السيرة الحلبية/غزوة تبوك

(حولت الصفحة من تبوك)



غزوة تبوك


بعدم الصرف للعملية والتأنيث: ووقع في البخاري صرفها نظرا للموضع، أي ويقال لها غزوة العسيرة، ويقال لها الفاضحة، لأنها أظهرت حال كثير من المنافقين.

ففي شهر رجب سنة تسع أي بلا خلاف، ظووقع في البخاري أنها كانت بعد حجة الوداع، قيل وهو غلط من النساخ، بلغ رسول الله أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة الشام، وأنهم قدموا مقدماتهم إلى البلقاء المحل المعروف.

أي وذكر بعضهم أن سبب ذلك أن منتصرة العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي قد خرج يدعي النبوّة هلك وأصابت أصحابه سنون أهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا، أي ولم يكن لذلك حقيقة، أي وإنما ذلك شيء قيل لمن يبلغ ذلك للمسلمين ليرجف به وكان ذلك في عسرة في الناس وجدب في البلاد، أي وشدة من نحو الحر، وحين طابت الثمار والناس يحيون المقام في ثمارهم وظلالهم() أي وكونه عند طيب الثمار يؤيد قول عروة بن الزبير: إن خروجه لتبوك كان في زمن الخريف، ولا ينافي ذلك وجود الحر في ذلك الزمن، لأن أوائل الخريف وهو الميزان يكون فيه الحر، وكان رسول الله قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورّى بغيرها، إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد المشقة وشدة الزمن، أي وكثرة العدو، وليأخذ الناس أهبتهم، وأمر الناس بالجهاز، أي وبعث إلى مكة وقبائل العرب ليستنفرهم، وحض أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل الله، أي أكد عليهم في طلب ذلك، وهي آخر غزواته، وأنفق عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه نفقه عظيمة لم ينفق أحد مثلها، قال: فإنه جهز عشرة آلاف أنفق عليها عشرة آلاف دينار غير الإبل والخيل، وهي تسعمائة بعير ومائة فرس والزاد وما يتعلق بذلك حتى ما تربط به الأسقية.

أي وفي كلام بعضهم أنه أعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرسا، وعند ذلك قال: «اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض».

أي وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «رأيت رسول الله من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه الكريمتين يدعو لعثمان بن عفان يقول: اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه» وجاء أنه قال: «سألت ربي أن لا يدخل النار من صاهرته أو صاهرني».

وجاء رضي الله تعالى عنه بألف دينار فصبها في حجر النبي، فجعل رسول الله يقلبها بيديه ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم يرددها مرارا» ا هـ.

وفي رواية: «جاء بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله فصبت بين يديه، فجعل يقول بيديه ويقلبها ظهرا لبطن، ويقول: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما كان منك، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها» أي ولعل هذه العشرة الآلاف هي التي جهز بها العشرة آلاف إنسان وإنها أي العشرة غير الألف التي صبها في حجره.

وأنفق غير عثمان أيضا من أهل الغنى قال: وكان أول من جاء بالنفقة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جاء بجميع ماله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله : هل أبقيت لأهلك شيئا. قال: أبقيت لهم الله ورسوله. وجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله، فقال له رسول الله : هل أبقيت لأهلك شيئا قال: النصف الثاني. وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه بمائة أوقية، أي ومن ثم قيل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما كانا خزنتين من خزائن الله في الأرض ينفقان في طاعة الله تعالى. وجاء العباس رضي الله تعالى عنه بمال كثير، وكذا طلحة رضي الله تعالى عنه، وبعثت النساء رضي الله تعالى عنهن بكل ما يقدرون عليه من حليهن. وتصدق عاصم بن عدي رضي الله تعالى عنه بسبعين وسقا من تمر اهـ. وجاءه جمع، أي سبعة أنفس من فقهاء الصحابة يتحملونه: أي يسألونه أن يحملهم. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، وعند ذلك {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون} أي ما يحملهم، ومن ثم قيل لهم البكاؤون، ومنهم العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، ولم يذكره القاضي البيضاوي في السبعة. وحمل العباس رضي الله تعالى عنه منهم اثنين، وحمل منهم عثمان رضي الله تعالى عنه بعد الجيش الذي جهزه ثلاثة، أي وحمل ياميز بند عمرو النضري اثنين دفع لهما ناضجا له وزودّ كل واحد منهما صاعين من تمر.

وعدهم مغلطاي ثمانية عشر.

وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله أسأله الحملان لهم، فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال والله لا أحملكم على شيء. وفي رواية: والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه، فرجعت حزينا إلى أصحابي من منع النبي ومن مخافة أن يكون النبي وجد في نفسه حيث حلف على أن لا يحملهم. قال: فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته قال: أحب رسول الله يدعوك، فلما أتيته قال: خذ هذه الستة أبعرة فانطلق بها إلى أصحابك. زاد بعضهم: فعند ذلك قال بعضهم لبعض أغلقنا رسول الله أي حملناه على يمين الغلق وقد حلف أن لا يحملنا ثم حملنا فوالله لا بارك لنا في ذلك، فأتوه فذكروه، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا ما حملتكم، الله حملكم، ثم قال: «إني لا أحلف يمينا فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» أي فهو إنما حلف أن لا يتكلف لهؤلاء حملا بقرض ونحوه ما دام لا يجد لهم حملا فلا حنث. وفيه أن هذا لا يناسب قوله: إني لا أحلف إلى آخره.

وأجيب بأن هذا استثبات قاعدة لا تدل على أن النبي حنث في يمينه بل خرج الكلام على تقدير. كأنه قال لو حنثت في يميني حيث كان الحنث خيرا وكفرت عنها لكان ذلك شرعا واسعا بل ندبا راجحا، ويؤيده أنه لم ينقل أن رسول الله كفر عن هذه اليمين، وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين هذا وما قبله.

وقد يقال: إن حمل العباس رضي الله تعالى عنه اثنين منهم إلى آخره كان قبل وجود هذه الأبعرة الستة، أو يدعى أن هؤلاء غير من تقدم.

فلما تجهز رسول الله بالناس وهم ثلاثون ألفا، أي وقيل أربعون ألفا، وقيل سبعون ألفا وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وقيل بزيادة ألفين.

وخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه على ما هو المشهور، وقال الحافظ الدمياطي رحمه الله: وهو أثبت عندنا، وقيل سباع بن عرفطة، أي وقيل ابن أم مكتوم، وقيل علي بن أبي طالب، قال ابن عبد البر: وهو الأثبت، هذا كلامه.

وفي كلام ابن إسحاق: وخلف عليا كرّم الله وجهه على أهله وأمره بالإقامة فيهم، وتخلف عنه عبد الله بن أبيّ ابن سلول ومن كان من المنافقين بعد أن خرج بهم، وعسكر عبد الله بن أبيّ على ثنية الوداع، أي أسفل منها، لأن معسكره كان على ثنية الوداع، وكان عسكر عبد الله بن أبيّ أسفل منه. قال ابن إسحاق رحمه الله: وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين، أي والتعبير عن ذلك بالزعم واضح لأنه يبعد أن يكون عسكر عبد الله مساويا لعسكره فضلا عن كونه أكثر منه فليتأمل، وقال عند تخلفه: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد: أي ما لا طاقة له به، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال، يقول ذلك إرجافا برسول الله وبأصحابه أي وقيل للروم بنو الأصفر، لأنهم ولد روم بن العيص بن إسحاق نبي الله ، وكان يسمى الأصفر لصفرة به.

فقد ذكر العلماء بأخبار القدماء أن العيص تزوّج بنت عمه إسماعيل فولدت له الروم وكان به صفرة، فقيل له الأصفر، وقيل الصفرة كانت بأبيه العيص ().

ولما ارتحل رسول الله عن ثنية الوداع متوجها إلى تبوك عقد الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ورايته العظمى للزبير رضي الله عنه، ودفع راية الأوس لأسيد بن حضير رضي الله عنه، وراية الخزرج إلى الحباب بن المنذر رضي الله عنه، ودفع لكل بطن من الأنصار ومن قبائل العرب لواء وراية، أي لبعضهم راية ولبعضهم لواء، وكان قد اجتمع جمع من المنافقين أي في بيت سويلم اليهودي، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر. أي وهم الروم كقتال العرب بعضهم بعضا، والله لكأنهم يعني الصحابة غدا مقرنون في الحبال، يقولون ذلك إرجافا وترهيبا للمؤمنين، والجلاد: الضرب بالسيوف، فقال رسول الله عند ذلك لعمار بن ياسر رضي الله عنه: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بل قلتم كذا وكذا، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله يعتذرون إليه وقالوا إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} وقال للجد بن قيس: يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر، قال: يا رسول الله أو تأذن لي أي في التخلف ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله وقال: قد أذنت لك، فأنزل الله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية. وفي لفظ أنه قال: «اغزوا تبوك تغنموا بنات بني الأصفر نساء الروم، فقال قوم من المنافقين: ائذن لنا ولا تفتنا فأنزل الله تعالى الآية: {ألا في الفتنة سقطوا}» أي التي هي التخلف عن رسول الله والرغبة عنه.

