افتح القائمة الرئيسية
السيرة الحلبية
الجزء الأول
علي بن برهان الدين الحلبي

محتويات


(مقدمة المؤلف)

بسم الله الرحمن الرحيم

حمد لمن نضر وجوه أهل الحديث وصلاة وسلاما على من نزل عليه أحسن الحديث وعلى آله وأصحابه أهل التقدم في القديم والحديث صلاة وسلاما دائمين ما سارت الأئمة في جمع سير المصطفى السر الحثيث

وبعد فيقول أفقر المحتاجين وأحوج المفتقرين لعفو ذي الفضل والطول المتين على بن برهان الدين الحلبي الشافعي إن سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام من أهم ما اهتم به العلماء الأعلام وحفاظ ملة الإسلام كيف لا وهو الموصل لعلم الحلال والحرام والحامل على التخلق بالأخلاق العظام وقد قال الزهري   في علم المغازي خير الدنيا والآخرة وهو أول من ألف في السير

قال بعضهم أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري، وعن سعد بن أبي وقاص   أنه قال كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ وسراياه فيقول يا بني هذه شرف آبائكم فلا تنسوا ذكرها. وأحسن ما ألف في ذلك وتداولته الأكياس سيرة الحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس لما جمعت من تلك الدراري والدرر ومن ثم سماها عيون الأثر غير أنه أطال بذكر الإسناد الذي كان للمحدثين به مزيد الاعتداد وعليه لهم كثير الاعتماد إذ هو من خصائص هذه الأمة ومفتخر الأئمة لكنه صار الآن لقصور الهمم لا تقبله الطباع ولا تمتد إليه الأطماع وأما سيرة الشمس الشامي فهو وإن أتى بما فيما يعد في صفائح وجوه الصحائف حسنات لكنه أتى فيها بما هو في أسماع ذوى الأفهام كالمعادات

ولا يخفى أن السير تجمع الصحيح والسقيم والضعيف والبلاغ والمرسل والمنقطع والمعضل دون الموضوع، ومن ثم قال الزين العراقي  :

وليعلم الطالب أن السيرا ** تجمع ما صح وما قد أنكرا

وقد قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا وإذا روبنا في الفضائل ونحوها تساهلنا. وفي الأصل والذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق وما لا حكم فيه من أخبار المغازي وما يجرى مجرى ذلك وأنه يقبل منها ما لا يقبل في الحلال والحرام لعدم تعلق الأحكام بها. فلما رأيت السيرتين المذكورتين على الوجه الذي لا يكاد ينظر إليه لما اشتملتا عليه عن لي أن ألخص من تينك السيرتين أنموذجا لطيفا يروق الأحداق ويحلو للأذواق يقرأ مع ما أضمه إليه بين يدي المشايخ على غاية الانسجام ونهاية الانتظام ولا زلت في ذلك أقدم رجلا وأؤخر أخرى لكوني لست من أهل هذا الشان ولا ممن يسابق في ميدانه على خيل الرهان حتى أشار علي بذلك وبسلوك تلك المسالك من إشارته واجبة الاتباع ومخالفة أمره لا تستطاع ذو البديهة المطاوعة والفضائل البارعة والفواضل الكثيرة النافعة من إذا سئل عن أي معضلة أشكلت على ذوي المعرفة والوقوف لا تراه يتوقف ولا يخرج عن صوب الصواب ولا يتعسف ولا أخبر في كثير من الأوقاف عن شيء من المغيبات وكاد أن يتخلف وهو الأستاذ الأعظم والملاذ الأكرم مولانا الشيخ أبو عبدالله وأبو المواهب محمد فخر الإسلام البكري الصديقي كيف لا وهو محل نظر والده من نشر ذكره ملأ المشارق والمغارب وسرى سره في سائر المسارى والمسارب ولي الله والقائم بخدمته في الإسرار والإعلان والعارف به الذي لم يتمار في أنه القطب الفرد الجامع ثنان مولانا الأستاذ أبو عبدالله وأبو بكر محمد البكري الصديقي ولا بدع فإنه نتيجة صدر العلماء العاملين وأستاذ جميع الأستاذين والمعدود من المجتهدين صاحب التصانيف المفيدة في العلوم العديدة مولانا الأستاذ محمد أبو الحسن تاج العارفين البكري الصديقي أعاد الله تعالى على وعلى أحبابي من بركاتهم وجعلنا في الآخرة من جملة أتباعهم فلما أشار على ذلك الأستاذ بتلك الإشارة ورأيتها منه أعظم بشارة شرعت معتمدا في ذلك على من يبلغ كل مؤمل أمله ولم يخيب من قصده وأمله وقد يسر الله تعالى ذلك على أسلوب لطيف ومسلك شريف لا تمله الأسماع ولا تنفر منه الطباع والزيادة التي أخذتها من سيرة الشمس الشامي على سيرة أبي الفتح ابن سيد الناس الموسومة بعيون الأثر إن كثرت ميزتها بقولى في أولها قال وفي آخرها انتهى . وإن قلت أتيت بلفظه أي وجعلت في آخر القولة دائرة هكذا بالحمرة وربما أقول وفي السيرة الشامية وربما عبرت عن الزيادة القليلة بقال وعن الكثيرة بأي، وما ليس بعده تلك الدائرة فهو من الأصل أعني عيون الأثر غالبا وقد يكون من زيادتي على الأصل والشامي كما يعلم بالوقوف عليهما وربما ميزت تلك الزيادة بقولي في أولها أقول وفي آخرها والله أعلم. وقد يكون من الزيادة ما أقول وفي السيرة الهشامية بتقديم الهاء على الشين وحيث أقول قال في الأصل أو ذكر في الأصل أو نحو ذلك فالمراد به عيون الأثر ثم عن لي أن أذكر من أبيات القصيدة الهمزية المنسوبة لعالم الشعراء وأشعر العلماء وهو الشيخ شرف الدين البوصيري ناظم القصيدة المعروفة بالبردة وما تضمنته تلك الأبيات وأشارت إليه من ذلك السياق فإنه أحلى في الأذواق وربما أحل ذلك النظم بما يوضح معناه ويظهر تركيب مبناه وربما أذكر أيضا من أبيات تائية الإمام السبكي ما يناسب المقام وربما أذكر أيضا بعض أبيات من كلام صاحب الأصل من قصائده النبوية المجموعة بديوانه المسمى ببشرى اللبيب بذكرى الحبيب وقد سميت مجموع ذلك

إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون

وأسأل من لا مسئول إلا إياه أن يجعل ذلك وسيلة لرضاه آمين

باب نسبه الشريف

هو محمد (ابن عبد الله) ومعنى عبد الله: الخاضع الذليل له تعالى. وقد جاء «أحب أسمائكم» وفي رواية: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» وجاء «أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به» وقد سمي بعبد الله في القرآن، قال الله تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} وعبد الله هذا هو (ابن عبد المطلب) ويدعى شيبة الحمد لكثرة حمد الناس له: أي لأنه كان مفزع قريش في النوائب وملجأهم في الأمور، فكان شريف قريش وسيدها كمالا وفعالا من غير مدافع. وقيل: قيل له شيبة الحمد لأنه ولد وفي رأسه شيبة: أي وفي لفظ كان وسط رأسه أبيض، أو سمي بذلك تفاؤلا بأنه سيبلغ سن الشيب ( ) قيل اسمه عامر، وعاش مائة وأربعين سنة: أي وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية ( ) وكان مجاب الدعوة، وكان يقال له الفياض لجوده، ومطعم طير السماء لأنه كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال. قال: وكان من حلماء قريش وحكمائها، وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف والد أبي سفيان، وكان في جوار عبد المطلب يهودي فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب في سوق من أسواق تهامة، فأغرى عليه حرب من قتله، فلما علم عبد المطلب بذلك ترك منادمة حرب، ولم يفارقه حتى أخذ منه مائة ناقة دفعها لابن عم اليهودي حفظا لجواره، ثم نادم عبد الله بن جدعان انتهى ملخصا.

وقيل له عبد المطلب، لأن عمه المطلب لما جاء به صغيرا من المدينة أردفه خلفه: أي وكان بهيئة رثة: أي ثياب خلقة، فصار كل من يسأل عنه ويقول من هذا؟ يقول عبدي أي حياء أن يقول ابن أخي، فلما دخل مكة أحسن من حاله وأظهر أنه ابن أخيه وصار يقول لمن يقول له عبد المطلب: ويحكم إنما هو شيبة ابن أخي هاشم ( ) لكن غلب عليه الوصف المذكور فقيل له عبد المطلب: أي وقيل لأنه تربى في حجر عمه المطلب، وكان عادة العرب أن تقول لليتيم الذي يتربى في حجر أحد هو عبده وكان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيئات الأمور.

وكان يقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبهم عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم من أهل الشام لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك، ففكر وقال: والله إن وراء هذه الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته: أي فالمظلوم شأنه في الدنيا ذلك، حتى إذا خرج من الدنيا ولم تصبه العقوبة فهي معدة له في الآخرة، ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ووحد الله سبحانه وتعالى. وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها، وجاءت السنة بها: منها الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان، كذا في كلام سبط ابن الجوزي. (ابن هاشم) وهاشم: هو عمرو العلا أي لعلو مرتبته، وهو أخو عبد شمس وكانا توأمين، وكانت رجل هاشم أي أصبعها ملصقة بجبهة عبد شمس، ولم يكن نزعها إلا بسيلان دم، فكانوا يقولون سيكون بينهما دم، فكان بين ولديهما أي بين بني العباس وبين بني أمية سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة، ووقعت العداوة بين هاشم وبين ابن أخيه أمية بن عبد شمس، لأن هاشما لما ساد قومه بعد أبيه عبد مناف حسده أمية ابن أخيه، فتكلف أن يصنع كما يصنع هاشم فعجز، فعيرته قريش وقالوا له أتتشبه بهاشم، ثم دعا هاشما للمنافرة فأبى هاشم ذلك لسنه وعلو قدره، فلم تدعه قريش، فقال هاشم لأمية: أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، والجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية بذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وكان بعسفان، فخرج كل منهما في نفر، فنزلوا على الكاهن، فقال قبل أن يخبروه خبرهم «والقمر الباهر» والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر، فنصر هاشم على أمية، فعاد هاشم إلى مكة ونحر الإبل، وأطعم الناس، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية، وتوارث ذلك بنوهما، وكان يقال لهاشم وإخوته عبد شمس والمطلب ونوفل أقداح النضار: أي الذهب، ويقال لهم المجيرون لكرمهم وفخرهم وسيادتهم على سائر العرب.

قال بعضهم: ولا يعرف بنو أب تباينوا في محالّ موتهم مثلهم، فإن هاشما مات بغزة: أي كما سيأتي، وعبد شمس مات بمكة، وقبره بأجياد، ونوفلا مات بالعراق، والمطلب مات ببرعاء من أرض اليمن: أي وقيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد بعد جده إبراهيم، فإن ابراهيم أول من فعل ذلك: أي ثرد الثريد وأطعمه المساكين () وفيه أن أول من ثرد الثريد، وأطعمه بمكة بعد إبراهيم جد هاشم قصي. ففي الإمتاع: وقصي أول من ثرد الثريد وأطعمه بمكة. وفيه أيضا هاشم عمرو العلا، أول من أطعم الثريد بمكة، وسيأتي أن أول من فعل ذلك عمرو بن لحي، فليتأمل.

وقد يقال: لا منافاة لأن الأولية في ذلك إضافية، فأولية قصي لكونه من قريش وأولية عمرو بن لحي لكونه من خزاعة، وأولية هاشم باعتبار شدة مجاعة حصلت لقريش وإلى ذلك يشير صاحب الأصل بقوله:

وأطعم في المحل عمرو العلا ** فللمسنتين به خصب عام

وقال أيضا:

عمرو العلا ذو الندى من لا يسابقه ** مر السحاب ولا ريح تجاريه

جفانه كالجوابي للوفود إذا ** لبوا بمكة ناداهم مناديه

أو أمحلوا أخصبوا منها وقد ملئت ** قوتا لحاضره منهم وباديه

وقد قيل فيه:

قل للذي طلب السماحة والندى ** هلا مررت بآل عبد مناف

الرائشون وليس يوجد رائش ** والقائلون هلمّ للأضياف

وعن بعض الصحابة قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر   على باب بني شيبة فمر رجل وهو يقول:

يا أيها الرجل المحوّل رحله ** ألا نزلت بآل عبد الدار

هبلتك أمك، لو نزلت برحلهم ** منعوك من عدم ومن إقتار

فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر   فقال: أهكذا قال الشاعر؟ قال: لا والذي بعثك بالحق، ولكنه قال:

يا أيها الرجل المحول رحله ** ألا نزلت بآل عبد مناف

هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ** منعوك من عدم ومن اقراف

الخالطين غنيهم بفقيرهم ** حتى يعود فقيرهم كالكافي

فتبسم رسول الله ﷺ وقال: هكذا سمعت الرواة ينشدونه، وكان هاشم بعد أبيه عبد مناف على السقاية والرفادة، فكان يعمل الطعام للحجاج، يأكل منه من لم يكن له سعة ولا زاد، ويقال لذلك الرفادة.

واتفق أنه أصاب الناس سنة جدب شديد فخرج هاشم إلى الشام، وقيل بلغه ذلك وهو بغزة من الشام، فاشترى دقيقا وكعكا وقدم به مكة في الموسم، فهشم الخبز والكعك ونحر الجزر وجعله ثريدا، وأطعم الناس حتى أشبعهم، فسمي بذلك هاشما. وكان يقال له أبو البطحاء وسيد البطحاء.

قال بعضهم: لم تزل مائدته منصوبة لا ترفع في السراء والضراء.

قال ابن الصلاح: روينا عن الإمام سهل الصعلوكي   أنه قال في قوله: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» أراد فضل ثريد عمرو العلا، الذي عظم نفعه وقدره، وعم خيره وبره، وبقي له ولعقبه ذكره. وقد أبعد سهل في تأويل الحديث. والذي أراه أن معناه تفضيل الثريد من الطعام على باقي الطعام، لأن سائر بمعنى باقي أي فالمراد أي ثريد لا خصوص ثريد عمرو العلا حتى يكون أفضل من ثريد غيره. وكان هاشم يحمل ابن السبيل، ويؤمن الخائف.

قال: وقد ذكر أنه كان إذا هل هلال ذي الحجة قام صبيحته وأسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها ويخطب يقول في خطبته: يا معشر قريش إنكم سادة العرب، أحسنها وجوها، وأعظمها أحلاما أي عقولا، وأوسط العرب: أي أشرفها أنسابا، وأقرب العرب بالعرب أرحاما. يا معشر قريش إنكم جيران بيت الله تعالى، أكرمكم الله تعالى بولايته، وخصكم بجواره دون بني إسماعيل، وإنه يأتيكم زوار الله يعظمون بيته فهم أضيافه وأحق من أكرم أضياف الله أنتم فأكرموا ضيفه وزواره، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح فأكرموا ضيفه وزوار بيته، فورب هذه البنية لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرج من طيب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام؟ فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله وتقويتهم إلا طيبا، لم يؤخذ ظلما، ولم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ غصبا، فكانوا يجتهدون في ذلك، ويخرجونه من أموالهم فيضعونه في دار الندوة انتهى.

وقيل في تسمية شيبة الحمد عبد المطلب غير ما تقدم. فقد قيل: إنما سمي شيبة الحمد عبد المطلب، لأن أباه هاشما قال للمطلب الذي هو أخو هاشم وهو بمكة حين حضرته الوفاة أدرك عبدك يعني شيبة الحمد بيثرب، فمن ثم سمي عبد المطلب كذا في المواهب وقدمه على ما تقدم.

وفيه أنه حكى غير واحد أن هاشما خرج تاجرا إلى الشام، فنزل على شخص من بني النجار بالمدينة وتزوج بنته على شرط أنها لا تلد ولدا إلا في أهلها: أي ثم مضى لوجهه قبل أن يدخل بها ثم انصرف راجعا فبنى بها في أهلها ثم ارتحل بها إلى مكة، فلما أثقلت بالحمل خرج بها فوضعها عند أهلها بالمدينة ومضى إلى الشام فمات بغزة، قيل وعمره حينئذ عشرون سنة، وقيل أربع، وقيل خمس وعشرون. وولدت شيبة الحمد فمكث بالمدينة سبع سنين وقيل ثمان، فمر رجل على غلمان يلعبون أي ينتضلون بالسهام وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الرجل: ممن أنت يا غلام؟ فقال أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف، فلما قدم الرجل مكة وجد المطلب جالسا بالحجر فقص عليه ما رأى، فذهب إلى المدينة، فلما رآه عرف شبه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمه إليه خفية من أمه.

وفي لفظ أنه عرفه بالشبه وقال لمن كان يلعب معه: أهذا ابن هاشم؟ قالوا نعم، فعرفهم أنه عمه، فقالوا له: إن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه، فإنها إن علمت بك لم تدعك وحالت بينك وبينه، فدعاه المطلب وقال يا ابن أخي أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك، وأناخ ناقته فجلس على عجز الناقة، فانطلق به ولم تعلم به أمه حتى كان الليل فقامت تدعوه، فأخبرت أن عمه قد ذهب به وكساه حلة يمانية، ثم قدم به مكة، فقالت قريش: هذا عبد المطلب: أي فإن هذا السياق يدل على أن عبد المطلب إنما ولد بعد موت أبيه هاشم بغزة، وكون عمه المطلب كساه حلة لا ينافي ما سبق أنه دخل به مكة وثيابه رثة خلقة، لأنه يجوز أن تكون هذه الحلة ألبست له عند أخذه ثم نزعت عنه في السفر: أي أو أن هذه الحلة اشتراها بمكة كما يصرح به كلام بعضهم. وما وقع هنا من تصرف الراوي على أنه يجوز أن يكون اشترى له حلتين واحدة ألبسها له بالمدينة وأخرى اشتراها بمكة وألبسها له( ).

وفي السيرة الهشامية أن أم عبد المطلب كانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشرطوا لها أن أمرها بيدها إذا كرهت رجلا فارقته: أي وإنها لا تلد ولدا إلا في أهلها كما تقدم، وأن عمه المطلب لما جاءه لأخذه قالت له لست بمرسلته معك، فقال لها المطلب: إني غير منصرف حتى أخرج به معي، إن ابن أخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه، ونحن أهل بيت شرف في قومنا، وقومه وعشيرته وبلده خير من الإقامة في غيرهم، فقال شيبة لعمه: إني لست بمفارقها إلا أن تأذن لي، فأذنت له ودفعته إليه، فأردفه خلفه على بعيره. ويحتاج إلى الجمع بين هذا وما قبله، فقالت قريش عبد المطلب ابتاعه: أي ظنا منهم أنه اشتراه من المدينة فإن الشمس أثرت فيه وعليه ثياب أخلاق، فقال لهم: ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم. ولا يخالف هذا ما سبق، من أنه صار يقول لمن يسأله عنه من هذا؟ فيقول عبدي، لأنه يجوز أن يكون بعض الناس قال من عند نفسه هذا عبد المطلب ظنا منه، وبعضهم سأله فأجابه بقوله هذا عبدي كما تقدم، ولما دخل مكة قال لهم ويحكم إلى آخره. وهاشم (بن عبد مناف) وعبد مناف اسمه المغيرة. أي وكان يقال له قمر البطحاء لحسنه وجماله، وهذا هو الجد الثالث لرسول الله، وهو الجد الرابع لعثمان بن عفان، والجد التاسع لإمامنا الشافعي  .

ووجد كتاب في حجر: أنا المغيرة بن قصي، أوصي قريشا بتقوى الله جل وعلا، وصلة الرحم. ومناف أصله مناة اسم صنم كان أعظم أصنامهم، وكانت أمه جعلته خادما لذلك الصنم. وقيل وهبته له لأنه كان أول ولد لقصي على ما قيل، لأن عبد مناف بن قصي أي ويسمى قصي زيدا.

وعن إمامنا الشافعي   أن اسمه يزيد، ويدعى مجمعا أيضا. وقيل له قصي لأنه قصي: أي بعد عن عشيرته إلى أخواله بني كلب في ناديهم. وقيل بعد إلى قضاعة مع أمه لأنها كانت منهم.

أقول: لا منافاة، لجواز أن تكون أم قصي من بني كلب وأبوها من قضاعة، وأنها رحلت بعد موت عبد مناف إلى بني كلب، ثم لما تزوجت من قضاعة رحلت إليها، ولعل قضاعة كانت جهة الشام، فلا يخالف ما قيل.

وقيل له قصي لأنه بعد مع أمه إلى الشام، لأن أمه تزوجت بعد موت أبيه وهو فطيم بشخص يقال له ربيعة بن حزام. وقيل حزام بن ربيعة العذري، فرحل بها إلى الشام وكان قصي لا يعرف له أبا إلا زوج أمه المذكور، فلما كبر وقع بينه وبين آل زوج أمه شر: أي فإنه ناضل رجلا منهم فنضله قصي أي غلبه، فغضب ذلك الرجل وعير قصيا بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك وببلادك فإنك لست منا.

وفي لفظ: لما قيل له ذلك، قال ممن أنا؟ قيل له سل أمك فشكا ذلك إلى أمه، فقالت له: بلادك خير من بلادهم، وقومك خير من قومهم، أنت أكرم أبا منهم، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك بمكة عند البيت الحرام تفد إليه العرب، وقد قالت لي كاهنة رأتك صغيرا إنك تلي أمرا جليلا، فلما أراد الخروج إلى مكة قالت له أمه: لا تعجل حتى يدخل الشهر الحرام فتخرج مع حجاج قضاعة، فإني أخاف عليك، فشخص مع الحجاج، فقدم قصي مكة على قومه مع حجاج قضاعة، فعرفوا له فضله وشرفه، فأكرموه وقدموه عليهم، فساد فيهم ثم تزوج بنت حليل بالحاء المهملة المضمومة الخزاعي وكان أمر مكة والبيت إليه، وهو آخر من ولي أمر البيت والحكم بمكة من خزاعة، فجاء منها بأولاده الآتي ذكرهم، فلما انتشر ولده وكثر ماله وعلم شرفه مات حليل، فرأى قصي أنه أولى بأمر مكة من خزاعة، لأن قريشا أقرب إلى إسماعيل من خزاعة، فدعا قريشا وبني كنانة إلى إخراج خزاعة من مكة فأجابوه إلى ذلك وانضم له قضاعة، جاء بهم أخو قصي لأمه فأزاح قصي يد خزاعة وولي أمر مكة.

وقيل إن حليلا جعل أمر البيت لقصي. ولا منافاة لجواز أن تكون خزاعة لم ترض بما فعله حليل من أن يكون أمر البيت لقصي فحاربهم وأخرجهم من مكة.

وقيل إن حليلا أوصى بذلك لأبي غبشان بضم الغين المعجمة بعد أن أوصى بذلك لابنته زوج قصي وقالت له لا قدرة لي على فتح البيت وإغلاقه، وأن قصيا أخذ ذلك منه بزق خمر، فقالت العرب: أخسر صفقة من أبي غبشان.

وقيل إن أبا غبشان أعطى ذلك لبنت حليل زوج قصي، وأعطاه قصي أثوابا وأبعرة، فكان أبو غبشان آخر من ملك أمر مكة والبيت من خزاعة.

ولا يخالف ذلك ما تقدم من أن حليلا آخر من ولي أمر البيت والحكم بمكة، لجواز أن يكون المراد آخر من ولي ذلك، واستمر كذلك إلى أن مات. قال بعضهم: وكان أبو غبشان خالا لقصي، وكان في عقله شيء، فخدعه قصي فاشترى منه أمر مكة والبيت بأذواد من الإبل.

والجمع بين هذه الروايات من أن قصيا أخذه من أبي غبشان بزق خمر، وبين أنه أخذ ذلك بأثواب وأبعرة، وبين أنه أخذ ذلك بأذواد من الإبل ممكن، لجواز أن يكون جمع بين الخمر والأثواب والإبل فوقع الاقتصار على بعضها من بعض الرواة تأمل. ثم جمع قصي قريشا بعد تفرقها في البلاد وجعلها اثنتي عشرة قبيلة كما سيأتي، ومن ثم قيل له مجمع. وفي كلام بعضهم: ولذلك سماه النبي ﷺ مجمعا، وإلى ذلك يشير قول الشاعر:

قصي لعمري كان يدعى مجمعا ** به جمع الله القبائل من فهر

وهذا البيت من قصيدة مدح بها عبد المطلب مدحه بها حذافة بن غانم، فإن ركبا من جذام فقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة، فلقوا حذافة فأخذوه فربطوه ثم انطلقوا به، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف معه ابنه أبو لهب يقوده وقد ذهب بصره، فلما نظر إليه حذافة هتف به، فقال عبد المطلب لأبي لهب: ويلك ما هذا؟ قال: هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب، قال الحقهم واسألهم ما شأنهم، فلحقهم فأخبروه الخبر، فرجع إلى عبد المطلب، فقال ما معك؟ قال: والله ما معي شيء، قال: الحقهم لا أم لك وأعطهم ما بيدك وأطلق الرجل، فلحقهم أبو لهب فقال: قد عرفتم تجارتي ومالي، وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا وعشرا من الإبل وفرسا، وهذا ردائي رهنا بذلك، فقبلوه منه وأطلقوا حذافة فأقبل به، فلما سمع عبد المطلب صوت أبي لهب قال: وأبي إنك لعاص؟ ارجع لا أم لك، قال: يا أبتاه هذا الرجل معي، فناداه يا حذافة أسمعني صوتك فقال: ها أنا ذا بأبي أنت يا ساقي الحجيج أردفني، فأردفه خلفه حتى دخل مكة، فقال حذافة هذه القصيدة ومطلعها:

بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه ** يضيء ظلام الليل كالقمر البدر

وهي قصيدة جيدة.

فإن قيل: كيف قبل القوم من أبي لهب رهن ردائه على ما ذكره لهم في أن يخلوا عن الرجل مع أن رداءه لا يقع موقعا من ذلك؟

أجيب: بأن سنة العرب وطريقتهم أن الواحد منهم إذا رهن غيره ولو شيئا حقيرا على أمر جليل لا يغدر، بل يحرص على وفاء ما رهن عليه، ومن ثم لما أجدبت أرض تميم بدعاء النبي ﷺ عليهم ذهب سيدهم حاجب بن زرارة والد عطارد   إلى كسرى ليأخذ منه أمانا لقومه لينزلوا ريف العراق لأجل المرعى، فقال له كسرى: أنتم قوم غدر، وأخاف على الرعايا منكم، فقال له حاجب: أنا ضامن أن لا تفعل قومي شيئا من ذلك، فقال له كسرى: ومن لي بوفائك؟ قال: هذه قوسي رهينة، فحمقه كسرى وجلساؤه وضحكوا منه، فقيل له: العرب لو رهن أحدهم شيئا لا بد أن يفي به، فلما أخصبت أرض تميم بدعاء النبي ﷺ لهم لما وفد إليه جماعة منهم وأسلموا ومات حاجب، أمر عطارد   قومه بالذهاب إلى بلادهم، وجاء عطارد   إلى كسرى فطلب قوس أبيه، فقال: إنك لم تسلم إليّ شيئا فقال: أيها الملك، أنا وارث أبي وقد وفينا بالضمان، فإن لم تدفع إلي قوس أبي صار عارا علينا وسبة، فدفعها له وكساه حلة، فلما وفد عطارد على النبي ﷺ وأسلم دفعها للنبي، فلم يقبلها وقال «إنما يلبس هذه الحلة من لا خلاق له» فكانت بنو تميم تعد ذلك القوس من مفاخرهم، وإلى هذا أشار بعض الشعراء وقد أحسن وأجاد وتلطف بقوله:

تزهو علينا بقوس حاجبها ** تيه تميم بقوس حاجبها

وصار قصي رئيسا لقريش على الإطلاق حين أزاح يد خزاعة عن البيت، وأجلاهم عن مكة بعد أن لم يسلموا لقصي في ولاية أمر البيت، ولم يجيزوا ما فعل حليل وأبو غبشان على ما تقدم، وذلك بعد أن اقتتلوا آخر أيام منى بعد أن حذرتهم قريش الظلم والبغي، وذكرتهم ما صارت إليه جرهم حين ألحدوا في الحرم بالظلم، فأبت خزاعة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكثر القتل والجراح في الفريقين إلا أنه في خزاعة أكثر، ثم تداعوا للصلح واتفقوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا يعمر بن عوف وكان رجلا شريفا، فقال لهم: موعدكم فناء الكعبة غدا، فلما اجتمعوا قام يعمر، فقال: ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدميّ هاتين، فلا تباعة لأحد على أحد في دم. وقيل قضى بأن كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع، وأن ما أصابته خزاعة من قريش فيه الدية، وقضى لقصيّ بأنه أولى بولاية مكة، فتولاها. قيل: وكان يعشر من دخل مكة من غير أهلها، أي بتجارة، وكانت خزاعة قد أزالت يد جرهم عن ولاية البيت، فإن مضاض بن عمرو الجرهمي الأكبر ولي أمر البيت بعد ثابت بن إسماعيل  ، فإنه كان جدا لثابت وغيره من أولاد إسماعيل لأمهم، واستمرت جرهم ولاة البيت والحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخؤولهم، وإعظاما لأن يكون بمكة بغي.

ثم إن جرهما بغوا بمكة، وظلموا من يدخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، حتى إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يزني ولم يجد مكانا دخل البيت فزنى فيه، فأجمعت ـ أي عزمت ـ خزاعة لحربهم وإخراجهم من مكة، ففعلوا ذلك بعد أن سلط الله تعالى على جرهم دواب تشبه النغف بالغين المعجمة والفاء: وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم، فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب. وقيل سلط الله عليهم الرعاف فأفنى غالبهم: أي وجاز أن يكون ذلك الدم ناشئا عن ذلك الدود فلا مخالفة، وذهب من بقي إلى اليمن مع عمرو بن الحرث الجرهمي آخر من ملك أمر مكة من جرهم، وحزنت جرهم على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا وقال عمرو أبياتا منها:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر بمكة سامر

وكنا ولاة البيت من بعد نابت ** نطوف بذاك البيت والخير ظاهر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ** صروف الليالي والدهور البواتر

ومن غريب الاتفاق ما حكاه بعضهم قال: كنت أكتب بين يدي الوزير يحيى بن خالد البرمكي أيام الرشيد فأخذه النوم، فنام برهة ثم انتبه مذعورا فقال: الأمر كما كان، والله ذهب ملكنا، وذل عزنا، وانقضت أيام دولتنا. قلت: وما ذاك أصلح الله الوزير؟ قال: سمعت منشدا أنشدني: كأن لم يكن بين الحجون البيت، وأجبته من غير روية: بلى نحن كنا أهلها البيت، فلما كان اليوم الثالث وأنا بين يديه على عادتي إذ جاءه إنسان وأكب عليه، وأخبره أن الرشيد قتل جعفرا الساعة قال: أو قد فعل؟ قال نعم، فما زاد أن رمى القلم من يده وقال: هكذا تقوم الساعة بغتة.

ومما يؤثر عن يحيى هذا: ينبغي للإنسان أن يكتب أحسن ما يسمع، ويحفظ أحسن ما يكتب، ويحدث بأحسن ما يحفظ. وقال: من لم يبت على سرور الوعد لم يجد للصنيعة طعما.

وصارت خزاعة بعد جرهم ولاة البيت والحكام بمكة كما تقدم، وكان كبير خزاعة عمرو بن لحي، وهو ابن بنت عمرو بن الحارث الجرهمي آخر ملوك جرهم المتقدم ذكره. وقد بلغ عمرو بن لحي في العرب من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده في الجاهلية.

وهو أول من أطعم الحج بمكة سدائف الإبل ولحمانها على الثريد. والسدائف: جمع سديف، وهو شحم السنام، وذهب شرفه في العرب كل مذهب حتى صار قوله دينا متبعا لا يخالف.

وفي كلام بعضهم: صار عمرو للعرب ربا، لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة، لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم، وربما نحر لهم في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة.

