنه لا يمكن البيع ألبتة إلا بعد سوم ، ولا يكون السوم ألبتة إلا للبيع ، وإلا فليس سوما ، فإذا حرم البيع حرم السوم عليه ، وإذا حرم السوم حرم البيع ضرورة . ولا يجوز السوم بما لا يجوز بيعه كبيع الحر والسوم فيه ، وفي الربا - وبهذا قال بعض الصحابة رضي الله عنهم . قال أبو محمد : وقال مالك : إنما هذا إذا ركنا وتقاربا - وهذا تفسير لا يدل عليه لفظ الحديث ، فأما من أوقف سلعته طلب الزيادة فيه أو طلب بيع يسترخصه فليس مساوما لإنسان بعينه ، فلا يلزمه هذا النهي ، وأما من رأى المساوم أو المبايع لا يريد الرجوع إلى القيمة ، لكن يريد غبن صاحبه بغير علمه فهذا فرض عليه نصيحة المسلم ، فقد خرج عن هذا النهي أيضا بقول رسول الله  : { الدين النصيحة } . وروينا من طريق وكيع عن حزام بن هشام الخزاعي عن أبيه شهدت عمر بن الخطاب باع إبلا من إبل الصدقة فيمن يزيد . ومن طريق حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن المغيرة بن شعبة : أنه باع المغانم فيمن يزيد - ومن طريق ابن أبي شيبة أنا معتمر بن سليمان عن الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك عن رجل من الأنصار : { أن رسول الله باع حلسا وقدحا فيمن يزيد } .

1468 - مسألة : ولا يحل النجش وهو أن يريد البيع فينتدب إنسانا للزيادة في البيع ، وهو لا يريد الشراء لكن ليغتر غيره فيزيد بزيادته - فهذا بيع إذا وقع بزيادة على القيمة فللمشتري الخيار ، وإنما العاصي والمنهي هو الناجش ، وكذلك رضا البائع إن رضي بذلك ، والبيع غير النجش وغير الرضا بالنجش ، وإذ هو غيرهما فلا يجوز أن يفسخ بيع صح بفساد شيء غيره ، ولم يأت نهي قط عن البيع الذي ينجش فيه الناجش ، بل قال الله تعالى : { وأحل الله البيع } . وروينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال : { إن رسول الله نهى عن النجش } . ومن طريق عبد الرزاق عن إسماعيل بن عياش عن عبيد بن مهاجر قال : بعث عمر بن عبد العزيز عبيد بن مسلم يبيع السبي فلما فرغ أتى عمر فقال له : إن البيع كان كاسدا لولا أني كنت أزيد عليهم وأنفقه ؟ فقال له عمر : كنت تزيد عليهم ، ولا تريد أن تشتري ؟ قال : نعم فقال عمر : هذا نجش ، والنجش لا يحل ، ابعث مناديا ينادي : أن البيع مردود ، وأن النجش لا يحل .