وفي لفظ أنه قال للجد بن قيس: «يا أبا قيس هل لك أن تخرج معنا لعلك تحقب: أي تردف خلفك من بنات بني الأصفر، فقال ما تقدم» وعند ذلك لامه ولده عبد الله رضي الله عنه وقال له: والله ما يمنعك إلا النفاق، وسينزل الله فيك قرآنا فأخذ نعله وضرب به وجه ولده، فلما نزلت الآية قال له: ألم أقل لك؟ فقال له: اسكت يالكع، فوالله لأنت أشد عليّ من محمد. وفي رواية أن الجد بن قيس لما امتنع واعتذر بما تقدّم قال للنبي: ولكن أعينك بمالي، فأنزل الله تعالى: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم}وتقدّم أنه لم يبايع بيعة الرضوان، وتقدم أنه تاب من النفاق وحسنت توبته، وأنه قال لبني ساعدة: «من سيدكم؟ فقالوا: الجد بن قيس على بخل فيه، فقال: وأي داء أدوأ من البخل؟ قالوا: يا رسول الله من سيدنا؟ فقال: بشر بن البراء بن معرور». وفي رواية: «سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح» وذكر ابن عبد البر أن النفس أميل إلى الأوّل ومات الجد بن قيس في خلافة عثمان رضي الله عنه، وقال بعض المنافقين لبعض: لا تنفروا في الحرّ فأنزل الله تعالى: {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} أي يعلمون {وجاء المعذرون} أي وهم الضعفاء والمقلون {من الأعراب ليؤذن لهم} في التخلف فأذن لهم، وكانوا اثنين وثمانين رجلا وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة جراءة على الله ورسوله، وقد عناهم الله تعالى بقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله}.

قال السهيلي: وأهل التفسير يقولون إن آخر براءة نزل قبل أولها، وإن أوّل ما نزل منها: {انفورا خفافا وثقالا} قيل معناه شبابا وشيوخا، وقيل أغنياء وفقراء، وقيل أصحاب شغل وغير ذي شغل وقيل ركبانا ورجالة، ثم نزل أولها في نبذ كل ذي عهد إلى صاحبه كما تقدّم.

وتخلف جمع من المسلمين منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع من غير عذر، وكانوا ممن لا يتهم في إسلامه.

ولما خلف عليا كرّم الله وجهه أرجف به المنافقون، وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له، وحين قيل فيه ذلك أخذ علي كرّم الله وجهه سلاحه، ثم خرج حتى لحق برسول الله وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك ما خلفتني إلا استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا، ولكنني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» أي فإن موسى حين توجه إلى ميقات ربه استخلف هارون في قومه، فرجع عليّ إلى المدينة.

وعن علي كرّم الله وجهه قال: «خرج رسول الله في غزوة وخلف جعفرا في أهله، فقال جعفر: والله لا أتخلف عنك، فخلفني، فقلت: يا رسول الله أتخلفني إلى شيء تقول قريش، أليس يقولون ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، وأخرى أبتغي الفضل من الله، أني سمعت الله يقول: {ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار} الآية، فقال: أما قولك أن تقول قريش ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، فقد قالوا إني ساحر وإني كاهن وإني كذاب، وأما قولك تبتغي الفضل من الله، فلك بي أسوة أي حيث تخلفت عن بعض مواطن القتال، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام» أي ولم يتخلف عنه علي كرّم الله وجهه في مشهد من المشاهد إلا في هذه الغزوة.

وادّعت الرافضة والشيعة أن هذا من النص التفصيلي على خلافة علي كرّم الله وجهه، قالوا لأن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوّة ثابتة لعلي كرّم الله وجهه من النبي، وإلا لما صح الاستثناء: أي استثناه النبوّة بقوله: «إلا أنه لا نبي بعدي» ومما ثبت لهارون من موسى استحقاقه للخلافة عنه لو عاش بعده: أي دون النبوّة.

وردّ بأن هذا الحديث غير صحيح كما قاله الآمدي. وعلى تسليم صحته، بل صحته هي الثابتة لأنه في الصحيحين ـ فهو من قبيل الآحاد، وكل من الرافضة والشيعة لا يراه حجة في الإمامة. وعلى تسليم أنه حجة فلا عموم له، بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا كرم الله وجهه خليفة عن النبي في أهله خاصة مدة غيبته بتبوك، كما أن هارون كان خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة. فعلى تسليم أنه عام لكنه مخصوص والعام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة. وقد استخلف في مرار أخرى غير عليّ فيلزم أن يكون مستحقا للخلافة، وصار بعد مسيره يتخلى عنه الرجل، فيقال تخلف فلان، فيقول دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.

وكان ممن تخلف عن مسيره معه أبو خثيمة. ولما أن سار أياما دخل أبو خثيمة على أهله في يوم حارّ فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في حائط قد رشت كل منهما عريشتها، وبرّدتا فيها ماء، وهيأتا طعاما، وكان يوما شديد الحر، فلما دخل نظر إلى امرأتيه وما صنعتا فقال رضي الله عنه: رسول الله في الحرّ، وأبو خثيمة في ظلّ بارد وماء مهيأ، وامرأة حسناء؟ ما هذا بالنصف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله، فهيئا لي زادا ففعلتا. ثم قدّم ناضحه فارتحل وأخذ سيفه ورمحه كما في الكشاف، أي ثم خرج في طلب رسول الله حتى أدركه حين نزل بتبوك، وقد كان أبو خثيمة أدرك عمير بن وهب في الطريق يطلب رسول الله فترافقا حتى دنوا من تبوك. فقال أبو خثيمة لعمير: إن لي ذنبا فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله ففعل، فلما دنا أبو خثيمة قال الناس: هذا ركب مقبل. فقال رسول الله : كن أبا خثيمة. فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خثيمة، فلما أناخ أقبل يسلم على رسول الله، فقال له رسول الله : أولى لك يا أبا خثيمة، ثم أخبر رسول الله الخبر، فقال له رسول الله خيرا، ودعا له بخير: أي وأولى لك كلمة تهديد وتوعد.

ولما مرّ رسول الله بالحجر ديار ثمود سَجى ثوبه على رأسه واستحث راحلته، وقال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم»، أي لأن البكاء يتبعه التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله عز وجل على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه يقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك «ونهى الناس أن يشربوا من مائها شيئا، وأن لا يتوضؤوا به للصلاة، وأن لا يعجن به عجين وأن لا يحاس به حيس، ولا يطبخ به طعام، وأن العجين الذي عجن به أو الحيس الذي فعل به يعلفونه الإبل، وأن الطبيخ الذي طبخ به يلقى ولا يأكلوا منه شيئا».

ثم ارتحل بالناس: أي لا زال سائرا حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، وأخبرهم أنها تهب عليهم الليلة ريح شديدة، أي وقال: من كان له بعير فليشد عقاله، ونهى الناس في تلك الليلة عن أن يخرج واحد منهم وحده بل معه صاحبه، فخرج شخص وحده لحاجته فخنق، وخرج آخر كذلك في طلب بعير له ندّ فاحتمله الريح حتى ألقته بجبل طيىء، فأخبر بذلك رسول الله، فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه، ثم دعا للذي خنق فشفي، والذي ألقته الريح بجبل طيىء له حين قدم المدينة.

وفي سيرة الحافظ الدمياطي: وكان رسول الله يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضي الله عنه يصلي بالناس. واستعمل على العسكر عباد بن بشر، فكان يطوف في أصحابه على العسكر. ثم أصبح الناس ولا ماء معهم: أي وحصل لهم من العطش ما كاد يقطع رقابهم، حتى حملهم ذلك على نحر إبلهم ليشقوا أكراشها ويشربوا ماءها.

فعن عمر رضي الله عنه: خرجنا في حرّ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. وفي لفظ: على صدره، فشكوا ذلك للنبي، أي قال له أبو بكر: يا رسول الله قد عوّدك الله من الدعاء خيرا فادع الله لنا، قال أتحب ذلك؟ قال نعم، فدعا، أي ورفع يديه فلم يرجعهما حتى أرسل الله سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ما يحتاجون إليه، قال: وذكر بعضهم أن تلك السحابة لم تتجاوز العسكر، وأن رجلا من الأنصار قال لآخر متهم بالنفاق: ويحك قد ترى فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: {وتجعلون رزقكم} أي بدل شكر رزقكم {أنكم تكذبون} أي حيث تنسوبه للأنواء. وقيل إنه قال له: ويحك، هل بعد هذا شيء، قال: سحابة مارّة انتهى.

وفي لفظ أنهم لما شكوا إليه شدة العطش. قال لعليّ: لو استسقيت لكم فسقيتم قلتم هذا بنوء كذا وكذا. فقالوا: يا نبيّ الله ما هذا بحين أنواء فدعا رسول الله بماء فتوضأ ثم قام فصلى، فدعا الله تعالى، فهاجت ريح وثار سحاب فمطروا حتى سال كل واد، فمرّ رسول الله برجل يغرف بقدحه، ويقول: هذا نوء فلان فنزلت الآية.

وضلت ناقته، فقال رجل من المنافقين الذين خرجوا معه ليس غرضهم إلا الغنيمة: إن محمدا يزعم أنه نبي، وأنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال: إن رجلا يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها أنها في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فوجدوها كذلك، فجاؤوا بها، أي وتقدم له نظير هذا في غزوة بني المصطلق التي هي المريسيع، ولا بعد في تعدد الواقعة. ويحتمل أن يكون من خلط بعض الرواة.

ولما سمع بذلك بعض الصحابة جاء إلى رحله، فقال لمن به: والله لعجب في شيء حدثناه رسول الله عن مقالة قائل أخبره الله عنه وذكر المقالة. فقال له بعض من في رحله: هذه المقالة قالها فلان يعني شخصا في رحله أيضا قالها قبل أن تأتي بيسير، فقال: يا عباد الله في رحلي داهية وما أشعر: أي عدوّ الله اخرج من رحلي ولا تصحبني فيقال: إنه تاب، ويقال إنه لم يزل منها بشرّ حتى هلك.