وهو أول من غير دين إبراهيم: أي فقد قال بعضهم: تضافرت نصوص العلماء على أن العرب من عهد إبراهيم استمرت على دينه: أي من رفض عبادة الأصنام إلى زمن عمرو بن لحي، فهو أول من غير دين إبراهيم، وشرع للعرب الضلالات، فعبد الأصنام وسيب السائبة وبحر البحيرة.

وقيل أول من بحر البحيرة رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع أذنيهما وحرم ألبانهما، فقال رسول الله: «رأيته في النار يخبطانه بأخفافهما ويعضانه بأفواههما».

وعمرو أول من وصل الوصيلة، وحمى الحامي، ونصب الأصنام حول الكعبة وأتى بهبل من أرض الجزيرة ونصبه في بطن الكعبة فكانت العرب تستقسم عنده بالأزلام على ما سيأتي. وأول من أدخل الشرك في التلبية، فإنه كان يلبى بتلبية إبراهيم الخليل  ، وهي «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» فعند ذلك تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فلما قال عمرو لبيك لا شريك لك، قال له ذلك الشيخ: إلا شريكا هو لك، فأنكر عمرو ذلك، فقال له ذلك الشيخ: تملكه وما ملك، وهذا لا بأس به، فقال ذلك عمرو، فتبعته العرب على ذلك: أي فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده، قال تعالى توبيخا لهم {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وهو أول من أحل أيضا أكل الميتة، فإن كل القبائل من ولد إسماعيل لم تزل تحرم أكل الميتة حتى جاء عمرو بن لحي فزعم أن الله تعالى لا يرضى تحريم أكل الميتة، قال: كيف لا تأكلون ما قتل الله وتأكلون ما قتلتم؟

وروى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا، ورأيت عمرا يجر قُصبه في النار» وفي رواية «أمعاءه» أي وهي المراد بالقصب بضم القاف. وفي رواية «رأيته يؤذي أهل النار بريح قصبه» ويقال للأمعاء الأقتاب واحدها قتب بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية آخره ياء موحدة، ومن ذلك قوله «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار» والاندلاق: الخروج بسرعة. وقال لأكثم بن الجون الخزاعي واسمه عبد العزى و أكثم بالثاء المثلثة: وهو في اللغة واسع البطن «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه من رجل منك به ولا بك منه، فقال أكثم: فعسى أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان» أي ودين إسماعيل هو دين إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فإن العرب من عهد إبراهيم   استمرت على دينه لم يغيره أحد إلى عهد عمرو المذكور كما تقدم. وفي كلام بعضهم أن أكثم هذا هو أبو معبد زوج أم معبد التي مرّ بها رسول الله ﷺ عند الهجرة، وأكثم هذا هو الذي قال له رسول الله «رأيت الدجال، فإذا أشبه الناس به أكثم بن عبد العزى، فقام أكثم فقال: أيضرني شبهي إياه؟ فقال: لا، أنت مؤمن وهو كافر» ورده ابن عبد البر حيث قال: الحديث الذي فيه ذكر الدجال لا يصح إنما يصح ما قاله في ذكر عمرو بن لحي.

وإنما كان عمرو بن لحي أول من نصب الأوثان، لأنه خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فرأى بأرض البلقاء العماليق ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، ورآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم، ما هذه؟ قالوا هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب؟ فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه في بطن الكعبة على بئرها، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه فكان الرجل إذا قدم من سفره بدأ به قبل أهله بعد طوافه بالبيت وحلق رأسه عنده، وكان عند هبل سبع قداح: قدح فيه مكتوب الغفل إذا اختلفوا فيمن يحمله منهم ضربوا به فعلى من خرج حمله. وقدح مكتوب فيه نعم. وقدح مكتوب فيه لا وذلك للأمر الذي يريدونه، وقدح فيه منكم. وقدح فيه ملصق من غيركم إذا اختلفوا في ولد هل هو منهم أو لا. وقدح فيه بها. وقدح فيه ما بها إذا أرادوا أرضا يحفرونها للماء وكان هبل من العقيق على صورة إنسان.

وعاش عمرو بن لحي هذا ثلثمائة سنة وأربعين سنة، ورأى من ولده وولد ولده ألف مقاتل: أي ومكث هو وولده من بعده في ولاية البيت خمسمائة سنة، وكان آخرهم حليل الذي تزوج قصيّ ابنته كما تقدم.

وقيل: وكان لعمرو تابع من الجن، فقال له: اذهب إلى جدة وائت منها بالآلهة التي كانت تعبد في زمن نوح وإدريس عليهما الصلاة والسلام، وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فذهب وأتى بها إلى مكة ودعا إلى عبادتها، فانتشرت عبادة الأصنام في العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، وقيل لهذيل، ويغوث لمذحج بالذال المعجمة على وزن مسجد أبو قبيلة من اليمن، ويعوق لمراد. وقيل لهمدان، ونسر لحمير أي وكانوا هؤلاء على صور عباد ماتوا، فحزن أهل عصرهم عليهم فصوّر لهم إبليس اللعين أمثالهم من صفر ونحاس ليستأنسوا بهم، فجعلوها في مؤخر المسجد، فلما هلك أهل ذلك العصر قال اللعين لأولادهم: هذه آلهة آبائكم تعبدونها، ثم إن الطوفان دفنها في ساحل جدة فأخرجها اللعين.

وفي كلام بعضهم أن آدم كان له خمسة أولاد صلحاء، وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فمات ودّ فحزن الناس عليه حزنا شديدا، واجتمعوا حول قبره لا يكادون يفارقونه، وذلك بأرض بابل، فلما رأى إبليس ذلك من فعلهم جاء إليهم في صورة إنسان وقال لهم: هل لكم أن أصور لكم صورته إذا نظرتم إليها ذكرتموه؟ قالوا نعم، فصوّر لهم صورته، ثم صار كلما مات واحد منهم صور صورته وسموا تلك الصور بأسمائهم، ثم لما تقادم الزمان وماتت الآباء والأبناء وأبناء الأبناء قال لمن حدث بعدهم إن الذين كانوا قبلكم يعبدون هذه الصور فعبدوها، فأرسل الله لهم نوحا، فنهاهم عن عبادتها فلم يجيبوه لذلك، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق. فأول ما حدثت عبادة الأصنام في قوم نوح، فأرسله الله تعالى إليهم فنهاهم عن ذلك.

ويقال إن عمرو بن لحي هو الذي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد، وكانت الأزد يحجون إليه ويعظمونه، وكذلك الأوس والخزرج وغسان.

وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في تفسيره لبعض الآيات القرآنية عند قوله تعالى {ولله يسجد من في السموات والأرض} أن أصل وضع الأصنام إنما هو من قوة التنزيه من العلماء الأقدمين، فإنهم نزهوا الله تعالى عن كل شيء وأمروا بذلك عامتهم، فلما رأوا أن بعض عامتهم صرح بالتعطيل وضعوا لهم الأصنام وكسوها الديباج والحلي والجواهر، وعظموها بالسجود وغيره ليتذكروا بها الحق الذي غاب عن عقولهم، وغاب عن أولئك العلماء أن ذلك لا يجوز إلا بإذن من الله تعالى، هذا كلامه.

وكان في زمان جرهم رجل فاجر يقال له إساف فجر بامرأة يقال لها نائلة في جوف الكعبة أي قبلها فيها كما في تاريخ الأزرقي.

وقيل زنى بها فمسخا حجرين، فأخرجا منها ونصبا على الصفا والمروة ليكونا عبرة، فلما كان زمن عمرو بن لحي أخذهما ونصبهما حول الكعبة أي على زمزم وجعلا في وجهها وصار من يطوف يتمسح بهما يبدأ بإساف ويختم بنائلة، وذلك قبل أن يقدم عمرو بهبل وبتلك الأصنام، وكانت قريش تذبح ذبائحها عندهما.

وذكر أنه لما كسر نائلة عند فتح مكة خرجت منها امرأة سوداء شمطاء تخمش وجهها وهي تنادي بالويل والثبور، وكان عمرو يخبر قومه بأن الرب يشتي بالطائف عند اللات ويصيف عند العزى، فكانوا يعظمونهما وكانوا يهدون إلى العزى كما يهدون إلى الكعبة.

وقصي هو الذي أمر قريشا أن يبنوا بيوتهم داخل الحرم حول البيت وقال لهم إن فعلتم ذلك هابتكم العرب ولم تستحل قتالكم، فبنوا حول البيت من جهاته الأربع وجعلوا أبواب بيوتهم جهته لكل بطن منهم باب ينسب الآن إليه، كباب بني شيبة، وباب بني سهم، وباب بني مخزوم، وباب بني جمع، وتركوا قدر الطواف بالبيت، فبنى قصي دار الندوة وهي أول دار بنيت بمكة، واستمر الأمر على أنه ليس حول الكعبة إلا قدر المطاف، وليس حوله جدار زمنه وزمن ولاية الصديق   فلما كان زمن ولاية عمر بن الخطاب   اشترى تلك الدور من أهلها وهدمها وبنى المسجد المحيط بها، ثم لما كان زمن ولاية عثمان   اشترى دورا أخر وغالى في ثمنها وهدمها وزاد في سعة المسجد، ثم إن ابن الزبير   زاد في المسجد زيادة كثيرة، ثم إن عبد الملك بن مروان رفع جداره وسقفه بالساج وعمره عمارة حسنة ولم يزد فيه شيئا، ثم إن الوليد بن عبد الملك وسع المسجد وحمل إليه أعمدة الرخام، ثم زاد فيه المهدي والد الرشيد مرتين، واستقر بناؤه على ذلك إلى الآن.

وكانت قريش قبل ذلك: أي قبل بناء منازلهم في الحرم يحترمون الحرم ولا يبيتون فيه ليلا، وإذا أراد أحدهم قضاء حاجة الإنسان خرج إلى الحل.

وقد جاء أنه لما كان بمكة إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس بكسر الميم أفصح من فتحها، وهو على ثلثي فرسخ من مكة، وهابت قريش قطع شجر الحرم التي في منازلهم التي بنوها، فقد كان بمكة شجر كثير من العضاه والسلم، وشكوا في ذلك إلى قصي فأمرهم بقطعها، فهابوا ذلك، فقالوا نكره أن ترى العرب أنا استخففنا بحرمنا، فقال قصي: إنما تقطعونه لمنازلكم وما تريدون به فسادا، بهلة الله: أي لعنته على من أراد فسادا، فقطعها قصي بيده وبيد أعوانه.

وفي كلام السهيلي عن الواقدي: الأصح أن قريشا حين أرادوا البنيان قالوا لقصي كيف نصنع في شجر الحرم، فحذرهم قطعها وخوفهم العقوبة في ذلك، فكان أحدهم يحدق بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله.

قال: وأول من ترخص في قطع شجر الحرم للبنيان عبد الله بن الزبير حين ابتنى دورا بقعيقعان، لكنه جعل فداء كل شجرة بقرة فليتأمل الجمع.

وأنزل قصي القبائل من قريش: أي فإنه جعلها اثنتي عشرة قبيلة كما تقدم في نواحي مكة بطاحها و ظواهرها، ومن ثم قيل لمن سكن البطاح قريش البطاح، ولمن سكن الظواهر قريش الظواهر، والأولى أشرف من الثانية، ومن الأولى بنو هاشم، وإلى ذلك يشير صاحب الأصل في وصفه بقوله:

من بني هاشم بن عبد مناف ** وبنو هاشم بحار الحياء

من قريش البطاح من عرف النا ** س لهم فضلهم بغير امتراء

قال بعضهم: كان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا ولما حضر الحج قال لقريش: قد حضر الحج وقد سمعت العرب بما صنعتم وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا ففعلوا، فجمع من ذلك شيئا كثيرا، فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا ونحر بمكة وجعل الثريد واللحم، وسقى الماء المحلى بالزبيب وسقي اللبن. وهو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر.

ومما يؤثر عن قصي: من أكرم لئيما أشركه في لؤمه. ومن استحسن قبيحا نزل إلى قبحه. ومن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان. ومن طلب فوق قدره استحق الحرمان. والحسود العدو الخفي.

ولما احتضر قال لأولاده: اجتنبوا الخمرة، فإنها تصلح الأبدان وتفسد الأذهان.

وحاز قصي شرف مكة كله، فكان بيده السقاية والرفادة والحجابة والندوة واللواء والقيادة.

وكان عبد الدار أكبر أولاد قصي وعبد مناف أشرفهم: أي لأنه شرف في زمان أبيه قصي، وذهب شرفه كل مذهب، وكان يليه في الشرف أخوه المطلب، كان يقال لهما البدران، وكانت قريش تسمي عبد مناف الفياض لكثرة جوده، فأعطى قصي ولده عبد الدار جميع تلك الوظائف التي هي السقاية والرفادة والحجابة والندوة واللواء والقيادة: أي فإنه قال له: أما والله يا بني لألحقنك بالقوم يعني أخويه عبد مناف والمطلب وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له: أي بسبب الحجابة للبيت، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك: أي وهذا هو المراد باللواء، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، وهذا هو المراد بالسقاية، ولا يأكل أحد من أهل الموسم إلا من طعامك: أي وهذا هو المراد بالرفادة ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك يعني دار الندوة: أي ولا يكون أحد قائد القوم إلا أنت وذلك بسبب القيادة.

فلما مات عبد الدار وأخوه عبد مناف أراد بنو عبد مناف وهم هاشم وعبد شمس والمطلب، وهؤلاء إخوة لأب وأم، أمهم عاتكة بنت مرة، ونوفل أخوهم لأبيهم، أمه واقدة بنت حرمل أن يأخذوا تلك الوظائف من بني عمهم عبد الدار، وأجمعوا على المحاربة: أي وأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند باب الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاقدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، فسموا المطيبين: أي أخرجتها لهم أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ توأمة أبيه، ووضعتها في الحجر وقالت: من تطيب بهذا فهو منا، فتطيب منها مع بني عبد مناف بنو زهرة وبنو أسد بن عبد العزى وبنو تميم بن مرة وبنو الحارث بن فهر، فالمطيبون من قريش خمس قبائل. وتعاقد بنو عبد الدار وأحلافهم، وهم: بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب، على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الأحلاف لتحالفهم بعد أن أخرجوا جفنة مملوءة دما من دم جزور نحروها ثم قالوا: من أدخل يده في دمها فلعق منه فهو منا وصاروا يضعون أيديهم فيها ويلعقونها فسموا لعقة الدم.

وقيل الذين لعقوا الدم فسموا لعقة الدم بنو عدي خاصة، ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية والرفادة والقيادة لبني عبد مناف، والحجابة واللواء لبني عبد الدار، ودار الندوة بينهم بالاشتراك، وتحالفوا على ذلك هذا.

والذي رأيته (في المشرق فيم يحاضر به من آداب المشرق): ولما شرف عبد مناف بن قصي في حياة أبيه، وذهب شرفه كل مذهب، وكان قصي يحب ابنه عبد الدار أراد أن يبقي له ذكرا فأعطاه الحجابة ودار الندوة واللواء، وأعطى عبد مناف السقاية والرفادة والقيادة، وجعل عبد الدار الحجابة لولده عثمان، وجعل دار الندوة لولده عبد مناف بن عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده من بعده.

والسقاية كانت حياضا من أدم توضع بفناء الكعبة، وينقل إليها الماء العذب من الآبار على الإبل في المزاود والقرب قبل حفر زمزم، وربما قذف فيها التمر والزبيب في غالب الأحوال لسقي الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا، وهذه السقاية قام بها وبالرفادة بعد عبد مناف ولده هاشم، وبعده ولده عبد المطلب، وكان شريفا مطاعا جوادا، وكانت قريش تسميه الفياض لكثرة جوده، فلما كبر عبد المطلب فوّض إليه أمر السقاية والرفادة، فلما مات المطلب وثب عليه عمه نوفل بن عبد مناف وغصبه أركاحا: أي أفنية ودورا، فسأل عبد المطلب رجالا من قومه النصرة على عمه نوفل فأبوا وقالوا: لا ندخل بينك وبين عمك فكتب إلى أخواله بني النجار بالمدينة بما فعله معه عمه نوفل، فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى، وسار من المدينة في ثمانين راكبا حتى قدم مكة فنزل الأبطح، فتلقاه عبد المطلب وقال له المنزل يا خال، فقال: لا والله حتى ألقى نوفلا، فقال: تركته في الحجر جالسا في مشايخ قريش، فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم، فقام نوفل قائما وقال: يا أبا سعد، أنعم صباحا فقال له أبو سعد: لا أنعم الله لك صباحا، وسل سيفه وقال: ورب هذه البنية لئن لم تردّ على ابن أختي أركاحه لأملأن منك هذا السيف، فقال: قد رددتها عليه، فأشهد عليه مشايخ قريش، ثم نزل على عبد المطلب، فأقام عنده ثلاثا ثم اعتمر ورجع إلى المدينة.

ولما جرى ذلك حالف نوفل وبنوه بني أخيه عبد شمس على بني هاشم، وحالفت بنو هاشم خزاعة على بني نوفل وبني عبد شمس: أي فإن خزاعة قالت: نحن أولى بنصرة عبد المطلب، لأن عبد مناف جد عبد المطلب أمه حي بنت حليل سيد خزاعة كما تقدم، فقالوا لعبد المطلب: هلم فلنحالفك، فدخلوا دار الندوة وتحالفوا وتعاقدوا وكتبوا بينهم كتابا: باسمك اللهم، هذا ما تحالف عليه بنو هاشم ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة على النصرة والمواساة ما بلّ بحر صوفة، وما أشرقت الشمس على ثبير، وهبّ بفلاة بعير، وما أقام الأخشبان، واعتمر بمكة إنسان، والمراد من ذلك الأبد.

وعبد المطلب لما حفر زمزم صار ينقل الماء منها لتلك الأحواض ويقذف فيها التمر والزبيب، ثم بعده قام بها ولده أبو طالب، ثم اتفق أن أبا طالب أملق: أي افتقر في بعض السنين، فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف درهم إلى الموسم الآخر، فصرفها أبو طالب في الحجيج عامه ذلك فيما يتعلق بالسقاية، فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شيء، فقال لأخيه العباس أسلفني أربعة عشر ألفا أيضا إلى العام المقبل لأعطيك جميع مالك، فقال له العباس: بشرط إن لم تعطني تترك السقاية لأكفلها؟ فقال نعم، فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبي طالب ما يعطيه لأخيه العباس فترك له السقاية، فصارت للعباس، ثم لولده عبد الله بن عباس، واستمر ذلك في بني العباس إلى زمن السفاح، ثم ترك بنو العباس ذلك.

والرفادة: إطعام الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا، فإن قريشا كانت على زمن قصي تخرجه من أموالها في كل موسم فتدفعه إلى قصي، فيصنع به طعاما للحاج يأكل منه من لم يكن معه سعة ولا زاد كما تقدم حتى قام بها بعده ولده عبد مناف ثم بعد عبد مناف ولده هاشم ثم بعد هاشم ولده عبد المطلب، ثم ولده أبو طالب وقيل ولده العباس، ثم استمر ذلك إلى زمنه وزمن الخلفاء بعده ثم استمر ذلك في الخلفاء إلى أن انقرضت الخلافة من بغداد ثم من مصر.

وأما القيادة: وهي إمارة الركب، فقام بها بعد عبد مناف ولده عبد شمس ثم كانت بعد عبد شمس لابنه أمية ثم لابنه حرب، ثم لابنه أبي سفيان، فكان يقود الناس في غزواتهم، قاد الناس يوم أحد ويوم الأحزاب، ومن ثم لما قال الوليد بن عبد الملك لخالد بن يزيد بن معاوية: لست في العير ولا في النفير، قال: له ويحك، العير والنفير عيبتي: أي وعائي، لأن العيبة ما يجعل فيه الثياب، جدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير.

ودار الندوة كانت قريش تجتمع فيها للمشاورة في أمورها، ولا يدخلها إلا من بلغ الأربعين، وكانت الجارية إذا حاضت تدخل دار الندوة ثم يشق عليها بعض ولد عبد الدار درعها ثم يدرعها إياه وانقلب بها فتحجب، وهذه كانت سنة قصي، فكان لا ينكح رجل امرأة من قريش إلا في دار قصي التي هي دار الندوة، ولا يعقد لواء حرب إلا فيها، ولا تدرع جارية من قريش إلا في تلك الدار فيشق عنها درعها ويدرعها بيده، فكانت قريش بعد موت قصي يتبعون ما كان عليه في حياته كالدين المتبع، ولا زالت هذه الدار في يد بني عبد الدار إلى أن صارت إلى حكيم بن حزام فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم، فلامه عبد الله بن الزبير   وقال أتبيع مكرمة آبائك وشرفهم؟ فقال حكيم  : ذهبت المكارم إلا التقوى، والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أن ثمنها في سبيل الله تعالى فأينا المغبون؟

قيل وقصي: هو جماع قريش، فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي، ونسب هذا القول لبعض الرافضة، وهو قول باطل، لأنه توصل به إلى أن لا يكون سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر   من قريش فلا حق لهما في الامامة العظمى التي هي الخلافة، لقوله «الأئمة من قريش» ولقوله لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه» لأنهما لم يلتقيا مع النبي ﷺ إلا فيما بعد قصي، لأن أبا بكر   يجتمع معه في مرة كما سيأتي، لأن تيم بن مرة بينه وبين أبي بكر   خمسة آباء، وعمر   يجتمع معه في كعب كما سيأتي، وبين عمر   وكعب سبعة آباء ( ) وقصي (بن كلاب) أي واسمه حكيم، وقيل عروة، ولقب بكلاب لأنه كان يحب الصيد وأكثر صيده كان بالكلاب، وهو الجد الثالث لأمنة أمه، ففي كلاب يجتمع نسب أبيه وأمه (ابن مرة) وهو الجد السادس لأبي بكر  ، والإمام مالك   يجتمع معه في هذا الجد الذي هو مرة أيضا (ابن كعب) أي وهو الجد الثامن لعمر  ، وكان كعب يجمع قومه يوم العروبة: أي يوم الرحمة الذي هو يوم الجمعة، ويقال إنه أول من سماه يوم الجمعة لاجتماع قريش فيه إليه، لكن في الحديث كان أهل الجاهلية يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، واسمه عند الله تعالى يوم الجمعة. قال ابن دحية: ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الاسلام، وسيأتي في ذلك كلام فكانت قريش تجتمع إلى كعب ثم يعظهم ويذكرهم بمبعث النبي، ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، ويقول: سيأتي لحرمكم نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، وينشد أبياتا آخرها:

على غفلة يأتي النبي محمد ** فيخبر أخبارا صدوق خبيرها

وينشد أيضا:

يا ليتني شاهد فحواء دعوته ** حين العشيرة تبغي الحق خذلانا

وكان بينه وبين مبعثه خمسمائة سنة وستون سنة. وفي الإمتاع: وعشرون سنة، لأن الحق أن الخمسمائة والستين إنما هي بين موت كعب والفيل الذي هو مولده كما ذكره أبو نعيم في الدلائل النبوية.

وقيل إن كعبا أول من قال «أما بعد» فكان يقول: أما بعد فاسمعوا وافهموا، وتعلموا واعملوا، ليل داج. وفي رواية: ليل ساج، ونهار صاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، والأولون كالآخرين، فصلوا أرحامكم واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، الدار أمامكم، والظن غير ما تقولون: أي وقيل له كعب لعلوه وارتفاعه، لأن كل شيء علا وارتفع فهو كعب، ومن ثم قيل للكعبة كعبة ولعلوه وارتفاع شأنه أرّخوا بموته حتى كان عام الفيل أرخوا به ثم أرخوا بعد عام الفيل بموت عبد المطلب وكعب (بن لؤدي) أي بالهمزة أكثر من عدمها. أي وفي سبب تصغيره خلاف (ابن غالب بن فهر) سماه أبوه فهرا، وقيل هو لقب واسمه قريش، والمناسب أن يكون لقبا لقولهم: إنما سمي قريشا لأنه كان يقرش: أي يفتش على خلة حاجة المحتاج فيسدها بماله، وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم، فسموا بذلك قريشا. قال بعضهم: وهو جماع قريش عند الأكثر، قال الزبير بن بكار: أجمع النسابون من قريش وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر، وفهر هذا هو الجد السادس لأبي عبيدة بن الجراح. ولما جاء حسان بن عبد كلال من اليمن في حمير وغيرهم لأخذ أحجار الكعبة إلى اليمن ليبني بها بيتا، ويجعل حج الناس إليه ونزل بنخلة، خرج فهر إلى مقاتلته بعد أن جمع قبائل العرب، فقاتله وأسره، وانهزمت حمير ومن انضم إليهم واستمر حسان في الأسر ثلاث سنين ثم افتدى نفسه بمال كثير، وخرج فمات بين مكة واليمن، فهابت العرب فهرا وعظموه وعلا أمره.

ومما يؤثر عن فهر قوله لولده غالب: قليل ما في يديك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك وإن صار إليك ( ) (وفهر هو ابن مالك) قيل له ذلك لأنه ملك العرب (ابن النضر) أي ولقب به لنضارته وحسنه وجماله، واسمه قيس، وهو جماع قريش عند الفقهاء، فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي ( ) ويقال لكل من أولاده الذين منهم مالك وأولاده قرشي، فقد سئل رسول الله «من قريش؟ فقال من ولد النضر» أي وعلى أن جماع قريش فهر كما تقدم، فمالك وأولاده والنضر جده وأولاده ليسوا من قريش ( ) (النضر بن كنانة) قيل له كنانة، لأنه لم يزل في كنّ من قومه. وقيل لستره على قومه وحفظه لأسرارهم، وكان شيخا حسنا عظيم القدر تحج إليه العرب لعلمه وفضله. وكان يقول: قد آن خروج نبي من مكة يدعى أحمد يدعو إلى الله وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق، فاتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم، ولا تعتدوا أي تكذبوا ما جاء به فهو الحق. قال ابن دحية  : كان كنانة يأنف أن يأكل وحده، فإذا لم يجد أحدا أكل لقمة ورمى لقمة إلى صخرة ينصبها بين يديه أنفة من أن يأكل وحده.

ومما يؤثر عنه: رب صورة تخالف المخبرة، قد غرت بجمالها، واختبر قبح فعالها فاحذر الصور واطلب الخبر (وكنانة بن خزيمة بن مدركة) ومدركة اسمه عمرو، وقيل له مدركة لأنه أدرك كل عز وفخر كان في آبائه، وكان فيه نور رسول الله ﷺ: أي ولعل المراد ظهوره فيه (ومدركة بن إلياس) بهمزة قطع مكسورة، وقيل مفتوحة أيضا، وقيل همزة وصل. ونسب للجمهور، قيل سمي بذلك، لأن أباه مضر كان قد كبر سنه ولم يولد له ولد فولد له هذا الولد فسماه إلياس، وعظم أمره عند العرب حتى كانت تدعوه بكبير قومه وسيد عشيرته، وكانت لا تقضي أمرا دونه.

وهو أول من أهدى البدن إلى البيت، وأول من ظفر بمقام إبراهيم لما غرق البيت في زمن نوح   فوضعه في زاوية البيت كذا في حياة الحيوان فليتأمل، وجاء في حديث «لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا» وقيل إنه جماع قريش: أي فلا يقال لأولاد من فوقه قرشي. وكان إلياس يسمع من صلبه تلبية النبي ﷺ المعروفة في الحج. قيل وكان في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه. وهو أول من مات بعلة السل، ولما مات حزنت عليه زوجته خندف حزنا شديدا، لم يظلها سقف بعد موته حتى ماتت. ومن ثم قيل: أحزن من خندف (وإلياس بن مضر) قيل هو جماع قريش فلا يقال لأولاد من فوق مضر قرشي. ففي جماع قريش خمسة أقوال: قيل قصي، وقيل فهر، وقيل النضر، وقيل إلياس، وقيل مضر، ويقال له مضر الحمراء، قيل لأنه لما اقتسم هو وأخوه ربيعة مال والدهما أعني نزارا أخذ مضر الذهب فقيل له مضر الحمراء، وأخذ ربيعة الخيل ومن ثم قيل له ربيعة الفرس. وجاء في حديث «لا تسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كان مؤمنين» أي وفي رواية «لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم» وفي حديث غريب «لا تسبوا مضر فإنه كان على دين إسماعيل». ومما حفظ عنه: من يزرع شرا يحصد ندامة.

أقول: سيأتي في بنيان قريش الكعبة أنهم وجدوا فيها كتبا بالسريانية من جملتها كتاب فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، إلى آخر ما يأتي. وعن أبي عبيدة البكري أن قبر مضر بالروحاء يزار، والروحاء على ليلتين من المدينة والله أعلم.

وكان مضر من أحسن الناس صوتا، وهو أول من حدا للإبل، فإنه وقع فانكسرت يده فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من المرعى، فلما صح وركب حدا. وقيل أول من سن الحداء للإبل عبد له ضرب مضر يده ضربا وجيعا فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من مرعاها: أي لأن الحداء مما ينشط الإبل لا سيما إن كان بصوت حسن، فإنها عند سماعه تمد أعناقها وتصغي إلى الحادي وتسرع في سيرها وتستخف الأحمال الثقيلة، فربما قطعت المسافة البعيدة في زمن قصير، وربما أخذت ثلاثة أيام في يوم واحد، وفي ذلك حكاية مشهورة، ولأجل ما ذكر ذكر أئمتنا أنه مستحب.

وفي الأذكار للإمام النووي  : باب استحباب الحداء، للسرعة في السير، وتنشيط النفوس وترويحها، وتسهيل السير عليها فيه أحاديث كثيرة مشهورة (ومضر بن نزار) بكسر النون كان يرى نور النبي ﷺ بين عينيه. وهو أول من كتب الكتاب العربي على الصحيح، والإمام أحمد بن حنبل   يجتمع معه في هذا الجد الذي هو نزار بن (معد بن عدنان) هذا هو النسب المجمع عليه في نسبه عند العلماء بالأنساب، ومن ثم لما قال فقهاؤنا: شرط الإمام الأعظم أن يكون قرشيا، فإن لم يوجد قرشي جامعا للشروط التي ذكروها فكناني. قال بعضهم: وقياس ذلك أن يقال: فإن لم يوجد كناني فخزيمي فإن لم يوجد خزيمي فمدركي، فإن لم يوجد مدركي فإلياسي، فإن لم يوجد إلياسي فمضري. فإن لم يوجد مضري فنزاري، فإن لم يوجد نزاري فمعدي، فإن لم يوجد معدي فعدناني، فإن لم يوجد عدناني فمن ولد إسماعيل، لأن من فوق عدنان لا يصح فيه شيء، ولا يمكن حفظ النسب فيه منه إلى إسماعيل.

وقيل له معد لأنه كان صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل، ولم يحارب أحدا إلا رجع بالنصر والظفر. قال بعضهم: ولا يخرج عربي في الأنساب عن عدنان وقحطان.

وقيل وولد عدنان يقال لهم قيس، وولد قحطان يقال لهم يمن. ولما سلط الله بختنصر على العرب أمر الله تعالى أرمياء أن يحمل معه معدّ بن عدنان على البراق كيلا تصيبه النقمة، وقال: فإني سأخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل، ففعل أرمياء ذلك، واحتمله معه إلى أرض الشام، فنشأ مع بني إسرائيل، ثم عاد بعد أن هدأت الفتن: أي بموت بختنصر. وكان عدنان في زمن عيسى  ، وقيل في زمن موسى  . قال الحافظ ابن حجر، وهو أولى: أي ومما يضعف الأول ما في الطبراني عن أبي أمامة الباهلي   قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لما بلغ ولد معد بن عدنان أربعين رجلا وقعوا في عسكر موسى   فانتهبوه فدعا عليهم موسى  ، فأوحى الله تعالى إليه: لا تدع عليهم فإن منهم النبي الأمي البشير النذير» الحديث، إذ يبعد بقاء معد إلى زمن عيسى  ، ومعلوم أنه لا خلاف في أن عدنان من ولد إسماعيل نبي الله تعالى: أي أرسله الله تعالى إلى جرهم وإلى العماليق وإلى قبائل اليمن في زمن أبيه إبراهيم، وكذا بعث أخوه إسحق إلى أهل الشام، وبعث ولده يعقوب إلى الكنعانيين في حياة إبراهيم، فكانوا أنبياء على عهد إبراهيم  .