1469 - مسألة : ولا يحل لأحد تلقي الجلب - : سواء خرج لذلك أو كان ساكنا على طريق الجلاب ، وسواء بعد موضع تلقيه أم قرب - ولو أنه على السوق على ذراع فصاعدا ، لا لأضحية ، ولا لقوت ، ولا لغير ذلك ، أضر ذلك بالناس أو لم يضر . فمن تلقى جلبا - أي شيء كان - فاشتراه فإن الجالب بالخيار إذا دخل السوق متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضاء البيع ، أو رده ، فإن رده حكم فيه بالحكم في البيع برد العيب لا في المأخوذ بغير حق ، ولا يكون رضا الجالب إلا بأن يلفظ بالرضا ، لا بأن يسكت - علم أو لم يعلم - فإن مات المشتري فالخيار للبائع باق ، فإن مات البائع قبل أن يرد أو يمضي فالبيع تام . برهان ذلك - : ما روينا من طريق مسلم أنا ابن نمير - هو محمد بن عبد الله بن نمير - أنا أبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : { إن رسول الله نهى أن تتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق } . ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة أنا عبد الله بن المبارك عن التيمي - هو سليمان - عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله بن مسعود عن النبي { أنه نهى عن تلقي البيوع } . وروينا نحوه مسندا صحيحا من طريق ابن عباس . ومن طريق علي أيضا . ومن طريق مسلم حدثنا ابن أبي عمر : أنا هشام بن سليمان عن ابن جريج أخبرني هشام القردوسي - هو ابن حسان - عن ابن سيرين قال : سمعت أبا هريرة يقول " إن رسول الله قال : { لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار } . ومن طريق أبي داود أنا الربيع بن نافع أبي توبة حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة : { أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن تلقي الجلب فإن تلقاه متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق } . قال أبو محمد : هذا نقل تواتر ، رواه خمسة من الصحابة ، ورواه عنهم الناس - وبهذا قال السلف - : روينا من طريق عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة نهى عن تلقي الجلب فمن تلقى جلبا فاشترى منه فالبائع بالخيار إذا وقع السوق - وهذا نص قولنا ، ولا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف ، لا سيما هذه الطريق التي كأنها الشمس . ومن طريق الحجاج بن المنهال أنا أبو هلال أنا محمد بن سيرين قال : كان يكره أن يتلقى الجلب خارج البلد فإذا تلقي الجلب خارجا من البلد فرب الجلب بالخيار إذا قدم إن شاء باع وإن شاء أمسك ، وهذا أيضا نص قولنا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا ابن المبارك عن أبي جعفر الرازي عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال : لا تلقوا البيوع بأفواه السكك . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا أبو داود الطيالسي عن إياس بن دغفل : قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز - : لا تلقوا الركبان . وممن نهى عن تلقي الركبان الجالبين جملة : الليث ، والحسن بن حي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، والشافعي ، وأبو سليمان ، وأصحابهم . وقال الشافعي ، وأبو سليمان : بإيجاب الخيار للبائع إذا قدم السوق - ونهى عنه الأوزاعي إن كان بالناس إليه حاجة . وأباحه أبو حنيفة جملة ، إلا أنه كرهه إن أضر ذلك بأهل البلد دون أن يحظره ، وأجازه بكل حال - وهذا خلاف لرسول الله . وخلاف صاحبين لا يعرف لهما من الصحابة مخالف ، وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم . وما نعلم لأبي حنيفة في هذا القول أحدا قاله قبله . وقال مالك : لا يجوز ذلك للتجارة خاصة ، ويؤدب من فعل ذلك في نواحي المصر فقط - ولا بأس بالتلقي لابتياع القوت من الطعام والأضحية . وهذه تقاسيم مخالفة للسنة