وتباطأ جمل أبي ذرّ رضي الله عنه لما به من الأعياء والتعب، فتخلف عن الجيش فأخذ متاعه وحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشيا فأدركه نازلا في بعض المنازل، أي وقبل مجيئه قالوا له: يا رسول الله تخلف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره.

فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.

ولما أشرف على ذلك المنزل ونظره شخص يمشي، فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول الله : كن أبا ذرّ، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذرّ، فقال رسول الله: «رحم الله أبا ذرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» وكان كما قال إنه يموت وحده. فقد مات رضي الله عنه وحده بالربذة لما أخرجه عثمان رضي الله عنه إليها.

أي فإنه بعد موت أبي بكر رضي الله عنه خرج من المدينة إلى الشام. فلما ولى عثمان رضي الله عنه شكاه معاوية رضي الله عنه إليه، فإنه كان يغلظ على معاوية في بعض أمور تقع منه، فاستدعاه عثمان رضي الله عنه من الشام ثم أسكنه الربذة، ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه، فوصاهما عند موته أن غسلاني وكفناني ثم اجعلاني على قارعة الطريق، فأول من يمرّ بكم قولا له هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه، فلما مات رضي الله عنه فعلا به ذلك. وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق فوجدوا الجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل تطؤها فقام إليهم الغلام وقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه، فاستهل عبد الله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله، تمشي وحدك وتموت وحدك، وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود خبره.

أي وفي الحدائق عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا بد لنا من معين على دفنك، وليس معنا ثوب يسعك كفنا. فقال: لا تبكي وأبشري، فإني سمعت رسول الله يقول لنفر أنا فيهم: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية، وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذب رسول الله ولا كذبت. وفي رواية: ما كذبت ولا كذبت فانظري الطريق. فقالت: قد ذهب الحاج وتقطعت السبل. فقال: انظري، فقالت: كنت أشتد إلى الكثيب فأقوم عليه ثم أرجع إليه فأمرضه، فبينما أنا كذلك إذا أنا برجال على رواحلهم كأنهم الرخم فألحت بثوبي، فأسرعوا إليّ ووضعوا السياط في نحورها يستقبلون إليّ، فقالوا ما لك يا أمة الله؟ فقلت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه، قالوا: ومن هو؟ قلت أبو ذر. قالوا: صاحب رسول الله؟ قلت نعم، فأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فسلموا عليه فرحب بهم. وقال: أبشروا فإنكم عصابة من المؤمنين وحدثهم الحديث، وقال: والله لو كان لي أو لها ما يسعني كفنا ما كفنت إلا فيه، وإني أنشدكم الله والإسلام لا يكفنني منكم رجل كان أميرا ولا عريفا ولا بريدا أو نقيبا، ولم يكن منهم أحد سلم من ذلك إلا فتى من الأنصار، فقال: والله لم أصب مما ذكرت شيئا أن أكفنك في ردائي هذا وثوبين معي من غزل أمي، فمات فكفنه الفتى الأنصاري ودفنه في النفر الذين معه.

أقول: يحتاج إلى الجمع بين هذا وما تقدم. وقد يقال: لا ينافي ذلك ما تقدم عن ابن مسعود رضي الله عنه، لجواز أن يكون قدومه بعد أن كفن بكفن الأنصاري، ولا ينافي ذلك ما تقدم من قول الراوي: فلما مات فعلا: أي زوجته وغلامه ذلك: أي غسله وتكفينه، ولا ينافي ذلك قول الغلام لابن مسعود ومن معه: أعينونا على دفنه. ولا ينافي ذلك قول الراوي هنا: ودفنه: أي الفتى الأنصاري في النفر الذين معه، لأن ذلك يقال إذا اشتركوا مع غيرهم في ذلك.

وأبو ذر رضي الله عنه اسمه جندب، وقيل اسمه سلمة بن جنادة. وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق. وقد قال في حقه: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر» وكان رضي الله عنه من الأقدمين في الإسلام. قال ابن عبد البر: كان خامس رجل أسلم فليتأمل. وقال: «أبو ذر في أمتي شبيه عيسى ابن مريم في زهده» وبعضهم يرويه: «من ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر» وإلى وجود ما أخبر عن أبي ذر من أنه يموت وحده أشار الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:

وعاش أبو ذر كما قلت وحده ** ومات وحيدا في بلاد بعيدة

قال: وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: لما كنا فيما بين الحجر وتبوك ذهب رسول الله لحاجته بعد الفجر وتبعته بماء فأسفر الناس بصلاتهم التي هي صلاة الفجر فقدموا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فصلى بهم، فانتهى بعد أن توضأ ومسح خفيه لعبد الرحمن بن عوف وقد صلى ركعة، فصلى رسول الله مع عبد الرحمن ركعة وقام ليأتي بالركعة الثانية، وقال لهم بعد فراغه: أحسنتم أو أصبتم، ثم قال: «لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته» اهـ. أي ولعل هذا لا ينافي ما تقدم.

وكان رسول الله يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضي الله عنه يصلي بالناس، وقوله: «لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته» يقتضي أنه لم يصل خلف الصديق في هذه الغزوة حيث يصلى بالعسكر فليتأمل.

أي وجاء أنه قال: «عبد الرحمن سيد من سادات المسلمين» ولا يخالف هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لم يصل النبي خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر» أي في مرض موته، لأن المراد صلاة كاملة أو تكرر الصلاة هذا.

وفي الخصائص الصغرى: ومن خصائصه فيما حكى القاضي عياض رحمه الله أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه لأنه لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة ولا غيرها لا لعذر ولا لغيره.

وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك، ولا يكون أحد شافعا له وقد قال: «أئمتكم شفعاؤكم» ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: «ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله » فليتأمل.

ولما نزلوا تبوك وجدوا عينها قليلة الماء، فاغترف رسول الله بيده غرفة من مائها فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت.

قال: وعن حذيقة رضي الله عنه «بلغ رسول الله أن في الماء قلة أي ماء عين تبوك، أي وقد قال لهم: إنكم لتأتون غدا إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لن تنالوها حتى يضحا النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي، وأمر مناديا ينادي بذلك فجئناها فإذا العين مثل الشراك تبض من مائها، وقد سبق إليها رجلان: أي من المنافقين ومسا من مائها فسبهما رسول الله لما بلغه ذلك» وفي رواية: «سبق إليها أربعة من المنافقين، ثم إنهم غرفوا من تلك العين قليلا قليلا حتى اجتمع شيء في شن فغسل رسول الله وجهه ويديه ومضمض ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير» وفي رواية: «فجعلوا فيها سهاما دفعها لهم، فجاشت بالماء» وإلى ذلك أشار الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:

فيوما بوقع النبل جئت بشربهم ** ويوما بوقع الوبل جدت بسقية

وحينئذ أي وحين إذ ثبت أنه جعل السهام في عين تبوك يسقط الاعتراض بأن وقع النبل لم يكن بتبوك وإنما كان بالحديبية على أن الذي بالحديبية إنما هو غرز سهم واحد لا سهم فليتأمل.

ثم قال لمعاذ: «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هنا ملىء جنانا» أي بساتين، وذكر ابن عبد البر رحمه الله عن بعضهم. قال: أنا رأيت ذلك الموضع كله حوالي تلك العين جنانا خضرة نضرة.

وقبل قدومهم تبوك بليلة نام رسول الله، فلم يستيقظ حتى كادت الشمس قيد رمح، أي وقد كان قال لبلال: اكلأ لنا الفجر فاسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه قال: ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر؟ وفي رواية أن بلالا رضي الله عنه قال لهم ناموا وأنا أوقظكم: فاضطجعوا، فقال له رسول الله : يا بلال أين ما قلت؟ قال: يا رسول الله ذهب بي مثل الذي ذهب بك، أي وفي لفظ: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، وقال للصديق: إن الشيطان صار يهدىء بلالا للنوم كما يُهدَّىء الصبي حتى ينام، ثم دعا رسول الله بلالا وسأله عن سبب نومه، فأخبر النبي بما أخبر به النبي الصديق، فقال الصديق للنبي: أشهد أنك رسول الله، فانتقل رسول الله من منزله غير بعيد. ثم صلى وتقدم في خيبر: أي في غزوة وادي القرى، فإنها كانت عند منصرفه من خيبر، الخلاف في أي غزوة كان وسار مسرعا بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك.

وفي منصرفه من تبوك قال أبو قتادة رضي الله عنه: «بينا نحن نسير مع رسول الله وهو قافل من تبوك وأنا معه، إذ خفق خفقة وهو على راحلته فمال على شقه، فدنوت منه فدعمته، فانتبه فقال: من هذا؟ فقلت أبو قتادة يا رسول الله، خفت أن تسقط فدعمتك، فقال: حفظك الله كما حفظت رسوله ثم سار غير كثير ثم فعل مثلها فدعمته، فانتبه، فقال: يا أبا قتادة هل لك في التعريس؟ فقلت: ما شئت يا رسول الله، فقال انظر من خلفك، فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة فقال: ادعهم، فقلت أجيبوا رسول الله، فجاؤوا فعرسنا».

