رياض الصالحين/الصفحة 258


باب تحريم الكذب

قال اللَّه تعالى (الإسراء 36): {ولا تقف ما ليس لك به علم}.

وقال تعالى (ق 18): {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.

1542- وعن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال، قال رَسُول اللَّهِ : (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند اللَّه صدِّيقاً؛ وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

1543- وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أن النبي قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وقد سبق بيانه (انظر الحديث رقم 688) مع حديث أبي هريرة (انظر الحديث رقم 687) بنحوه في باب الوفاء بالعهد.

1544- وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عن النبي قال: (من تحلم لحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

(تحلّم): أي قال إنه حلم في نومه ورأى كذا وكذا وهو كاذب.

و (الآنُك) بالمد وضم النون وتخفيف الكاف وهو: الرصاص المذاب.

1545- وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قال، قال النبي : (أفرى الفرى أن يري الرجل عيناه ما لم تريا) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

معناه: يقول رأيت فيما لم يره.

1546- وعن سمرة بن جندب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كان رَسُول اللَّهِ مما يكثر أن يقول لأصحابه: (هل رأى أحد منكم رؤيا ) فيقص عليه من شاء اللَّه أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: (إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فَيَثْلَغُ رأسه فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى!) قال: (قلت لهما: سبحان اللَّه! ما هذان قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بِكَلُّوبٍ من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى) قال: (قلت: سبحان اللَّه! ما هذان قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور) فأحسب أنه قال: (فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوُوا. قلت: ما هؤلاء قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على نهر (حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم) وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قلت لهما: ما هذان قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة أو كأكره ما أنت راءٍ رجلاً مرأى فإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها. قلت لهما: ما هذا قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نَور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قلت: ما هذا وما هؤلاء قالا لي: انطلق انطلق .

فانطلقنا فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن قالا لي: ارق فيها. فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبِن ذهب ولبِن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، وإذا هو نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة) قال: قالا لي: (هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. قالا لي: هذاك منزلك! قلت لهما: بارك اللَّه فيكما فذراني أدخله، قالا: أما الآن فلا وأنت داخله، قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجباً فما هذا الذي رأيت قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإن مالك خازن جهنم. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم. وأما الولْدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة) وفي رواية البرقاني: (ولد على الفطرة) فقال بعض المسلمين: يا رَسُول اللَّهِ وأولاد المشركين فقال رَسُول اللَّهِ : (وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منه قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز اللَّه عنهم) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

وفي رواية له: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة) ثم ذكره وقال: (فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، وإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة) وفيها: (حتى أتينا على نهر من دم) ولم يشك (فيه رجل قائم على وسط النهر وعلى شط النهر رجل وبين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج جعل يرمي في فيه بحجر فيرجع كما كان) وفيها: (فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب) وفيها: (الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة) وفيها: (الذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه اللَّه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار فيفعل به إلى يوم القيامة، والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين. وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك. قلت: دعاني أدخل منزلي. قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك) رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

قوله (يثلغ رأسه) هو بالثاء المثلثة والغين المعجمة: أي يشدخه ويشقه.

قوله (يتدهده) أي يتدحرج.

و (الكَلُّوب) بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو معروف.

قوله (فيشرشر): أي يقطع.

قوله (ضوضووا) وهو بضاضين معجمتين: أي صاحوا.

قوله (فيفغر) هو بالفاء والغين المعجمة: أي يفتح.

قوله (المرآة) بفتح الميم: أي المنظر.

قوله (يحشها) وهو بفتح الياء وضم الحاء المهملة والشين المعجمة: أي يوقدها.

قوله (روضة معتَمَّة) هو بضم الميم وإسكان العين وفتح التاء وتشديد الميم: أي وافية النبات طويلته.

قوله (دوحة) وهي بفتح الدال وإسكان الواو والحاء المهملة وهي: الشجرة الكبيرة.

قوله (المحض) هو بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة والضاد وهو: اللبن.

قوله (فسما بصري): أي ارتفع.

و (صُعدا) بضم الصاد والعين: أي مرتفعاً.

و (الربابة) بفتح الراء والياء الموحدة مكررة وهي: السحابة.