الواردة في ذلك ، ولا نعلمها عن أحد قبل مالك أصلا . قال أبو محمد : وحكم رسول الله بالخيار للبائع بيان بصحة البيع إلا أن للبائع خيارا في رده أو إمضائه ، والخيار لا يكون ألبتة ولا يجوز إلا لمن جعله رسول الله له ، ومن جعله يورث فقد تعدى ما حد رسول الله وليس الخيار مالا يورث ، ولو ورث لكان لأهل الوصية منه نصيبهم . قال سفيان الثوري : تلقي السلع منهي عنه من تلقاها بحيث لا تقصر الصلاة إليه ، فإن تلقاها بحيث تقصر الصلاة فصاعدا فلا بأس بذلك . قال علي : فهذا تقسيم فاسد ؛ لأنه دعوى بلا برهان . وقال الليث : ينزع من المشتري ويرد إلى البائع ، فإن مات نزعت من المشتري وبيعت في السوق ودفع ثمنها إلى البائع . قال أبو محمد : احتج من أجاز تلقي الركبان بما رويناه من طريق البخاري عن موسى بن إسماعيل عن جويرية عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا النبي أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام } . ومن طريق البخاري أنا إبراهيم بن المنذر أنا أبو ضمرة - هو أنس بن عياض - أنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر { أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله فيبعث عليه من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام } . ومن طريق ابن أيمن أنا هشام أنا أبو صالح حدثني الليث بن سعد حدثني ابن غنج عن نافع عن ابن عمر أنه حدثه : { أنهم كانوا يشترون الطعام على عهد رسول الله من الركبان فنهاهم النبي أن يبيعوه في مكانهم الذي ابتاعوه فيه حتى ينقلوه إلى سوق الطعام } . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه لستة وجوه - : أحدها - أن المحتجين بهذا هم القائلون بأن الصاحب إذا روى خبرا عن النبي ثم خالفه أو حمله على تفسير ما فهو أعلم بما فسر ، وقوله حجة في رد الخبر ، وابن عمر هو راوي هذا الخبر ، وقد صح عنه الفتيا بترك التلقي كما ورد آنفا ، والأخذ بما روي من النهي عن التلقي . وثانيها - أن هذين خبران هم أول مخالف لنا فيهما ، فلا كراهة عندهم في بيع الطعام حيث ابتاعه ، ولا أسوأ طريقة ممن يحتج بحجة هو أول مبطل لها ، ومخالف لموجبها . والثالث - أنهما موافقان لقولنا ؛ لأن معنى نهي رسول الله أن يبيعوه حتى يبلغوا به سوق الطعام هو نهي للبائع أن يبيعه وللمشتري أن يبتاعه حتى يبلغ به السوق ، ومشهور غير منكور في لغة العرب " بعت بمعنى ابتعت " ويخرج خبر موسى بن عقبة على هذا أيضا ، وأنه نهى البائعين أن يبيعوه في مكانهم الذي ابتاعه المشترون منهم - وهذا معنى صحيح لا داخلة فيه . والرابع - أنه حتى لو كان فيهما نص على جواز تلقي الركبان وليس ذلك فيهما لكان النهي ناسخا ولا بد بيقين لا شك فيه ؛ لأن التلقي كان مباحا بلا شك قبل النهي ، فكان هذان الخبران موافقين للحال المتقدمة بلا شك ، وباليقين يدري كل ذي فهم أن رسول الله إذ نهى عن التلقي فقد بطلت الإباحة بلا شك ، فقد بطل حكم هذين الخبرين ونسخ لو صح فيهما إباحة التلقي ، فكيف وليس ذلك فيهما ؟ وهذا برهان قاطع لا محيد عنه ، ومن ادعى عود حكم قد نسخ فقد كذب ، وقفا ما لا علم له به ، وادعى على رسول الله أنه لم يبين كما أمر ، وأن الدين مختلط لا يدري أحد حرامه من حلاله من واجبه ، وحاش لله من هذا . وخامسها - أن يضم هذان الخبران إلى أخبار النهي ، فيكون البائعون تخيروا إمضاء البيع فأمر المبتاعون بنقله حينئذ إلى السوق ، فتتفق الأخبار كلها ولا تحمل على التضاد . وسادسها - أننا روينا هذا الخبر ببيان صحيح رافع للإشكال من طريق من هو أحفظ وأضبط من جويرية - كما روينا من طريق البخاري أنا مسدد أنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله - هو ابن عمر - حدثه نافع عن عبد الله بن عمر قال : { كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق ويبيعونه في مكانه فنهاهم النبي أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه } . ومن طريق مسلم أنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير قال ابن أبي شيبة : أنا علي بن مسهر ، وقال أبو بكر : أنا أبي ، ثم اتفق علي بن مسهر ، وعبد الله بن نمير ، كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : { كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله أن نبيعه حتى ننقله من مكانه } . فهذا يبين أن البيع كان في السوق إلا أنه في أعلاه ، وفي الجزاف خاصة فنهي المشترون عن ذلك - واحتج أيضا بعضهم بشيء طريف جدا ، وهو أنه ذكر رواية عن هشام القردوسي عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، وفيه : فمن اشتراه فهو بالخيار ، وقال : إن هذا اللفظ يوجب الخيار للمشتري أيضا . قال أبو محمد : وهذا مما جروا به على عادتهم الخبيثة في الإيهام والتمويه بأنهم يحتجون - وهم لا يأتون بشيء - لأن هذا الذي قاله هذا القائل باطل ، ولو جاء بهذا اللفظ لكان مجملا تفسره رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة لهذا الخبر نفسه ، وأن الخيار إنما هو للبائع ، وهكذا قال أبو هريرة ، وابن سيرين في فتياهما . ثم هبك لو صح خيار آخر للمشتري فأي منفعة لهم في هذا ؟ وهم لا يقولون بهذا ، فلو كان ههنا حياء ، أو ورع لردع عن التمويه بمثل هذا مما هو كله عليهم . قال أبو محمد : وقال بعض الناس : إنما أمر عليه السلام بهذا حياطة للجلاب دون أهل الحضر - قال علي : وقال بعضهم : بل حياطة على أهل الحضر دون الجلاب . قال أبو محمد : وكلا القولين فاسد ، وما حياطة النبي لأهل الحضر إلا كحياطته للجلاب سواء سواء ، قال الله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } . فهو عليه السلام ذو رأفة ورحمة بالمؤمنين كما وصفه ربه تعالى ، ولم يفرق بين المؤمنين من أهل الحضر والمؤمنين من الجالبين ، وكلهم مؤمنون فكلهم في رأفته ورحمته سواء ، ولكنها الشرائع يوحيها إليه باعثه عز وجل فيؤديها كما أمر ، لا يبدلها من تلقاء نفسه ، ولا ينطق عن الهوى ، ولا علة لشيء من أحكام الشريعة إلا ما قاله الله عز وجل : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } و { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ، { لا معقب لحكمه } ، وما عدا هذا فباطل وإفك مفترى . فإن قال قائل : فما يقولون : في خبر ابن عمر المذكور - وهو صحيح - وأنتم المنتسبون إلى القول بالسنن ؟ قلنا : نعم ، ولله الحمد كثيرا ، وسنذكر الحكم الذي في هذا الخبر من نقل الطعام عن موضع ابتياعه وأنه في الجزاف خاصة بعد هذا - إن شاء الله تعالى - من خبر آخر . وأما هذا الخبر الذي ذكرنا ههنا فهو كما ذكرنا ولا بد - : إما أمر للبائعين وهم الركبان الجالبون له ، بأن نهوا عن ذلك البيع هنالك ، ونهي المشترون عن التلقي - وإما أنه مفسوخ بالنهي عن التلقي أو في الجزاف خاصة ، كما في خبر عبيد الله ، لا بد من أحد هذه الأمور لما ذكرنا ، ولا يحتمل غير هذين الوجهين أصلا - وبالله تعالى التوفيق .

1470 - مسألة : ولا يجوز أن يتولى البيع ساكن مصر ، أو قرية ، أو مجشر لخصاص لا في البدو ولا في شيء مما يجلبه الخصاص إلى الأسواق ، والمدن ، والقرى ، أصلا ولا أن يبتاع له شيئا لا في حضر ولا في بدو ، فإن فعل فسخ البيع والشراء أبدا ، وحكم فيه بحكم الغصب ، ولا خيار لأحد في إمضائه ، ولكن يدعه يبيع لنفسه ، أو يشتري لنفسه ، أو يبيع له خصاص مثله ، ويشتري له كذلك ، لكن يلزم الساكن في المدينة ؛ أو القرية ، أو المجشر : أن ينصح للخصاص في شرائه وبيعه ، ويدله على السوق ، ويعرفه بالأسعار ، ويعينه على رفع سلعته إن لم يرد بيعها وعلى رفع ما يشتري . وجائز للخصاص أن يتولى البيع ، والشراء لساكن