وذكر بعضهم أن من العماليق فرعون موسى  ، ومنهم الريان بن الوليد فرعون يوسف  .

وكان إسماعيل بكر أبيه جاء له وقد بلغ أبوه من العمر سبعين سنة، وقيل ستا وثمانين سنة. ولد بين الرملة وإيليا، وكان بين عدنان وإسماعيل أربعون أبا. وقيل سبعة وثلاثون.

وفي النهر لأبي حيان   أن إبراهيم هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا، هذا كلامه.

ولا يخفى أن إسماعيل أول من تسمى بهذا الاسم من بني آدم، ومعناه بالعبرانية مطيع الله. وأول من تكلم بالعربية أي البينة الفصيحة، وإلا فقد تعلم أصل العربية من جرهم، ثم ألهمه الله العربية الفصيحة البينة فنطق بها. وفي الحديث «أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة ».

وفي كلام بعضهم: «لما خرج إبراهيم بهاجر وولدها إسماعيل إلى مكة على البراق واحتمل معه قربة ماء ومزودا فيه تمر، فلما أنزلهما بها وولى راجعا تبعته هاجر وهي تقول: الله أمرك أن تدعني وهذا الصبي في هذا المحل الموحش الذي ليس به أنيس؟ قال نعم، فقالت: إذن لا يضيعنا، ولا زالت تأكل من التمر وتشرب من الماء إلى أن نفد الماء» الحديث. وكان إنزاله لهما بموضع الحجر، وذلك لمضي مائة سنة من عمر إبراهيم.

وكون إسماعيل أول من تكلم بالعربية البينة لا ينافي ما قيل: أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان، وقحطان أول من قيل له: أبيت اللعن. وأول من قيل له: أنعم صباحا. ويعرب هذا قيل له أيمن، لأن هودا نبي الله   قال له أنت أيمن ولدي، وسمي اليمن يمنا بنزوله فيه. وهو أول من قال القريض والرجز، وقيل سمي اليمن يمنا لأنه على يمين الكعبة. وقيل إن أول من كتب الكتاب العربي إسماعيل والصحيح أن أول من كتب ذلك نزار بن معد كما تقدم، وكذا كون إسماعيل أول من تكلم بالعربية البينة لا ينافي ما قيل: أول من تكلم بالعربية آدم في الجنة فلما أهبط إلى الأرض تكلم بالسريانية. قيل وسميت سريانية، لأن الله تعالى علمها آدم سرا من الملائكة وأنطقه بها.

وقيل إن أول من كتب الكتاب العربي والفارسي والسرياني والعبراني وغيرها من بقية الاثني عشر كتابا، وهي الحميري، واليوناني، والرومي، والقبطي والبربري، والأندلسي، والهندي، والصيني آدم  ، كتبها في طين وطبخه، فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه، فأصاب إسماعيل الكتاب العربي: أي وأما ما جاء: أول من خط بالقلم إدريس فالمراد به خط الرمل.

وفي كلام بعضهم: أول من تكلم بالعربية المحضة، وهي عربية قريش التي نزل بها القرآن إسماعيل. وأما عربية قحطان وحمير فكانت قبل إسماعيل، ويقال لمن يتكلم بلغة هؤلاء العرب العاربة، ويقال لمن يتكلم بلغة إسماعيل العرب المستعربة وهي لغة الحجاز وما والاها.

وجاء «من أحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق».

وقد ذكر بعضهم أن أهل الكهف كلهم أعجام، ولا يتكلمون إلا بالعربية، وأنهم يكونون وزراء المهدي. واشتهر على ألسنة الناس أنه قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد» قال جمع: لا أصل له، ومعناه صحيح لأن المعنى أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد ولا توجد في غير لغتهم.

وإسماعيل   أول من ركب الخيل وكانت وحوشا: أي ومن ثم قيل لها العراب، أو لما سيأتي. وقد قال «اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل  ».

وفي رواية «أوحى الله تعالى إلى إسماعيل: أن اخرج أجياد» الموضع المعروف، سمي بذلك لأنه قتل فيه مائة رجل من العمالقة من جياد الرجال «فادع يأتك الكنز، فخرج إلى أجياد فألهمه الله تعالى دعاء فدعا به فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته وأمكنته من نواصيها، وذللها الله تعالى له، فاركبوها واعلفوها فإنها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسمعيل».

وذكر الحافظ السيوطي   أن له كتابا في الخيل سماه (جر الذيل في علم الخيل) وفي العرائس «أن الله تعالى لما أراد أن يخلق الخيل قال لريح الجنوب: إني خالق منك خلقا، فأجعله عزا لأوليائي، ومذلة على أعدائي، وجمالا لأهل طاعتي، فقالت: افعل ما تشاء، فقبض قبضة فخلق فرسا فقال لها: خلقتك عربيا، وجعلت الخير معقودا بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، وعطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطيري بلا جناح، فأنت للطلب وأنت للهرب».

وعن وهب أنه قيل لسليمان صلوات الله وسلامه عليه: إن خيلا بلقا لها أجنحة تطير بها وترد ماء كذا، فقال للشياطين عليّ بها فصبوا في العين التي تردها خمرا، فشربت فسكرت فربطوها وساسوها حتى تأنست.

وقيل ويجوز أن يكون المراد من تلك الخيل الفرس الذي قال فيه ﷺ «أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل  ».

وجاء «إن الله تعالى لما عرض على آدم   كل شيء مما خلق قال له اختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك وعز ولدك، خالدا ما خلدوا وباقيا ما بقوا أبد الآبدين ودهر الداهرين» وهذا صريح في أن الخيل خلقت قبل آدم.

وقد سئل الإمام السبكي: هل خلقت الخيل قبل آدم أو بعده؟ وهل خلقت الذكور قبل الإناث أو الإناث قبل الذكور؟ فأجاب بأنا نختار أن خلق الخيل قبل آدم  ، لأن الدواب خلقت يوم الخميس، وآدم خلق يوم الجمعة بعد العصر وأن الذكور خلقت قبل الإناث لأمرين: أحدهما أن الذكر أشرف من الأنثى. والثاني حرارة الذكر أقوى من الأنثى، ولذلك كان خلق آدم قبل خلق حواء فليتأمل.

وقد ذكر الإمام السهيلي أن في الفرس عشرين عضوا كل عضو منها يسمى باسم طائر، ذكرها وبينها الأصمعي. فمنها النسر، والنعامة، والقطاة، والذباب، والعصفور والغراب، والصرد، والصقر. قالوا: وفي الحيوان أعضاء باردة يابسة كالعظام نظير السوداء، وأعضاء باردة رطبة كالدماغ نظير البلغم. وأعضاء حارة يابسة كالقلب نظير الصفراء. وأعضاء حارة رطبة كالكبد نظير الدم.

وعن أنس   «أن النبي ﷺ لم يكن شيء أحب إليه بعد النساء من الخيل» وجاء «ما من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ويقول: رب إنك سخرتني لابن آدم، وجعلت رزقي في يده اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده» وقيل لبعض الحكماء: أي المال أشرف؟ قال فرس يتبعها فرس، وفي بطنها فرس. ومن ثم قيل: ظهر الخيل حرز، وبطنها كنز.

وفي الحديث «لما أراد ذو القرنين أن يسلك في الظلمة إلى عين الحياة سأل أي الدواب في الليل أبصر؟ فقالوا الخيل، فقال: أي الخيل أبصر؟ فقالوا الإناث، قال: فأي الإناث أبصر؟ قالوا البكارة، فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك».

وأعطى الله إسماعيل القوس العربية، وكان لا يرمي شيئا إلا أصابه. «وفي الحديث ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا» أي قال ذلك لجماعة مر عليهم وهم ينتضلون، فقال «حسن هذا اللهو مرتين أو ثلاثا» زاد في بعض الروايات «ارموا وأنا مع بني فلان فأمسك الفريق الآخر، فقال لهم، ما بالكم لا ترمون؟ فقالوا يا رسول الله كيف نرمي وأنت معهم؟ إذن ينضلونا قال: ارموا وأنا معكم كلكم» أخرجه البخاري في صحيحه. زاد البيهقي في دلائل النبوة «فرموا عامة يومهم ذلك، ثم تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضا». وقد جاء «أحب اللهو إليّ إجراء الخيل والرمي، ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا» وقد جاء «أحب اللهو إلى الله تعالى إجراء الخيل والرمي» وجاء «كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق» وجاء «علموا أولادكم السباحة والرمي» وفي رواية «الرماية » وفي رواية «علموا بنيكم الرمي، فإنه نكاية العدو» وقد جاء «تعلموا الرمي؟ فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة » وروي مرفوعا «حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي» وجاء «من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا» وفي رواية «فهو نعمة جحدها».

قال الحافظ السيوطي   والأحاديث المتعلقة بالرمي كثيرة. قال: وقد ألفت كتابا في الرمي سميته(غرس الأنشاب في الرمي بالنشاب) وفي العرائس: كان إسماعيل مولعا بالصيد، مخصوصا بالقنص والفروسية والرمي والصراع، والرمي سنة إذا نوى به التأهب للجهاد، لقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } وقوله «القوة الرمي» على حد قوله«الحج عرفة » وإلا فقد قال ابن عباس   في الآية {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } قال: الرمي والسيوف والسلاح. وسئل الحافظ السيوطي   هل ما ذكره الطبري والمسعودي في تاريخيهما أن أول من رمى بالقوس العربية آدم  ، وذلك لما أمره الله تعالى بالزراعة حين أهبط من الجنة وزرع، أرسل الله تعالى له طائرين يخرجان ما بذره ويأكلانه، فشكا الله تعالى ذلك، فهبط عليه جبريل وبيده قوس ووتر وسهمان، فقال آدم: ما هذا يا جبريل؟ فأعطاه القوس وقال: هذه قوة الله تعالى، وأعطاه الوتر وقال: هذه شدة الله تعالى، وأعطاه السهمين وقال: هذه نكاية الله تعالى، وعلمه الرمي بهما فرمى الطائرين فقتلهما، وجعلهما، يعني السهمين، عدة في غربته، وأنسا عند وحشته ثم صار القوس العربية إلى إبراهيم الخليل  ، ثم إلى ولده إسماعيل، وهو يدل على أن قوس إبراهيم هي القوس التي هبطت على آدم   من الجنة، وأنه ادخرها لإبراهيم، وهو خلاف قول بعضهم إنها غيرها أهبطت إلى إبراهيم   من الجنة. فأجاب الحافظ السيوطي   بقوله: راجعت تاريخ الطبري في تاريخ آدم وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فلم أجده فيه، ولا تبعد صحته فإن الله تعالى علم آدم علم كل شيء.

وذكر أن ابن أبي الدنيا ذكر في كتاب الرمي من طريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس   قال «أول من عمل القسي إبراهيم، عمل لإسماعيل ولإسحاق قوسين فكانا يرميان بها» وتقدم أن إسحاق جاء لإبراهيم بعد إسماعيل بثلاث عشرة، وقيل بأربع عشرة سنة: أي حملت به أمه سارة في الليلة التي خسف الله تعالى بقوم لوط فيها. ولها من العمر تسعون سنة.

وفي جامع ابن شداد يرفعه «كان اللواط في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة، ثم استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال، فخسف الله تعالى بهم» قيل ولا يعمل عمل قوم لوط من الحيوان إلا الحمار والخنزير. وكان أول من اتخذ القسي الفارسية نمروذ فليتأمل الجمع.

وقد يقال: لا منافاة، لجواز أن يكون إبراهيم   أول من عمل القسي بعد ذهاب تلك القوس، فالأولية إضافية. ومعلوم أن إسماعيل بن إبراهيم خليل الله تعالى عليهما الصلاة والسلام: أي ولم يبعث بشريعة مستقلة من العرب بعد إسماعيل إلا محمد. وأما خالد بن سنان وإن كان من ولد إسماعيل على ما قيل، فقال بعضهم: لم يكن في بني إسماعيل نبي غيره قبل محمد، إلا أنه لم يبعث بشريعة مستقلة، بل بتقرير شريعة عيسى  : أي وكان بينه وبين عيسى ثلاثمائة سنة، وخالد هذا هو الذي أطفأ النار التي خرجت بالبادية بين مكة والمدينة، كادت العرب أن تعبدها كالمجوس، كان يرى ضوؤها من مسافة ثمان ليال، وربما كان يخرج منها العنق فيذهب في الأرض فلا يجد شيئا إلا أكله، فأمر الله تعالى خالد بن سنان بإطفائها، وكانت تخرج من بئر ثم تنتشر، فلما خرجت وانتشرت أخذ خالد بن سنان يضربها ويقول: بدا بدا بدا كل هدى وهي تتأخر حتى نزلت إلى البئر، فنزل إلى البئر خلفها فوجد كلابا تحتها فضربها وضرب النار حتى أطفأها، ويذكر أنه كان هو السبب في خروجها فإنه لما دعا قومه وكذبوه وقالوا له إنما تخوفنا بالنار، فإن تسل علينا هذه الحرة نارا اتبعناك، فتوضأ ثم قال: اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا بي إلا أن تسيل عليهم هذه الحرة نارا فأسلها عليهم نارا، فخرجت، فقالوا: يا خالد أرددها فإنا مؤمنون بك، فردها.

قيل وكان خالد بن سنان إذا استسقى يدخل رأسه في جيبه فيجيء المطر ولا يقلع إلا إن رفع رأسه. قيل «وقدمت ابنته وهي عجوز على النبي، فتلقاها بخير وأكرمها، وبسط لها رداءه وقال لها: مرحبا بابنة أخي، مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه فأسلمت» وهذا الحديث مرسل رجاله ثقات. وفي البخاري «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، وليس بيني وبينه نبي» قال بعضهم: وبه يرد على من قال كان بينهما خالد بن سنان. وقد يقال مراده بالنبي الرسول الذي يأتي بشريعة مستقلة. وحينئذ لا يشكل هذا لما علمت أنه لم يأت بشريعة مستقلة، ولا ما جاء في رواية أخرى «ليس بيني وبينه نبيّ ولا رسول» ولا ما في كلام البيضاوي تبعا للكشاف من أن بين عيسى ومحمد أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان، وبعده حنظلة بن صفوان عليهما الصلاة والسلام، أرسله الله تعالى لأصحاب الرس بعد خالد بمائة سنة لأنه يجوز أن يكون كل من هؤلاء الثلاثة لم يبعث بشريعة مستقلة، بل كان مقررا لشريعة عيسى   أيضا كخالد بن سنان.

والرس: البئر الغير المطوية: أي الغير المبنية، كذا في الكشاف، والذي في القاموس كالصحاح المطوية بإسقاط غير، فإنهم قتلوا حنظلة ودسوه فيها: أي وحين دسوه فيها، غار ماؤها، وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم بعد أن كان ماؤها يرويهم ويكفي أرضهم جميعا، وتبدلوا بعد الأنس الوحشة، وبعد الاجتماع الفرقة لأنهم كانوا ممن يعبد الأصنام: أي وكان ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم ذي عنق طويل كان فيه من كل لون، فكان ينقضّ على صبيانهم يخطفهم إذا أعوذه الصيد، وكان إذا خطف أحدا منهم أغرب به: أي ذهب به إلى جهة المغرب، فقيل له لطول عنقه ولذهابه إلى جهة المغرب عنقاء مغرب، فشكوا ذلك إلى حنظلة  ، فدعا على تلك العنقاء، فأرسل الله تعالى عليها صاعقة فأهلكتها ولم تعقب، وكان جزاؤه منهم أن قتلوه وفعلوا به ما تقدم.

وذكر بعضهم أن حنظلة هذا كان من العرب من ولد إسماعيل أيضا  : ثم رأيت ابن كثير ذكر أن حنظلة هذا كان قبل موسى  ، وأنه لما ذكر أن في زمن عمر بن الخطاب   فتحت تستر المدينة المعروفة وجدوا تابوتا، وفي لفظ: سريرا عليه دانيال  ، ووجدوا طول أنفه شبرا، وقيل ذراعا، ووجدوا عند رأسه مصحفا فيه ما يحدث إلى يوم القيامة، وأن من وفاته إلى ذلك اليوم ثلاثمائة سنة، وقال: إن كان تاريخ وفاته القدر المذكور فليس بنبي بل هو رجل صالح، لأن عيسى ابن مريم   ليس بينه وبين رسول الله ﷺ نبي بنص الحديث في البخاري.

أقول: قد علمت الجواب عن ذلك، بأن المراد بالنبي الرسول. وفيه أن هذا يبعده عطف الرسول على النبي المتقدم في بعض الروايات، إلا أن يجعل من عطف التفسير والله أعلم.

والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة، وقيل ستمائة، وقيل بزيادة عشرين سنة. قالت عائشة  : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرصا أي كذبا لأن الخراص الكذاب كذا قيل.

أقول: لعل المراد بالكذب الغير المقطوع بصحته، لأن الخرص حقيقته الحزر والتخمين، وكل من تكلم كلاما بناه على ذلك قيل له خراص، ثم قيل للكذاب خراص توسعا، وحينئذ كان القياس أن يقال إلا خرصا: أي حزرا وتخمينا. وعلى هذا كأن الصّدِّيقية   أرادت المبالغة للتنفير عن الخوض في ذلك. والله أعلم.

وعن عمرو بن العاص   «أن النبي ﷺ انتسب حتى بلغ النضر بن كنانة ثم قال: فمن قال غير ذلك» أي مما زاد على ذلك «فقد كذب».

أقول: إطلاق الكذب على من زاد على كنانة إلى عدنان يخالف ما سبق من أن المجمع عليه إلى عدنان إلا أن يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون عمرو بن العاص لم يسمع ما زاد على النضر بن كنانة إلى عدنان مع ذكره له الذي سمعه غيره. وفي إطلاقه الكذب على ذلك التأويل السابق. وأخرج الجلال السيوطي في الجامع الصغير عن البيهقي أنه انتسب فقال «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إلى أن قال: ابن مضر بن نزار» وهذا هو الترتيب المألوف، وهو الابتداء بالأب ثم بالجد ثم بأب الجد وهكذا. وقد جاء في القرآن على خلافه في قوله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف   {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} قال بعضهم: والحكمة في ذلك أنه لم يرد مجرد ذكر الآباء، وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها، فبدأ بصاحب الملة ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب، والله أعلم.

وعن ابن عباس   «أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثا».

قال البيهقي: والأصح أن ذلك: أي قوله «كذب النسابون» من قول ابن مسعود  : أي لا من قوله.

أقول: والدليل على ذلك ما جاء: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} قال: كذب النسابون، يعني الذين يدعون علم الأنساب، ونفي الله تعالى علمها عن العباد. ولا مانع أن يكون هذا القول صدر منه أولا ثم تابعه ابن مسعود عليه.

وقد يقال: هذه الرواية تقتضي إما الزيادة على المجمع عليه، وإما النقص عنه: أي زيادة أدد أو نقص عدنان، فهي مخالفة لما قبلها.

وفي كلام بعضهم أن بين عدنان وأدد أد، فيقال عدنان بن أد بن أدد قيل له أدد لأنه كان مديد الصوت، وكان طويل العز والشرف.

قيل وهو أول من تعلم الكتابة: أي العربية من ولد إسماعيل، وتقدم أن الصحيح أن أول من كتب نزار.

وانظر هل يشكل على ذلك ما رواه الهيثم بن عدي أن الناقل لهذه الكتابة يعني العربية من الحيرة إلى الحجاز حرب بن أمية بن عبد شمس. وقد يقال: الأولية إضافية: أي من قريش وعدنان، سمي بذلك، قيل لأن أعين الإنس والجن كانت إليه ناظرة.

قال بعضهم: اختلف الناس فيما بين عدنان وإسماعيل من الآباء، فقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل خمسة عشر، وقيل أربعون، والله أعلم، قال الله   {وقرونا بين ذلك كثيرا} أي لا يكاد يحاط بها، فقد جاء «كان ما بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، وبين نوح وإبراهيم عليهما السلام عشرة قرون».

وعن ابن عباس   أن مدة الدنيا: أي من آدم   سبعة آلاف سنة: أي وقد مضى منها قبل وجود النبي ﷺ خمسة آلاف وسبعمائة وأربعون سنة. وعن أبي خيثمة وثمانمائة سنة.

قلت: وفي كلام بعضهم من خلق آدم إلى بعثة نبينا محمد خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة وثلاثون سنة.

وقد جاء عن ابن عباس   من طرق صحاح أنه قال «الدنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة، وبعث رسول الله ﷺ في آخر يوم منها».

وفي كلام الحافظ السيوطي: دلت الأحاديث والآثار على أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف سنة، ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلا، وإنما تزيد بنحو أربعمائة سنة تقريبا وما اشتهر على ألسنة الناس أن النبي ﷺ لا يمكث في قبره أكثر من ألف سنة باطل لا أصل له، هذا كلامه. وقوله لا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة، هل يخالفه ما أخرجه أبو داود «لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم يعني خمسمائة سنة ».

وفي كلام بعضهم قد أكثر المنجمون في تقدير مدة الدنيا. فقال بعضهم عمرها سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة أي وهي سبعة. وبعضهم اثنا عشر ألف سنة بعدد البروج. وبعضهم بثلثمائة ألف وستون ألفا بعدد درجات الفلك، وكلها تحكمات عقلية لا دليل عليها.

وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: أكمل الله خلق الموجودات من الجمادات والنباتات والحيوان بعد انتهاء خلق العالم الطبيعي بإحدى وسبعين ألف سنة، ثم خلق الله الدنيا بعد أن انقضى من مدة خلق العالم الطبيعي أربع وخمسون ألف سنة. ثم خلق الله تعالى الآخرة يعني الجنة والنار بعد الدنيا بتسعة آلاف سنة، ولم يجعل الله تعالى للجنة والنار أمدا ينتهي إليه بقاؤهما فلهما الدوام. قال: وخلق الله تعالى طينة آدم بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع عشرة ألف سنة، ومن عمر الآخرة التي لا نهاية لها في الدوام ثمانية آلاف سنة وخلق الله تعالى الجان في الأرض قبل آدم بستين ألف سنة: أي ولعل هذا هو المعنى بقول بعضهم: خلق الله قبل آدم خلقا في صورة البهائم، ثم أماتهم قبل، وهم الجن والبن والطم والرم و الحس والبس فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء كما سيأتي.

قال الشيخ محيي الدين: وقد طفت بالكعبة مع قوم لا أعرفهم، فقال لي واحد منهم: أما تعرفني؟ فقلت لا، قال: أنا من أجدادك الأول، فقلت له: كم لك منذ مت؟ قال لي بضع وأربعون ألف سنة فقلت: ليس لآدم هذا القدر من السنين، فقال لي: عن أي آدم تقول عن هذا الأقرب إليك، أم عن غيره؟ فتذكرت حديثا روي عن النبي «إن الله خلق مائة ألف آدم» فقلت: قد يكون ذلك الجد الذي نسبني إليه من أولئك، والتاريخ في ذلك مجهول مع حدوث العالم بلا شك هذا كلامه.

وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني: وكان وهب بن منبه   يقول: سأل بنو إسرائيل المسيح   أن يحيي لهم سام بن نوح عليهما الصلاة والسلام، فقال: أروني قبره، فوقف على قبره وقال: يا سام قم بإذن الله تعالى، فقام وإذا رأسه ولحيته بيضاء، فقال إنك مت وشعرك أسود، فقال: لما سمعت النداء ظننت أنها القيامة فشاب رأسي ولحيتي الآن، فقال له عيسى  : كم لك من السنين ميت؟ قال خمسة آلاف سنة، إلى الآن لم تذهب عني حرارة طلوع روحي.

وسبب الاختلاف فيما بين عدنان وآدم أن قدماء العرب لم يكونوا أصحاب كتب يرجعون إليها، وإنما كانوا يرجعون إلى حفظ بعضهم من بعض، ولعله لا يخالفه ما تقدم من أن أول من كتب معد أو نزار.

وفي كلام سبط ابن الجوزي أن سبب الاختلاف المذكور اختلاف اليهود، فإنهم اختلفوا اختلافا متفاوتا فيما بين آدم ونوح وفيما بين الأنبياء من السنين. قال ابن عباس  : لو شاء رسول الله ﷺ أن يعلمه لعلمه: أي لو أراد أن يعلم ذلك للناس لعلمه لهم، وهذا أولى من يعلمه بفتح الياء وسكون العين.

وذكر ابن الجوزي أن بين آدم ونوح شيئا وإدريس، وبين نوح وإبراهيم هود وصالح، وبين إبراهيم وموسى بن عمران إسماعيل وإسحاق ولوط وهو ابن أخت إبراهيم وكان كاتبا لإبراهيم، وشعيب وكان يقال له خطيب الأنبياء ويعقوب ويوسف، ولد يوسف ليعقوب، وله من العمر إحدى وتسعون سنة، وكان فراقه له وليوسف من العمر ثماني عشرة سنة وبقيا مفترقين إحدى وعشرين سنة، وبقيا مجتمعين بعد ذلك سبع عشرة سنة هذا.

وفي الإتقان: ألقي يوسف في الجب وهو ابن ثنتي عشرة سنة، ولقي أباه بعد الثمانين، وعاش مائة وعشرين سنة، وكان كاتبا للعزيز.

قيل وسبب الفرقة بين سيدنا يعقوب وسيدنا يوسف عليهما السلام أن سيدنا يعقوب ذبح جديا بين يدي أمه فلم يرض الله تعالى له ذلك، فأراه دما بدم، وفرقة بفرقة، وحرقة بحرقة، وموسى بن عمران بن منشاء. وبين موسى بن عمران وهو أول أنبياء بني إسرائيل وداود يوشع، وكان يوشع كهراون يكتب لموسى. ويذكر أن مما أوصى به داود ولده سليمان عليهما السلام لما استخلفه: يا بني إياك والهزل فإن نفعه قليل، ويهيج العداوة بين الإخوان، أي ومن ثم قيل: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، ولا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا تمازح الدنيء فيجترىء عليك، ولكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح.

وقد قيل المزاح يذهب بالمهابة ويورث الضغينة. وقيل آكد أسباب القطيعة المزاح.

وقد قيل: من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه، واقطع طمعك من الناس فإن ذلك هو الغنى. وإياك وما تعتذر فيه من القول أو الفعل، وعود لسانك الصدق، والزم الإحسان ولا تجالس السفهاء، وإذا غضبت فالصق نفسك بالأرض: أي وقد جاء في الحديث «إذا جهل على أحدكم جاهل، فإن كان قائما جلس، وإن كان جالسا فليضطجع».

وممن مات من الأنبياء فجأة داود وولده سليمان وإبراهيم الخليل عليهم أفضل الصلاة والسلام، ثم بعد يوشع كالب بن يوفنا، وهو خليفة يوشع، ثم حزقيل وهو خليفة كالب، ويقال له ابن العجوز لأن أمه سألت الله تعالى أن يرزقها ولدا بعد ما كبرت وعقمت فجاءت به، وهو ذو الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل.

وإلياس ثم طاولت الملك: أي فإن شمويل   لما حضرته الوفاة سأله بنو إسرائيل أن يقيم فيهم ملكا فأقام فيهم طالوت ملكا، ولم يكن من أعيانهم بل كان راعيا، وقيل سقاء، وقيل غير ذلك. وبين داود وعيسى عليهما السلام وهو آخر أنبياء بني إسرائيل: أيوب ثم يونس ثم شعياء ثم أحصياء ثم زكرياء ويحيى عليهم السلام.

وفي النهر لأبي حيان في تفسير قوله تعالى {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل} كان بينه وبين عيسى من الرسل يوشع وشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير: أي وهو من أولاد هرون بن عمران، وحزقيل وإلياس ويونس وزكرياء ويحيى. وكان بين موسى وعيسى ألف نبي، هذا كلامه، وكان يحيى يكتب لعيسى، وتقدم الكلام على من بين عيسى ومحمد.

ومما يدل على شرف هذا النسب وارتفاع شأنه وفخامته وعلو مكانه ما جاء عن سعد بن أبي وقاص   قال «قيل يا رسول الله قتل فلان لرجل من ثقيف، فقال أبعده الله، إنه كان يبغض قريشا».

وفي الجامع الصغير «قريش صلاح الناس، ولا يصلح الناس إلا بهم، كما أن الطعام لا يصلح إلا بالملح، قريش خالصة لله تعالى، فمن نصب لها حربا سلب، ومن أرادها بسوء خزي في الدنيا والآخرة ».

قال: وعن سعد بن أبي وقاص أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «من يرد هوان قريش أهانه الله تعالى» اهـ أي وأشد الإهانة ما كان في الآخرة، وحينئذ إما أن يراد بالإرادة العزم والتصميم، أو المراد المبالغة، أو يكون ذلك من خصائص قريش، فلا ينافي أن حكم الله المطرد في عدله أن لا يعاقب على مجرد الإرادات، إنما يعاقب ويجازي على الأفعال والأقوال الواقعة، أو ما هو منزل منزلة الواقعة كالتصميم، فإن من خصائص هذه الأمة عدم مؤاخذتها بما تحدث به نفسها.

وعن أم هانىء بنت أبي طالب   «أن رسول الله ﷺ فضل قريشا» أي ذكر تفضيلهم «بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم، ولا يعطاها أحد بعدهم: النبوة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل» أي على أصحابه «وعبدوا الله سبع سنين» وفي لفظ عشر سنين «لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لإيلاف قريش» وتسمية لإيلاف قريش سورة يرد ما قيل إن سورة الفيل ولإيلاف قريش سورة واحدة، ولينظر ما معنى عبادتهم الله تعالى دون غيرهم في تلك المدة.

وعن أنس   «حب قريش إيمان وبغضهم كفر».

وعن أبي هريرة   «الناس تبع لقريش، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم» وقال «العلم في قريش» أي وقال «الأئمة من قريش» وقد جمع الحافظ ابن حجر طرق هذا الحديث في كتاب سماه (لذة العيش في طرق حديث «الأئمة من قريش»).

وفي الحديث «عالم قريش يملأ طباق الأرض علما» وفي رواية «لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما» وفي رواية «اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما» قال جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد: هذا العالم هو الشافعي  ، لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قريشي من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي.

وفي كلام بعضهم: ليس في الأئمة المتبوعين في الفروع قرشي غيره. وفيه أن الإمام مالك بن أنس من قريش. ويجاب بأنه إنما يكون قرشيا على القول الباطل من أن جماع قريش قصي.

وقد ذكر السبكي أنهم ذكروا أن من خواص الشافعي   من بين الأئمة أن من تعرض إليه أو إلى مذهبه بسوء أو نقص هلك قريبا، وأخذوا ذلك من قوله «من أهان قريشا أهانه الله تعالى» هذا كلامه. قال الحافظ العراقي: إسناد هذا الحديث يعني «لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما» لا يخلو عن ضعف، وبه يرد ما زعمه الصغائي من أنه موضوع، وحاشا الإمام أحمد أن يحتج بحديث موضوع أو يستأنس به على فضل الشافعي.

وقال ابن حجر الهيتمي: هو حديث معمول به في مثل ذلك أي في المناقب، وزعم وضعه حسد أو غلط فاحش: أي وعن الربيع قال: رأيت في المنام كأن آدم مات، فسألت عن ذلك؟ فقيل لي هذا موت أعلم أهل الأرض، لأن الله علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسير حتى مات الشافعي   ورضي عنا به.

ومما يؤثر عن إمامنا الشافعي  : من أطراك في وجهك بما ليس فيك فقد شتمك، ومن نقل إليك نقل عنك، ومن نمّ عندك نم عليك، ومن إذا أرضيته قال فيك ما ليس فيك إذا أسخطته قال فيك ما ليس فيك. وقال «قدموا قريشا ولا تقدموها» أي لا تتقدموها. وفي رواية «ولا تعالموها: أي لا تغالبوها بالعلم ولا تكاثروها فيه». وفي رواية «ولا تعلموها» أي لا تجعلوها في المقام الأدنى الذي هو مقام المتعلم بالنسبة للمعلم. وقال «أحبوا قريشا، فإنه من أحبهم أحبه الله تعالى» وقال «لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله  ».