وفي رواية قال أبو قتادة رضي الله عنه: «بينا رسول الله يسير حتى ابهار الليل وأنا إلى جنبه فنعس فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته، فدعمته حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأولتين حتى كاد يسقط، فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة، قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حفظك الله كما حفظت نبيه» وهذا تقدم في منصرفه من خيبر، ولا مانع من التعدد. ويحتمل أن هذا خلط وقع من بعض الرواة فليتأمل، ثم قال: هل ترى من أحد: يعني من الجيش؟ قلت: هذا راكب، ثم قلت هذا راكب آخر حتى اجتمعنا وكنا سبعة. وفي رواية خمسة برسول الله، فمال رسول الله عن الطريق، ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، وكان أول من استيقظ رسول الله والشمس في ظهره، فقمنا فزعين. ثم قال: اركبوا، فركبنا، فسرنا حتى ارتفعت الشمس: ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، فتوضأ منها وبقي فيها شيء، وفي رواية: جرعة من ماء، ثم قال لي: احفظ علينا ميضأتك، وفي رواية: ازدهر بها يا أبا قتادة فسيكون لها نبأ» الحديث.

وفي رواية: «ما أيقظنا إلا حر الشمس، فقلنا: إنا لله فاتنا الصبح، فقال رسول الله لنغيظن الشيطان كما غاظنا، فتوضأ من الإداوة التي هي الميضأة، ففضل فضل، فقال يا أبا قتادة احتفظ بما في الإداوة، واحتفظ بالركوة فإن لهما شأنا فصلى بنا رسول الله الفجر بعد طلوع الشمس. وفي لفظ إن عمر رضي الله عنه هو الذي أيقظ النبي بالتكبير.

أقول: ظاهر هذه الرواية أنهم صلوا بمحلهم ولم ينتقلوا. وفي رواية قال لهم: تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة. وفي لفظ: ارتحلوا، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان.

وفي البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «كنا في سفر مع النبي، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه: أي من الوحي، فكانوا يخافون من إيقاظه قطع الوحي» كما تقدم في غزوة بني المصطلق «فلما استيقظ عمر رضي الله عنه ورأى ما أصاب الناس: أي من فوات صلاة الصبح كبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ النبي ».

وفي رواية: «إن الصديق رضي الله عنه استيقظ أولا ثم لا زال يسبح ويكبر حتى استيقظ عمر، ولا زال يكبر حتى استيقظ رسول الله، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم: أي من فوات صلاة الصبح، قال: لا ضير، ارتحلوا، فارتحلوا فسار غير بعيد ثم نزل، فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس» وهذا كما نرى فيه التصريح بأن هاتين اليقظتين وقعتا في غزوة تبوك، الأولى عند ذهابهم لها، والثانية عند منصرفهم منها.

وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعض الصحابة: «وبعد أن صلينا وركبنا جعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ فقال النبي : ما هذا الذي تهمسون دوني؟ فقلنا: يا رسول الله بتفريطنا في صلاتنا، قال: أما لكم في أسوة حسنة؟ ثم قال: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلّ الصبح حتى يجيء وقت الأخرى».

وفي فتح الباري: اختلف في تعيين هذا السفر. ففي مسلم أنه كان في رجوعهم من خيبر قريب من هذه القصة. وفي أبي داود: «أقبل النبي من الحديبية ليلا، فنزل فقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال أنا» الحديث. وفي مصنف عبد الرزاق أن ذلك كان بطريق تبوك.

وقد اختلف العلماء هل كان ذلك: أي نومهم عن صلاة الصبح مرة أو أكثر؟ فجزم الأصيلي رحمه الله بأن القصة واحدة.

وتعقبه القاضي عياض رحمه الله بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين. ومما يدل على تعدد القصة اختلاف مواطنها.

وفي الطبراني قصة شبيهة بقصة عمران وأن الذي كلأ لهم الفجر ذو مخبر، قال ذو مخبر: فما أيقظني إلا حر الشمس، فجئت أدنى القوم فأيقظته وأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ النبي فليتأمل، وتقدم عن الإمتاع قال عطاء بن يسار: إن ذلك كان بتبوك، وهذا لا يصح، وإلا فالآثار الصحاح على خلاف قوله مسندة ثابتة، والله أعلم.

واستشكل ذلك بقوله: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» وقوله لعائشة وقد قالت له «أتنام قبل أن توتر؟ قال: تنام عيني ولا ينام قلبي».

وأجيب عنه بأجوبة أحسنها أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ولا يدرك ما يتعلق بالعين كرؤية الشمس وطلوع الفجر.

ومن الأجوبة أنه كان له نومان: نوم تنام فيه عينه وقلبه، ونوم تنام فيه عينه فقط. وينبغي أن يكون هذا الثاني أغلب أحواله وإن كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثله في ذلك، ويكون قوله: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا» أي غالبا. ويكون هذا حاله دائما وأبدا إذا كان متوضئا، لقولهم: إنه لا يُنقض وضوؤه بالنوم، وفي جعله العين محلا للنوم نظر، لأن العين إنما هي محل السِنة، ومحل النعاس الرأس، ومحل النوم القلب.

قال الحافظ السيوطي: وكون القلب محلا للنوم دون العين لا يشكل عليه قوله: «تنام عيناي ولا ينام قلبي»، لأنه من باب المشاكلة، وفيه بحث هذا كلامه.

واستشكل قوله: «ارتحلوا فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان» وفي لفظ: «ارتحلوا، فإن هذا واد به شيطان» بأنه يقتضي تسلط الشيطان على النبي، لأن الظاهر أن وجود الشيطان هو السبب في النوم عن الصلاة.

وأجيب بأنه على تسليم ذلك، فإن تسليطه إنما كان على من كان يحفظ الفجر بلال أو غيره. ففي بعض الروايات كما تقدم: «إن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام».

ثم لحق بالجيش، وقبل لحوقه بهم قال لأصحابه ما ترون الناس: يعني الجيش فعلوا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: لو أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا، وذلك أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء فأبوا ذلك عليهما فنزلا على الماء فأبوا ذلك عليهما، فنزلا على غير ماء بفلاة من الأرض لا مار بها عند زوال الشمس وقد كادت أعناق الخيل والركاب تقطع عطشا فدعا رسول الله وقال: أين صاحب الميضأة؟ قيل هو ذا يا رسول الله. قال: جئني بميضأتك فجاءه بها وفيها شيء من ماء، وفي رواية: دعا رسول الله بالركوة فأفرغ ما في الإدواة فيها ووضع أصابعه الشريفة عليها فنبع الماء من بين أصابعه، وأقبل الناس فاستقوا، وفاض الماء حتى رووا ورووا خيلهم وركابهم، وكان في العسكر من الخيل اثنا عشر ألف فرس أي على ما تقدم، ومن الإبل خمسة عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، وقيل سبعون ألفا. وواضح أن هذه العطشة غير المتقدمة التي دعا فيها رسول الله فنزل المطر.

وفي كلام بعضهم أنه لما حصل للقوم العطش أرسل نفرا، ويقال عليا والزبير يستعرضون الطريق، وأعلمهم أن عجوزا تمر بهم في محل كذا على ناقة معها سقاء ماء، فقال لهم: اشتروا منها بما عزّ وهان، وائتوا بها مع الماء، فلما بلغوا المكان إذا بالمرأة ومعها السقاء. وفي رواية: إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فسألوها في الماء، فقالت: أنا وأهلي أحوج إليه منكم، فسألوها أن تأتي رسول الله مع الماء، فأبت وقالت: من هو رسول الله؟ لعله الساحر. وفي رواية الذي يقال له الصابىء وخير الأشياء أني لا آتيه، فشدوها وثاقا وأتوا بها إلى رسول الله، فقال لهم: خلوا عنها. وفي رواية: قلنا لها أين الماء؟ قالت: أهاه أهاه لا حالكم، بينكم وبين الماء مسيرة يوم وليلة، ثم قال لها رسول الله : أتأذنين لنا في الماء، ولتصيبنّ ماءك كما جئت به؟ فقالت: شأنكم، فقال لأبي قتادة: هات الميضأة، فقرّبت إليه، فحل السقاء وتفل فيه وصب في الميضأة ماء قليلا، ثم وضع يده الشريفة فيه ثم قال: ادنوا فخذوا، فجعل الماء يفور ويزيد والناس يأخذون حتى ما تركوا معهم إناء إلا ملؤوه، ورووا إبلهم وخيلهم، وبقي في الميضأة ثلثاها. والميضأة هي الإداوة لأنه يتوضأ منها. وفي الدلائل للبيهقي: فجُعل في إناء من مزادتيها، ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول. زاد في رواية: ثم مضمض، ثم رد الماء في المزادتين وأوكأ أفواههما وأطلق العزالي، ثم أمر الناس أن يملؤوا آنيتهم وأسقيتهم، ثم قال لها: تعلمي والله ما رزأنا من مائك شيئا، ولكن الله عز وجل هو الذي سقانا، والعزالي: جمع عزلاء، والعزلاء: هي التي تجعل في فم القربة لينزل فيها الماء من الراوية وهي المرادة بالمزادة، وهذا السياق يدل على أن هذه عطشة ثالثة، لأن الثانية وضع يده في الركوة التي صب فيها من الميضأة، وهذه وضع يده في الميضأة بعد أن لم يجدوا في الميضأة شيئا.

وفي رواية أن تلك المرأة أخبرته أنها مؤتمة: أي لها صبيان أيتام، فقال: هاتوا ما عندكم فجمعنا لها من كسر وتمر وصرتها صرة، ثم قال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالَك.

وفي رواية أيتامك، وصارت تعجب مما رأت. ولما قدمت على أهلها قالوا لها: لقد احتبست علينا، قالت: حبسني أني رأيت عجبا من العجب، أرأيتم مزادتيّ هاتين؟ فوالله لقد شرب منهما قريب من سبعين بعيرا، وأخذوا من القرب والمزاد والمطاهر ما لا أحصي، ثم هما الآن أوفر منهما يومئذ، فلبثت شهرا عند أهلها ثم أقبلت في ثلاثين راكبا على رسول الله، فأسلمت وأسلموا.