المصر ، والقرية ، والمجشر - وجائز لساكن المصر ، والقرية ، والمجشر أن يبيع ويشتري لمن هو ساكن في شيء منها . برهان ذلك - : ما رويناه من طريق مسلم أنا زهير بن حرب أنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي  : { أنه نهى أن يبيع حاضر لباد } . ومن طريق مسلم أنا يحيى بن يحيى أنا هشيم عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين عن أنس بن مالك ، قال : نهينا أن يبيع حاضر لباد ، وإن كان أخاه أو أباه . ومن طريق مسلم أنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أنا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : { نهى رسول الله أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد } . قال طاوس : فقلت لابن عباس : ما قوله حاضر لباد ؟ قال : لا يكون له سمسارا . ومن طريق أحمد بن شعيب أنا إبراهيم بن الحسن أنا حجاج - هو ابن محمد - قال : قال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله  : { لا يبع حاضر لباد ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا شبابة عن ابن أبي ذئب حدثني مسلم الخياط عن ابن عمر قال : { نهى رسول الله عن بيع حاضر لباد } . فهذا نقل خمسة من الصحابة بالطرق الثابتة ، فهو نقل تواتر ، وبه تأخذ الصحابة رضي الله عنهم - : كما روينا آنفا ابن عباس مفسرا مبينا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا وكيع عن سفيان الثوري عن أبي موسى عن الشعبي : كان المهاجرون يكرهون بيع حاضر لباد قال الشعبي : وإني لأفعله . قال أبو محمد : الأولى أن يحمل عليه قول الشعبي ، " وإني لأفعله " أي إني أكرهه كما كرهوه - : ومن طريق سعيد بن منصور أنا سفيان بن عيينة عن مسلم الخياط : أنه سمع أبا هريرة ينهى أن يبيع حاضر لباد . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا ابن عيينة عن مسلم الخياط : أنه سمع أبا هريرة يقول : نهي أن يبيع حاضر لباد - وسمع عمر يقول : لا يبيع حاضر لباد . ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبي حمزة عن إبراهيم النخعي قال : قال عمر بن الخطاب : دلوهم على السوق ، دلوهم على الطريق ، وأخبروهم بالسعر . ومن طريق أبي داود سمعت حفص بن عمر يقول : أنا أبو هلال أنا محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال : كان يقال : لا يبع حاضر لباد - وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا يبتاع له شيئا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا أبو أسامة عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن أنس قال : لا يبع حاضر لباد . ومن طريق أبي داود أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سالم المالكي : أن { أعرابيا حدثه أنه قدم بجلوبة له على عهد رسول الله فنزل على طلحة بن عبد الله ، فقال له طلحة : إن النبي نهى أن يبيع حاضر لباد ، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من بايعك فشاورني حتى آمرك أو أنهاك } . فهؤلاء المهاجرون جملة ، وعمر بن الخطاب ، وأنس ، وابن عباس ، وأبو هريرة ، وطلحة ، لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضي الله عنهم - وهو قول عطاء ، وعمر بن عبد العزيز . وروينا عن بعض التابعين خلافه . روينا عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يشتري من الأعرابي للأعرابي ، قيل له : فيشترى منه للمهاجر ؟ قال لا . ومن طريق سعيد بن منصور أنا هشيم أبو حرة سمعت الحسن يقول : اشتر للبدوي ولا تبع له . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا أبو داود - هو الطيالسي - عن إياس بن دغفل : قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز : لا يبع حاضر لباد . ومن طريق سعيد بن منصور أنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : إنما نهى رسول الله أن يبيع حاضر لباد ، لأنه أراد أن يصيب المسلمون من غرتهم ، فأما اليوم فلا بأس - وقال عطاء : لا يصلح اليوم . ومن طريق وكيع عن ابن خثيم قلت لعطاء : قوم من الأعراب يقدمون علينا أفنشتري لهم ؟ قال : لا بأس . ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة عن إبراهيم ، قال : كان يعجبهم أن يصيبوا من الأعراب رخصة - وهو قول الأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، والشافعي ، وأبي سليمان ، ومالك ، والليث . قال الأوزاعي : لا يبيع له ، ولكن يشير عليه ، وليست الإشارة بيعا إلا أن الشافعي قال : إن وقع البيع لم يفسخ . وقال الليث ، ومالك : لا يشير عليه . وقال مالك : لا يبيع الحاضر أيضا لأهل القرى ، ولا بأس بأن يشتري الحاضر للبادي إنما منع من البيع له فقط ، ثم قال : لا يبع مدني لمصري ، ولا مصري لمدني ، ولكن يشير كل واحد منهما على الآخر ويخبره بالسعر . وقال أبو حنيفة : يبيع الحاضر للبادي ، لا بأس بذلك . قال أبو محمد : أما فسخنا للبيع فإنه بيع محرم من إنسان منهي عن ذلك البيع ، وقد قال رسول الله  : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } . وناقض الشافعي ههنا ، إذ لم يبطل هذا البيع ، وأبطل سائر البيوع المنهي عنها بلا دليل مفرق . وأما من قال : إن النهي عن ذلك ليصاب غرة من البدري ، وأنه نظر للحاضرة ، فباطل - وحاش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا ، وهو الذي قال فيه ربه تعالى : { بالمؤمنين رءوف رحيم } وأهل البدو مؤمنون كأهل الحضر ، فنظره وحياطته عليه السلام للجميع سواء ، ويبطل هذا التأويل الفاسد من النظر الصحيح : أن ذلك لو كان نظرا لأهل الحضر لجاز للحاضر أن يبيع للبادي من البادي ، وأن يشتري منه لنفسه ، وكلا الأمرين لا يجوز - : فصح أن هذه علة فاسدة ، وأنه لا علة لذلك أصلا إلا الانقياد لأمر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وأما قول مالك فخطأ من جهات - : أما تفريقه بين البيع للبادي فمنع منه ، وبين الشراء له فأباحه - : فخطأ ظاهر ؛ لأن لفظه " لا يبع " يقتضي أن لا يشتري له أيضا ، كما قال أنس بن مالك - وهو حجة في اللغة وفي الدين - والعرب تقول : بعت بمعنى اشتريت ، قولا مطلقا ، وإذا اشترى له من غيره فقد باع من ذلك الغير له يقينا بلا تكلف ضرورة ، وقد قال تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } . فحرموا الشراء كما حرموا البيع وأحلوا ههنا الشراء له وحرموا البيع له . وأما قول مالك " لا يبع لأهل القرى " فخطأ ؛ لأن اسم " البادي " لا يقع عند العرب على ساكن في المدن ألبتة ، وإنما يقع على أهل الأخبية ، والخصوص ، المنتجعين مواقع القطر للرعي فقط . وأما تفريقه بين من كان من أهل الدين بمنزلة أهل المدن وبين سائر أهل القرى ، فخطأ ثالث بلا دليل أصلا . وأما قوله " لا يبع مدني لمصري ولا مصري لمدني " فخطأ رابع لا دليل عليه ألبتة ، ولا نعلم أحدا قاله قبله . وإنما تفريقه بين المدني ، والمصري ، فرأى أن يشير كل واحد منهما على الآخر ولا يبيع له ، ولم ير أن يشير حاضر على أعرابي ولا يبيع له - : فخطأ خامس بلا دليل ؟ فهذه وجوه خمسة مخالفة للخبر المذكور ، لا دليل على صحة شيء منها ، لا من قرآن ، ولا من سنة ، ولا من رواية سقيمة ، ولا من قياس ، ولا من رأي له وجه ، ولا من قول أحد قبله لا صاحب ، ولا تابع . وأما قوله " لا يشير الحاضر على البادي " فإن من قال بهذا احتج بما روي في بعض هذه الأخبار من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } ؟ قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه أصلا ، ولا في هذا اللفظ ما توهموه من الميل على أهل البادية ، لا نص ، ولا أثر ، ولا شبهة بوجه من الوجوه ؛ لأنه عليه السلام لم يقل : دعوا الحاضرين يرزقهم الله من أهل البادية ، إنما قال : { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } وأهل البدو من الناس كما أهل الحضر سواء سواء ولا فرق ، فيدخل في هذا اللفظ رزق الله تعالى للبادي من الحاضر ، وللبادي من البادي ، وللحاضر من البادي ، وللحاضر من الحاضر : دخولا مستويا ، لا مزية لشيء من ذلك على شيء آخر منه - : فبطل ذلك الظن الكاذب ، ولا يحل من بيع البادي والحاضر إلا ما يحل من بيع الحاضر للحاضر ، ولا فرق . فإن قالوا : إنما نهى عن أن يبيع له ، قسنا على ذلك أن لا يشير عليه ؟ قلنا : القياس كله باطل ، ولو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل ؛ لأنكم تركتم أن تمنعوا من الشراء له قياسا على البيع له ، وهو بيع مثله ، وقستم الإشارة على البيع وليست منه في ورد ولا صدر . ولا يختلفون في أن امرأ لو شاور آخر بعد النداء للجمعة في بيع فأشار عليه لم يحرج ولا أتى مكروها ، ولو باع أو اشترى لعصى الله تعالى ، وأن من حلف أن لا يبيع فأشار في أمر بيع لم يحنث ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { : الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه وللأئمة ولجماعة المسلمين } والبادي من المسلمين فالنصحية له فرض - ولو أراد الله تعالى أن لا يشار عليه لنص على ذلك كما نص على البيع على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد ذكرنا النصيحة للبادي آنفا من طريق عمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله ولا مخالف لهما في ذلك من الصحابة ، وقد جاء في ذلك أثر - : كما روينا من طريق سعيد بن منصور أنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه قال : قال رسول الله  : { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح الرجل أخاه فلينصح له } . وأما أبو حنيفة فلم يحتج إلى تطويل لكن خالف رسول الله في نهيه عن أن يبيع حاضر لباد بنقل التواتر . وخالف ما جاء في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم دون أن يعرف لهم منهم مخالف وهم يشنعون بأقل من هذا . فمن أعجب ممن يرد هذه الآثار المتواترة المتظاهرة الصحاح من السنن ، وعن الصحابة ثم يقلد آثارا واهية مكذوبة في جعل الآبق فلا يعللها ، ولا يتأول فيها هذا ؟ وهم يطلقون في أصولهم أن الأثر وإن كان ضعيفا فهو أقوى من النظر - وحسبنا الله ونعم الوكيل .

محلى ابن حزم - المجلد الرابع/كتاب البيوع
كتاب البيوع (مسأله 1411 - 1414) | كتاب البيوع (مسأله 1415 - 1416) | كتاب البيوع (مسأله 1417) | كتاب البيوع (تتمة مسأله 1417) | كتاب البيوع (مسأله 1418 - 1420) | كتاب البيوع (مسأله 1421) | كتاب البيوع (مسأله 1422) | كتاب البيوع (مسأله 1423 - 1426) | كتاب البيوع (مسأله 1427 - 1428) | كتاب البيوع (مسأله 1429 - 1446) | كتاب البيوع (مسأله 1447) | كتاب البيوع (مسأله 1448 - 1460) | كتاب البيوع (مسأله 1461 - 1464) | كتاب البيوع (مسأله 1465 - 1466) | كتاب البيوع (مسأله 1467 - 1470) | كتاب البيوع (مسأله 1471 - 1474) | كتاب البيوع (مسأله 1475 - 1479) | كتاب البيوع (مسأله 1480) | كتاب البيوع (تتمة مسأله 1480) | كتاب البيوع (مسأله 1481 - 1484) | كتاب البيوع (مسأله 1485 - 1491) | كتاب البيوع (مسأله 1492 - 1500) | كتاب البيوع (مسأله 1501 - 1507) | كتاب البيوع (مسأله 1508 - 1511) | كتاب البيوع (مسأله 1512 - 1516) | كتاب البيوع (مسأله 1517 - 1538) | كتاب البيوع (مسأله 1539 - 1551) | كتاب البيوع (مسأله 1552 - 1556) | كتاب البيوع (مسأله 1557 - 1559) | كتاب البيوع (مسأله 1560 - 1565) | كتاب البيوع (مسأله 1566 - 1567) | كتاب البيوع (مسأله 1568 - 1582) | كتاب البيوع (مسأله 1583 - 1594)