وفي السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي   رواية المزني عنه. قال الطحاوي: حدثنا المزني قال: حدثنا الشافعي   «أن قتادة بن النعمان وقع بقريش وكأنه نال منهم، فقال رسول الله ﷺ: مهلا يا قتادة لا تشتم قريشا فإنك لعلك ترى منهم رجالا إذا رأيتهم عجبت بهم، لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله تعالى» أي لولا أنها إذا علمت ما لها عند الله من الخير المدخر لها تركت العمل، بل ربما ارتكبت ما لا يحل اتكالا على ذلك لأعلمتها به، لكن في رواية «لأخبرتها بما لمحسنها عند الله من الثواب». وهذا دليل على علو منزلتها وارتفاع قدرها عند الله تعالى. وقال يوما «يا أيها الناس إن قريشا أهل أمانة، من بغاها العواثر» أي من طلب لها المكايد «أكبه الله تعالى لمنخريه» أي أكبه الله على وجهه «قال ذلك ثلاث مرات» وعن سيدنا عمر   أنه كان بالمسجد فمر عليه سعيد بن العاص فسلم عليه، فقال له: والله يا ابن أخي ما قتلت أباك يوم بدر، وما لي أن أكون أعتذر من قتل مشرك، فقال له سعيد بن العاص: لو قتلته كنت على الحق وكان على الباطل، فعجب عمر من قوله وقال: قريش أفضل الناس أحلاما، وأعظم الناس أمانة، ومن يرد بقريش سوءا يكبه الله لفيه. هذا كلامه.

والذي قتل العاص والد سعيد علي بن أبي طالب  ، وقيل سعد بن أبي وقاص  ، فعن سعد بن أبي وقاص   قال: قتلت يوم بدر العاص وأخذت سيفه ذا الكثيفة وقال «شرار قريش خير شرار الناس» وفي رواية «خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش شرار الناس» أي ولعله سقط من هذه الرواية قبل شرار الثانية لفظ خيار لتوافق الرواية قبلها المقتضي لذلك المقام. ويحتمل إبقاء ذلك على ظاهره لأنه ممن يقتدى به. فكانوا أشر الأشرار، ويكون هذا هو المراد بوصفهم بأنهم خيار شرار الناس.

ثم رأيت في كتاب السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي   ما رواه المزني عنه «خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش خيار شرار الناس» وفي الحديث «ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» ومن ثم قال الطحاوي: قريش أهل أمانة، هكذا قرأه علينا المزني أهل أمانة أي بالنون، وإنما هو أهل إمامة أي بالميم. وفي كلام فقهائنا «قريش قطب العرب وفيهم الفتوة ».

ومما يدل على شرف هذا النسب أيضا ما جاء عن عمرو بن العاص   «إن الله اختار العرب على الناس، واختارني على من أنا منه من أولئك العرب» وما جاء عن وائلة بن الأسقع   قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله اصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

أقول: وجاء بلفظ آخر عن وائلة بن الأسقع وهو «إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم عليهما السلام. واتخذه خليلا، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزارا، ثم اصطفى من ولد نزار مضر، ثم اصطفى من ولد مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشا، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب» والله أعلم. قال وفي رواية «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

وما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله «أتاني جبريل فقال لي: يا محمد إن الله بعثني فطفت شرق الأرض ومغربها وسهلها وجبلها، فلم أجد حيا خيرا من مضر، ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش، ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حيا خيرا من بني هاشم. ثم أمرني أن أختار في أنفسهم» أي أختار نفسا من أنفسهم «فلم أجد نفسا خيرا من نفسك» انتهى.

وفي الوفاء عن ابن عباس   في قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} قال: ليس من العرب قبيلة إلا ولدت النبي ﷺ مضرها وربيعتها ويمانيها. وعن ابن عمر   قال: قال رسول الله «إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشا، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار إلى خيار» انتهى. وقوله واختار من مضر قريشا يدل على أن مضر ليس جماع قريش وإلا كانت أولاده كلها قريشا.

وعن أبي هريرة يرفعه بسند حسنه الحافظ العراقي «إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين: قسم العرب قسما، وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب. ثم قسم العرب إلى قسمين، فقسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وكانت خيرة الله في مضر، وقسم مضر قسمين فكانت قريش قسما وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خيار من أنا فيه».

قال بعضهم: وما جاء في فضل قريش فهو ثابت لبني هاشم والمطلب، لأنهم أخص وما ثبت للأعم يثبت للأخص ولا عكس.

وفي الشفاء عن ابن عباس   قال: قال رسول الله «إن الله سبحانه وتعالى قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما فذلك قوله تعالى: {أصحاب اليمين وأصحاب الشمال} فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، فذلك قوله تعالى {فأصحاب الميمنة ـ وأصحاب المشأمة ـ والسابقون السابقون} فأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: {وجعلناكم شعوبا وقبائل} الآية فأنا أبر ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر، وجعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا ولا فخر، فذلك قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الآية » هذا كلام الشفاء، فليتأمل. وإلى شرف هذا النسب يشير صاحب الهمزية   بقوله:

وبدا للوجود منك كريم ** من كريم آباؤه كرماء

نسب تحسب العلا بحلاه ** قلدتها نجومها الجوزاء

حبذا عقد سودد وفخار ** أنت فيه اليتيمة العصماء

أي ظهر لهذا العالم منك كريم: أي جامع لكل صفة كمال، وهذا على حد قولهم: لي من فلان صديق حميم، وذلك الكريم الذي ظهر وجد من أب كريم سالم من نقص الجاهلية آباؤه الشامل للأمهات جميعهم كرماء: أي سالمون من نقائص الجاهلية: أي ما يعد في الإسلام نقصا من أوصاف الجاهلية، وهذا نسب لا أجل منه، ولجلالته إذا تأملته تظن بسبب ما تحلى به من الكمالات: أي معاليها جعلت الجوزاء نجومها التي يقال لها نطاق الجوزاء قلادة لتلك المعالي، وهذه القلادة نعم هي قلادة سيادة وتمدح موصوفة بأنك في تلك القلادة الدرة اليتيمة التي لا مشابه لها المحفوظة عن الأعين لجلالتها.

لا يقال: شمول الآباء للأمهات لا يناسب قوله نسب، لأن النسب الشرعي في الآباء خاصة. لأنا نقول: المراد بالنسب ما يعم اللغوي أو قد يقال سلامة آبائه من النقائص إنما هو من حيث أبيه: أي كونه متفرعا عنه، وذلك يستلزم أن تكون أمهاته كذلك، وسيأتي «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى.

وقال الماوردي في كتاب (أعلام النبوة): وإذا اختبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام ليس فيهم مستزل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة، هذا كلامه ومن كلام عمه أبي طالب:

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ** فعبد مناف سرها وصميمها

وإن حصلت أنساب عبد منافها ** ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فإن محمدا ** هو المصطفى من سرها وكريمُها

بالرفع عطفا على المصطفى، وسر القوم: وسطهم، فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته، وأشرف الأفخاذ فخذه.

وعن ابن عمر   قال: قال رسول الله: «من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم».

وعن سلمان الفارسي   قال قال لي رسول الله: «يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله تعالى؟ قال: تبغض العرب فتبغضني».

وعن علي   قال: قال لي رسول الله: «لا يبغض العرب إلا منافق».

وفي الترمذي عن عثمان بن عفان   أن رسول الله ﷺ قال: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي» قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقال «ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» وقال: «أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي» وقال: «إن لواء الحمد يوم القيامة بيدي وإن أقرب الخلق من لوائي يومئذ العرب» وقال: «إذا ذلت العرب ذل الإسلام» وفي كلام فقهائنا: العرب أولى الأمم، لأنهم المخاطبون أولا والدين عربي.

وعن ابن عباس   «خير العرب مضر، وخير مضر عبد مناف، وخير بني عبد مناف بنو هاشم، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب، والله ما افترق فرقتان منذ خلق الله تعالى آدم إلا كنت في خيرهما».

أقول: وفي لفظ آخر عن ابن عباس   قال: قال رسول الله: «إن الله حين خلقني جعلني من خير خلقه، ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتا وأنا خيرهم نسبا» وفي لفظ آخر عنه قال: قال رسول الله «إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهم قسما، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، ثم جعل الثلث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا» وتقدم عن الشفاء مثل ذلك مع زيادة الاستدلال بالآيات، وتقدم الأمر بالتأمل في ذلك، والله أعلم. وفيه أنه ورد النهي في الأحاديث الكثيرة عن الانتساب إلى الآباء في الجاهلية على سيبل الافتخار، من ذلك «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده ما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية » أي والذي يدحرجه الجعل وهو النتن. وجاء في الحديث «ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية. أو ليكونن أبغض إلى الله تعالى من الخنافس» وجاء «آفة الحسب الفخر» أي عاهة الشرف بالآباء التعاظم بذلك.

وأجاب الإمام الحليمي بأنه لم يرد بذلك الفخر، إنما أراد تعريف منازل أولئك ومراتبهم: أي ومن ثم جاء في بعض الروايات قوله ولا فخر: أي فهو من التعريف بما يجب اعتقاده وإن لزم منه الفخر، وهو أشار إلى نعمة الله تعالى عليه، فهو من التحدث بالنعمة وإن لزم من ذلك الفخر أيضا. وعن ابن عباس   «في قوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين} قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا» أي وجدت الأنبياء في آبائه فسيأتي «أنه قذف بي في صلب آدم، ثم في صلب نوح، ثم في صلب إبراهيم عليهما الصلاة والسلام» بدليل ما يأتي فيه. وفي لفظ آخر عنه «ما زال النبي ﷺ يتقلب في أصلاب الأنبياء» أي المذكورين أو غيرهم «حتى ولدته أمه» أي وهذا كما لا يخفى لا ينافي وقوع من ليس نبيا في آبائه، فالمراد وقوع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في نسبه   كما علمت، ضرورة أن آباءه كلهم ليسوا أنبياء، لكن قال غيره: لا زال نوره ينقل من ساجد إلى ساجد. قال أبو حيان: واستدل بذلك، أي بما ذكر من الآية المذكورة: أي المفسرة بما ذكر الرافضة على أن آباء النبي ﷺ كانوا مؤمنين: أي لأن الساجد لا يكون إلا مؤمنا، فقد عبر عن الإيمان بالسجود، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك، وهو استدلال ظاهري، وإلا فالآية قيل معناها وتصفحك أحوال المتهجدين من أصحابك لأنه لما نسخ فرض قيام الليل عليه وعليهم بناء على أنه كان واجبا عليه وعلى أمته وهو الأصح.

وعن ابن عباس   أنه كان واجبا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله «طاف تلك الليلة على بيوت أصحابه لينظر حالهم» أي هل تركوا قيام الليل لكونه نسخ وجوبه بالصلوات الخمس ليلة المعراج حرصا على كثرة طاعتهم فوجدها كبيوت الزنابير: أي لأن الله   افترض عليه: أي وعلى أمته قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر في أول سورة المزمل، ثم نسخ ذلك في آخر السورة بما تيسر: أي وكان نزول ذلك بعد سنة، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس ليلة المعراج كما سيأتي. وجعل بعضهم ذلك من نسخ الناسخ فيصير منسوخات، لما علمت أن آخر هذه السورة ناسخ لأولها ومنسوخ بفرض الصلوات الخمس.

واعترض بأن الأخبار دالة على أن قوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} إنما نزل بالمدينة يدل على ذلك قوله تعالى: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} لأن القتال في سبيل الله إنما كان بالمدينة، فقوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر} اختيار لا إيجاب.

وقيل معنى {وتقلبك في الساجدين} وتقلبك في أركان الصلاة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا في الساجدين: أي في المصلين، ففي الساجدين ليس متعلقا بتقلبك بل بساجد المحذوف.

لا يقال: يعارض جعل الساجدين عبارة عن المؤمنين أن من جملة آبائه آزر والد إبراهيم الخليل صلى الله على نبينا وعليه وسلم وكان كافرا.

لأنا نقول: أجمع أهل الكتاب على أن آزر كان عمه، والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما فقد حكى الله عن يعقوب   أنه قال: «آبائي إبراهيم وإسماعيل» ومعلوم أن إسماعيل إنما هو عمه. أي ويدل لذلك أن أبا إبراهيم كان اسمه تارخ بالمثناة فوق والمعجمة كما عليه جمهور أهل النسب، وقيل بالمهملة وعليه اقتصر الحافظ في الفتح لا آزر، لكن ادعى بعضهم أنه لقب له، لأن آزر اسم صنم كان يعبده فصار له اسمان: آزر وتارخ كيعقوب وإسرائيل.

قال بعضهم: وقد تساهل من أخذ بظاهر الآية كالقاضي البيضاوي وغيره فقال: إن أبا إبراهيم مات على الكفر وما قيل إنه عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل.

ويوافقه ما في النهر نقلا عن ابن عباس   أن آزر كان اسم ابيه، ويرد ذلك قول الحافظ السيوطي  : يستنبط من قول إبراهيم   {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم الحساب} وكان ذلك بعد موت عمه بمدة طويلة، أن المذكور في القرآن بالكفر والتبري من الاستغفار له: أي في قوله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} هو عمه لا أبوه الحقيقي. قال: فللّه الحمد على ما ألهم: أي ولا يخفى أن هذا لايتم إلا إذا كان أبوه الحقيقي حيا وقت التبري منه، وأن التبري سببه الموت: أي موت عمه على الكفر لا الوحي بأنه يموت كافرا فليتأمل، وحينئذ يكون أبوه الحقيقي هو المعني بقول أبي هريرة: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم. أن قال لما رأى ولده وقد ألقي في النار أي على تلك الحالة أي في روضة خضراء وحوله النار: لم تحرق منه إلا كتافه نعم الرب ربك يا إبراهيم، وكان سنه حين ألقي في النار ست عشرة سنة كما في الكشاف. وفي كلام غيره كان سنه ثلاثين سنة بعد ما سجن ثلاث عشرة سنة.

وعن ابن عباس   قال: «إن قريشا كانت نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم   بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله تعالى آدم   ألقى ذلك النور في صلبه، قال: فأهبطني الله تعالى إلى الأرض في صلب آدم، وجعلني في صلب نوح، وقذفني في صلب إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط».

أقول: قوله: «فأهبطني» ينبغي أن لا يكون معطوفا على ما قبله من قوله: «إن قريشا كانت نورا بين يدي الله تعالى الخ» فيكون نوره من جملة نور قريش، وإنه انفرد عن نور قريش وأودع في صلب نوح   الخ، بل على ما يأتي من قوله: «كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام» اللازم لذلك أن يكون نوره سابقا على نور قريش، ويكون نور قريش من نوره.

وحكمة اقتصاره على من ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تخفى. وهي أنهم آباء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذرية نوح هود وصالح عليهما الصلاة والسلام، ومن ذرية إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وهارون بناء على أنه شقيق موسى أو لأبيه وإلا فسيأتي أن نوره انتقل إلى شيث، وتقدم أنه من ذرية إسماعيل.

وعن علي بن الحسين   عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم   بأربعة عشر ألف عام» ورأيت في كتاب التشريفات في الخصائص والمعجزات لم أقف على اسم مؤلفه، عن أبي هريرة   «أن رسول الله ﷺ سأل جبريل   فقال يا جبريل كم عمرت من السنين؟ فقال يا رسول الله لست أعلم، غير أن في الحجاب الرابع نجما يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيته اثنين وسبعين ألف مرة فقال: «يا جبريل وعزة ربي جل جلاله أنا ذلك الكوكب» رواه البخاري، هذا كلامه، فلما خلق الله آدم   جعل ذلك النور في ظهره: أي فهو حالة كونه نورا سابق على قريش حالة كونها نورا، بل سيأتي ما يدل على أن نوره سابق على سائر المخلوقات، بل وتلك المخلوقات خلقت من ذلك النور آدم وذريته وحينئذ يحتاج إلى بيان وجه كون آدم خلق من نوره، وجعل نوره في ظهر آدم  ، فقد تقدم في الخبر «لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره» أي فكان يلمع في جبينه فيغلب على سائر نوره الخ ما يأتي، ثم انتقل إلى ولده شيث الذي هو وصيه، وكان من جملة ما أوصاه به أنه يوصي من انتقل إليه ذلك النور من ولده أنه لا يضع ذلك النور الذي انتقل إليه إلا في المطهرة من النساء، ولم تزل هذه الوصية معمولا بها في القرون الماضية إلى أن وصل ذلك النور إلى عبد المطلب: أي وهذا السياق يدل على أن ذلك النور كان ظاهرا فيمن ينتقل إليه من آبائه، وهو قد يخالف ما تقدم من تخصيص بعض آبائه بذلك، ولم تلد حواء ولدا مفردا إلا شيئا كرامة لهذا النور، قيل مكث في بطنها حتى نبتت أسنانه وكان ينظر إلى وجهه من صفاء بطنها وهو الثالث من ولد آدم  ، وكانت تلد ذكرا وأنثى معا: أي فقد قيل إنها ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا، وقيل ولدت مائة وعشرين ولدا، وقيل مائة وثمانين ولدا، وقيل خمسمائة. ويقال إن آدم   لما مات بكى عليه من ولده وولد ولده أربعون ألفا، ولم يحفظ من نسل آدم إلا ما كان من صلب شيث دون إخوته: أي فإنهم لم يعقبوا أصلا فهو أبو البشر.

وعن جابر بن عبد الله رضي تعالى عنهما قال: «قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره» الحديث، وفيه أنه أصل لكل موجود، والله سبحانه وتعالى أعلم.

واختلف الناس في عد طبقات أنساب العرب وترتيبها، والذي في الأصل عن الزبير بن بكار أنها ست طبقات، وأن أولها شعب، ثم قبيلة، ثم عمارة بكسر العين المهملة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة قال: وقد نظمها الزين العراقي في قوله:

للعرب العربا طباق عدة ** فصلها الزبير وهي ستة

أعم ذاك الشعب فالقبيلة ** عمارة بطن فخذ فصيلة

أي فالشعب أصل القبائل، والقبيلة أصل العمارة، والعمارة أصل البطون، والبطن أصل الفخذ، والفخذ أصل الفصيلة، فيقال: مضر شعب رسول الله ﷺ: أي وقيل شعبه خزيمة، وكنانة قبيلته، وقريش عمارته، وقصي بطنه، وهاشم فخذه، وبنو العباس فصيلته. وقيل بعد الفصيلة العشيرة، وليس بعد العشيرة شيء. وقيل بعدها الفصيلة قال: ثم الرهط. وزاد بعضهم الذرية والعترة والأسرة، ولم يرتب بينها. وقد ذكرها محمد بن سعد اثني عشر فقال: الجذم، ثم الجمهور، ثم الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرهط، ثم الأسرة، ثم الذرية، وسكت عن العترة.

وفي كلام بعضهم: الأسباط بطون بني إسرائيل، والشعب في لسان العرب: الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان والأوراق، والقبائل بطون العرب والشعوب بطون العجم، فيتأمل.

باب تزويج عبد الله أبي النبي صلى الله عليه وسلم آمنة أمه وحفر زمزم وما يتعلق بذلك

قيل خرج عبد المطلب ومعه ولده عبد الله، وكان أحسن رجل في قريش خُلقا، وخلْقا، وكان نور النبي ﷺ بينا في وجهه. وفي رواية أنه كان أحسن رجل رئاء بكسر الراء وبضمها ثم همزة مفتوحة: منظرا في قريش. وفي رواية أنه كان أكمل بني أبيه، وأحسنهم وأعفهم، وأحبهم إلى قريش، وقد هدى الله تعالى والده فسماه بأحب الأسماء إلى الله تعالى. ففي الحديث «أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن» وهو الذبيح.

وذلك لأن أباه عبد المطلب حين أمر في النوم بحفر زمزم بئر إسماعيل  : أي لأن الله تعالى أخرج زمزم لإسماعيل بواسطة جبريل كما يأتي إن شاء الله تعالى في بناء الكعبة، أخرج زمزم مرتين: مرة لآدم، ومرة لإسماعيل عليهما الصلاة السلام، وكانت جرهم قد دفنتها: أي فإن جرهما لما استخفت بأمر البيت الحرام، وارتكبوا الأمور العظام، قام فيهم رئيسهم مضاض بكسر الميم وحكى ضمها، ابن عمرو خطيبا: ووعظهم فلم يرعووا فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة وما وجد فيها من الأموال: أي السيوف والدروع على ما سيأتي التي كانت تهدى إلى الكعبة ودفنها في بئر زمزم.

وفي مرآة الزمان أن هاتين الغزالتين أهداهما للكعبة وكذا السيوف ساسان أول ملوك الفرس الثانية. ورد بأن الفرس لم يحكموا على البيت ولا حجوه، هذا كلامه. وفيه أن هذا لا ينافي ذلك، فيتأمل. وكانت بئر زمزم نضب ماؤها: أي ذهب فحفرها مضاض بالليل وأعمق الحفر ودفن فيها ذلك: أي ودفن الحجر الأسود أيضا كما قيل، وطم البئر، واعتزل قومه فسلط الله تعالى عليهم خزاعة، فأخرجتهم من الحرم، وتفرقوا وهلكوا كما تقدم، ثم لا زالت زمزم مطمومة لا يعرف محلها مدة خزاعة ومدة قصي، ومن بعده إلى زمن عبد المطلب. ورؤياه التي أمر فيها بحفرها. قيل وتلك المدة خمسمائة سنة: أي وكان قصي احتفر بئرا في الدار التي سكنتها أم هانىء أخت علي  ، وهي أول سقاية احتفرت بمكة.

فعن علي بن أبي طالب   قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة، فقلت: وما طيبة؟ فذهب وتركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال احفر برة، فقلت: وما برة فذهب وتركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني وقال احفر المضنونة، فقلت: وما المضنونة؟ فذهب وتركني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال احفر زمزم، فقلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف، ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. وقوله لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها، ولا يلحق قعرها.

وفيه أنه ذكر أنه وقع فيها عبد حبشي فمات بها وانتفخ فنزحت من أجله، ووجدوا قعرها فوجدوا ماءها يفور من ثلاثة أعين، أقواها وأكثرها التي من ناحية الحجر الأسود.

وقوله ولا تذم بالذال المعجمة: أي لا توجد قليلة الماء، من قولهم: بئر ذمة أي قليلة الماء قيل وليس المراد أنه لا يذمها أحد، لأن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق من جهة الوليد بن عبد الملك ذمها وسماها أم جعلان، واحتفر بئرا خارج مكة باسم الوليد بن عبد الملك، وجعل يفضلها على زمزم ويحمل الناس على التبرك بها.

وفيه أن هذا جراءة منه على الله تعالى وقلة حياء منه، وهو الذي كان يعلن ويفصح بلعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على المنبر، فلا عبرة بذمه.

وقيل لزمزم طيبة لأنها للطيبين والطيبات من ولد إبراهيم، وقيل لها برة لأنها فاضت للأبرار، وقيل لها المضنونة لأنها ضن بها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، وقد جاء في رواية «يقول الله تعالى ضننت بها على الناس إلا عليك» ولعل المراد إلا على أتباعك، فيكون بمعنى ما قبله. وفي رواية أنه قيل لعبد المطلب احفر زمزم، ولم يذكر له علامتها فجاء إلى قومه وقال لهم: إني قد أمرت أن أحفر زمزم، قالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال لا، قالوا فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت، فإن يكن حقا من الله تعالى بين لك، وإن يكن من الشيطان فلن يعود إليك، فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتاه فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لن تندم، وهي ميراث من أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، فقال عبد المطلب: أين هي؟ فقال: هي بين الفرث والدم، عند قرية النمل حيث ينقر الغراب الأعصم غدا: أي والأعصم، قيل أحمر المنقار والرجلين، وقيل أبيض البطن، وعلى هذا اقتصر الإمام الغزالي حيث قال في قوله «مثل المرأة الصالحة في النساء مثل الغراب الأعصم بين مائة غراب» يعني الأبيض البطن، هذا كلامه. وقيل الأعصم أبيض الجناحين، وقيل أبيض إحدى الرجلين، فلما كان الغد ذهب عبد المطلب وولده الحارث ليس له ولد غيره، فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقرعندها بين الفرث والدم: أي في محلهما وذلك بين إساف ونائلة: الصنمين اللذين تقدم ذكرهما، وتقدم أن قريشا كانت تذبح عندهما ذبائحها: أي التي كانت تتقرب بها، وهذا يبعد ما جاء في رواية أنه لما قام بحفرها رأى ما رسم له من قرية النمل ونقرة الغراب، ولم ير الفرث والدم فبينما هو كذلك ندت بقرة من ذابحها فلم يدركها حتى دخلت المسجد فنحرها في الموضع الذي رسم له.

وقد يقال لا يبعد لأنه يجوز أن يكون فهم أن يكون الفرث والدم موجودين بالفعل فلا يلزم من كون المحل المذكور محلهما وجودهما فيه في ذلك الوقت، فلم يكتف بنقرة الغراب في محلهما، فأرسل الله له تلك البقرة ليرى الأمر عيانا.

وذكر السهيلي   لذكر هذه العلامات الثلاث حكمة لا بأس بها، ولعل إسافا ونائلة نقلا بعد ذلك إلى الصفا والمروة بعد أن نقلهما عمرو بن لحي من جوف الكعبة إلى المحل المذكور، فلا يخالف ما ذكره القاضي البيضاوي وغيره أن إسافا كان على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما: أي ومن ثم لما جاء الاسلام وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف أي السعي بينهما، وقالوا يا رسول الله هذا كان شعارنا في الجاهلية لأجل التمسح بالصنمين، فأنزل الله تعالى ـ {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ـ الآية: ويقال إن بقرة نحرت بالحزورة بوزن قسورة فانفلتت ودخلت المسجد في موضع زمزم فوقعت مكانها، فاحتمل لحمها، فأقبل غراب أعصم فوقع في الفرث فليتأمل الجمع.

وقد يقال: لا منافاة، لأن قوله في الرواية الأولى: فندت بقرة من ذابحها: أي ممن شرع في ذبحها ولم يتمه حتى دخلت المسجد فنحرها: أي تمم ذبحها، فقد نحرت بالحزورة وبالمسجد أو يراد بنحرها في الحزورة ذبحها، وبنحرها في المسجد سلخها وتقطيع لحمها فقد رأينا الحيوان بعد ذبحه يذهب إلى موضع آخر ثم يقع به، وعند ذلك جاء عبد المطلب بالمعول وقام ليحفر، فقامت إليه قريش، فقالوا له: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب لولده الحرث ذد عني: أي امنع عني حتى أحفر، فوالله لأمضين لما أمرت به، فلما رأوه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي: أي البناء، فكبر وقال هذا طي إسماعيل  : أي بناؤه، فعرفت قريش أنه أصاب حاجته، فقاموا إليه وقالوا والله يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، فقالوا نخاصمك فيها، فقال: اجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بأعالي الشام: أي ولعلها التي لما حضرتها الوفاة طلبت شقا وسطيحا وتفلت في فمهما، وذكرت أن سطيحا يخلفها في كهانتها ثم ماتت في يومها ذلك، وسطيح ستأتي ترجمته. وأما شق فقيل له ذلك، لأنه كان شق إنسان، يدا واحدة، ورجلا واحدة، وعينا واحدة، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، وكان إذ ذاك ما بين الحجاز والشام مفازات لا ماء بها، فلما كان عبد المطلب ببعض تلك المفاوز فني ماؤه وماء أصحابه، فظمئوا ظمأ شديدا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فقال عبد المطلب لأصحابه ما ترون؟ قالوا، ما رأينا إلا تبع لرأيك، فقال: إني أرى أن يحفر كل أحد منكم حفيرة يكون فيها إلى أن يموت فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد: أي يترك بلا مواراة أيسر من ضيعة ركب جميعا، فقالوا نعم ما أمرت به فحفر كل حفيرة لنفسه ثم قعدوا ينتظرون الموت، ثم قال عبد المطلب لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا إلى الموت لعجز، فلنضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا، فانطلقوا، كل ذلك وقومهم ينظرون إليهم ما هم فاعلون فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل فقال: هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاؤوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا لعبد المطلب قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، فلما جاء وأخذ في الحفر وجد فيها الغزالتين من الذهب اللت. ين دفنتهما جرهم، ووجد فيها أسيافا وأدراعا، فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك، فقال: لا، ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم. والنصف: بكسر النون وسكون الصاد المهملة وبفتحها النصفة بفتحات نضرب عليها بالقداح قالوا: كيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها لصاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل: أي وجعلوا الغزالتين قسما والأسياف والأدراع قسما آخر، وقام عبد المطلب يدعو ربه بشعر مذكور في الأمتاع، فضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالتين، وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع، وتخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا الكعبة، وضرب في الباب الغزالتين، فكان أول ذهب حليت

به الكعبة ذلك. ومن ثم جاء عن ابن عباس  : والله إن أول من جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب.

وفي شفاء الغرام أن عبد المطلب علق الغزالتين في الكعبة، فكان أول من علق المعاليق بالكعبة، وسيأتي الجمع بين كونهما علقا بالكعبة وبين جعلهما حليا لباب الكعبة وقد كان بالكعبة بعد ذلك معاليق، فإن عمر   لما فتحت مدائن كسرى كان مما بعث إليه منها هلالان فعلقا بالكعبة، وعلق بها عبد الملك بن مروان شمستين وقدحين من قوارير، وعلق بها الوليد بن يزيد سريرا وعلق بها السفاح صحفة خضراء، وعلق بها المنصور القارورة الفرعونية، وبعث المأمون ياقوتة كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة في زمن الموسم في سلسلة من ذهب.

ولما أسلم بعض الملوك في زمنه أرسل إليها بصنمه الذي كان يعبده، وكان من ذهب متوجا ومكللا بالجواهر والياقوت الأحمر والأخضر والزبرجد، فجعل في خزانة الكعبة.

ثم إن الغزالتين سرقتا وأبيعتا من قوم تجار قدموا مكة بخمر وغيرها، فاشتروا بثمنها خمرا.

وقد ذكر أن أبا لهب مع جماعة نفدت خمرهم في بعض الأيام، وأقبلت قافلة من الشام معها خمر، فسرقوا غزالة واشتروا بها خمرا، وطلبتها قريش، وكان أشدهم طلبا لها عبد الله بن جدعان، فعلموا بهم فقطعوا بعضهم وهرب بعضهم، وكان فيمن هرب أبو لهب: هرب إلى أخواله من خزاعة فمنعوا عنه قريشا، ومن ثم كان يقال لأبي لهب سارق غزالة الكعبة.

وقد قيل منافع الخمر المذكورة فيها أنهم كانوا يتغالون فيها إذا جلبوها من النواحي لكثرة ما يربحون فيها لأنه كان المشتري إذا ترك المماكسة في شرائها عدوه فضيلة له ومكرمة فكانت أرباحهم تتكثر بسبب ذلك.

وما قيل في منافعها أنها تقوي الضعيف، وتهضم الطعام، وتعين على الباه، وتسلي المحزون، وتشجع الجبان، وتصفي اللون، وتنعش الحرارة الغريزية، وتزيد في الهمة والاستعلاء، فذلك كان قبل تحريمها، ثم لما حرمت سلبت جميع هذه المنافع، وصارت ضررا صرفا، ينشأ عنها الصداع والرعشة في الدنيا لشاربها، وفي الآخرة يسقي عصارة أهل النار.

وفي كلام بعضهم: من لازم شربها حصل له خلل في جوهر العقل، وفساد الدماغ والبخر في الفم، وضعف البصر والعصب، وموت الفجاءة ومميتة للقلب، ومسخطة للرب، ومن ثم جاء أنها أي الخمرة ليست بدواء ولكنها داء. وجاء «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» أي كان مغلقا. وجاء «الخمر أم الفواحش» وفي رواية «أم الخبائث» وجاء في الخمر «لا طيب الله من تطيب بها، ولا شفى الله من استشفى بها».

وقد قيل لا منافاة بين كون الغزالتين علقتا في الكعبة وسرقتا أو سرقت إحداهما، وبين كون عبد المطلب جعلهما حليا للباب، لأنه يجوز أن يكون عبد المطلب استخلص الغزالتين أو الغزالة من التجار، ثم جعلهما حليا للباب بعد أن كان علقهما.