وفي مسلم: «لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة بحيث صارت تمص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادّهنا، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله إن فعلت فني الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعلها في ذلك، فقال رسول الله : نعم، فدعا بنطع فبسطه ثم دعاهم بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف من تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله بالبركة، ثم قال لهم: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنة» وفي رواية: «إلا وقاه الله النار» وتقدم نظير ذلك في الرجوع من غزوة الحديبية، أي ولا مانع من التعدد أو هو من خلط بعض الرواة، ولعل هذا كان بعد أن ذبح لهم طلحة بن عبيد الله جزورا فأطعمهم وأسقاهم فقال له رسول الله «أنت طلحة الفياض» وسماه يوم أحد «طلحة الخير» ويوم حنين« طلحة الجود» لكثرة إنفاقه على العسكر رضي الله عنهم.

وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم، قال: «كنت في غزوة تبوك على نحي السمن، فنظرت إلى النحي وقد قلّ ما فيه، وهيأت للنبي طعاما ووضعت النحي في الشمس ونمت، فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت رأسه بيدي، فقال رسول الله وقد رأى: لو تركته لسال الوادي سمنا».

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: «كنت مع رسول الله بتبوك، فقال ليلة لبلال: هل من عشاء؟ فقال: والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا» فقال: انظر عسى أن تجد شيئا، فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا، فتقع التمرة والتمرتان حتى رأيت في يده سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها ثم وضع يده الشريفة على التمرات، وقال: كلوا بسم الله، فأكلنا ثلاثة أنفس، وأحصيت أربعا وخمسين تمرة أعدّها عدّا ونواها في يدي الأخرى وصاحباي يصنعان كذلك، فشبعا ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي، فقال: يا بلال ارفعها فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعا، فلما كان من الغد دعا بلالا بالتمرات، فوضع يده الشريفة عليهنّ، ثم قال: كلوا بسم الله، فأكلنا حتى شبعنا وأنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا وإذا بالتمرات كما هي، فقال رسول الله : لولا أن أستحيي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نردّ إلى المدينة من آخرنا، فأعطاهنّ غلاما فولى وهو يلوكهن».

وأتاه وهو بتبوك يُحنة بضم المثناة تحت وفتح الحاء المهملة ثم نون مشددة مفتوحة ثم تاء التأنيث ابن رؤبة بالموحدة صاحب أيلة وصحبته أهل جرباء تأنيث أجرب يمد ويقصر: قرية بالشام، وأهل أذرح بالذال المعجمة والراء المهملة المضمومة والحاء المهملة، مدينة تلقاء السراة، وأهل ميناء، وأهدى يحنة لرسول الله بغلة بيضاء، فكساه رسول الله بردا، فصالح رسول الله على إعطاء الجزية، أي بعد أن عرض عليه الإسلام فلم يسلم.

وكتب له ولأهل أيلة كتابا صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بي رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يجوز ماله دون نفسه، وإنه لطيبة لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر».

وكتب لأهل أذرح وجرباء ما صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي، لأهل أذرح وجرباء أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد وأن عليهم مائة دينار في كل رجب، وافية طيبة، والله كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين وصالح أهل ميناء على ربع ثمارهم».

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «رأيت ونحن بتبوك شعلة من نار في ناحية العسكر» أي ضوء شمعة كما صرح به الجلال السيوطي رحمه الله حيث أجاب من سأله هل الشمع كان موجودا قبل البعثة وهل وقد عنده بأنه كان موجودا قبل البعثة؟ فقد ذكر العسكري رحمه الله في الأوائل أن أول من أوقده جزيمة الأبرش، أي وقد تقدم وهو قبل البعثة بدهر، وورد في حديث «أنه أوقد للنبي عند دفنه عبد الله ذا البجادين» قال: وقد ألفت في المسألة تأليفا سميته (مسامرة السموع في ضوء الشموع) قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له ورسول الله في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه، وهو يقول: أدليا إليّ أخاكما، فأدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللهم قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة: أي والبجاد بموحدة ككتاب: الكساء المخطط الغليظ، أنه لم يكن لعبد الله المذكور إلا بجاد واحد، فشقه نصفين فاتزر بواحد وارتدى بالآخر وقدم المدينة وأسلم، وقرأ قرآنا كثيرا، وكان اسمه عبد العزى فسماه رسول الله عبد الله.

«ولما خرج رسول الله إلى تبوك خرج معه وقال: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: ائتني بلحاء شجرة» أي بقشرها «فأتاه بذلك فربطه على عضده وقال: اللهم حرم دمه على الكفار، قال: يا رسول الله ليس هذا ما أردت، قال إنك إذا أخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، فأخذته الحمى بعد الإقامة بتبوك أياما ومات بها» أي وهذا هو المشهور.

وروي عن الأدرع الأسلمي وكان في حرس رسول الله قال، جئت ليلة أحرس رسول الله، فإذا رجل ميت، فقيل: هذا عبد الله ذو البجادين، توفي بالمدينة، وفرغوا من جهازه وحملوه، فقال النبي : ارفقوا به رفق الله بكم، فإنه كان يحب الله ورسوله، قال ابن الأثير: وهذا حديث غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه وتقدم.

وعن الحافظ السيوطي رحمه الله: لما ذكر أنه أوقد للنبي الشمع عند دفنه عبد الله ذا البجادين قال: وقد دل ذلك على إباحة استعماله أي الشمع ولا يعد استعماله إسرافا مع قيام غيره من الأدهان مقامه.

وأقام بتبوك بضع عشرة ليلة، وفي سيرة الحافظ الدمياطي عشرين ليلة يصلي ركعتين ولم يجاوز تبوك، ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن ذلك على تقدير صحته.

قال: وقد استشار النبي أصحابه في مجاوزتها، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: إن كنت أمرت بالسير فسر، فقال رسول الله : لو أمرت بالسير لم أستشركم فيه، فقال يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعنا هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمرا، وهذا تصريح بأن تبوك لم يقع بها مقاتلة ولا حصل فيها غنيمية، وبه يرد ما ذكره الزمخشري في فضائل العشرة أنه جلس في المسجد يقسم غنائم تبوك، فدفع لكل واحد سهما، ودفع لعلي كرّم الله وجهه سهمين، فقام زائدة بن الأكوع وقال: يا رسول الله أوحي نزل من السماء أم أمر من نفسك؟ فقال: أنشدكم الله هل رأيتم في ميمنتكم صاحب الفرس الأغر المحجل والعمامة الخضراء بها ذؤابتان مرخاتين على كتفيه بيده حربة قد حمل بها على الميمنة فأزالها؟ قالوا نعم، قال: هو جبريل عليه الصلاة والسلام وإنه أمرني أن أدفع سهمه لعليّ، فقال زائدة: حبذا سهم مسهم، وخطب خطبة فيها: «أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، والسعيد من وعظ بغيره، ومن يغفر يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، أستغفر الله لي ولكم».

وأهدى له بعض أهل الكتاب جبنة فدعا بالسكين فسمى الله وقطع وأكل، ثم انصرف قافلا إلى المدينة وكان في الطريق ماءً يخرج من وشل قليل جدا، فقال رسول الله : من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه، فسبق إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله وقف عليه، فلم يجد فيه شيئا، فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له فلان وفلان وفلان، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه، ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فصار يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه ومسح بيده ودعا رسول الله بما شاء أن يدعو به فانخرق من الماء وكان له حس كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله : لئن بقيتم أو بقي منكم أحد لتسمعن بهذا الوادي وقد أخصب ما بين يديه وما خلفه. أي وهذا خلاف عين تبوك الذي تقدم له فيها ما يشبه هذا، وقوله لمعاذ: «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ههنا ملىء جنانا» إلى آخره، لأن تلك العين كانت بتبوك، وهذا عند منصرفه من تبوك.

قال: واجتمع رأي من كان معه من المنافقين وهم اثنا عشر رجلا وقيل أربعة عشر، وقيل خمسة عشر رجلا على أن ينكثوا برسول الله في العقبة التي بين تبوك والمدينة، فقالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي فأخبر الله تعالى رسوله بذلك، فلما وصل الجيش العقبة نادى منادي رسول الله : إن رسول الله يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد واسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي، وسلك رسول الله العقبة، فلما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، وسلكوا العقبة، وأمر عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيقة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما أن يسوق من خلفه.

وفي الدلائل عن حذيفة قال: «كنت ليلة العقبة آخذا بخطام ناقة رسول الله أقود به وعمار بن ياسر يسوقه أو أنا أسوقه وعمار يقوده» أي يتناوبان ذلك «فبينا رسول الله يسير في العقبة إذ سمع حس القوم قد غشوه، فنفرت ناقة رسول الله حتى سقط بعض متاعه، فغضب رسول الله، وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم وقد رأى غضب رسول الله ومعه محجن، فجعل يضرب به وجوه رواحلهم وقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فإذا هو بقوم ملثمين» وفي رواية: «أنه صرخ بهم فولوا مدبرين، فعلموا أن رسول الله اطلع على مكرهم به، فانحطوا من العقبة مسرعين إلى بطن الوادي واختلطوا بالناس، فرجع حذيفة يضرب الناقة، فقال له رسول الله : هل عرفت أحدا من الركب الذين رددتهم؟ قال: لا، كان القوم ملثمين والليلة مظلمة».

وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: «لما سقط متاع النبي وأردت جمعه نوّر لي في أصابعي الخمس فأضاءت حتى جمعت ما سقط حتى ما بقي من المتاع شيء» وفي لفظ: «أن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: عرفت راحلة فلان وراحلة فلان، قال: هل علمت ما كان من شأنهم، وما أرادوه؟ قال لا: قال: إنهم مكروا ليسيروا معي في العقبة فيزحموني فيطرحوني منها، إن الله أخبرني بهم وبمكرهم وسأخبركما بهم واكتماهم، فلما أصبح رسول الله جاء إليه أسيد بن حضير؟ فقال يا رسول الله ما منعك البارحة من سلوك الوادي، فقد كان أسهل من سلوك العقبة؟ فقال: أتدري ما أراد المنافقون وذكر له القصة، فقال: يا رسول الله قد نزل الناس واجتمعوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم بهذا، فإن أحببت بين بأسمائهم، والذي بعثك بالحق لا أبرح حتى آتيك برؤوسهم، فقال: إني أكره أن يقول الناس إن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم، فقال: يا رسول الله هؤلاء ليسوا بأصحاب، فقال رسول الله : أليس يظهرون الشهادة، ثم جمعهم رسول الله وأخبرهم بما قالوه وما أجمعوا عليه، فحلفوا بالله ما قالوا ولا أرادوا الذي ذكر، فأنزل الله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية، وأنزل الله تعالى: {وهموا بما لم ينالوا} ودعا عليهم رسول الله فقال: اللهم ارمهم بالدبيلة» وهي سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم انتهى. أي وفي لفظ: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلكه».

وفي الامتاع أن النبي وهو بتبوك صلى إلى نخلة فجاء شخص فمر بينه وبين تلك النخلة بنفسه، وفي رواية وهو على حمار، فدعا عليه فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره فصار مقعدا، وكان يقال لخذيفة رضي الله تعالى عنه صاحب سر رسول الله، قال حذيفة: نزل رسول الله عن راحلته، فأُوحي إليه وراحلته باركة فقامت تجر زمامها، فلقيتها فأخذت بزمامها وجئت إلى قرب رسول الله فأنختها، ثم جلست عندها حتى قام النبي فأتيته بها، فقال: من هذا؟ قلت، حذيفة فقال النبي : إني مسر إليك سرا فلا تذكرنه، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان، وعد جماعة من المنافقين، فلما توفي رسول الله كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في خلافته إذا مات الرجل ممن يظن به أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة رضي الله عنه فقاده إلى الصلاة عليه، فإن مشى معه حذيفة صلى عليه عمر رضي الله تعالى عنه وإن انتزع يده من يده ترك الصلاة عليه.

وقال للمسلمين عند انصرافه: إن بالمدينة لأقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال نعم حبسهم العذر، ثم أقبل رسول الله حتى نزل بذي أوان محل بينه وبين المدينة ساعة من نهار، أي وقال البكري: أظن أن الراء سقطت من بين الهمزة والواو: أي أروان، منسوب إلى البئر المشهورة.

وحين نزل أتاه خبر مسجد الضرار، فأنزل الله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا} الآية: أي لإضرار أهل قباء، أي فإن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نصلي في مربط حمار، لا، لعمر الله أي لأنه كان لامرأة كانت تربط فيه حمارها، ولكننا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، فيثبت لنا الفضل والزيادة على إخواننا وكان المسلمون في تلك الناحية كلهم يصلي في مسجد قباء جماعة، فلما بني هذا المسجد فصرف عن مسجد قباء جماعة وصلوا بذلك المسجد، فكان به تفريق للمؤمنين، فكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي ويستهزئون به، أي ويقال إن أبا عامر الراهب الذي سماه النبي فاسقا هو الآمر لهم ببنائه، فقال لهم: ابنوا لي مسجدا واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه من المدينة، وإنهم لما فرغوا من بنائهم أرسلوا إلى النبي أن يأتيهم ويصلي فيه كما صلى في مسجد قباء، فهمّ أن يأتيهم، فأنزل الله تعالى الآية.

وفي رواية أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، قال: إني علي جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لأتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما قفل من السفر وسألوه إتيان المسجد جاءه الخبر من السماء فأمر جماعة منهم وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهم وقال لهم: انطلقوا إلى المسجد الظالم أهله فاحرقوه واهدموه على أصحابه، ففعل به ذلك، قال: وكان ذلك بين المغرب والعشاء، ووصل الهدم إلى الأرض، وأعطاه لثابت بن أرقم رضي الله تعالى عنه يجعله بيتا، فلم يولد في ذلك البيت مولود قط، وحفر فيه بقعة فخرج منها الدخان، ولعل هذا أي جعله بيتا كان بعد أن أمر أن يتخذه محلا لإلقاء الكناسة والجيفة.

وفي الكشاف أن مجمع بن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار، فكلم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في خلافته أن يأذن لجمع بن حارثة أن يؤمهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعمة، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ فوالله لقد صليت بهم والله يعلم إني لا أعلم ما أضمروا فيه ولو علمت ما صليت معهم فيه، وكنت غلاما قارئا للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون من القرآن شيئا فعذره وصدقه، وأمره بالصلاة بهم.

ولما أشرف رسول الله على المدينة قال: هذه طابة أسكننيها ربي، تنفي خبث أهلها كما ينفي الكبر خبث الحديد.

ولما رأى جبل أحد قال: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه» وتقدم ما في ذلك في غزوة أحد، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «ولما قدم رسول الله المدينة تلقاه النساء والصبيان يقلن:

طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع»

قال البيهقي رحمه الله: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه عند مقدمه المدينة من تبوك، هذا كلامه، ولا مانع من تعدد ذلك.

ولما دنا من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا، فقال رسول الله لأصحابه: لا تكلموا رجلا منهم، ولا تجالسوهم حتى آذن لكم، فأعرض عنهم رسول الله والمسلمون، حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه انتهى.

أي وعن فضالة بن عبيد: أن رسول الله لما غزا غزوة تبوك جهد الظهر جهدا شديدا حتى صاروا يسوقونه، فشكوا إليه ذلك ورآهم يسوقونه، فوقف في مضيق والناس يمرون فيه فنفخ في الظهر، وقال: اللهم احمل عليها في سبيلك فإنك تحمل على القوي والضعيف والرطب واليابس في البر والبحر، فزال ما بها من الإعياء، وما دخلنا إلا وهي تنازعنا أزمتها.

وجاء: «أن حية عارضتهم في الطريق عظيمة الخلقة، فانحاز الناس عنها، فأقبلت حتى وقفت على رسول الله وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة، فقال رسول الله : تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن أي بنخلة عند منصرفه من الطائف، وتقدم الكلام عليه فرأى عليه من الحق حين ألمّ رسول الله ببلده أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام فقال الناس: و ورحمة الله».

وقد كان تخلف عنه، رهط من المنافقين وكانوا بضعة وثمانين رجلا، وتخلف عنه أيضا كعب بن مالك وكان من الخزرج ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكانا من الأوس، فأما المنافقون فجعلوا يحلفون ويعتذرون فقبل رسول الله منهم علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله، واستغفر لهم، وأما الثلاثة، فعن كعب بن مالك الخزرجي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لما جئته وسلمت عليه تبسم تبسم المغضب وقال لي تعال، فجئت حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك؟ فصدقته، وقلت: والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك» وفي رواية: «قلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط عليّ فيه، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر. فقال رسول الله : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، وقال الرجلان الآخران وهما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكانا ممن شهد بدرا وهما من الأوس مثل قول كعب، فقال لهما مثل ما قال لكعب، ونهى المسلمين عن كلامهم، فاجتنبهم الناس، فأما الرجلان فمكثا في بيوتهما يبكيان، وأما كعب فكان يشهد الصلاة مع المسلمين ويطوف بالأسواق فلا يكلمه أحد منهم، قال: ولما طال ذلك عليّ من جفوة الناس تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه، والله ما رد عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله، فسكت فعدت إليه فنشدته، فسكت فعدت إليه فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، قال: وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك، فطفق: أي جعل الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان أي وهو الحارث بن أبي شمر أو جبلة بن الأيهم، وكان الكتاب ملفوفا في قطعة من الحرير، فإذا فيه: أما بعد فانه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسِك، فقلت لما قرأته: وهذا أيضا من البلاء، فيممت أي قصدت به التنور فسجرته بها: أي ألقيته فيها: أي والأنباط قوم يسكنون البطائح بين العراقين: قال حتى إذا مضت أربعون ليلة جاءني رسول رسول الله فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ: أي وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع بمثل ذلك، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا ولكن لا يقربك، قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لي بعض أهلي. قال في النور: الظاهر أن القائل له امرأة لأن النساء لم يدخلن في النهي لأن في الحديث «ونهى المسلمين» وهذا الخطاب لا يدخل فيه النساء فدل على أن المراد الرجال، قالت: لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول لي رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، ثم مضى بعد ذلك عشر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا، فلما كان صلاة الفجر صبح تلك الليلة سمعت صوتا فوق جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، فخررت ساجدا. وعرفت أن رسول الله قد آذن، أي أعلم بتوبة الله علينا، فلما جاءني الرجل الذي سمعت صوته يبشرني أي وهو حمزة بن عمرو الأوسي نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، والله لا أملك غيرهما يومئذ: واستعرت أي من أبي قتادة رضي الله عنه ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله فتلقاني الناس فوجا فوجا: أي جماعة جماعة يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة: أي لأنه كان آخى بينهما حين قدم المدينة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله قال وهو يبرق وجهه من السرور، وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، فلما جلست بين يديه قال: أبشر بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله عز وجل؟ قال: لا بل من عند الله، فقلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله قال رسول الله : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، أي وكان المبشر لهلال بن أمية أسعد بن أسد، وكان المبشر لمرارة بن الربيع سلطان بن سلامة أو سلامة بن وقش.