رياض الصالحين - كتاب الأمور المنهي عنها

باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان | باب تحريم سماع الغيبة | باب ما يباح من الغيبة | باب تحريم النميمة | باب النهي عن نقل الحديث | باب ذم ذي الوجهين | باب تحريم الكذب | باب بيان ما يجوز من الكذب | باب الحث على التثبت فيما يقوله ويحكيه | باب بيان غلظ تحريم شهادة الزور | باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة | باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعيَّنين | باب تحريم سب المسلم بغير حق | باب تحريم سب الأموات | باب النهي عن الإيذاء | باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر | باب تحريم الحسد | باب النهي عن التجسس | باب النهي عن سوء الظن بالمسلمين من غير ضرورة | باب تحريم احتقار المسلمين | باب النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم | باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع | باب النهي عن الغش والخداع | باب تحريم الغدر | باب النهي عن المن بالعطية ونحوها | باب النهي عن الافتخار والبغي | باب تحريم الهجران بين المسلمين | باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث | باب النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد | باب تحريم التعذيب بالنار | باب تحريم مطل الغني بحق طلبه صاحبه | باب كراهية عودة الإنسان في هبة | باب تأكيد تحريم مال اليتيم | باب تغليظ تحريم الربا | باب تحريم الرياء | باب ما يُتوهم أنه رياء وليس برياء | باب تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية | باب تحريم الخلوة بالأجنبية | باب تحريم تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال | باب النهي عن التشبه بالشيطان والكفار | باب نهي الرجل والمرأة عن خضاب شعرهما بسواد | باب النهي عن القزع | باب تحريم وصل الشعر والوشم والوشر | باب النهي عن نتف الشيب | باب كراهة الاستنجاء باليمين | باب كراهة المشي في نعل واحدة | باب النهي عن ترك النار في البيت | باب النهي عن التكلف | باب تحريم النياحة على الميت | باب النهي عن إتيان الكهان والمنجمين | باب النهي عن التطير | باب تحريم تصوير الحيوان | باب تحريم اتخاذ الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع | باب كراهة تعليق الجرس في البعير | باب كراهة ركوب الجلالة | باب النهي عن البصاق في المسجد | باب كراهة الخصومة في المسجد | باب النهي من أكل ثومًا أو بصلا أو كراثًا | باب كراهة الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب | باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي عن أخذ شيء من شعره أو أظفاره حتى يضحي | باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي والكعبة والملائكة | باب تغليظ اليمين الكاذبة عمدًا | باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا | باب العفو عن لغو اليمين | باب كراهة الحلف في البيع وإن كان صادقًا | باب كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله عز وجل غير الجنة | باب تحريم قول شاهنشاه للسلطان | باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد نحوه | باب كراهة سب الحمى | باب النهي عن سب الريح وبيان ما يقال عند هبوبها | باب كراهة سب الديك | باب النهي عن قول الإنسان: مطرنا بنوء كذا | باب تحريم قوله لمسلم: يا كافر | باب النهي عن الفحش وبذاء اللسان | باب كراهة التقعير في الكلام والتشدق فيه | باب كراهة قوله: خبثت نفسي | باب كراهية تسمية العنب كَرْمًا | باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل | باب كراهة قول الإنسان:اللهم اغفر لي إن شئت | باب كراهة قول: ما شاء الله وشاء فلان | باب كراهة الحديث بعد العشاء الآخرة | باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها | باب تحريم صوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه | باب تحريم رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام | باب كراهة وضع اليد على الخاصرة في الصلاة | باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه | باب كراهة الالتفات في الصلاة لغير عذر | باب النهي عن الصلاة إلى القبور | باب تحريم المرور بين يدي المصلي | باب كراهة شروع المأموم في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة | باب كراهة تخصيص يوم الجمعة بصيام | باب تحريم الوصال في الصوم | باب تحريم الجلوس على قبر | باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه | باب تغليظ تحريم إباق العبد من سيده | باب تحريم الشفاعة في الحدود | باب النهي عن التغوط في طريق الناس | باب النهي عن البول ونحوه في الماء الراكد | باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة | باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام | باب تحريم بيع الحاضر للبادي | باب النهي عن إضاعة المال | باب النهي عن الإشارة إلى مسلم بسلاح | باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان | باب كراهة رد الريحان لغير عذر | باب كراهة المدح في الوجه | باب كراهة الخروج من بلد وقع به الوباء | باب التغليظ في تحريم السحر | باب النهي عن المسافرة بالمصحف إلى بلاد الكفار | باب تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة | باب تحريم لبس الرجل ثوباً مزعفراً | باب النهي عن صمت يوم إلى الليل | باب تحريم انتساب الإنسان إلى غير أبيه | باب التحذير من ارتكاب ما نهى الله عزوجل | باب ما يقوله ويفعله من ارتكب منهياً عنه