وفي الإمتاع: وكان الناس قبل ظهور زمزم تشرب من آبار حفرت بمكة، وأول من حفر بها بئرا قصي كما تقدم، وكان الماء العذب بمكة قليلا. ولما حفر عبد المطلب زمزم بني عليها حوضا وصار هو وولده يملآنه فيكسره قوم من قريش ليلا حسدا فيصلحه نهارا حين يصبح، فلما أكثروا من ذلك وجاء شخص واغتسل به غضب عبد المطلب غضبا شديدا فأري في المنام أن قل: اللهم إن لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل: أي حلال مباح ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد ونادى بذلك، فلم يكن يفسد حوضه أحد، أو اغتسل إلا رمى في جسده بداء.

ثم إن عبد المطلب لما قال لولده الحرث ذد عني: أي امنع عني حتى أحفر، وعلم أنه لا قدرة له على ذلك نذر إن رزق عشرة من الولد الذكور يمنعونه ممن يتعالى عليه ليذبحن أحدهم عند الكعبة.

أي وقيل إن سبب ذلك أن عدي بن نوفل بن عبد مناف أبا المطعم قال له: يا عبد المطلب تستطيل علينا وأنت فذّ لا ولد لك: أي متعدد، بل لك ولدا واحدا ولا مال لك، وما أنت إلا واحد من قومك، فقال له عبد المطلب: أتقول هذا، وإنما كان نوفل أبوك في حجر هاشم: أي لأن هاشما كان خلف على أم نوفل وهو صغير، فقال له عدي: وأنت أيضا قد كنت في يثرب عند غير أبيك كنت عند أخوالك من بني النجار، حتى ردك عمك المطلب، فقال له عبد المطلب: أو بالقلة تعيرني، فللّه علي النذر لئن آتاني الله عشرة من الأولاد الذكور لأنحرن أحدهم عند الكعبة. وفي لفظ: أن أجعل أحدهم لله نحيرة.

قيل إن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل الله له حفر زمزم، فعن معاوية   أن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر الله إن سهل الأمر بها أن ينحر بعض ولده، فلما صاروا عشرة: أي وحفر زمزم أمر في اليوم بالوفاء بنذره: أي قيل له قرّب أحد أولادك: أي بعد أن نسي ذلك وقد قيل له قبل ذلك: أوف بنذرك، فذبح كبشا أطعمه الفقراء ثم قيل له في النوم: قرب ما هو أكبر من ذلك فذبح ثورا، ثم قيل له في النوم قرب ما هو أكبر من ذلك فذبح جملا، ثم قيل له في النوم قرب ما هو أكبر من ذلك فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ فقيل له قرب أحد أولادك الذي نذرت ذبحه، فضرب القداح على أولاده بعد أن جمعهم وأخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء وأطاعوه.

ويقال إن أول من أطاعه عبد الله وكتب اسم كل واحد على قدح، ودفعت تلك القداح للسادن والقائم بخدمة هبل، وضرب تلك القداح، فخرجت على عبد الله: أي وكان أصغر ولده، وأحبهم إليه مع ما تقدم من أوصافه، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به على إساف ونائلة وألقاه على الأرض، ووضع رجله على عنقه، فجذب العباس عبد الله من تحت رجل أبيه حتى أثر في وجهه شجة لم تزل في وجه عبد الله إلى أن مات، كذا قيل.

وفيه أن العباس لما ولد كان عمره ثلاث سنين ونحوها، فعنه  : أذكر مولد رسول الله ﷺ وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها فجيء به حتى نظرت إليه وجعلت النسوة يقلن لي قبل أخاك فقبلته، وقيل منعه أخواله بنو مخزوم وقالوا له: والله ما أحسنت عشرة أمه، وقالوا له أرض ربك وافد ابنك، ففداه بمائة ناقة، وفي رواية «وأعظمت قريش ذلك» أي وقامت سادة قريش من أنديتها إليه ومنعوه من ذلك وقالوا له: والله لا نفعل حتى تستفتي فيه فلانة الكاهنة أي لعلك تعذر فيه إلى ربك لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه أي ويكون سنة، ولعل المراد إذا وقع له مثل ما وقع لك من النذر وقال له بعض عظماء قريش لا تفعل إن كان فداؤه بأموالنا فديناه، وتلك الكاهنة قيل اسمها قطبة وقيل غير ذلك كانت بخيبر فأتها فاسألها فإن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته، فأتاها أي مع بعض قومه وفيهم جماعة من أخوال عبد الله بن مخزوم، فسألها وقص عليها القصة فقالت: ارجعوا عني اليوم حتى يأتي تابعي فأسأله، فرجعوا من عندها ثم غدوا عليها، فقالت لهم: قد جاءني الخبر كم الدية فيكم؟ فقالوا عشرة من الإبل، فقالت تخرج عشرة من الإبل وتقدح، وكلما وقعت عليه يزاد الإبل حتى تخرج القداح عليها، فضرب على عشرة فخرجت عليه فما زال يزيد عشرة عشرة حتى بلغت مائة، فخرجت القداح عليها، فقالت قريش ومن حضره قد انتهى رضا ربك، فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات: أي ففعل ذلك وذبح الإبل عند الكعبة لا يصدّ عنها أحد، أي من آدمي ووحش وطير. قال الزهري: فكان عبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل: أي بعد أن كانت عشرة كما تقدم.

وقيل أول من سن ذلك أبو يسار العدواني. وقيل عامر بن الظرب، فجرت في قريش: أي وعلى ذلك فأولية عبد المطلب إضافية ثم فشت في العرب، وأقرها رسول الله.

وأول من ودي بالإبل عن العرب زيد بن بكر من هوازن قتله أخوه: أي وأما ما قيل إن القدح بعد المائة خرج على عبد الله أيضا، ولا زال يخرج عليه حتى جعلوا الإبل ثلثمائة، فخرج على الإبل فنحرها عبد المطلب فضعيف جدا.

وقد ذكر الحافظ ابن كثير أن ابن عباس   سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة فأمرها بذبح مائة من الإبل أخذا من هذه القصة ثم سألت عبد الله بن عمر   عن ذلك فلم يفتها بشيء فبلغ مروان بن الحكم وكان أميرا على المدينة، فأمر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير بدل ذبح ولدها وقال: إن ابن عباس وابن عمر   لم يصيبا الفتيا، ولا يخفى أن هذا نذر باطل عندنا معاشر الشافعية فلا يلزمها به شيء.

وعند أبي حنيفة ومحمد يلزمها ذبح شاة في أيام النحر في الحرم أخذا من قصة إبراهيم الخليل   قال القاضي البيضاوي: وليس فيه ما يدل عليه.

وفي الكشاف أنه قال: «أنا ابن الذبيحين» أي عبد الله وإسماعيل وعن بعضهم قال: كنا عند معاوية   فتذاكر القوم الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق، فقال معاوية على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه أعرابي: أي يشكو جدب أرضه، فقال: يا رسول الله خلفت البلاد يابسة هلك المال وضاع العيال، فعد عليّ مما أفاء الله عليك يابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه، فقال القوم من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الله وإسماعيل. قال الحافظ السيوطي: هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف حاله.

قال بعضهم: لما أحب إبراهيم ولده إسماعيل بطبع البشرية أي لا سيما وهو بكره ووحيده إذ ذاك، وقد أجرى الله العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالد: أي وخصوصا إذا كان لا ولد له غيره، أمره الله بذبحه ليخلص سره من حب غيره بأبلغ الأسباب الذي هو الذبح للولد، فلما امتثل وخلص سره له ورجع عن عادة الطبع فداه بذبح عظيم، لأن مقام الخلة يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، فلما خلصت الخلة من شائبة المشاركة لم يبق في الذبح مصلحة فنسخ الأمر وفدى هذا.

وجاء مما يدل على أن الذبيح إسحق حديث «سئل رسول الله ﷺ أي النسب أشرف» وفي رواية «من أكرم الناس؟ فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام» كذا روي.

قال بعضهم والثابت: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وما زاد على ذلك من الراوي.

وما ذكر أن يعقوب لما بلغه أن ولده بنيامين أخذ بسبب السرقة كتب إلى العزيز وهو يومئذ ولده يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر. أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، أما جدي فربطت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه بردا وسلاما، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليذبح، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إليّ فذهب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به، وإنك حبسته، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام لم يثبت.

ففي كلام القاضي البيضاوي، وما روي أن يعقوب كتب ليوسف من يعقوب بن إسحاق ذبيح الله لم يثبت: أي ولعله لم يثبت أيضا ما في (أنس الجليل) أن موسى لما أراد مفارقة شعيب وذهابه إلى وطنه بمملكة فرعون بسط شعيب يديه وقال: يا رب إبراهيم الخليل، وإسماعيل الصفي، وإسحاق الذبيح، ويعقوب الكظيم، ويوسف الصديق رد على قوتي وبصري فأمّن موسى على دعائه، فرد الله عليه بصره وقوّته.

وذكر أن يعقوب رأى ملك الموت في منامه، فقال له: هل قبضت روح يوسف؟ فقال لا والله هو حي وعلمه ما يدعو به وهو: يا ذا المعروف الدائم الذي لا ينقطع معروفه أبدا، ولا يحصيه غيره فرج عني.

وذكر أن سبب ذبح إسحاق أي على القول بأنه الذبيح أن الخليل قال لسارة إن جاءني منك ولد فهو لله ذبيح، فجاءت سارة بإسحاق، وكان بينه وبين ولادة هاجر لإسماعيل ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة، وإسحاق اسمه بالعبرانية الضحاك. وجاء في حديث راويه ضعيف «الذبيح إسحق» وأن داود سأل ربه فقال أي ربي اجعلني مثل آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب: أي بفقد ولده يوسف فصبر الحديث.

وعن ابن عباس   في قوله تعالى {وبشرناه بإسحاق نبيا} قال بشر به نبيا حين فداه الله تعالى من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده: أي لما صبر الأب على ما أمر به وسلم الولد لأمر الله تعالى جعلت المجازاة على ذلك بإعطاء النبوة. قال الحافظ السيوطي: وجزم بهذا القول عياض في الشفاء، والبيهقي في التعريف والإعلام، وكنت ملت إليه في علم التفسير، وأنا الآن متوقف عن ذلك أي كون إسحاق هو الذبيح، هذا كلامه. وقد تنبأ كل من إسمعيل وإسحاق ويعقوب في حياة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، فبعث الله إسماعيل لجرهم، وإسحق إلى أرض الشام، ويعقوب إلى أرض كنعان. ولا ينافي ذلك أي كون إسحاق هو الذبيح تبسمه من قول القائل له يا ابن الذبيحين ولم ينكر عليه، لأن العرب كما تقدم تسمي العمّ أبا.

وفي الهدي: إسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأما القول بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجها. ونقل عن الإمام ابن تيمية أن هذا القول متلقى من أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم الذي هو التوراة، فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره. وفي لفظ وحيده، وقد حرفوا ذلك في التوراة التي بأيديهم اذبح أبنك إسحاق، أي ومن ثم ذكر المعافى بن زكريا أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا أسلم من علماء اليهود أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين إن اليهود يعلمون أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون أباكم للفضل الذي ذكره الله تعالى عنه، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أطبوهم، ولي رسالة في ذلك سميتها (القول المليح في تعيين الذبيح) رجحت فيها القول بأن الذبيح إسماعيل جوابا عن سؤال رفعه إليّ بعض الفضلاء.

وعلى أن الذبيح إسماعيل فمحل الذبح بمنى. وعلى أنه إسحاق فمحله معروف بالأرض المقدسة على ميلين من بيت المقدس.

وفي كلام ابن القيم تأييد كون الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ولو كان الذبيح بالشام كما يزعم أهل الكتاب لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة. واستشكل كون أولاد عبد المطلب عند إرادة ذبح عبد الله كانوا عشرة بأن حمزة ثم العباس إنما ولدا بعد ذلك، وإنما كانوا عشرة بهما، وحينئذ يشكل قول بعضهم: فلما تكامل بنوه عشرة وهم الحرث والزبير وحجل وضرار والمقوم وأبو لهب والعباس وحمزة وأبو طالب وعبد الله، هذا كلامه.

وأجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون له حينئذ أي عند إرادة الذبح ولدا ولد: أي فقد ذكر أن لولده الحرث ولدين أبو سفيان ونوفل، وولد الولد يقال له ولد حقيقة، هذا.

وذكر بعضهم أن أعمامه كانوا اثني عشر، بل قيل ثلاثة عشر، وأن عبد الله ثالث عشرهم، وعليه فلا إشكال، ولا يشكل كون حمزة أصغر من عبد الله والعباس أصغر من حمزة، وكلاهما أصغر من عبد الله، على ما تقدم من أن عبد الله كان أصغر بني أبيه وقت الذبح، لأنه يجوز أن يكون المراد أنه كان أصغرهم حين أراد ذبحه: أي لا بقيد كونهم عشرة أو بذلك القيد. ولا ينافيه كونه ثالث عشرهم، لأن المراد به واحد من الثلاثة عشر. وكان عبد الله كما تقدم أحسن فتى يرى في قريش وأجملهم، وكان نور النبي ﷺ يرى في وجهه كالكوكب الدري: أي المضيء المنسوب إلى الدر، حتى شغفت به نساء قريش، ولقي منهن عناء، ولينظر ما هذا العناء الذي لقيه منهن.

قيل إنه لما تزوج آمنة لم تبق امرأة من قريش من بني مخزوم وعبد شمس وعبد مناف إلا مرضت: أي أسفا على عدم تزوجها به، فخرج مع أبيه ليزوجه آمنة بنت وهب ابن عبد مناف بن زهرة، بضم الزاي وفتح الهاء. والزهرة في الأصل هي البياض: أي وأم وهب اسمها قيلة بنت أبي كبشة: أي وكان عمر عبد الله حينئذ نحو ثمان عشرة سنة () فمر على امرأة من بني أسد ابن عبد العزي أي يقال لها قتيلة، وقيل رقية، وهي أخت ورقة بن نوفل وهي عند الكعبة، وكانت تسمع من أخيها ورقة أنه كائن في هذه الأمة نبي أي وأن من دلائله أن يكون نورا في وجه أبيه، أو أنها أنعمت ذلك، فقالت لعبد الله: أي وقد رأت نور النبوة في غرته () أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي، قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع على الآن، قال أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، وأنشد:

أما الحرام فالممات دونه ** والحل لا حل فأستبينه

يحمي الكريم عرضه ودينه ** فكيف الأمر الذي تبغينه

قال: ومن شعر عبد الله والده كما في تذكرة الصلاح الصفدي:

لقد حكم البادون في كل بلدة ** بأن لنا فضلا على سادة الأرض

وأن أبي ذو المجد والسؤدد الذي ** يشار به ما بين نشز إلى خفض

أي ارتفاع وانخفاض.

وعن أبي يزيد المديني أن عبد المطلب لما خرج بابنه عبد الله ليزوجه، فمر به على امرأة كاهنة من أهل تبالة: بضم التاء المثناة فوق بلدة باليمن قد قرأت الكتب، يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت له: يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فقال عبد الله ما تقدم اهـ.

أقول: قال الكلبي: كانت أي تلك الكاهنة من أجمل النساء وأعفهن، فدعته إلى نكاحها فأبى. ولا منافاة، لأنه جاز أن تكون أرادت بقولها قم علي الآن أي بعد النكاح وفهم عبد الله أنها تريد الأمر من غير سبق نكاح، فأنشد الشعر المتقدم الدال على طهارته وعفته، وهذا بناء على اتحاد الواقعة، وأن المرأة في هاتين الواقعتين واحدة، وأنه اختلف في اسمها، وأنه مر على تلك المرأة في ذهابه مع أبيه ليزوجه آمنة، ويدل لذلك «فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت».

وظاهر سياق المواهب يقتضي أنهما قضيتان، وأن الأولى عند انصرافه مع أبيه ليزوجه آمنة.

وقوله قد قرأت الكتب: أي فجاز أنها رأت في تلك الكتب أن النبي ﷺ المنتظر يكون نورا في وجه أبيه، وأنه يكون من أولاد عبد المطلب، أو أنها ألهمت ذلك فطمعت أن يكون ذلك النبي منها، ويؤيد الثاني ما سيأتي عنها، والله أعلم.

فأتى عبد المطلب عم آمنة وهو وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا، وكانت في حجره لموت أبيها وهب بن عبد مناف.

وقيل أتى عبد المطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته آمنة، وقدم هذا في الإستيعاب، فزوجها لعبد الله وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا، فدخل بها عبد الله حين أملك عليها مكانه، فوقع عليها، فحملت برسول الله ﷺ وانتقل ذلك النور إليها.

قيل وقع عليها يوم الاثنين في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى.

أقول فيه: أنه سيأتي في فتح مكة أنه نزل بالحجون، بفتح الحاء المهملة عند شعب أبي طالب بالمكان الذي حصرت فيه بنو هاشم وبنو المطلب.

ويمكن أن يقال: ذلك الشعب الذي كان في الحجون كان محلا لسكن أبي طالب في غير أيام مني، وهذا الشعب الذي عند الجمرة الوسطى كان ينزل فيه أبو طالب أيام منى فلا مخالفة، والله أعلم.

ثم أقام عندها ثلاثة أيام، وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته أي عند أهلها أي فهي وأهلها كانوا بشعب أبي طالب، ثم خرج من عندها، فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي اليوم بك حاجة.

قال: وفي رواية أنه لما مر عليها بعد أن وقع على آمنة قال لها: مالك لا تعرضين علي ما عرضت بالأمس؟ قالت: من أنت؟ قال: أنا فلان، قالت له: ما أنت هو، لقد رأيت بين عينيك نورا ما أراه الآن، ما صنعت بعدي؟ فأخبرها، فقالت: والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكن رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في، وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد، إذهب فأخبرها أنها حملت بخير أهل الأرض اهـ.

أقول: وفي رواية أن المرأة التي عرضت نفسها عليه هي ليلة العدوية، وأن عبد الله كان في بناء له وعليه الطين والغبار، وأنه قال: حتى أغسل ما علي وأرجع إليك، وأنه رجع إليها بعد أن وقع على آمنة وانتقل منه النور إليها، وقال لها: هل لك فيما قلت، قالت: لا، قال: ولم؟ قالت: لقد دخلت بنور وما خرجت به.

أي وفي سيرة ابن هشام مررت بي وبين عينيك غرة فدعوتك فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها، ولئن كنت أي وحيث كنت ألممت بآمنة لتلدن ملكا.

ولا يخفى أن تعدد الواقعة ممكن، وأن هذا السياق يدل على أنه هذه المرأة كان عندها علم بأن عبد الله تزوج آمنة، وأنه يريد الدخول بها، وأنها علمت أنه كائن نبي يكون له الملك والسلطان. وغير خاف أن عرض عبد الله نفسه على المرأة لم يكن لريبة، بل ليستبين الأمر الذي دعاها إلى بذل القدر الكثير من الإبل في مقابلة هذا الشيء على خلاف عادة النساء مع الرجال، ولا يخالف ذلك، بل يؤكده ما في الوفاء من قوله: ثم تذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه، فأقبل إليها الحديث، والله أعلم.

وعن الكلبي أنه قال: كتبت للنبي خمسمائة أم: أي من قبل أمه وأبيه، فما وجدت فيهن سفاحا، والمراد بالسفاح الزنا: أي فإن المرأة كانت تسافح الرجل مدة ثم يتزوجها إن أراد () ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية أي من نكاح الأم: أي زوجة الأب، لأنه كان في الجاهلية يباح إذا مات الرجل أن يخلفه على زوجته أكبر أولاده من غيرها. وفي كلام بعضهم: كان أقبح ما يصنعه أهل الجاهلية الجمع بين الأختين، وكانوا يعيبون المتزوج بامرأة الأب ويسمونه الضيزن. والضيزن: الذي يزاحم أباه في امرأته. ويقال له نكاح المقت: وهو العقد على الرابة، وهي امرأة الأب، والراب: زوج الأم.

وما قيل إن هذا أي نكاح امرأة الأب وقع في نسبه لأن خزيمة أحد آبائه لما مات خلف على زوجته أكبر أولاده وهو كنانة فجاء منها بالنضر فهو قول ساقط غلط، لأن الذي خلف عليها كنانة بعد موت أبيه ماتت ولم تلد منه، ومنشأ الغلط أنه تزوج بعدها بنت أخيها، وكان اسمها موافقا لاسمها فجاء منها بالنضر.

وبهذا يعلم أن قول الإمام السهيلي نكاح زوجة الأب كان مباحا في الجاهلية بشرع متقدم ولم يكن من المحرمات التي انتهكوها ولا من العظائم التي ابتدعوها، لأنه أمر كان في عمود نسبه، فكنانة تزوج امرأة أبيه خزيمة، وهي برة بنت مرة فولدت له النضر بن كنانة.

وهاشم أيضا قد تزوج امرأة أبيه واقدة فولدت له ضعيفة، ولكن هذا خارج من عمود نسب رسول الله، لأنها أي واقدة لم تلد جدا له، وقد قال «أنا من نكاح لا من سفاح» ولذلك قال الله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} أي إلا ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام.

وفائدة هذا الاستثناء أن لا يعاب نسب رسول الله، وليعلم أنه لم يكن في أجداده من كان من بغية ولا من سفاح. ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه القرآن: أي مما لم يبح لهم إلا ما قد سلف نحو قوله تعالى {ولا تقربوا الزنا} ولم يقل إلا ما قد سلف {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله} ولم يقل إلا ما قد سلف، ولا في شيء من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه. وفي الجمع بين الأختين، لأن الجمع بين الأختين قد كان مباحا أيضا في شرع من كان قبلنا.

وقد جمع يعقوب   بين راحيل وأختها ليا، فقوله «إلا ما قد سلف» التفات هذا المعنى، هذا كلامه، فلا التفات إليه ولا معول عليه. على أن قوله إن يعقوب جمع بين الأختين ينازعه قول القاضي البيضاوي: إن يعقوب   إنما تزوج ليا بعد موت أختها راحيل.

وفي أسباب النزول للواحدي أن في البخاري عن أسباط. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها فألقى ثوبه على تلك المرأة وصار أحق بها من نفسها ومن غيرها، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها من غير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها وضارّها لتفتدي منه، فمات بعض الأنصار فجاء ولد من غيرها وطرح ثوبه عليها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها ليضارها لتفتدي منه، فأتت تلك المرأة وشكت حالها للنبي، فأنزل الله تعالى الآية {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية.

وقيل توفي أبو قيس فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا، ولكني آتي رسول الله ﷺ فأستأمره، فأتته فأخبرته، فأنزل الله تعالى الآية.

وعن البراء بن عازب   قال: لقيت خالي يعني أبا الدرداء   ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟ قال «أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه» زاد في رواية أحمد «وآخذ ماله».

وذكر بعضهم أن الجاهلية كان إذا أراد الشخص أن يتزوج يقول خطب، ويقول أهل الزوجة نكح، ويكون ذلك قائما مقام الإيجاب والقبول.

ومن نكاح الجاهلية الجمع بين الأختين، فإنه كان مباحا عندهم: أي مع استقباحهم له كما تقدم.

وذكر بعضهم أن قبل نزول التوراة كان يجوز الجمع بين الأختين: أي ثم حرم ذلك نزولها. قال: وقد افتخر رسول الله ﷺ بجداته أي تحدث بنعمة ربه قاصدا به التنبيه على شرف هؤلاء النسوة وفضلهن على غيرهن، فقال «أنا ابن العواتك والفواطم».

فعن قتادة «أن رسول الله ﷺ أجرى فرسه مع أبي أيوب الأنصاري فسبقته فرس المصطفى، فقال: أنا ابن العواتك، إنه لهو الجواد البحر يعني فرسه».

وقال في بعض غزواته أي في غزوة حنين وفي غزوة أحد «أنا النبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب، أنا ابن العواتك». وجاء «أنا ابن العواتك من سليم» والعاتكة في الأصل المتلطخة بالطيب أو الطاهرة.

وعن بعض الطالبين أن رسول الله ﷺ قال في يوم أحد «أنا ابن الفواطم» أي ولا ينافيه ما سبق أنه قال في ذلك اليوم «أنا ابن العواتك» لأنه يجوز أن يكون قال كلا من الكلمتين في ذلك اليوم.

واختلف الناس في عدد العواتك من جداته، فمن مكثر ومن مقلّ.

وقد نقل الحافظ ابن عساكر أن العواتك من جداته أربع عشرة وقيل إحدى عشرة: أي وأولهن أم لؤي بن غالب واللواتي من بني سليم. منهن عاتكة بنت هلال أم عبد مناف، وعاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم هاشم، وعاتكة بنت مرة بن هلال أم أبي أمه وهب: أي وقيل أراد بالعواتك من سليم ثلاثة من بني سليم أبكارا أرضعنه كما سيأتي في قصة الرضاع، وكل واحدة منهن تسمى عاتكة. قال وعن سعد أن الفواطم من جداته عشرة اهـ.

أقول: وقيل خمس، وقيل ست، وقيل ثمان، ولم أقف على من اسمه فاطمة من جداته من جهة أبيه إلا على إثنين: فاطمة أم عبد الله، وفاطمة أم قصي، إلا أن يكون لم يرد الأمهات التي في عمود نسبه، بل أراد الأعم حتى يشمل فاطمة أم أسد بن هاشم، وفاطمة بنت أسد التي هي أم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفاطمة أمها. وهؤلاء الفواطم غير الثلاث الفواطم اللاتي قال فيهن لعلي وقد دفع إليه ثوبا حريرا وقال له: «اقسم هذا بين الفواطم الثلاث» فإن هؤلاء فاطمة بنت رسول الله، وفاطمة بنت حمزة، وفاطمة بنت أسد.

ثم رأيت بعضهم عدّ فيهن أم عمرو بن عائذ، وفاطمة بنت عبد الله بن رزام وأمها فاطمة بنت الحارث، وفاطمة بنت نصر بن عوف أمّ أم عبد مناف، والله أعلم.

وعن عائشة وابن عباس   عن النبي ﷺ أنه قال: «خرجت من نكاح غير سفاح» أي زنا، فقد تقدم أن المرأة كانت تسافح الرجل مدة ثم يتزوجها إن أراد، فكانت العرب تستحل الزنا إلا أن الشريف منهم كان يتورع عنه علانية وإلا بعض أفراد منهم حرمه على نفسه في الجاهلية: أي وفي حديث غريب/ «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاح الإسلام».

قال: وعن أبي هريرة   قال: قال رسول الله: «ما ولدني بغي قط منذ خرجت من صلب آدم ولم تزل تتنازعني الأمم كابرا عن كابر حتى خرجت من أفضل حيين من العرب هاشم وزهرة » اهـ.

أقول: والبغايا كنّ في الجاهلية ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون به شبه، فالتاط: أي تعلق والتحق به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك، والله أعلم.

قال: وعن أنس   قال: «قرأ رسول الله {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} بفتح الفاء وقال: أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلها نكاح» وفي رواية عن ابن عباس   «كنكاح الإسلام» أي يخطب الرجل إلى الرجل موليته فيصدقها ثم يعقد عليها اهـ.

وعن الإمام السبكي: الأنكحة التي نسبه منه إلى آدم كلها مستجمعة شروط الصحة كأنكحة الإسلام، ولم يقع في نسبه منه إلى آدم إلا نكاح صحيح مستجمع لشرائط الصحة كنكاح الإسلام الموجود اليوم. قال: فاعتقد هذا بقلبك وتمسك به، ولا تزل عنه فتخسر الدنيا والآخرة.

قال بعضهم: وهذا من أعظم العناية به، أن أجرى الله سبحانه وتعالى نكاح آبائه من آدم إلى أن أخرجه من بين أبويه على نمط واحد من وفق شريعته ولم يكن كما كان يقع في الجاهلية إذا أراد الرجل أن يتزوج قال خطب وتقول أهل الزوجة نكح كما تقدم، ويكون ذلك قائما مقام الإيجاب والقبول.

والمراد بنكاح الإسلام ما يفيد الحل حتى يشمل التسرّي، بناء على أن أم إسماعيل كانت مملوكة لإبراهيم حين حملت بإسماعيل، ولم يعتقها ولم يعقد عليها قبل ذلك.

وعن عائشة   كما في البخاري: «إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: نكاح كنكاح الناس اليوم» أي بإيجاب وقبول شرعيين دون أن يقول الزوج خطب ويقول أهل الزوجة نكح، وحينئذ يزيد على ذلك النكاح الذي كان يقال فيه ذلك «ونكاح البغايا. ونكاح الاستيضاع. ونكاح الجمع» أي ومن أنكحة الجاهلية نكاح زوجة الأب لأكبر أولاده والجمع بين الأختين، على ما تقدم، وحينئذ يكون المراد ليس في نسبه نكاح زوجة الأب، خلافا لم تقدم عن السهيلي، ولا الجمع بين الأختين، ولا نكاح البغايا، وهو أن يطأ البغيّ جماعة متفرقين واحدا بعد واحد، فإذا حملت وولدت ألحق الولد بمن غلب عليه شبه منهم، ولا الاستبضاع، وذلك أن المرأة كانت في الجاهلية إذا طهرت من حيضها يقول لها زوجها أرسلي إلى فلان استبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وليس فيه نكاح الجمع، وهو أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت منهم، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل إن لم يغلب شبهه عليه.

فنكاح البغايا، وحينئذ يحتمل أن تكون أم عمرو بن العاص   من القسم الثاني من نكاح البغايا، فإنه يقال إنه وطئها أربعة: وهم العاص، وأبو لهب، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، وادعى كلهم عمرا فألحقته بالعاص. وقيل لها لما اخترت العاص؟ قالت: لأنه كان ينفق على بناتي. ويحتمل أن يكون من القسم الأول ويدل عليه ما قيل إنه ألحق بالعاص لغلبة شبهه عليه، وكان عمرو يعير بذلك، عيره بذلك عليّ وعثمان والحسن وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة رضي تعالى عنهم، وسيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة.

قال: وجاء، أنه قال «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» أي وفي رواية «لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة ».

وروى البخاري «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت في القرن الذي كنت فيه» وقد تقدم في قوله تعالى {وتقلبك في الساجدين} قيل من ساجد إلى ساجد، وتقدم ما فيه، ومن جملته قول أبي حيان إن ذلك استدل به بعض الرافضة على أن آباء النبي ﷺ كانوا مؤمنين أي متمسكين بشرائع أنبيائهم.

ثم رأيت الحافظ السيوطي قال: الذي تلخص أن أجداده من آدم إلى مرة بن كعب مصرح بإيمانهم: أي في الأحاديث وأقوال السلف، وبقي بين مرة وعبد المطلب أربعة أجداد لم أظفر فيهم بنقل، وعبد المطلب سيأتي الكلام فيه.

وقد ذكر في عبد المطلب ثلاثة أقوال:

أحدها وهو الأشبه أنه لم تبلغه الدعوة: أي لأنه سيأتي أنه مات وسنه ثمان سنين.

والثاني أنه كان على ملة إبراهيم  : أي لم يعبد الأصنام.

والثالث أن الله تعالى أحياه له بعد البعثة حتى آمن به ثم مات، وهذا أضعف الأقوال وأوهاها، لم يرد قط في حديث ضعيف ولا غيره، ولم يقل به أحد من أئمة السنة وإنما حكى عن بعض الشيعة.

قال بعضهم: وقوله «من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» دليل على أن آباء النبي ﷺ وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر، لأن الكافر لا يوصف بأنه طاهر. وفيه أن الطاهرية فيه يجوز أن يكون المراد بها ما قابل أنكحة الجاهلية المتقدمة. وقد أشار إلى إسلام آبائه وأمهاته صاحب الهمزية بقوله:

لم تزل في ضمائر الكون تختا ** ر لك الأمهات والآباء

أي لأن الكافر لا يقال إنه مختار لله.