أي وفي البخاري عن كعب رضي الله عنه: «فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله عند أم سلمة، وكانت أم سلمة رضي الله عنها محسنة في شأني معينة في أمري، فقال رسول الله : يا أم سلمة تيب على كعب، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره، قال: إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليل، حتى إذا صلى رسول الله صلاة الفجر أعلم بتوبة الله علينا وأنزل الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} إلى قوله: {وكونوا مع الصادقين} وقال في حق من اعتذر له: {سيحلفون بالله لكم} إلى قوله: {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين}.

واستشكل نزول الوحي بالقرآن في بيت أم سلمة بقوله في حق عائشة رضي الله عنها: «ما نزل عليّ الوحي في فراش امرأة غيرها» وأجاب بعضهم بأنه يجوز أن يكون ما تقدم في حق عائشة كان قبل هذه القصة، أو أن الذي خصت به عائشة رضي الله تعالى عنها نزول الوحي في خصوص الفراش لا في البيت.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية، قال: كانوا عشرة أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، فلما رجع أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد منهم أبو لبابة، فلما مر بهم رسول الله قال: من هؤلاء؟ قالوا: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم، قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية، فعند ذلك أطلقهم رسول الله وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ أموالكم، فأنزل الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} إلى قوله: {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري، وتقدم أن أبا لبابة رضي الله عنه ربط نفسه ببعض سواري المسجد في قصة بني قريظة، وعلى هذا فقد تكرر منه ربط نفسه، وقد ذكره ابن إسحاق فليتأمل ذلك.

ولما قدم من تبوك وجد عويمرا العجلاني رضي الله عنه امرأته حبلى، أي وهي خولة بنت عمه قيس، فلاعن بينهما أي في المسجد بعد العصر وكان قد قذفها بشريك بن سمحاء ابن عمه وقال: وجدته على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، فدعا رسول الله عويمرا وقال له: اتق الله في زوجتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، ودعا بالمرأة التي هي خولة وقال لها: اتقي الله ولا تخبريني إلا بما صنعت، فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجل غيور، وأنه يأتي وشريكا يطيل السهر ويتحدث، حملته الغيرة، على أن قال ما قال، فدعا شريكا وقال له: ما تقول؟ فقال مثل قول المرأة فأنزل الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} الآية، فأمر رسول الله أن ينادى بالصلاة جامعة، فلما صلي العصر أي وقد نودي بذلك واجتمع الناس، قال لعويمر: قم، فقام وقال: أشهد بالله إن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد بالله إني رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين، ثم أمره بالقعود، وقال لخولة: قومي، فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا زانية، وإن عويمرا لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الثالثة: أشهد بالله إني لحبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة، وإنه لمن الكاذبين ثم قالت في الخامسة: إن غضب الله على خولة تعني نفسها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله بينهما: أي قال له لا سبيل لك عليها وهو دليل لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه القائل إن الفرقة بين الزوجين تحصل بنفس التلاعن.

وما جاء في بعض الروايات أنه طلقها ثلاثا قبل أن يأمره: أي بعدم الاجتماع بها فهو محمول على أنه ظن أن التلاعن لا يحرّمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق، فقال: هي طالق ثلاثا، ومن ثم قال له عقب ذلك لا سبيل لك عليها، أي لا ملك لك عليها فلا يقع طلاقك، ثم قال: إن جاء الولد على صفة كذا فعويمر صادق، وإن جاء على صفة كذا فعويمر كاذب، فجاء على الصفة التي تصدق عويمرا، فكان الولد ينسب إلى أمه.

وفي البخاري: «أن عويمرا أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا: أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله، فأتى عاصم النبي فسأله، فكره النبي تلك المسألة وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله، فسأله عويمر، فقال له عاصم: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله المسألة وعابها، أي لأنه كان يكره المسألة التي لا يحتاج إليها: أي التي لم تكن وقعت لا سيما إن كان فيها هتك ستر مسلم أو مسلمة. قال: فعويمر رضي الله عنه لم يكن وقع له مثل ذلك حينئذ ثم اتفق له وقوع ذلك بعد، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله عن ذلك، فجاءه عويمر وهو وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا إن تكلم جلدتموه، وإن قتله قتلتموه، أو سكت سكت على الغيظ، فقال رسول الله: «اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان، وعند ذلك قال لعويمر: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فائت بها» أي وذلك بعد أن ذكر له عويمر قصته.

وفي رواية «قد قضى فيك وفي امرأتك فتلاعنا» وفي «أن هلال بن أمية أحد المتخلفين عن تبوك قذف امرأته عند النبي بشريك ابن سمحاء، أي وكانت حاملا، فقال النبي : البينة» زاد في رواية: «أوحدّ في ظهرك: فقال، يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا يتكلف يلتمس البينة، فجعل النبي يقول وإلا فحدّ في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام: أي بعد أن قال: اللهم افتح، أي بين لنا الحكم، فأنزل الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} فأرسل إلى المرأة فجاءت وتلاعنا، وعند الخامسة تلكأت ونكصت حتى ظن أنها ترجع، أي لأنه قال لها: إنها أي اللعنة موجبة: أي للعذاب في الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من غضب الآخرة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر الأيام وقالتها: أي الخامسة، أي وقال: إن جاءت به كذا فهو لهلال، وإن جاءت به كذا فهو لشريك، فجاءت به على الوصف الذي ذكر أنه يكون لشريك، فقال: لولا ما سبق من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن.

وجمهور العلماء على أن سبب نزول آية اللعان قصة هلال بن أمية، وإنه أول لعان وقع في الإسلام.

وذهب جمع إلى أن سبب نزولها قصة عويمر العجلاني، لقوله: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا» وأجيب بأن معناه لما نزل في قصة هلال، لأن ذلك عام في جميع الناس.

قال الإمام النووي رحمه الله: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين: أي وقال في كل: اللهم افتح، فنزلت هذه الآية فيهما، وسبق هلال باللعان، فكان أول من لاعن.

وفي مسلم: «أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ قال رسول الله : لا، قال، سعد: بلى والذي أكرمك بالحق». وفي رواية: «كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف» وفي لفظ: «لضربته بالسيف من غير صفح» أي بل أضربه بحده «فقال رسول الله: «اسمعوا الى ما يقول سيدكم» وليس ذلك من سعد رضي الله تعالى عنه ردا عليه، وإنما هو إخبار عن حاله، ومن ثم قال: «إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني» فأخبر عن سعد بأنه غيور، وأنه أغير منه، وأن الله أغير منه، ومن ثم جاء في الحديث «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك أرسل مبشرين ومنذرين. ولا أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة ليكثر سؤال العباد إياها والثناء منهم عليه».

وفي تفسير الفخر الرازي رحمه الله «لا شخص أغير من الله» وبه استدل على جواز إطلاق الشخص على الله تعالى.

وفي الحلية لأبي نعيم رحمه الله عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: «يا أبا بكر أرأيت لو وجدت مع أم رومان رجلا ما كنت صانعا؟ قال: كنت فاعلا به شرا ثم قال: يا عمر أرأيت لو وجدت رجلا، أي مع زوجتك ما كنت صانعا؟ قال: كنت والله قاتله، فقرأ: {والذين يرمون أزواجهم} الآية».

وفي الأم لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه: «أن رجلا من أهل الشام وجد مع امرأته رجلا فقتله، فرفع الأمر إلى معاوية رضي الله تعالى عنه فأشكل على معاوية القضاء فيها فكتب. معاوية إلى أبي الأشعري رضي الله تعالى عنه أن يسأل عن ذلك علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فاستخبر علي أبا موسى عن القصة، فأخبره أبو موسى أن معاوية كتب إليه في ذلك، فقال علي كرّم الله وجهه: أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء قتلناه، فليتأمل.

وفي الخصائص الكبرى أن في غزوة تبوك اجتمع بإلياس. فعن أنس رضي الله تعالى عنه: سمعنا صوتا يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفور لها المستجاب لها. فقال النبي : يا أنس انظر ما هذا الصوت؟ قال أنس رضي الله تعالى عنه: فدخلت الجبل، فإذا رجل عليه ثياب بيض أبيض الرأس واللحية، طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما رآني قال: أنت خادم رسول الله؟ قلت نعم، قال: ارجع إليه وأقرئه السلام، وقل له: أخوك إلياس يريد أن يلقاك، فرجعت إلى رسول الله فأخبرته، فجاء يمشي وأنا معه، حتى إذا كنت منه قريبا تقدم النبي وتأخرت أنا فتحدثا طويلا فنزل عليهما من السماء شيء شبه السفرة ودعاني فأكلت معهما قليلا فإذا فيها كمأة ورمان وحوت وتمر وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت ثم جاءت سحابة فاحتملته وأنا أنظر إلى بياض ثوبه فيها. قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه، وأطال في بيان ذلك. والعجب من الحاكم كيف يستدركه على الصحيحين، وهذا مما يستدرك به على الحاكم.

وفي النور: لم يجىء في حديث صحيح اجتماعه بإلياس. وفي الجامع الصغير إلياس أخو الخضر. وفي تفسير البغوي: أربعة من الأنبياء أحياء إلى يوم البعث اثنان في الأرض وهما الخضر وإلياس، أي وإلياس في البر والخضر في البحر، يجتمعان كل ليلة على ردم ذي القرنين يحرسانه. وأكلهما الكرفس والكمأة، واثنان في السماء إدريس وعيسى عليهما الصلاة والسلام.

وعن ابن إسحق الخضر من ولد فارس وإلياس من بني إسرائيل، أي وقد يقال: لا ينافي ذلك ما تقدم أنهما أخوان، لجواز أن يكونا أخوين لأم.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن إليه النفس أن الخضر عليه الصلاة والسلام اجتمع برسول الله في يوم من الأيام، ولو كان حيا في زمان رسول الله لكان أشرف أحواله اجتماعه به.

وفي الخصائص الكبرى عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «خرجت ليلة مع النبي أحمل الطهور، فسمع قائلا يقول: اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني منه، فقال رسول الله : يا أنس ضع الطهور وأت هذا فقل له: ادع لرسول الله أن يعينه الله على ما بعثه به، وادع لأمته أن يأخذوا ما أتاهم به من الحق، فأتيته فقلت له: فقال مرحبا برسول الله، أنا كنت أحق أن آتيه، اقرأ على رسول الله مني السلام، وقل له أخوك الخضر يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن الله فضلك على النبيين كما فضل شهر رمضان على الشهور، وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، فلما وليت سمعته يقول: اللهم اجعلني من هذه الأمة المرحومة المتاب عليها قال بعضهم: وهذا حديث واه منكر الإسناد سقيم المتن، ولم يراسل الخضر عليه الصلاة السلام نبينا ولم يلقه.

قال السيوطي في اللآلىء قلت: قد أخرج هذا الحديث الطبراني في الأوسط. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الإصابة: قد جاء من وجهين. وفي الخصائص الصغرى: ومن خصائصه أنه جمعت له الشريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أحدهما بدليل قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام، والمراد بالشريعة الحكم بالظاهر، وبالحقيقة الحكم بالباطن.

وقد نص العلماء على أن غالب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا ليحكموا بالظاهر دون ما اطلعوا عليه من بواطن الأمور وحقائقها، ومن ثم أنكر موسى عليه الصلاة والسلام على الخضر في قتله الغلام بقوله: {لقد جئت شيئا نكرا} فقال له الخضر عليه الصلاة والسلام {وما فعلته عن أمري} ومن ثم قال الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام: إني على علم من عند الله لا ينبغي لك أن تعلمه، أي تعمل به لأنك لست مأمورا بالعمل به، وأنت على علم من عند الله لا ينبغي لي أن أعلمه: أي لا ينبغي لي أن أعمل به، لأني لست مأمورا بالعمل به.

وفي تفسير أبي حيان: والجمهور على الخضر نبي وكان علمه معرفة بواطن أمور أوحيت إليه، أي ليعمل بها، وعلم موسى عليه الصلاة والسلام الحكم بالظاهر، أي دون الحكم بالباطن.

ونبينا حكم بالظاهر في أغلب أحواله، وحكم بالباطن: أي في بعضها، بدليل قتله للسارق وللمصلي لما اطلع على باطن أمرهما وعلم منهما ما يوجب القتل.

وقد ذكر بعض السلف رحمه الله أن الخضر إلى الآن ينفذ الحكم بالحقيقة، وأن الذين يموتون فجأة هو الذي يقتلهم، فإن صح ذلك فهو في هذه الأمة بطريق النيابة عن النبي فإنه عليه الصلاة والسلام صار من أتباعه، كما أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما ينزل يحكم بشريعته نيابة عنه لأنه من أتباعه.

وفيه أن عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمع به اجتماعا متعارفا ببيت المقدس فهو صحابي. وجاء في حديث مطعون فيه: أي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الخضر وإلياس عليهما الصلاة والسلام يجتمعان في كل عام: أي في الموسم، ويحلق كل منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هذه الكلمات «بسم الله، ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله». قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من قالها حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات عوفي من السرق والحرق والغرق ومن السلطان، ومن الشيطان، ومن الحية والعقرب.

وعن علي كرّم الله وجهه: سكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط، والله اعلم.

السيرة الحلبية
مقدمة | نسبه الشريف | تزويج عبد الله أبي النبي آمنة أمه وحفر زمزم | حمل أمه به | وفاة والده | مولده | تسميته محمدا وأحمد | رضاعه | وفاة أمه وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبد المطلب إياه | وفاة عبد المطلب وكفالة عمه أبي طالب له | سفره مع عمه إلى الشام | ما حفظه الله به في صغره | رعيته الغنم | حضوره حرب الفجار | شهوده حلف الفضول | سفره إلى الشام ثانيا | تزوجه خديجة بنت خويلد | بنيان قريش الكعبة | ما جاء من أمر رسول الله عن أحبار اليهود ورهبان النصارى والكهان والجان | سلام الحجر والشجر عليه قبل مبعثه | المبعث وعموم بعثته | بدء الوحي | وضوؤه وصلاته أول البعثة | أول الناس إيمانا به | استخفائه وأصحابه في دار الأرقم ودعائه إلى الإسلام جهرة وكلام قريش لأبي طالب في أن يخلي بينهم وبينه | عرض قريش عليه أشياء من خوارق العادات وغير العادات ليكف عنهم لما رأوا المسلمين يزيدون وسؤالهم له أشياء من خوارق العادات وبعثهم إلى أحبار يهود بالمدينة يسألونهم عن صفة النبي | الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وإسلام عمر بن الخطاب | اجتماع المشركين على منابذة بني هاشم وبني المطلب وكتابة الصحيفة | الهجرة الثانية إلى الحبشة | وفد نجران | وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة | خروج النبي إلى الطائف | الطفيل بن عمرو الدوسي وإسلامه | الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس | عرض رسول الله نفسه على القبائل أن يحموه ويناصروه | الهجرة إلى المدينة | بدء الأذان والإقامة | مغازيه: غزوة بواط | غزوة العشيرة | غزوة سفوان ويقال لها غزوة بدر الأولى | تحويل القبلة | غزوة بدر الكبرى | غزوة بني سليم | غزوة بني قينقاع | غزوة السويق | غزوة قرقرة الكدر | غزوة ذي أمر | غزوة بحران | غزوة أحد | غزوة حمراء الأسد | غزوة بني النضير | غزوة ذات الرقاع | غزوة بدر الآخرة | غزوة دومة الجندل | غزوة بني المصطلق | غزوة الخندق | غزوة بني قريظة | غزوة بن لحيان | غزوة ذي قرد | غزوة الحديبية | غزوة خيبر | غزوة وادي القرى | عمرة القضاء | غزوة مؤتة | فتح مكة | غزوة حنين | غزوة الطائف | غزوة تبوك | سراياه وبعوثه: سرية حمزة بن عبد المطلب | سرية عبيدة بن الحارث | سرية سعد بن أبي وقاص | سرية عبد الله بن جحش | سرية عمير بن عدي الخطمي | سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك | سرية عبد الله بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف الأوسي | سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع | سرية زيد بن حارثة إلى القردة | سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد | سرية الرجيع | سرية القراء إلى بئر معونة | سرية محمد بن سلمة إلى القرطاء | سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر | سرية محمد بن مسلمة لذي القصة | سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة أيضا | سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم | سرية زيد بن حارثة إلى العيص | سرية زيد بن حارثة إلى بني ثعلبة | سرية زيد بن حارثة إلى جذام | سرية أمير المؤمنين أبي بكر الصديق لبني فزارة | سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل | سرية زيد بن حارثة إلى مدين | سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك | سرية عبد الله بن رواحة إلى أُسَير | سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم | سرية سعيد بن زيد | سرية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى طائفة من هوازن | سرية أبي بكر إلى بني كلاب | سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بفدك | سرية غالب بن عبد الله الليثي | سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن | سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم | سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح | سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد | سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر | سرية كعب بن عمير الغفاري | سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل | سرية الخبط | سرية أبي قتادة إلى غطفان | سرية عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي إلى الغابة | سرية أبي قتادة إلى بطن أضم | سرية خالد بن الوليد إلى العزى | سرية عمرو بن العاص إلى سواع | سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة | سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة | سرية أبي عامر الأشعري إلى أوطاس | سرية الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين الصنم ليهدمه | سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم | سرية قطبة بن عامر إلى خثعم | سرية الضحاك الكلابي | سرية علقمة بن مجزز | سرية علي بن أبي طالب | سرية علي بن أبي طالب إلى بلاد مذحج | سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل | سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أبنى | الوفود التي وفدت عليه | كتبه التي أرسلها إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام | كتابه إلى قيصر | كتابه إلى كسرى | كتابه للنجاشي | كتابه للمقوقس ملك القبط | كتابه للمنذر بالبحرين | كتابه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملكي عمان | كتابه إلى هوذة | كتابه إلى الحارث الغساني | حجة الوداع | عمَره | معجزاته | خصائصه | أولاده | أعمامه وعماته | أزواجه وسراريه | خدمه الأحرار | الذين أعتقهم | كتّابه | حراسه | من ولي السوق في زمنه | من كان يضحكه | أمناء الرسول | شعراؤه | من كان يضرب الأعناق بين يديه | مؤذنوه | العشرة المبشرون بالجنة | حواريوه | سلاحه | خيله وبغاله وحمره | صفته الظاهرة | صفته الباطنة | مرضه ووفاته | بيان ما وقع من عام ولادته إلى زمان وفاته على سبيل الإجمال