والسبب الذي دعا عبد المطلب لاختيار بني زهرة ما حدّث به ولده العباس   قال: قال عبد المطلب: قدمنا اليمن في رحلة الشتاء، فنزلنا على حبر من اليهود يقرأ الزبور: أي الكتاب، ولعل المراد به التوراة فقال: من الرجل؟ قلت: من قريش، قال من أيهم؟ قلت من بني هاشم قال: أتأذن لي أن أنظر بعضك؟ قلت نعم ما لم يكن عورة، قال: ففتح إحدى منخريّ فنظر فيه ثم نظر في الأخرى فقال: أنا أشهد أن في إحدى يديك وهو مراد الأصل بقوله في منخريك ملكا وفي الأخرى نبوة، وإنما نجد ذلك: أي كلا من الملك والنبوة في بني زهرة، فكيف ذاك؟ قلت: لا أدري، قال: هل لك من شاعة؟ قلت: وما الشاعة؟ قال: الزوجة، أي لأنها تشايع أي تتابع وتناصر زوجها، قلت: أما اليوم فلا: أي ليست لي زوجة من بني زهرة إن كان معه غيرها، أو مطلقا إن لم يكن معه غيرها، فقال: إذا تزوجت فتزوج منهم: أي وهذا الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه، فيحكم على صاحبها بطريق الفراسة يقال له حزاء بالمهملة وتشديد الزاي آخره همزة منونة.

وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني عن شيخه سيدي علي الخواص نفعنا الله تعالى ببركاتهما أنه كان إذا نظر لأنف إنسان يعرف جميع زلاته السابقة واللاحقة إلى أن يموت على التعيين من صحة فراسته هذا كلامه.

أي ومن ذلك أن معاوية بن أبي سفيان   تزوج امرأة ولم يدخل بها، فقال لزوجته ميسون أم ابنه يزيد اذهبي فانظري إليها، فأتتها فنظرت إليها ثم رجعت إليه فقالت: هي بديعة الحسن والجمال ما رأيت مثلها، لكن رأيت خالا أسود تحت سرتها، وذلك يدل على أن رأس زوجها يقطع ويوضع في حجرها، فطلقها معاوية   ثم تزوجها النعمان بن بشير   وكان واليا على حمص، فدعا لابن الزبير وترك مروان ثم خاف من أهل حمص لما تبعوا مروان ففر هاربا فتبعه جماعة منها فقطعوا رأسه ووضعوها في حجر تلك المرأة، ثم بعثوا بتلك الرأس إلى مروان، وقتل النعمان هذا من أعلام نبوته لأن أمه لما ولدته وكان أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة على ما سيأتي حملته إلى رسول الله ﷺ فدعا بتمرة فمضغها ثم وضعها في فيه فحنكه بها، فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يكثر ماله وولده، فقال: «أما ترضين أن يعيش حميدا ويقتل شهيدا ويدخل الجنة » وهو الذي أشار على يزيد بن معاوية بإكرام آل البيت لما قتل الحسين ممن كان مع الحسين من أولاده وأولاد أخيه وأقاربه، وقال له: عاملهم بما كان يعاملهم به رسول الله ﷺ لو رآهم على هذه الحالة، فرقّ لهم يزيد وأكرمهم، ورده معهم، وأمره بإكرامهم على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

ومما يروى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن للشيطان مصالي وفخوخا، وإن مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله، والفخر بعطاء الله، والتكبر على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله».

وقد ذكر أن حمص نزل بها تسعمائة من أصحاب النبي ﷺ فيهم سبعون بدريا.

وفي حياة الحيوان أن حمص لا تعيش بها العقارب، وإذا طرحت فيها عقرب غريبة ماتت لوقتها، قيل لطلسم بها.

وفي حديث ضعيف أن حمص من مدن الجنة، وقيل الحزاء هو الكاهن، وقيل هو الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه، ويقال للذي ينظر في النجوم فإنه ينظر فيها بظنه فربما أخطأ: أي لأن من علوم العرب الكهانة والعيافة والقيافة والزجر والخط: أي الرمل والطب، ومعرفة الأنواء ومهابّ الرياح.

فلما رجع عبد المطلب إلى مكة تزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة وصفية وزوّج ابنه عبد الله آمنة بنت و هب أخي وهيب فولدت له رسول الله ﷺ كما تقدم، فكات قريش تقول فلج عبد الله على أبيه: أي فاز وظفر لأن الفلج بالفاء واللام المفتوحتين والجيم الفوز والظفر، أي فاز وظفر بما لم ينله أبوه من وجود هذا المولود العظيم الذي وجد عند ولادته ما لم يوجد عند ولادة غيره.

أي وفي كلام ابن المحدّث أن عبد المطلب خطب هالة بنت وهيب عم آمنة في مجلس خطبة عبد الله لآمنة وتزوّجا وأولما ثم ابتنيا بهما. ثم رأيت في أسد الغابة ما يوافقه، وهو أن عبد المطلب تزوج هو وعبد الله في مجلس واحد، قيل: وفيه تصريح بأن عبد الله كان موجودا حين قال الحبر لعبد المطلب إن النبوة موجودة فيه، وكيف تكون موجودة فيه مع انتقالها لعبد الله؟ وقد يقال، من أين أن عبد المطلب تزوج هالة عقب مجئيه من عند الحبر حتى يكون قول الحبر لعبد المطلب صادرا بعد وجود عبد الله؟ جاز أن يكون ذلك صدر من الحبر لعبد المطلب قبل ولادة عبد الله. وفيه أن هذا لا يحسن إلا لو كانت أم عبد الله من بني زهرة، إلا أن يقال يجوز أن يكون عبد الله وجد من بني زهرة لجواز أن يكون عبد المطلب تزوج من بني زهرة غير هالة فأولدها عبد الله.

ثم إن قول الحبر لعبد المطلب: إنه يجد في إحدى يديه الملك وإنه ي كون في بني زهرة مشكل أيضا، لأن الملك لم يكن إلا في أولاد ولده العباس، ولا يستقيم إلا لو كانت أم العباس من بني زهرة. أما هالة التي هي أم حمزة أو غيرها وأم العباس ليست من بني زهرة، خلافا لما وقع في كلام بعضهم أن العباس ولدته هالة فهو شقيق حمزة لأنه خلاف ما اشتهر عن الحافظ، إلا أن يقال جاز أن يكون الملك والنبوة اللذان عناهما الحبر هما نبوته وملكه، لأنه أعطيهما: أي كلا من الملك والنبوة المنتقلين إليه من أبيه عبد الله، بناء على أن أم عبد الله من بني زهرة، ولعله لا ينافيه قول بعضهم: تزوج عبد المطلب فاطمة بنت عمرو وجعل مهرها مائة ناقة ومائة رطل من الذهب، فولدت له أبا طالب وعبد الله والد النبي، لأنه يجوز أن تكون فاطمة هذه من بني زهرة، وحينئذ لا يشكل قول الحبر: إذا تزوجت فتزوج منهم: أي من بني زهرة بعد قوله: ألك شاعة.

وقيل الذي دعا عبد المطلب لاختيار آمنة من بني زهرة لولده عبد الله أن سودة بنت زهرة الكاهنة وهي عمة وهب والد آمنة أمه كان من أمرها أنها لما ولدت رآها أبوها زرقاء شيماء أي سوداء وكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة، أي يدفنونها حية، ويمسكون من لم يكن على هذه الصفة مع ذل وكآبة: أي لأنه سيأتي أن الجاهلية كانوا يدفنون البنات وهنّ أحياء خصوصا كندة قبيلة من العرب خوف العار أو خوف الفقر والإملاق.

وكان عمرو بن نفيل يحيي الموؤودة لأجل الإملاق يقول للرجل إذا أراد أن يفعل ذلك لا تفعل أنا أكفيك مئونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مئونتها.

وكان صعصعة جد الفرزدق يفعل مثل ذلك فأمر أبوها بوأدها وأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك، فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول: لا تئد الصبية وخلها في البرية فالتفت فلم ير شيئا، فعاد لدفنها فسمع الهاتف يسجع بسجع آخر في المعنى فرجع إلى أبيها وأخبره بما سمع، فقال: إن لها لشأنا وتركها، فكانت كاهنة قريش فقالت يوما لبني زهرة: فيكم نذيرة أو تلد نذيرا، فاعرضوا عليّ بناتكنّ فعرضن عليها، فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب، فقالت: هذه النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منير: أي فاختيار عبد المطلب لآمنة من بني زهرة عبد الله واضح من سياق قصة هذه الكاهنة.

وأما اختياره لتزوجه بعض نساء بني زهرة، فسببه ما تقدم عن الخبر، بناء على أن أم عبد الله كانت من بني زهرة. وأما جعل الشمس الشامي ما تقدم عن الحبر سببا لتزويج عبد المطلب ابنه عبد الله امرأة من بني زهرة ففيه نظر ظاهر، إذ كيف يتأتى ذلك مع قوله إذا تزوجت فتزوج منهم بعد قوله: ألك شاعة، أي زوجة.

ثم رأيت ابن دحية   ذكر في التنوير عن البرقي: أن سبب تزويج عبد الله آمنة أن عبد المطلب كان يأتي اليمن، وكان ينزل فيها على عظيم من عظمائهم فنزل عنده مرة فإذا عنده رجل ممن قرأ الكتب، فقال له ائذن لي أن أفتش منخرك، فقال دونك فانظر، فقال: أرى نبوّة وملكا، وأراهما في المنافين عبد مناف بن قصي وعبد مناف بن زهرة، فلما انصرف عبد المطلب انطلق بابنه عبد الله فتزوج عبد المطلب هالة بنت وهيب فولدت له حمزة، وزوج ابنه عبد الله آمنة فولدت له رسول الله، وهذا واضح لأنه أسقط قول الحبر لعبد المطلب هل لك من شاعة إلى آخره، فاحتاط عبد المطلب فتزوج من بني زهرة وزوّج ولده عبد الله منهم، وحينئذ كان المناسب للبر في رحمة الله تعالى أن يزيد بعد قوله إن سبب تزويج عبد الله آمنة قوله وتزوج عبد المطلب هالة.

باب ذكر حمل أمه به صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الانبياء المرسلين

عن الزهري   قال: قالت آمنة: لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته. وعنها أنها كانت تقول: ما شعرت بفتح أوله وثانيه: أي ما علمت بأني حملت به، ولا وجدت له ثقلا بفتح القاف كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي بكسر الحاء: الهيئة التي تلزمها الحائض من التجنب. وأما بالفتح فالمرة الواحدة من دفعات الحيض: أي والذي ينبغي أن يكون الثاني هو المراد أن بعضهم نقل أن الحيضة بالكسر اسم الحيض، قالت: وربما ترفعني وتعود: أي فلم يكن رفعها دليلا على الحمل: أي وهذا ربما يفيد أن حيضها تكرر قبل حملها به ولم أقف على مقدار تكرره.

وقد ذكر أن مريم عليها السلام حاضت قبل حملها بعيسى   حيضتين، قالت آمنة: وأتاني آت أي من الملائكة وأنا بين النائمة واليقظانة، وفي رواية بين النائم: أي الشخص النائم واليقظان، فقال: هل شعرت بأنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها؟ أي وفي رواية بسيد الأنام: أي اعلمي ذلك، وأمهلني حتى دنت ولادتي أتاني فقال قولي أي إذا ولدتيه: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد.

أي ثم سميه محمدا فإن اسمه في التوراة والإنجيل أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الأرض، وفي القرآن محمد أي والقرآن كتابه، وسيأتي عن محمد الباقر   أن تسميه أحمد. قال بعضهم: ويذكر بعد هذا البيت أبيات لا أصل لها. وإذا ثبت أنها قالت له ذلك بعد ولادته كان دليلا لما يقوله بعض الناس أن آمنة رقت النبي ﷺ من العين.

أقول: ظاهر هذا السياق أنها لم تعلم بحملها إلا من قول الملك لأنها لم تجد ما تستدل به على ذلك لأنها لم تجد ثقلا، وعادتها أن حيضها ربما عاد بعد عدم وجوده في زمنه المعتاد لها: أي ولم تعوّل على مفارقة النور لعبد الله وانتقال النور إلى وجهها على ما ذكر بعضهم. ففي كلام هذا البعض: لما فارق النور وجه عبد الله انتقل إلى وجه آمنة، ولا على خروج النور منها مناما أو يقظة بناء على أنه غير الحمل على ما يأتي لخفاء دلالة ما ذكر على ذلك، ولعل أباه عبد الله لم يبلغها قول المرأة التي عرضت نفسها عليه اذهب فأخبرها أنها حملت بخير أهل الأرض، والثقل في ابتداء الحمل الذي حمل عليه بعض الروايات كما سيأتي يجوز أن يكون بعد إخبار الملك لها. لكن في المواهب في رواية عن كعب   أن مجيء الملك لها كان بعد أن مضى من حملها ستة أشهر فليتأمل، فإن الستة أشهر لا يقال إنها ابتداء الحمل.

ونص الرواية: كانت آمنة تحدث وتقول: أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام وقال لي: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين، فإذا ولدتيه فسميه محمدا واكتمي شأنك، إلا أن يقال يجوز تعدد الملك أو تكرر مجيء الملك لها فليتأمل والله أعلم.

وعن ابن عباس  : كان من دلالة حمل آمنة برسول الله ﷺ أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة أي التي حمل فيها: أي في اليوم قبلها برسول الله ﷺ أي بناء على ما هو الظاهر ممات قدم أنه حين وقع عليها انتقل إليها ذلك النور وقالت: حمل برسول الله ﷺ ورب الكعبة، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا: أي ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي.

أقول: دلالة الأول على مطلق الحمل به لا على خصوص حمل آمنة به حينئذ واضحة.

وأما دلالة الثاني عليه فقد يتوقف فيها إلا أن يقال إن ذلك كان من علامة الحمل به في الكتب القديمة مع أن المدعي في كلام ابن عباس   إنما هو خصوص حمل آمنة به. على أن السياق يدل على أن المراد علم أمه بحملها به، والله أعلم.

وعن كعب الأحبار   أن في صبيحة تلك الليلة أصبحت أصنام الدنيا منكوسة: أي ولعل ذلك كان من علامة حمل أمه في الكتب القديمة، وقول الصادق لا يتخلف، وسيأتي أن عند ولادته أيضا تنكست الأصنام، ولا مانع من التعدد.

قال: وروى الحاكم وصححه «أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، فقال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور» وفي لفظ «سراج» وفي لفظ «شهاب أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» قال الحافظ العراقي: وسيأتي أنها رأت النور خرج منها عند الولادة، وهو أولى لكون طرقه متصلة. ويجوز أن يكون خرج منها النور مرتين: مرة حين حملت به، ومرة حين وضعته: أي وكلاهما يقظة، ولا مانع من ذلك، أو هذه أي رؤية النور حين حملت به كانت مناما كما تصرح به الرواية الآتية وتلك يقظة، فلا تعارض بين الحديثين اهـ.

أقول: الرواية الآتية هي رواية شداد بن أوس، ولفظها أنها رأت في المنام أن الذي في بطنها خرج نورا: أي وهي تفيد أن ذلك النور هو نفس حملها، فهو بعد تحقق الحمل ووجوده، والرواية التي هنا تفيد أن النور غيره، وأنه كان وقت ابتداء وجود الحمل، فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى، إلا أن يقال المراد بحين حملت زمن حملها، وأن النور كان هو ذلك الحمل، لكن الذي ينبغي أن تكون رواية شداد التي حملت عليها الرواية الأولى حاصلة قبيل الولادة، فتكون رأت النور عند الولادة مناما ويقظة تأنيسا لها.

على أنه يجوز إبقاء الروايات الثلاث على ظاهرها وأنها رأت مناما أنها خرج منها نور عند ابتداء الحمل، ثم رأت كذلك عند قرب ولادتها أن الذي في بطنها خرج نورا، ثم رأت يقظة عند وضعه خروج النور. وسيأتي في رواية عن أمه أنها قالت لما وضعته: خرج معه نور، وهي لا تخالف هذه الرواية الثالثة حتى تكون الرابعة، فبصرى أول بقعة من الشام خلص إليها نور النبوة.

وعلى أنه مرتين ناسب قدومه لها مرتين مرة مع عمه أبي طالب ومرة مع ميسرة غلام خديجة   كما سيأتي، وبها مبرك الناقة التي يقال إن ناقته بركت فيه، فأثر ذلك فيه، وبنى على ذلك المحل مسجد، ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام في الإسلام، وكان فتحها صلحا في خلافة أبي بكر الصديق   على يد خالد بن الوليد  ، وبها قبر سعد بن عبادة، وهي من أرض حوران، والله أعلم.

ووقع الاختلاف في مدة حمله، فعن ابن عايذ أي بالياء المثناة تحت والذال المعجمة «أنه بقي في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعارض لذوات الحمل من النساء» أي وقد ولد عند وجود المشتري وهو كوكب نير سعيد، فقد كانت ولادته عند وجود السعد الأكبر، والنجم الأنور، وكانت أمه تقول: ما رأيت من حمل هو أخفّ منه ولا أعظم بركة منه.

وروى ابن حبان   عن حليمة   عن آمنة أم النبي ﷺ أنها قالت «إن لابني هذا شأنا، إني حملت به فلم أجد حملا قط كان أخف عليّ ولا أعظم منه بركة » وقيل بقي عشرة أشهر، وقيل ستة أشهر، وقيل سبعة أشهر، وقيل ثمانية أشهر: أي ويكون ذلك آية، كما أن عيسى   ولد في الشهر الثامن كما قيل به مع نص الحكماء والمنجمين على أن من يولد في الشهر الثامن لا يعيش، بخلاف التاسع والسابع والسادس الذي هو أقل مدة الحمل: أي فقد قال الحكماء في بيان سبب ذلك إن الولد عند استكماله سبعة أشهر يتحرك للخروج حركة عنيفة أقوى من حركته في الشهر السادس، فإن خرج عاش، وإن لم يخرج استراح في البطن عقب تلك الحركة المضعفة له، فلا يتحرك في الشهر الثامن ولذلك تقل حركته في البطن في ذلك الشهر، فإذا تحرك للخروج وخرج فقد ضعف غاية الضعف فلا يعيش لاستيلاء حركتين مضعفتين له مع ضعفه.

وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي  : لم أر للثمانية صورة في نجوم المنازل، ولهذا كان المولود إذا ولد في الشهر الثامن يموت ولا يعيش. وعلى فرض أن يعيش يكون معلولا لا ينتفع بنفسه، وذلك لأن الشهر الثامن يغلب فيه على الجنين البرد واليبس وهو طبع الموت: أي وقيل بل كان حمله ووضعه في ساعة واحدة، وقيل في ثلاث ساعات: أي وقيل بذلك في عيسى  : أي وكانت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله ﷺ يقال لها سنة الفتح والابتهاج، فإن قريشا كانت قبل ذلك في جدب وضيق عظيم، فاخضرت الأرض، وحملت الأشجار، وأتاهم الرغد من كل جانب في تلك السنة وفي حديث مطعون فيه «قد أذن الله تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورا كرامة لرسول الله » أي ولم أقف على ما يجري على ألسنة المداح من أنه كان يذكر الله في بطن أمه، كما نقل عن عيسى   أنه كان يكلم أمه إذا خلت عن الناس ويسبح الله ويذكره إذا كانت مع الناس وهي تسمع، وعن شداد بن أوس   قال «بينا نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذ أقبل شيخ كبير من بني عامر هو مدرة قومه» أي المقدم فيهم «يتوكأ على عصا فمثل بين يدي النبي ﷺ ونسبه إلى جده، فقال: يا ابن عبد المطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء إلا أنك فهت بعظيم، وإنما كانت الأنبياء والخلفاء» أي معظمهم «في بيتين من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان، فما لك وللنبوة، ولكن لكل حق حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك؟ قال: فأعجب النبي ﷺ بمسألته ثم قال: يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي سألتني عنه نبأ ومجلسا فاجلس فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير، فاستقبله النبي ﷺ بالحديث فقال: يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم  : أي حيث قال أي (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) رأي أي وعند ذلك قيل له قد استجيب لك وهو كائن في آخر الزمان» كذا في تفسير ابن جرير.

قال في ينبوع الحياة: أجمعوا على أن الرسول المذكور ههنا هو محمد.

أقول: وفيه أن جبريل   أعلم إبراهيم   قبل ذلك بأنه يوجد نبي من العرب من ذرية ولده إسماعيل. فقد جاء أن إبراهيم لما أمر بإخراج هاجر أمّ ولده إسماعيل   حمل هو وهي وولدها على البراق، فلما أتى مكة قال له جبريل: انزل فقال: حيث لا زرع ولا ضرع قال: نعم ههنا يخرج النبي الأمي من ذرية ولدك يعني إسماعيل   الذي تتم به الكلمة العليا، إلا أن يقال الغرض من دعائه بذلك تحقيق حصوله، وتقدم أن أم إسماعيل قالت لإبراهيم ما قاله لجبريل، والله أعلم، ثم قال «وبشرى أخي عيسى» وفي رواية «إن آخر من بشر بي عيسى  » أي آخر نبي بشر بي من الأنبياء عيسى، بدليل الرواية الأخرى «وكان آخر من بشر بي عيسى» لأن الأنبياء بشرت به قومها، وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية بقوله:

ما مضت فترة من الرسل إلا ** بشرت قومها بك الأنبياء

وبشرى عيسى في قوله تعالى: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} أي والمبشر بهم من الأنبياء قبل وجودهم أيضا أربعة: إسحاق ويعقوب ويحيى وعيسى، قال الله تعالى في حق سارة {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} قيل بشرت بأن تبقى إلى أن يولد يعقوب لولدها إسحاق، وقال في حق زكريا {إن الله يبشرك بيحيى} وقال: في حق مريم {إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح} ثم قال «وإني كنت بكر أبي وأمي وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشكو إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إنها رأت في المنام أن الذي في بطنها خرج نورا، قالت فجعلت أتبع بصري النور والنور يسبق بصري حتى أضاءت له مشارق الأرض ومغاربها» الحديث، وستأتي تتمته في الرضاع: أي وقال ابن الجوزي: ممن روى عن أمه هو لما قيل له يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي، قالت خرج مني نور أضاءت له قصور الشام».

قال الحافظ أبو نعيم: الثقل الذي وقع في هذه الرواية كان ابتداء الحمل، والخفة التي جاءت فيما سبق من الروايات كانت عند استمرار الحمل ليكون ذلك خارجا عن المعتاد كذا قال.

أقول: قد قدمنا أنه يجوز أن يكون هذا الثقل الواقع في ابتداء الحمل كان بعد إخبار الملك لها بالحمل، فلا يخالف ما سبق. وفيه ما سبق والجواب عنه لكن تقدم عن الزهري قال: قالت آمنة لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته.

ويمكن أن يكون المراد بالمشقة ما تقدم في بعض الروايات «لم تشك وجعا ولا مغصا ولا ريحا، ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء» أي فمع وجود الثقل لم يحصل لها المشقة المذكورة وحينئذ لا ينافي ذلك شكواها ما تجده من ثقله، والله تعالى أعلم.

باب وفاة والده

عن ابن إسحاق: لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب أن توفي وأم رسول الله ﷺ حامل به: أي كما عليه أكثر العلماء () وصححه الحافظ الدمياطي، وسيأتي في بعض الروايات ما يدل على أن ذلك من علامات نبوته في الكتب القديمة قيل وإن موت والده كان بعد أن تم لها من حملها شهران، وقيل قبل ولادته بشهرين، وقيل كان في المهد حين توفي أبوه ابن شهرين. وذكر السهيلي أن عليه أكثر العلماء، فليتأمل مع ما قبله، وقيل كان ابن سبعة أشهر. أي وقيل ابن تسعة أشهر، وقيل وعليه الأكثرون. والحق أنه قول كثيرين لا الأكثرين () وقيل ابن ثمانية عشر شهرا وقيل: ابن ثمانية وعشرين شهرا: أي وما يأتي في الرضاع من أن المراضع أبته ليتمه يخالفه لتمام زمن الرضاع وكذا يخالف القول الذي قبله، لأنه لم يبق من زمن الرضاع إلا شهران، وكانت وفاته بالمدينة خرج إليها ليمتار تمرا أو لزيارة أخواله بها: أي أخوال أبيه عبد المطلب () بني عدي بن النجار: أي ولا مانع من قصد الأمرين معا، وقيل خرج إلى غزة في عير من عيرات قريش، والعيرات بكسر العين وفتح المثناة تحت جمع عير: وهي التي تحمل الميرة، خرجوا للتجارة ففرغوا من تجارتهم وانصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله مريض، فقال أنا أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، والنجار هذا اسمه تميم وقيل له النجار لأنه اختتن بقدوم: أي وهو آلة النجار، وقيل لأنه نجر وجه رجل بقدوم فأقام عندهم مريضا شهرا: أي وهذا أثبت من الأول() ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم أبوه عبد المطلب عنه، فقالوا خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض، فبعث إليه أخاه الحارث وهو من أكبر أولاد عبد المطلب كما تقدم: أي ومن ثم كان يكنى به، ولم يدرك الإسلام فوجده قد توفي.

أي وفي أسد الغابة أن عبد المطلب أرسل إليه ابنه الزبير شقيق عبد الله فشهد وفاته، ودفن في دار التابعة بالتاء المثناة فوق والباء الموحدة والعين المهملة: أي وهو رجل من بني عدي بن النجار: أي فقد جاء أنه لما هاجر إلى المدينة ونظر إلى تلك الدار عرفها وقال: «ها هنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار».

ومن هذا ومما جاء عن عكرمة عن ابن عباس   «أنه كان هو وأصحابه يسبحون في غدير أي في الحجفة، فقال النبي   لأصحابه: ليسبح كل رجل منكم إلى صاحبه، فسبح كل رجل إلى صاحبه وبقي النبي   وأبو بكر فسبح النبي   إلى أبي بكر   حتى اعتنقه وقال أنا وصاحبي أنا وصاحبي» وفي رواية «أنا إلى صاحبي أنا إلى صاحبي» يعلم رد قول بعضهم وقد سئل هل عام؟ الظاهر لا، لأنه لم يثبت أنه سافر في بحر ولا بالحرمين بحر، قال: و قيل قد توفي ودفن أبوه بالأبواء: محل بين مكة والمدينة اهـ.

أقول سيأتي أن الذي بالأبواء قبر أمه على الأصح، فلعل قائل ذلك اشتبه عليه الأمر، لأنه يجوز أن يكون سمعه يقول وهو بالأبواء «هذا قبر أحد أبوي».

وقد ذكر بعضهم في حكمة تربيته يتيما ما لا نطيل به، وقد جاء «ارحموا اليتامى وأكرموا الغرباء، فإني كنت في الصغر يتيما، وفي الكبر غريبا» وقد جاء «إن الله لينظر كل يوم إلى الغريب ألف نظرة » والله أعلم.

وأورد الخطيب عن عائشة   أن الله أحيا له أباه وآمن به وفي المواهب «أحيا الله له أبويه حتى آمنا به» قال السهيلي: وفي إسناده مجاهيل. وقال الحافظ ابن كثير: إنه حديث منكر جدا وسنده مجهول. وقال ابن دحية: هو حديث موضوع. قال: ويرده القرآن والإجماع وعلى ثبوته يكون ناسخا أي معارضا لقوله وقد سأله رجل «أين أبي؟ فقال في النار، فلما قفا أي ولى دعاه وقال له إن أبي وأباك في النار» وفيه أن هذا رواه مسلم فلا يكون ذلك الحديث ناسخا أي معارضا له.

أقول: هو على تقدير ثبوته يكون معارضا على أن حديث مسلم هذا لم تتفق الرواة على قوله فيه إن أبي وأباك في النار، وهذه اللفظة إنما رواها حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وخالفه معمر عن ثابت عن أنس، فروى بدل ذلك إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار، وقد نصوا على أن معمرا أثبت من حماد، فإن حمادا تكلم في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير. ذكروا أن ربيعة دسها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها. وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه. وأيضا ما رواه معمر ورد من حديث سعد بن أبي وقاص  ، فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عائذ بن سعد عن أبيه «أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ أين أبي؟ فقال، في النار، قال: فأين أبوك؟ قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» وهذا الاسناد على شرط الشيخين، فاللفظ الأول من تصرف الراوي رواه بالمعنى بحسب ما فهم فأخطأ.

وذكر الحافظ السيوطي أن مثل هذا وقع في الصحيحين في روايات كثيرة، من ذلك حديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة، والثابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الراوي نفي قراءتها، فرواها بالمعنى على ما فهمه فأخطأ، كذا أجاب إمامنا الشافعي   عن حديث نفي قراءة البسملة. والذي ينبغي أن يقال: يجوز أن يكون هذا أي ما في الصحيح كان قبل أن يسأل الله تعالى أن يحييه له فأحياه وآمن به كما أشار إليه الأصل، أو أنه قال ذلك لمصلحة إيمان ذلك السائل، بدليل أنه لم يتدارك إلا بعد ما قفا، فظهر له من حاله أنه تعرض له فتنة: أي يرتد عن الإسلام، فأتى له بما هو شبيه بالمشاكلة مريدا بأبيه عمه أبا طالب لا عبد الله، لأنه كان يقال لأبي طالب: قل لابنك يرجع عن شتم آلهتنا، وقالوا له: أعطنا ابنك وخذ هذا مكانه، فقال أعطيكم ابني تقتلونه، إلى غير ذلك مما يأتي. على أنه تقدم أن العرب تسمي العم أبا.

لا يقال على ثبوت هذا الحديث وصحته التي صرح بها غير واحد من الحفاظ ولم يلتفتوا لمن طعن فيه: كيف ينفع الإيمان بعد الموت.

لأنا نقول: هذا من جملة خصوصياته، لكن قال بعضهم: من ادعى الخصوصية فعليه الدليل: أي لأن الخصوصية لا تثبت بمجرد الاحتمال، ولا تثبت بحديث صحيح. وفي كلام القرطبي: قد أحيا الله سبحانه وتعالى على يديه جماعة من الموتى.

وإذا ثبت ذلك فما يمنع إيمان أبويه بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته، ولو لم يكن إحياء أبويه نافعا لإيمانهما وتصديقهما لما أحييا كما أن رد الشمس لو لم يكن نافعا في بقاء الوقت لم ترد، والله أعلم.

قال الواقدي: المعروف عندنا وعند أهل العلم أن آمنة وعبد الله لم يلدا غير رسول الله. ونقل سبط ابن الجوزي أن عبد الله لم يتزوج قط غير آمنة، ولم تتزوج آمنة قط غيره. ونقل إجماع علماء النقل على أن آمنة لم تحمل بغير النبي، ومعنى قولها: لم أحمل حملا أخف منه المفيد أنها حملت بغيره أنه خرج على وجه المبالغة اهـ.

أقول: هذه الرواية لم أقف عليها، والذي تقدم ما رأيت من حمل هو أخف منه. وفي رواية أخرى: حملت به فلم أجد حملا قط أخف منه علي وحمل الرؤية والوجدان على العلم الحاصل بإخبار غيرها من ذوات الحمل لها عن حالهن ممكن، فلا يقتضي ذلك أنها حملت بغيره. ولا ينافيه قولها أخف عليّ لأن المراد عليّ فيما علمت، والله أعلم.

قال: والحافظ ابن حجر نسب سبط ابن الجوزي في نقل الإجماع إلى المجازفة فقال: وجازف سبط ابن الجوزي كعادته في نقل الإجماع، ولا يمتنع أن تكون آمنة أسقطت من عبد الله سقطا فأشارت بقولها المذكور إليه اهـ.

أقول: وحينئذ تكون حملت بذلك السقط بعد ولادته، بناء على أن والده لم يمت وهو حمل، بل بعد وضعه، وأنها وجدت المشقة في حمل ذلك السقط، وأن إخبارها بذلك تأخر عن حملها بذلك السقط، وأنها رأت في حملها بذلك السقط من الشدة ما لم تجده في حمله.

وأما حملها بذلك السقط قبل حملها به فلا يتأتى، لمخالفته لما تقدم من أن عبد الله دخل بها حين أملك عليها، وانتقل إليها النور عند ذلك، ولأنه يخرج بذلك عن كونه بكر أبيه وأمه.

وأما رواية حملت الأولاد فما وجدت حملا، فقال فيها الواقدي: لانعرف عند أهل العلم كما بينا ذلك في الكوكب المنير. على أن إمكان حملها بسقط لا يقدح في نقل الإجماع على أنها لم تحمل بغيره، لإمكان أن مراده حملا تاما.

وفي الخصائص الصغرى للجلال السيوطي: ولم يلد أبواه غيره والله أعلم.

قال: وترك عبد الله جاريته أم أيمن بركة الحبشية، أسلمت قديما هي وولدها أيمن وكان من عبد حبشي يقال له عبيد اهـ.

أقول: في كلام ابن الجوزي أنه أعتقها حين تزوج خديجة، وزوّجها عبيدا الحبشي بن زيد من بني الحرث فولدت أيمن. ولا ينافيه ما في الإصابة: كانت أم أيمن تزوجت في الجاهلية بمكة عبيدا الحبشي ابن زيد، وكان قدم مكة وأقام بها، ثم نقل أم أيمن إلى يثرب فولدت له أيمن، ثم مات عنها، فرجعت إلى مكة، فتزوجها زيد بن حارثة قاله البلاذري، والله أعلم.

قال: وقد زوجها أي بعد النبوة مولاه زيد بن حارثة: أي وإنما رغب زيد فيها لما سمعه يقول: «من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج بأم أيمن» فجاءت منه أسامة فكان يقال له الحب ابن الحب.

وقيل أعتقها عبد الله قبل موته. وقيل كانت لأمه، وترك: أي عبد الله خمسة أجمال وقطعة من غنم، فورث ذلك رسول الله ﷺ من أبيه اهـ أي فهو يرث ولا يورث. قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ».

ودعوى بعضهم أنه لم يرث بناته اللاتي متن في حياته، فعلى تقدير صحته جاز أن يكون ترك أخذ ميراثه تعففا وسيأتي. وقال ابن الجوزي وأصاب أم أيمن هذه عطش في طريقها لما هاجرت: أي إلى المدينة على قدميها وليس معها أحد وذلك في حر شديد، فسمعت شيئا فوق رأسها، فتدلى عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض فشربت منه حتى رويت، وكانت تقول: ما أصابني عطش بعد ذلك ولو تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر ما عطشت: أي وفي مزيل الخفاء قال الواقدي: كانت أم أيمن عسرة اللسان، فكانت إذا دخلت على قوم قالت سلام لا عليكم: أي بدل سلام الله عليكم، فرخص لها رسول الله ﷺ أن تقول: سلام عليكم أو السلام عليكم، هذا كلامه فليتأمل، فإن هذا يقتضي أن الصيغة الأصلية في السلام سلام الله عليكم، مع أن الصيغة في السلام إما السلام عليكم أو سلام عليكم، وكذا عليكم السلام، ولم تذكر أئمتنا تلك الصيغة.

وعن عائشة  : «شرب رسول الله ﷺ يوما وأم أيمن عنده، فقالت: يا رسول الله اسقني، فقلت لها ألرسول الله ﷺ تقولين هذا؟ فقالت: ما خدمته أكثر، فقال النبي ﷺ صدقت، فسقاها».

وذكر بعض المؤرخين أن بركة هذه من سبي الحبشة أصحاب الفيل وكانت سوداء: أي لونها أسود، ولهذا خرج ابنها أسامة في السواد: أي وكان أبوه زيد أبيض، ومن ثم كان المنافقون يطعنون في نسب أسامة، ويقولون: هذا ليس هو ابن زيد، وكان رسول الله ﷺ يتشوش من ذلك.

وقد روى الشيخان عن عائشة   قالت: «دخل عليّ النبي ﷺ مسرورا، فقال: ألم تري أن مجززا المدلجي قد دخل علي فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وقد بدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» وقد جعل أئمتنا ذلك أصلا لوجوب الأخذ بقول القائف في إلحاق النسب.

قال الأبي  : والمعروف أن الحبشية إنما هي بركة أخرى جارية أم حبيبة، قدمت معها من الحبشة، وكانت تكنى أم يوسف، كانت تخدم النبي ﷺ أي وهي التي شربت بوله كما سيأتي.

قيل وورث من أبيه مولاه شقران، وكان عبدا حبشيا فأعتقه بعد بدر. وقيل اشتراه من عبد الرحمن بن عوف وأعتقه. وقيل بل وهبه عبد الرحمن بن عوف له.

باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم

عن ابن عباس  : ولد رسول الله ﷺ مسرورا أي مقطوع السرة. وجاء «أن إبراهيم   حين ولد نزل جبريل   وقطع سرته، وأذن في أذنه، وكساه ثوبا أبيض» وولد نبينا مختونا أي على صورة المختون: أي ومكحولا ونظيفا ما به قذر.

أقول: أي لم يصاحبه قذر وبلل، فلا ينافي جواز وجود البلل والقذر بعده: أي في زمن إمكان النفاس، فلا يستدل بذلك على أن أمه لم تر نفاسا، فإن النفاس عندنا معاشر الشافعية هو البلل الحاصل بعد الولادة في زمن إمكانه، وهو قبل مضي خمسة عشر يوما لا الحاصل مع الولد، والله أعلم.

قال: وعن أنس بن مالك   قال قال رسول الله «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتي» أي لئلا يرى أحد سوأتي عند الختان. قال الحاكم: تواترت الأخبار أنه ولد مختونا. وتعقبه الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك، فكيف يكون متواترا: أي وأجيب بأنه أراد بالتواتر الاشتهار، فقد جاءت أحاديث كثيرة في ذلك. قال الحافظ ابن كثير: فمن الحفاظ من صححها، ومنهم من ضعفها، ومنهم من رآها من الحسان: أي وقد يدعى أنه لا مخالفة بين هذه الأقوال الثلاثة، لأنه يجوز أن يكون من قال صحيحة أراد صحيحة لغيرها، والصحيحة لغيرها قد تكون حسنة لغيرها، ومن قال ضعيفة أراد في حد ذاتها.

وفي الهدي أن الشيخ جمال الدين بن طلحة صنف في أنه ولد مختونا مصنفا أجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام. ورد عليه في ذلك الشيخ جمال الدين بن العديم وذكر أنه ختن على عادة العرب.

وولد من الأنبياء على صورة المختون أيضا غير نبينا ستة عشر نبيا، وقد نظم الجميع بعضهم فقال:

وفي الرسل مختون لعمرك خلقة ** ثمان وتسع طيبون أكارم

وهم زكريا شيث إدريس يوسف ** وحنظلة عيسى وموسى وآدم

ونوح شعيب سام لوط وصالح ** سليمان يحيى هود يس خاتم

وليس هذا من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل غيرهم من الناس يولد كذلك.

ومن خرافات العامة أن يقولوا لمن يولد كذلك: ختنه القمر: أي لأن العرب تزعم أن المولود في القمر تنفسخ قلفته فيصير كالمختون، وربما قالت العامة ختنته الملائكة وبهذا يرد على ذكره الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أن من خصائصه ولادته مختونا.

وقيل ختن: أي ختنه الملك الذي هو جبريل كما صرح به بعضهم يوم شق قلبه عند ظئره: أي مرضعته حليمة. قال الذهبي: إنه خبر منكر. وقيل ختنه جده يوم سابع ولادته. قال العراقي، وسنده غير صحيح اهـ: أي لما عق عنه بكبش كما سيأتي.

أقول: وقد يجمع بأنه يجوز أن يكون ولد مختونا غير تام الختان كما هو الغالب في ذلك، فتمم جده ختانه، لكن ينازع فيه ما تقدم من قوله «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوأتي» أي لأجل الختان كما هو الظاهر إن صح كما قدمنا.

وفي كلام بعضهم أن عيسى   ختن بآلة. وعلى صحته يجمع بنحو ما تقدم. والظاهر أن المراد بالآلة التي ختن بها عيسى والتي ختن بها بناء على أن جده ختنه كانت بالآلة المعروفة التي هي الموسى وإلا لنقلت، لأن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله.

لا يقال عدم وجود القلفة نقص من أصل الخلقة الإنسانية، فقد قالوا في حكمة وجود العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان فيه ولم يخلق بدونها، بل خلق بها تكملة للخلق الإنساني. لأنا نقول: إنما لم يخلق بتلك القلفة ليحصل كمال الخلقة الإنسانية، لأن هذه القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة، كان نقص الخلقة الإنسانية عنها عين الكمال، بخلاف العلقة السوداء.

وكره الحسن أن يختن الولد يوم السابع، لأن فيه تشبيها باليهود، أي لأن إبراهيم   لما ختن ولده إسحاق   يوم سابع ولادته، اتخذه بنو إسرائيل في ذلك اليوم سنة، وختن ولده إسماعيل   لثلاث عشرة سنة. قال أبو العباس بن تيمية: فصار ختان إسماعيل  ، أي في ذلك الوقت سنة في ولده يعني العرب، ويؤيده قول ابن عباس  : كانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك: أي لأن الثلاثة عشر هي مظنة الإدراك، ومن ثم لما سئل ابن عباس عن سنه حين قبض رسول الله ﷺ قال: وأنا يومئذ مختون، أي في أوائل زمن الختان، والله أعلم.

ولما ولد رسول الله ﷺ وقع على الأرض مقبوضة أصابع يده يشير بالسبابة كالمسبح بها.

أقول: وفي رواية عن أمه أنها قالت «لما خرج من بطني نظرت إليه، فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل» ولامخالفة، لجواز أن يراد بأصبعيه السبابتان من اليدين، والله أعلم. وفي سجوده إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب من الحضرة الإلهية قال وروى ابن سعد «أنه لما ولد وقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء» وفي رواية «وقع على كفيه وركبتيه شاخصا ببصره إلى السماء» اهـ.

أقول: وفي رواية: «وقع جاثيا على ركبتيه» ولا يخالف هذا ما سبق من أنها نظرت إليه، فإذا هو ساجد، لجواز أن يكون سجوده بعد رفع رأسه وشخوص بصره إلى السماء. ولا مخالفة بين كونه وقع على الأرض مقبوضة أصابع يده ووقوعه على كفه، لجواز أن يكون قبض أصابعه ما عدا السبابة بعد ذلك. ولا ينافيه قوله مقبوضة المنصوب على الحال لقرب زمنها من الوقوع على الأرض، والاقتصار على الركبتين لا ينافي الجمع بينهما وبين الكفين.

ورأيت في كلام بعضهم أنه ولد واضعا إحدى يديه على عينيه والأخرى على سوءتيه فليتأمل، والله أعلم.

وإلى رفع رأسه وشخوص بصره إلى السماء يشير صاحب الهمزية بقوله:

رافعا رأسه وفي ذلك الرفـ ** ـع إلى كل سودد إيماء

رامقا طرفه السماء ومرمى ** عين من شأنه العلو العلاء

أي وضعته حال كونه رافعا رأسه إلى السماء، وفي ذلك الرفع الذي هو أول فعل وقع منه بعد بروزه إلى هذا العالم إشارة إلى حصول كل رفعة وسيادة ووضعته حالة كونه رامقا ببصره إلى السماء، وسر ذلك الإشارة إلى علو مرماه، إذ مرمى عين الذي قصده ارتفاع مكانه الرفعة والشرف. قال: وقد روى «أنه قبض قبضة من تراب، وأهوى ساجدا، فبلغ ذلك رجلا من بني لهب، فقال لصاحبه: لئن صدق هذا الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض»: أي لأنه قبض عليها وصارت في يده. والفأل بالهمز وبدونه، يقال فيما يسر والتطير فيما يسوء فالفأل ضد الطير بكسر الطاء. وقد جاء «إني أتفاءل ولا أتطير» وقيل له «ما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» وقال: «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة » وفي رواية «وأحب الفأل الصالح».

وفرق بعضهم بين الفأل والتفاؤل بأن الأول يكون في سماع الآدميين. والثاني يكون في الطير بأسمائها وأصواتها وممرها. وقوله: لا عدوى معارض لما جاء أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي «إنا قد بايعناك فارجع فرجع ولم يصافحه» وجاء «لا تديموا النظر للمجذومين» وسيأتي الجواب عنه بما يحصل به الجمع بينه وبين ما جاء «أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة وقال: كل بسم الله   وتوكلا عليه» وبنو لهب بكسر اللام وسكون الهاء: حي من الأزد أعلم الناس بالزجر: أي زجر الطير والتفاؤل بها وبغيرها.

فقد كان في الجاهلية إذا أراد الشخص أن يخرج لحاجة جاء إلى الطير وأزعجها عن أوكارها، فإن مر الطائر على اليمين سمي سانحا واستبشر مريد الحاجة بقضائها، وإن مر على اليسار سمي بارحا بالموحدة والراء والحاء المهملة، وقعد مريد الحاجة عنها تفاؤلا بعدم قضائها: أي وهذا ما فسر به إمامنا الشافعي الحديث الآتي: «أقروا الطير في مكامنها» فعن سفيان بن عينية قال: قلت للشافعي  : يا أبا عبد الله ما معنى هذا الحديث؟ فقال: علم العرب كان في زجر الطير، كان الرجل منهم إذ أراد سفرا جاء إلى الطير في مكامنها فطيرها الحديث.

ويحكى عن وائل بن حجر وكان زاجرا حسن الزجر أنه خرج يوما من عند زياد بالكوفة، وهو الذي ألحقه معاوية بأبيه أبي سفيان، وهو والد عبيد الله بن زياد الذي قاتل الحسين، وكان أميرها المغيرة بن شعبة فرأى غرابا ينغق بالغين العجمة: أي يصيح فرجع إلى زياد وقال له هذا غراب يرحلك من ههنا إلى خير، فقدم رسول معاوية إلى زياد من يومه بولاية البصرة.

وقد ذكر أن أبا ذؤيب الهذلي الشاعر كان مسلما على عهد رسول الله، ولم يجتمع به قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، ولما كان وقت السحر هتف بي هاتف وأنا نائم وهو يقول:

قبض النبي محمد فعيوننا ** تذري الدموع عليه بالتسجام

قال: فقمت من نومي فزعا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به وعلمت أن النبي ﷺ قد قبض، فركبت ناقتي وحثتها حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطير فأخبرني بوفاته، فلما قدمت المدينة فإذا فيها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج فسألت، فقيل لي: قبض رسول الله ﷺ وهو مسجى وقد خلا به أهله، وأبو هذيل هذا هو القائل:

أمن المنون وريبه تتوجع ** والدهر ليس بمعتب من يجزع

وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمة لا تنفع

وتجلدي للشامتين أريهم ** أني لريب الدهر لا أتضعضع

والنفس راغبة إذا رغبتها ** وإذا ترد إلى قليل تقنع

ومن زجر الطير ما حكاه بعضهم قال: جاء أعرابي إلى دار القاضي أبي الحسين الأزدي المالكي، فجاء غراب فقعد على نخلة في تلك الدار وصاح ثم طار، فقال الأعرابي هذا الغراب يقول إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، فصاح الناس عليه وزجروه فقام وانصرف، ففي سابع يوم مات هذا القاضي.

وقد جاء النهي عن ذلك: أي عن الزجر والطيرة في قوله «أقروا الطير على مكامنها» أي لا تزجروها. وجاء «الطير شرك» وجاء «من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» أي حيث اعتقد أنها تؤثر. وجاء «إذا رأى أحدكم من الطيرة ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» وفي رواية «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته» وقد جاء «لا عدوى ولا طيرة ولا هام» وفي لفظ «ولا هامة » بالتخفيف زاد في رواية «ولا صفر» والهامة هو أنه كان أهل الجاهلية يزعمون أنه إذا قتل القتيل ولم يؤخذ بثأره يخرج له طائر يقول عند قبره اسقوني من دم قاتلي، اسقوني من دم قاتلي، ولا يزال يقول ذلك حتى يؤخذ بثأر القتيل، كانت العرب تسميه الهامة بالتخفيف. وأما الهامة بالتشديد فواحدة الهوام، وهي الحيات والعقارب وما شاكلها، ومن ثم كان رسول الله ﷺ يقول في تعويذه للحسن والحسين «أعيذبكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ثم يقول: هكذا إبراهيم   كان يعوذ إسماعيل وإسحاق»، وقوله «ولا صفر» ذكر الإمام النووي أن المراد به حية صفراء تكون في جوف الإنسان إذا جاع تؤذيه، كذا كانت العرب تزعم ذلك قال: وهذا التفسير هو الصحيح الذي عليه عامة العلماء، وقد ذكره مسلم عن جابر راوي الحديث، فتعين اعتماده.

وروى ابن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى» وفي رواية «أنها قالت لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فأضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى».

وفي الخصائص الصغرى «ورأت أمه عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام» وكذلك أمهات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرين اهـ، ولعل المراد يرين مطلق النور لا الذي تضيء منه قصور الشام. وقوله «قصور الشام» الخ ظاهر في أن امل راد جميع الإقليم لا خصوص بصرى، ولعل الاقتصار على بصرى في الروايات لكون النور كان بها أتمّ، ومن ثم قالت «حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى» أو رأت مرة وصول النور إلى بصرى خاصة ومرة جاوزها تأمل، وإلى هذا النور يشير عمه العباس   بقوله في قصيدته التي امتدح بها رسول الله ﷺ عند رجوعه من غزوة تبوك، وقد قال له في مرجعه من تلك الغزوة «يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال له رسول الله: قل، لا يفضض الله فاك، فقال قصيدة منها:

وأنت لما ولدت أشرقت الأر ** ض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ** ـور سبل الرشاد نخترق»

وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية   بقوله:

وتراءت قصور قيصر بالرو ** م يراها من داره البطحاء

أي رؤيت قصوره ملك الروم في بلاد الروم يبصرها الذي داره بمكة قال: وهذا ظاهر في أنها رأت ذلك النور يقظة، وتقدم في حديث شداد أنها رأته مناما، وقد تقدم الجمع اهـ: أي وتقدم ما في ذلك الجمع.

وذكر أن أم إمامنا الشافعي   رأت وهي حامل به أن النجم المسمى بالمشتري خرج من فرجها فوقع في مصر ثم وقع في كل بلدة منه شظية، فتأول ذلك أصحاب تأويل الرؤيا بأنها تلد عالما يكون علمه بمصر أولا ثم ينتشر إلى سائر البلدان.

وروى السهيلي على الواقدي «أنه لما ولد تكلم، فقال: جلال ربي الرفيع» وروي «أن أول ما تكلم به لما ولدته أمه حين خروجه من بطنها الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا» ولا مانع من أنه تكلم بكل ذلك والأولوية في الرواية الثانية إضافية لما لا يخفى.

وقد وقع الاختلاف في وقت ولادته: أي هل كان ليلا أو نهارا وعلى الثاني في أي وقت من ذلك النهار وفي شهره وفي عامه وفي محله؟ فقيل ولد يوم الاثنين، قال بعضهم: لا خلاف فيه والله، بل أخطأ من قال ولد يوم الجمعة: أي فعن قتادة   «أن رسول الله ﷺ سئل عن يوم الإثنين، فقال ذلك يوم ولدت فيه» وذكر الزبير بن بكار والحافظ ابن عساكر أن ذلك كان حين طلوع الفجر ويدل له قول جده عبد المطلب: ولد لي الليلة مع الصبح مولود. وعن سعيد بن المسيب «ولد رسول الله ﷺ عند إبهار النهار» أي وسطه «وكان ذلك اليوم لمضي اثني عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول» أي وكان ذلك في فصل الربيع، وقد أشار إلى ذلك بعضهم بقوله:

يقول لنا لسان الحال منه ** وقول الحق يعذب للسميع

فوجهي والزمان وشهر وضعي ** ربيع في ربيع في ربيع

قال: وحكى الإجماع عليه وعليه العمل الآن، أي في الأمصار خصوصا أهل مكة في زيارتهم موضع ملوده، وقيل لعشر ليال مضت من ربيع وصحح اهـ أي صححه الحافظ الدمياطي: أي لأن الأول قال فيه ابن دحية: ذكره ابن إسحاق مقطوعا دون إسناد، وذلك لا يصح أصلا، ولو أسنده ابن إسحاق لم يقبل منه لتجريح أهل العلم له فقد قال كل من ابن المديني وابن معين أن ابن إسحاق ليس بحجة ووصفه مالك   بالكذب. قيل وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه عنه أنه قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله، فعند ذلك قال مالك: وما ابن إسحاق إنما هو رجل من الدجاجلة أخرجناه من المدينة. قال بعضهم: وابن إسحاق من جملة من يروي عنه شيخ مالك يحيى بن سعيد. وقال بعضهم: ابن إسحاق فقيه ثقة لكنه مدلس وقيل ولد لسبع عشرة ليلة خلت منه. وقيل لثمان مضت منه. قال ابن دحية: وهو الذي لا يصح غيره وعليه أجمع أهل التاريخ.

وقال القطب القسطلاني: وهو اختيار أكثر أهل الحديث: أي كالحميدي وشيخه ابن حزم. وقيل لليلتين خلتا منه، وبه جزم ابن عبد البر. وقيل لثمان عشرة ليلة خلت منه، رواه ابن أبي شيبة، وهو حديث معلول. وقيل لاثنتي عشرة بقين منه. وقيل لاثني عشرة. وقيل لثمان ليال خلت من رمضان وصححه كثير من العلماء، وهذا هو الموافق لما تقدم من أن أمه حملت به في أيام التشريق أو في يوم عاشوراء وأنه مكث في بطنها تسعة أشهر كوامل، لكن قال بعضهم، إن هذا القول غريب جدا ومستند قائله أنه أوحى إليه في رمضان فيكون مولده في رمضان، وعلى أنها حملت به في أيام التشريق الذي لم يذكروا غيره يعلم ما في بقية الأقوال قال، وقيل ولد في صفر. وقيل في ربيع الآخر، وقيل في محرم، وقيل في عاشوراء أي كما ولد عيسى  ، وقيل لخمس بقين منه اهـ. أي وذكر الذهبي أن القول بأنه ولد في عاشوراء من الإفك: أي الكذب، وفيه إن كان ذلك لأنه لا يجامع أنها حملت به في أيام التشريق، وأنه مكث في بطنها تسعة أشهر كوامل لا يختص الإفك بهذا القول، بل يأتي فيما عدا القول بأنه ولد في رمضان، ثم رأيت بعضهم حكى أنه حمل في شهر رجب، وحينئذ يصح القول المشهور ولادته في ربيع الأول.

وعن ابن عباس  : ولد يوم الإثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في ربيع الأول، وهاجر إلى المدينة يوم الاثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول، وتوفي يوم الاثنين في ربيع الأول. قال بعضهم: وهذا غريب جدا.

وقيل لم يولد نهارا، بل ولد ليلا. فعن عثمان بن أبي العاص عن أمه   أنها شهدت ولادة النبي ﷺ ليلا، قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورا، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن علي. قال ابن دحية وهو حديث مقطوع. قال بعضهم: ولا يصح عندي بوجه أنه ولد ليلا، لقوله الثابت عنه بنقل العدل عن العدل «أنه سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: فيه ولدت» واليوم إنما هو النهار بنص القرآن. وأيضا الصوم لا يكون إلا نهارا.

وأفاد البدر الزركشي أن هذا الحديث: أي المتقدم عن أم عثمان بن أبي العاص على تقدير صحته لا دلالة فيه على أنه ولد ليلا، قال: فإن زمان النبوة صالح للخوارق. ويجوز أن تسقط النجوم نهارا: أي فضلا عن أن تكاد تسقط سيما إن قلنا ولد عند الفجر لأن ذلك ملحق بالليل، وإلى التردد في وقت ولادته هل هو في الليل أو النهار أشار صاحب الهمزية بقوله:

ليلة المولد الذي كان للد ** ين سرور بيومه وازدهاء

فهنيئا به لآمنة الفـ ** ـضل الذي شرفت به حواء

من لحواء أنها حملت أحـ ** ـمد أو أنها به نفساء

يوم نالت بوضعه ابنة وهب ** من فخار ما لم تنله النساء

أي ليلة المولد الذي وجد فيه الفرح والافتخار للدين بيومه، وقد أضاف كلا من الليل واليوم للولادة مراعاة للخلاف في ذلك، فهنيئا لآمنة الفضل الذي حصل لها بسبب ولادتها له: أي لا يشوب ذلك الفضل كدر ولا مشقة الذي شرفت بذلك الفضل حواء التي هي أم البشر، ومن يشفع لحواء في أنها حملت به وأنه أصابها نفاس به يوم أعطيت آمنة بنت وهب بسبب وضعه من الفخار، وهو ما يتمدح به من الخصال العلية، والشيم المرضية، ما لم يعطها غيرها من النساء.

أي وقد أقسم الله بليلة مولده قوله تعالى {والضحى والليل} وقيل أراد بالليل ليلة الإسرى، ولا مانع أن يكون الإقسام وقع بهما، أي استعمل الليل فيهما. ويدل لكون ولادته كانت ليلا قول بعض اليهود ممن عنده علم الكتاب لقريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم قال: ولد الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، إلى آخر ما يأتي، وسيأتي ما يدل على ذلك، وهو وضعه تحت الجفنة.

وولادته قيل كانت في عام الفيل، قيل في يومه. فعن ابن عباس   قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الفيل. وعن قيس ابن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله ﷺ يوم الفيل ضحا فنحن لدتان، قال الحافظ ابن حجر المحفوظ لفظ العام: أي بدل لفظ اليوم، وقد يراد باليوم مطلق الوقت فيصدق بالعام، كما يقال يوم الفتح ويوم بدر، وعليه فلدان معناه متقاربان في السن بالموحدة، وعلى أن المراد باليوم حقيقته يكون بالنون.

وفي تاريخ ابن حبان: ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله تعالى الطير الأبابيل فيه على أصحاب الفيل.

وعند ابن سعد: ولد يوم الفيل يعني عام الفيل اهـ: أي لما تقدم عن ابن حجر، وعليه فيكون قول ابن حبان في اليوم تفسيرا للعام. على أن المراد باليوم مطلق الوقت الصادق بالعام.

وقيل ولد بعد الفيل بخمسين يوما، كما ذهب إليه جمع منهم السهيلي. قال بعضهم: وهو المشهور. قال: وقيل بخمسة وخمسين يوما. وقيل بأربعين يوما، وقيل بشهر، وقيل بعشر سنين، وقيل بثلاث وعشرين سنة، وقيل بثلاثين سنة، وقيل بأربعين سنة، وقيل بسبعين سنة اهـ: أي وعلى أنه بعد الفيل بخمسة وخمسين يوما اقتصر الحافظ الدمياطي  . وعبارة المواهب: حكاه الدمياطي في آخرين، وكونه في عام الفيل قال الحافظ ابن كثير: هو المشهور عند الجمهور. وقال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري   لا يشك فيه أحد من العلماء، ونقل غير واحد فيه الإجماع. وقال: كل قول يخالفه وهم: أي وقيل قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة. قال بعضهم: وهذا غريب منكر وضعيف أيضا.

أقول: والقول بأنه ولد قبل عام الفيل أو فيه أو بعده بعشر سنين يقتضي تضعيف ما ذكره الحافظ أبو سعيد النيسابوري أن نور النبي ﷺ كان يضيء في غرة جده عبد المطلب، وكانت قريش إذا أصابها قحط أخذت بيد عبد المطلب إلى جبل ثبير يستسقون به، فيسقيهم الله تعالى ببركة ذلك النور، وأنه لما قدم صاحب الفيل لهدم الكعبة لتكون كنيسته التي بناها. ويقال إنها القليس كجميز لارتفاع بنائها وعلوها ومنه القلانس لأنها في أعلى الرؤوس مكان الكعبة في الحج إليها.

وقد اجتهد أبرهة في زخرفتها، فجعل فيها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب، كان ينقل ذلك من قصر بلقيس صاحبة سليمان  ، وجعل فيها صلبانا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والآبنوس، وشدد على عمالها بحيث إذا طلعت الشمس قبل أن يأخذ العامل في عمله قطع يده، فنام رجل منهم ذات يوم حتى طلعت الشمس، فجاءت معه أمه وهي امرأة عجوز، فتضرعت إليه في أن لا يقطع يد ولدها فأبى إلا قطع يده، فقالت له اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك وغدا لغيرك، فقال لها: ويحك ما قلت؟ فقالت نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك فكذلك يصير منك إلى غيرك، فأخذته موعظتها فعفا عنه، ورجع عن هذا الأمر، فعند ذلك ركب عبد المطلب في قريش إلى جبل ثبير فاستدار ذلك النور، في وجه عبد المطلب كالهلال، وألقى شعاعه على البيت الحرام مثل السراج، فلما نظر عبد المطلب لذلك قال: يا معشر قريش ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر فوالله ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا فرجعوا فلما دخل رسول صاحب الفيل إلى مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيا عليه فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب: أي فإن صاحب الفيل أمره أن يقول لقريش: إن الملك إنما جاء لهدم البيت، فإن لم تحولوا بينه وبينه لم يزد على هدمه، وإن أحلتم بينه وبينه أتى عليكم، فقال له عبد المطلب؟ ما عندنا منعة ولا ندفع عن هذا البيت، وله رب إن شاء منعه: أي وفي لفظ قال عبد المطلب، والله ما نريد حربه وما لنا منه بذلك طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت إبراهيم خليل الله، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن لم يحل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه وأمر أبرهة رسوله أيضا أن يأتي له بسيد القوم، فقال لعبد المطلب: قد أمرني أن آتيه بك، فقال عبد المطلب أفعل، فجاءه راعي إبله وخيله، وأخبره أن الحبشة أخذت الإبل والخيل التي كانت ترعى بذي المجاز.

وفي سيرة ابن هشام بل وفي غالب السير الاقتصار على الإبل، وأنها كانت مائتي بعير، وقيل أربعمائة ناقة. فركتب عبد المطلب صحبة رسول صاحب الفيل وركب معه ولده الحارث فاستؤذن له على أبرهة أي قيل له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة يعني زمزم، وهو يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، فأذن له. فلما دخل ورآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه على سرير ملكه، فنزل عن سريره وأجلسه معه على البساط وقال لترجمانه اسأله عن حاجته، فذكر إبله وخيله، فذكر الترجمان له ذلك، فقال للترجمان بلسان الحبشة قل له كنت أعجبتني إذ رأيتك ثم قد زهدت فيك إذ سألتني إبلا وخيلا، وتركت أن تسأل عن البيت الذي هو عزك، فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب أنا رب الإبل والخيل التي سألتها الملك، وأما البيت فله رب إن شاء أن يمنعه من الملك، فقال أبرهة ما كان ليمنعه مني، فرد عليه ما كان أخذ له وانصرف. وأبرهة بلسان الحبشة: الأبيض الوجه.

ثم إن الفيل لما نظر إلى وجه عبد المطلب برك كما يبرك البعير وخر ساجدا، وأنطق الله سبحانه وتعالى الفيل، فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب.

وفي كلام بعضهم أن أبرهة لما بلغه مجيء عبد المطلب إليه أمر أن عبد المطلب قبل دخوله عليه أن يذهب به إلى الفيلة ليراها ويرى الفيل العظيم وكان أبيض اللون.

أقول: رأيت أن ملك الصين كان في مربطه ألف فيل أبيض، وكان مع الفرس في قتال أبي عبيد بن مسعود الثقفي أمير الجيش في خلافة الصديق أفيلة كثيرة عليها الجلاجل، وقدّموا بين أيديهم فيلا عظيما أبيض، وصارت خيول المسلمين كلما حملت وسمعت حس الجلاجل نفرت، فأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة فقتلوها عن آخرها، وتقدم أبو عبيد لهذا الفيل العظيم الأبيض فضربه بالسيف فقطع زلومه، فصاح الفيل صيحة هائلة، وحمل على أبي عبيد فتخبطه برجله ووقف فوقه فقتله، فحمل على الفيل شخص كان أبو عبيد أوصى أن يكون أميراف بعده فقتله، ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحدا بعد واحد، وهذا من أغرب الاتفاقيات والله أعلم. وإنما أرى عبد المطلب الفيلة إرهابا لها وتخويفا فإن العرب لم تكن تعرف الأفيال، وكانت الأفيال كلها ما عدا الفيل الأعظم تسجد لأبرهة.

وأما الفيل الأعظم فلم يسجد إلا للنجاشي، فلما رأت الفيلة عبد المطلب سجدت حتى الفيل الأعظم. وقيل إن أبرهة لم يخرج إلا بالفيل الأعظم، ولما بلغ أبرهة سجود الفيلة لعبد المطلب تطير ثم أمر بإدخال عبد المطلب عليه، فلما رآه ألقيت له الهيبة في قلبه، فنزل عن سريره تعظيما لعبد المطلب. ثم رأيت العلامة ابن حجر في شرح الهمزية حاول الجواب عن هذا الذي تقدم عن الحافظ النيسابوري، من أن النور استدار في وجه عبد المطلب إلى آخره: أي وقول الفيل: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب مع أن ولادته في ذلك الوقت، يلزمها أن يكون النور انتقل من عبد المطلب إلى عبد الله، ثم انتقل من عبد الله إلى آمنة، بأن النور وإن انتقل من عبد المطلب، لكن الله سبحانه وتعالى أكرم عبد المطلب فأحدث ذلك النور في ظهره، وفي وجهه وأطلع الفيل عليه هذا كلامه فليتأمل.

وذكر بعضهم أن الفيل مع عظم خلقته صوته ضئيل أي ضعيف، ويفرق أي يخاف من السنور الذي هو القط ويفزع منه.

وفي المواهب: والمشهور أنه ولد بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوته ومقدمة لظهوره وبعثته، هذا كلامه. وفيه أنه قد يقال الإرهاصات إنما تكون بعد وجوده وقبل مبعثه الذي هو دعواه الرسالة، لا قبل وجوده بالكلية الذي هو المراد بظهوره. وحينئذ فقول القاضي البيضاوي: إنها من الإرهاصات، إذ روي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله ﷺ: أي بعد وجوده. ومن ثم قال ابن القيم في الهدي: إن مما جرت به عادة الله تعالى أن يقدم بين يدي الأمور العظيمة مقدمات تكون كالمدخل لها، فمن ذلك قصة مبعثه تقدمها قصة الفيل، هذا كلامه.

قال: فلما شرع أبرهة في الذهاب إلى مكة وصل الفيل إلى أول الحرم، والمواهب أسقط هذا، وهو يوهم أنهم دخلوا مكة، وأن الفيل برك دون البيت فليتأمل، وعند وصوله إلى أول الحرم برك، فصاروا يضربون رأسه ويدخلون الكلاليب في مراق بطنه فلا يقوم، فوجهوا وجهه إلى جهة اليمين، فقام يهرول، وكذا إلى جهة الشام فعل ذلك مرارا فأمر أبرهة أن يسقي الفيل الخمر ليذهب تمييزه فسقوه فثبت على أمره.

ويقال إنما برك لأن نفيل بن حبيب الخثعمي قام إلى جنب الفيل فعرك أذنه وقال: ابرك محمودا وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك.

قال السهيلي  : الفيل لا يبرك، فيحتمل أن يكون بروكه سقوطه على الأرض لما جاءه من أمر الله سبحانه. ويحتمل أن يكون فعل البرك وهو الذي يلزم موضعه ولا يبرح فعبر بالبروك عن ذلك.

قال: وقد سمعت من يقول إن في الفيلة صنفا منها يبرك كما يبرك الجمل، وعند ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى عليهم الطير الأبابيل، خرجت من البحر أمثال الخطاطيف. ويقال إن حمام الحرم من نسل تلك الطير فأهلكتهم.

وقد يقال إن هذا اشتباه، لأن الذي قيل إنه من نسل الأبابيل إنما هو شيء يشبه الزرازير يكون بباب إبراهيم من الحرم. وإلا فسيأتي أن حمام الحرم من نسل الحمام الذي عشش على فم الغار على ما سيأتي فيه. وفي حياة الحيوان أن الطير الأبابيل تعشش وتفرخ بين السماء والأرض.

ولما هلك صاحب الفيل وقومه عزت قريش وهابتهم الناس كلهم، وقالوا: أهل الله لأن الله معهم. وفي لفظ: لأن الله سبحانه وتعالى قاتل عنهم، وكفاهم مؤونة عدوهم الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة، وغنموا أموال أصحاب الفيل: أي ومن حينئذ مزقت الحبشة كل ممزق، وخرب ما حول تلك الكنيسة التي بناها أبرهة، فلم يعمرها أحد، وكثرت حولها السباع والحيات ومردة الجن، وكان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن، واستمرت كذلك إلى زمن السفاح الذي هو أول خلفاء بني العباس، فذكر له أمرها، فبعث إليها عامله على اليمن فخرّ بها وأخذ خشبها المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير من الذهب، فحصل له منها مال عظيم، وحينئذ عفا رسمها وانقطع خبرها، واندرست آثارها.

وقد كان عبد المطلب أمر قريشا أن تخرج من مكة وتكون في رؤوس الجبال خوفا عليهم من المعرة، وخرج هو وإياهم إلى ذلك بعد أن أخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش، يدعون الله سبحانه وتعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال:

لا هم إن العبد يحـ ** مى رحله فامنع حلالك

لا يغلبنّ صليبهم ** ومحالهم غدوا محالك

أي فإنهم كانوا نصارى. ولا هم: أصله اللهم، فإن العرب تحذف الألف واللام، وتكتفي بما يبقى، وكذلك تقول: لاه أبوك، تريد لله أبوك، والحلال بكسر الحاء المهملة: جمع حلة، وهي البيوت المجتمعة. والمحال بكسر الميم: القوة والشدة، والغدو بالغين المعجمة أصله الغد: وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك الذي أنت فيه. ويقال إن عبد المطلب جمع قومه وعقد راية وعسكر بمنى.

وجمع ابن ظفر بينه وبين ما تقدم من أنه خرج مع قومه إلى رؤوس الجبال، بأنه يحتمل أنه أمر أن تكون الذرية في رؤوس الجبال: أي وخرج معه تأنيسا لهم ثم رجع وجمع إليه المقاتلة: أي ويؤيد ذلك قول المواهب: ثم إن أبرهة أمر رجلا من قومه يهزم الجيش، فلما وصل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع إلى آخر ما تقدم. فإسقاط المواهب كون قريش جيشت جيشا مع قومه، ثم إن أبرهة أرسل رجلا من قومه ليهزم الجيش لا يحسن. ثم ركب عبد المطلب لما استبطأ مجيء القوم إلى مكة ينظر ما الخبر فوجدهم قد هلكوا: أي غالبهم، وذهب غالب من بقي، فاحتمل ما شاء من صفراء وبيضاء، ثم آذن: أي أعلم أهل مكة بهلاك القوم فخرجوا فانتهبوا.

وفي كلام سبط ابن الجوزي: وسبب غنى عثمان بن عفان أن أباه عفان وعبد المطلب وأبا مسعود الثقفي لما هلك أبرهة وقومه كانوا أول من نزل مخيم الحبشة، فأخذوا من أموال أبرهة وأصحابه شيئا كثيرا ودفنوه عن قريش، فكانوا أغنى قريش وأكثرهم مالا. ولما مات عفان ورثه عثمان  .

أي ومن جملة من سلم من قوم أبرهة ولم يذهب بل بقي بمكة سائس الفيل وقائده.

فعن عائشة  : أدركت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.

وأورد على هذا أن الحجاج خرّب الكعبة بضرب المنجنيق ولم يصبه شيء.

ويجاب بأن الحجاج لم يجيء لهدم الكعبة ولا لتخربها ولم يقصد ذلك، وإنما قصد التضييق على عبد الله بن الزبير   ليسلم نفسه، وهذا أولى من جواب المواهب كما لا يخفى، والله أعلم.

وكان بمكة في الدار التي صارت تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج: أي وكانت قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب، ولم تزل بيد أولاده بعد وفاته إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار قاله الفاكهي: أي فأدخلها في داره وسماها البيضاء: أي لأنها بنيت بالجص ثم طليت به، فكانت كلها بيضاء، وصارت تعرف بدار ابن يوسف، لكن سيأتي في فتح مكة أنه قيل له «يا رسول الله تنزل في الدور؟ قال: هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» فإن هذا السياق يدل على أن عقيلا باع تلك الدار فلم يبق بيده ولا بيد أولاده بعده. إلا أن يقال المراد باع ما عدا هذه الدار التي هي مولده: أي لأنه كما سيأتي في الفتح باع دار أبيه أبي طالب، لأنه وطالبا أخاه ورثا أبا طالب، لأنهما كانا كافرين عند موت أبي طالب، دون جعفر وعلي   فإنهما كانا مسلمين، وعقيل أسلم بعد دون طالب، فإن طالبا اختطفته الجن ولم يعلم به، وإن عقيلا باع دار رسول الله ﷺ التي هي دار خديجة: أي التي يقال لها مولد فاطمة  ، وهي الآن مسجد يصلى فيه، بناه معاوية   أيام خلافته. قيل وهو أفضل موضع بمكة بعد المسجد الحرام: أي واشتهر بمولد فاطمة   لشرفها، وإلا فهو مولد بقية إخوتها من خديجة، ولعل معاوية   اشترى تلك الدار ممن اشتراها من عقيل.

ويدل لما قلناه قول بعضهم: لم يتعرض عند فتح مكة لتلك الدار التي أبقاها في يد عقيل: أي التي هي دار خديجة، فإنه لم يزل بها حتى هاجر فأخذها عقيل.

وفي كلام بعضهم: لما فتح النبي ﷺ مكة ضرب مخيمه بالحجون، فقيل له: ألا تنزل منزلك من الشعب فقال «وهل ترك لنا عقيل منزلا» وكان عقيل قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنازل إخوته حين هاجروا من مكة، ومنزل كل من هاجر من بني هاشم.

وفي كلام بعضهم: كان عقيل تخلف عنهم في الإسلام والهجرة، فإنه أسلم عام الحديبية التي هي السنة السادسة وباع دورهم، فلم يرجع النبي ﷺ في شيء منها، وهي أي تلك الدار التي ولد بها عند الصفا، قد بنتها زبيدة زوجة الرشيد أم الأمين مسجدا لما حجّت.

وفي كلام ابن دحية أن الخيزران أم هارون الرشيد لما حجت أخرجت تلك الدار من دار ابن يوسف وجعلتها مسجدا. ويجوز أن تكون زبيدة جددت ذلك المسجد الذي بنته الخيزران فنسب لكل منهما، وسيأتي أن الخيزران بنت دار الأرقم مسجدا، وهي عند الصفا أيضا، ولعل الأمر التبس على بعض الرواة لأن كلا منهما عند الصفا. وقيل ولد في شعب بني هاشم.

أقول: قد يقال لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون تلك الدار من شعب بني هاشم، ثم رأيت التصريح بذلك. ولا ينافيه ما تقدم في الكلام على الحمل من أن شعب أبي طالب وهو من جملة بني هاشم كان عند الحجون، لأنه يجوز أن يكون أبو طالب انفرد عنهم بذلك الشعب، والله أعلم.

قال: وقيل ولد في الردم: أي ردم بني جمح، وهم بطن من قريش، ونسب لبني جمح لأنه ردم على من قتلوا في الجاهلية من بني الحارث، فقد وقع بين بني جمح وبين بني الحارث في الجاهلية مقتلة، وكان الظفر فيها لبني جمح على بني الحارث فقتلوا منهم جمعا كثيرا، وردم على تلك القتلى بذلك المحل. وقيل ولد بعسفان انتهى.

أقول: مما يردّ القول بكونه ولد بعسفان ما ذكره بعض فقهائنا، أن من جملة ما يجب على الولي أن يعلم موليه إذا ميز أنه ولد بمكة ودفن بالمدينة، إلا أن يقال ذاك بناء على ما هو الأصح عندهم. والردم: هو المحل الذي كانت ترى منه الكعبة قبل الآن، ويقال له الآن المدعي، لأنه يؤتى فيه بالدعاء الذي يقال عند رؤية الكعبة، ولم أقف على أنه وقف به، ولعله لم يكن مرتفعا في زمنه، لأنه إنما رفعه وبناه سيدنا عمر   في خلافته، لما جاء السيل العظيم الذي يقال له سيل أم نهشل، وهي بنت عبيدة بن سعيد بن العاص، فإنه أخذها وألقاها أسفل مكة فوجدت هناك ميتة، ونقل المقام إلى أن ألقاه بأسفل مكة أيضا فجيء به وجعل عند الكعبة، وكوتب عمر   بذلك فحضر وهو فزع مرعوب، ودخل مكة معتمرا فوجد محل المقام دثر، وصار لا يعرف، فهاله ذلك ثم قال: أنشد الله عبدا عنده علم من محل هذا المقام، فقال المطلب بن رفاعة  : أنا يا أمير المؤمنين عندي علم بذلك، فقد كنت أخشى عليه مثل ذلك، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بحفاظ، فقال له اجلس عندي وأرسل، فأرسل فجيء بذلك الحفاظ فقيس به ووضع المقام بمحله الآن، وأحكم ذلك واستمر إلى الآن. فعند ذلك بني هذا المحل الذي يقال له الردم بالصخرات العظيمة ورفعه فصار لا يعلوه السيل، وصارت الكعبة تشاهد منه، والآن قد حالت الأبنية فصارت لا ترى، ومع ذلك لا بأس بالوقوف عنده والدعاء فيه تبركا بمن سلف، ولعل هذا محمل قول من قال: أول من نقل المقام إلى محله ـ وكان ملصقا بالكعبة ـ عمر بن الخطاب  ، فلا ينافي أن الناقل له هو كما سيأتي، لكن رأيت ابن كثير قال: وقد كان هذا الحجر أي الذي هو المقام ملصقا بباب الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب   فأخره عنه لئلا يشغل المصلين عنده الطائفون بالبيت، هذا كلامه.

وقوله من قديم الزمان ظاهره من عهد إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فليتأمل.

وعن كعب الأحبار: إني أجد في التوراة: عبدي أحمد المختار، مولده بمكة: أي وهو ظاهر في أن كعب الأحبار كان قبل الإسلام على دين اليهودية.

قال وعن عبد الرحمن بن عوف   عن أمه الشفاء: أي بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء، وقيل بفتحها وتشديد الفاء مقصورا قالت: لما ولدت آمنة رسول الله ﷺ وقع على يدي: أي فهي دايته. ووقع في كلام ابن دحية أن أم أيمن دايته.

وقد يقال إطلاق الداية على أم أيمن، لأنها قامت بخدمته، ومن ثم قيل لها حاضنته، وللشفاء قابلته.

وقد قيل: في اسم الوالدة والقابلة الأمن والشفاء، وفي اسم الحاضنة البركة والنماء، وفي اسم مرضعته أولا التي هي ثويبة الثواب، وفي اسم مرضعته المستقلة برضاعه التي هي حليمة السعدية الحلم والسعد. قالت أم عبد الرحمن: فاستهل، فسمعت قائلا يقول: يرحمك الله تعالى، أو رحمك ربك: أي أو يرحمك ربك، ولهذا القول الذي لا يقال إلا عند العطاس: أي الذي هو التشميت بالشين المعجمة والمهملة، حمل بعضهم الاستهلال الذي هو في المشهور صياح المولود أول ما يولد: يقال استهل المولود: إذا رفع صوته على العطاس مع الاعتراف بأنه لم يجيء في شيء من الأحاديث تصريح بأنه لما ولد عطس انتهى: أي فقد قال الحافظ السيوطي: لم أقف في شيء من الأحاديث يدل على أنه لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها: أي وعطس بفتح الطاء يعطس بالكسر والضم وحكي بالفتح، ولعله من تداخل اللغتين، لكن في الجامع الصغير «استهلال الصبي العطاس» وحينئذ يكون استهلال المولود له معنيان: هما مجرد رفع الصوت والعطاس، وحمل هنا على العطاس بقرينة الجواب الذي لا يقال إلا عند العطاس، وقد أشار إلى التشميت صاحب الهمزية   بقوله:

شمتته الأملاك إذ وضعته ** وشفتنا بقولها الشفاء

أي قالت له الأملاك: رحمك الله، أو رحمك ربك وقت وضع أمه له، وفرحتنا بقولها المذكور الشفاء التي هي أم عبد الرحمن بن عوف.

أقول: قال بعضهم: ولعله حمد الله بعد عطاسه لما استقر من شرعه الشريف أنه لا يسن التشميت: إلا لمن حمد الله تعالى، هذا كلامه. ويدل لما ترجاه ما تقدم أنه حين خروجه من بطن أمه قال «الحمد لله كثيرا».

وفي كلام بعض شراح الهمزية: ويجوز أن يكون شمت من غير حمد، تعظيما لقدره. وقد جاء «العاطس إن حمد الله تعالى فشمتوه، وإن لم يحمد فلا تشمتوه» وجاء «إذا عطس فحمد الله تعالى فحق على كل من سمعه أن يشمته» وفي الصحيح «أن رجلا عطس عند النبي ﷺ وحمد الله فشمته. وعطس آخر فلم يحمد الله فلم يشمته» وفي حديث حسن «إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإذا زاد على ثلاث فهو مزكوم فلا يشمت بعد ثلاث» وتمسك بذلك: أي بالأمر بالتشميت بصيغة افعل التي الأصل فيها الوجوب، وبقوله حتى أهل الظاهر على وجوب التشميت على كل من سمع.

وذهب بعض الأئمة إلى وجوبه على الكفاية، وهو منقول عن مشهور مذهب مالك  : أي وعن ابن عباس  : ليس على إبليس أشد من تشميت العاطس.

وعن سالم بن عبيد الله الأشجعي وكان من أهل الصفة قال: قال رسول الله: «إذا عطس أحدكم فليحمد الله  ، وليقل من عنده يرحمك الله، وليردّ عليه بقوله: يغفر الله لي ولكم».

ومن لطيف ما اتفق أن الخليفة المنصور وشي عنده ببعض عماله، فلما حضر عنده عطس المنصور فلم يشمته ذلك العامل، فقال له المنصور: ما منعك من التشميت؟ فقال إنك لم تحمد الله، فقال حمدت في نفسي، فقال قد شمتك في نفسي، فقال له ارجع إلى عملك فإنك إذا لم تحابني لا تحابي غيري.

قال بعضهم: والحكمة في قول العاطس ما ذكر أنه ربما كان العطاس سببا لالتواء عنقه فيحمد الله على معافاته من ذلك. وقال غيره: لأن الأذى وهي الأبخرة المحتقنة تندفع به عن الدماغ الذي فيه قوة التذكر والتفكر: أي فهو بحران الرأس، كما أن العرق بحران بدن المريض، وذلك نعمة جليلة، وفائدة عظيمة، ينبغي أن يحمد الله تعالى عليها: أي ولأن الأطباء كما زعمه بعضهم نصوا على أن العطاس من أنواع الصرع، أعاذنا الله تعالى من الصرع. وقد ينازع فيه ما تقدم، وما ذكره بعض الأطباء أن العطاس للدماغ كالسعال للرئة.

قال: والعطاس أنفع الأشياء لتخفيف الرأس، وهو مما يعين على نقص المواد المحتبسة ويسكن ثقل الرأس فيحصل منه النشاط والخفة.

وفي نوادر الأصول للترمذي قال «هذا جبريل يخبركم عن الله تعالى: ما من مؤمن يعطس ثلاث عطسات متواليات إلا كان الإيمان في قلبه ثابتا».

وفي الجامع الصغير «إن الله تعالى يحب العطاس، ويكره التثاؤب» والعطسة الشديدة من الشيطان. وفي الحديث «العطاس شاهد عدل» وفي حديث حسن «أصدق الحديث ما عطس عنده».

وقد جاء أن روح آدم   لما نزلت إلى خياشيمه عطس، فلما نزلت إلى فمه ولسانه قال الله تعالى له قل {الحمد لله رب العالمين} فقالها آدم  ، فقال الحق يرحمك الله يا آدم، ولذلك خلقتك» وفي رواية «وللرحمة خلقتك» أي للموت.

وقد روى الترمذي مرفوعا بسند ضعيف «العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة من الشيطان» وروى ابن أبي شيبة موقوفا بسند ضعيف أيضا «إن الله يكره التثاؤب، ويحب العطاس في الصلاة » أي فمع كون كل واحد من العطاس والتثاؤب في الصلاة من الشيطان العطاس فيها أحب إلى الله تعالى من التثاؤب فيها، والتثاؤب فيها أكره إلى الله تعالى من العطاس فيها، لأن الكراهة مقولة بالتشكيك.

ويمكن حمل كون العطاس من الشيطان على شدته ورفع الصوت به كما تقدم التقييد بذلك في الرواية السابقة، ومن ثم جاء «إذا عطس أحدكم» أي هم بالعطاس «فليضع كفيه على وجهه، وليخفض صوته» أي ولا ينافي وجود الشفاء ووجود أم عثمان بن العاص عند أمه عند ولادته ما روي عنها أنها قالت «لما أخذني ما يأخذ النساء» أي عند الولادة «وإني لوحيدة في المنزل رأيت نسوة كالنخل طولا كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي» وفي كلام ابن المحدّث «ودخل عليّ نساء طوال كأنهن من بنات عبد المطلب ما رأيت أضوأ منهن وجوها، وكأنّ واحدة من النساء تقدمت إليّ فاستندت إليها، وأخذني المخاض، واشتد عليّ الطلق، وكأنّ واحدة منهن تقدمت إليّ وناولتني شربة من الماء أشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وأحلى من الشهد، فقالت لي اشربي فشربت، ثم قالت الثالثة: ازدادي فازددت، ثم مسحت بيدها على بطني وقالت: بسم الله اخرج باذن الله تعالى، فقلن لي: أي تلك النسوة: ونحن آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وهؤلاء من الحور العين» لجواز وجود الشفاء وأم عثمان عندها بعد ذلك، وتأخر خروجه عن القول المذكور حتى نزل على يد الشفاء، لما تقدم من قولها «وقع على يديّ» ولعل حكمة شهود آسية ومريم لولادته كونهما تصيران زوجتين له في الجنة مع كلثم أخت موسى.

ففي الجامع الصغير: «إن الله تعالى زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وامرأة فرعون وأخت موسى» وسيأتي عند موت خديجة أنه قال لها: «أشعرت أن الله تعالى قد أعلمني أنه سيزوجني» وفي رواية «أما علمت أن الله تعالى قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى. وآسية امرأة فرعون؟ فقالت: ألله أعلمك بهذا؟ قال نعم. قالت بالرفاء والبنين» وقد حمى الله هؤلاء النسوة عن أن يطأهن أحد.

فقد ذكر أن آسية لما ذكرت لفرعون أحب أن يتزوجها فتزوجها على كره منها ومن أبيها مع بذله لها الأموال الجليلة، فلما زفت له وهم بها أخذه الله عنها وكان ذلك حاله معها، وكان قد رضي منها بالنظر إليها.

وأما مريم فقيل إنها تزوجت بابن عمها يوسف النجار ولم يقربها، وإنما تزوجها ليرفقها إلى مصر لما أرادت الذهاب إلى مصر بولدها عيسى  ، وأقاموا بها اثنتي عشرة سنة، ثم عادت مريم وولدها إلى الشام ونزلا الناصرة.

وأخت موسى   لم يذكر أنها تزوجت، وهذا يفيد أن بنات عبد مناف أو بنات عبد المطلب على ما تقدم كنّ متميزات عن غيرهن من النساء في إفراط الطول.

وقد رأيت أن علي بن عبد الله بن عباس وهو جد الخليفتين السفاح والمنصور أول خلفاء بني العباس أبو أبيهما محمد كان مفرطا في الطول، كان إذا طاف كأن الناس حوله وهو راكب، وكان مع هذا الطول إلى منكب أبيه عبد الله بن عباس، وكان عبد الله بن عباس إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب.

لكن ابن الجوزي اقتصر في ذكر الطوال على عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وقيس بن سعد، وحبيب بن سلمة، وعلي بن عبد الله بن العباس. وسكت عن عبد الله بن عباس، وعن أبيه العباس، وعن أبيه عبد المطلب.

وفي المواهب أن العباس كان معتدلا، وقيل كان طوالا. ورأيت أن عليا هذا جد الخلفاء العباسيين كان على غاية من العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل، حتى قيل: إنه كان أجمل شريف على وجه الأرض، وكان يصلي في كل ليلة ألف ركعة ولذلك كان يدعى السجاد، وأن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هو الذي سماه عليا وكناه أبا الحسن.

فقد روي أن عليا رضى الله تعالى عنه افتقد عبد الله بن عباس   في وقت صلاة الظهر، فقال لأصحابه ما بال أبي العباس يعني عبد الله لم يحضر؟ فقالوا ولد له مولود، فلما صلى عليّ كرم الله وجهه قال امضوا بنا إليه، فأتاه فهنأه، فقال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. زاد بعضهم. ورزقت بره، وبلغ أشده، ما سميته؟ قال: أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه؟ فأمر به فأخرج إليه فأخذه فحنكه، ودعا له ثم رده إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، قد سميته عليا، وكنيته أبا الحسن، فلما ولى معاوية الخلافة قال لابن عباس: ليس لكم اسمه ولا كنيته يعني علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كراهة في ذلك، وقد كنيته أبا محمد فجرت عليه.

وقد يخالف ذلك ما ذكر بعضهم أن عليا المذكور لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له غير اسمك وكنيتك، فلا صبر لي على اسمك وهو عليّ وكنيتك وهي أبو الحسن، قال: أما الاسم فلا أغيره. وأما الكنية فأكتني بأبي محمد، وإنما قال عبد الملك ذلك كراهة في اسم علي بن أبي طالب وكنيته.

وعليّ هذا دخل هو وولدا ولده محمد وهما السفاح والمنصور وهما صغيران يوما على هشام بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة، فأكرمه هشام، فصار يوصيه عليهما ويقول له: سيليان هذا الأمر يعني الخلافة، فصار هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك إلى الحمق. ويقال إن الوليد بن عبد الملك: أي لما ولي الخلافة وبلغه عنه أنه يقول ذلك ضربه بالسياط على قوله المذكور، وأركبه بعيرا، وجعل وجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله بن عباس الكذاب، قال بعضهم: فأتيته وقلت له ما هذا الذي يسنده إليك من الكذب؟ قال: بلغهم عني أني أقول إن هذا الأمر يعني الخلافة ستكون في ولدي، والله لتكوننّ فيهم، فكان الأمر على ما ذكر فقد ولي السفاح الخلافة ثم المنصور.

وفي دلائل النبوة للبيهقي أن عبد الله بن عباس   قدم على معاوية  ، فأجازه وأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس هل تكون لكم دولة؟ قال اعفني يا أمير المؤمنين، قال لتخبرني، قال نعم، قال فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان: أي وهو أبو مسلم الخراساني، يجيء بجيشه معه رايات سود يسلب دولة بني أمية، ويجعل الدولة لبني العباس. ويقال إن أبا مسلم هذا قتل ستمائة ألف رجل صبرا غير الذي قتله في الحروب، وهذه الرايات السود غير التي عناها بقوله: «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي» فإن تلك الرايات تأتي قبيل قيام الساعة. ثم صارت الخلافة في أولاد المنصور. وقول عليّ في ولدي واضح، لأن ولد الولد ولد.

وقد حكي في مرآة الزمان عن المأمون، أنه قال: حدثني أبي يعني هارون الرشيد، عن أبيه المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه عليّ، عن أبيه عبد الله بن عباس  ، عن النبي ﷺ أنه قال: «سيد القوم خادمهم» وذكر أنه مما يؤثر عن المأمون أنه كان يقول: استخدام الرجل ضيفه لؤم.

وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إليّ بالجرائم، وإني أخاف إني لا أوجر على العفو، أي لأنه صار لي طبيعة وسجية.

قالت أمه: ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات: علما بالمشرق، وعلما بالمغرب، وعلما على ظهر الكعبة، والله أعلم.

ولما ولد رسول الله ﷺ وضعت عليه جفنة بفتح الجيم، فانفلقت عنه فلقتين قال: وهذا مما يؤيد أنه ولد ليلا. فعن ابن عباس   قال: كان في عهد الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصبحوا، فلما ولد رسول الله ﷺ وضعوه تحت برمة. زاد في لفظ ضخمة. والبرمة: القدر، فلما أصبحوا أتوا البرمة، فإذا هي قد انفلقت ثنتين وعيناه إلى السماء، فتعجبوا من ذلك.

وعن أمه أنها قالت: فوضعت عليه الإناء فوجدته قد تفلق الإناء عنه وهو يمص إبهامه يشخب أي يسيل لبنا اهـ.

أي وفي العرائس أن فرعون لما أمر بذبح أبناء بني إسرائيل جعلت المرأة: أي بعض النساء كما لا يخفى إذا ولدت الغلام انطلقت به سرا إلى واد أو غار فأخفته فيه، فيقيض الله سبحانه وتعالى له ملكا من الملائكة يطعمه ويسقيه حتى يختلط بالناس، وكان الذي أتى السامري لما جعلته أمه في غار من الملائكة جبريل  ، فكان أي السامري يمص من إحدى إبهاميه سمنا ومن الأخرى عسلا، ومن ثم إذا جاع المرضع يمص إبهامه فيروى من المص، قد جعل الله له فيه رزقا. والسامري هذا كان منافقا يظهر الإسلام لموسى   ويخفي الكفر.

وفي رواية أن عبد المطلب هو الذي دفعه للنسوة ليضعوه تحت الإناء.

أقول: هذا هو الموافق لما سيأتي عن ابن إسحاق من أن أمه لما ولدته أرسلت إلى جده: أي وكان يطوف بالبيت تلك الليلة فجاء إليها: أي فقالت له يا أبا الحارث ولد لك مولود له أمر عجيب، فذعر عبد المطلب وقال: أليس بشرا سويا؟ فقالت نعم، ولكن سقط ساجدا، ثم رفع رأسه وأصبعيه إلى السماء، فأخرجته له ونظر إليه. وأخذه ودخل به الكعبة ثم خرج فدفعه إليها، وبه يظهر التوقف في قول ابن دريد: أكفئت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده، فجاء جده والجفنة قد انفلقت عنه، إلا أن يقال يجوز أن يكون جده أخذه بعد انفلاق الجفنة ثم دخل به الكعبة، ثم بعد خروجه به من الكعبة دفعه لها وللنسوة ليضعوه تحت جفنة أخرى إلى أن يصبح، فانفلقت تلك الجفنة الأخرى حتى لا ينافي ذلك ما تقدم عن أمه: فوجدت الإناء قد تفلق وهو يمص إبهامه.

وعن إياس الذي يضرب به المثل في الذكاء قال: أذكر الليلة التي وضعت فيها وضعت أمي على رأسي جفنة وقال لأمه ما شيء سمعته لما ولدت؟ قالت يا بني طست سقط من فوق الدار إلى أسفل ففزعت فولدتك تلك الساعة.

وقال بعضهم: يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، وإن إياسا منهم ولعل هذا هو المراد بما جاء في الحديث «يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» والمراد برأسها آخرها بأن يدرك أوائل المائة التي تليها بأن تنقضي تلك المائة وهو حي، إلا أني لم أقف على أن إياسا هذا كان من المجددين والله أعلم.

وفي تفسير ابن مخلد الذي قال في حقه ابن حزم. ما صنف مثله أصلا: أن إبليس رن أي صوّت بحزن وكآبة أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله ﷺ: أي وهو المراد بقول بعضهم يوم بعثه، ورنة حين أنزلت عليه فاتحة الكتاب، وإلى رنته حين ولادته أشار صاحب الأصل بقوله.

لمولده قد رنّ إبليس رنة ** فسحقا له ماذا يفيد رنينه

وعن عطاء الخراساني لما نزل قوله تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} صرخ إبليس صرخة عظيمة اجتمع إليه فيها جنوده من أقطار الأرض قائلين: ما هذه الصرخة التي أفزعتنا؟ قال: أمر نزل بي لمن ينزل قط أعظم منه، قالوا: وما هو؟ فتلا عليهم الآية وقال لهم: فهل عندكم من حيلة؟ قالوا ما عندنا من حيلة، فقال: اطلبوا فإني سأطلب، قال: فلبثوا ما شاء الله، ثم صرخ أخرى فاجتمعوا إليه وقالوا: ما هذه الصرخة التي لم نسمع منك مثلها إلا التي قبلها؟ قال: هل وجدتم شيئا؟ قالوا: لا، قال: لكني قد وجدت؛ قالوا: وما الذي وجدت؟ قال أزين لهم البدع التي يتخذونها دينا ثم لا يستغفرون: أي لأن صاحب البدعة يراها بجهله حقا وصوابا ولا يراها ذنبا حتى يستغفر الله منها.

وقد جاء في الحديث «أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» أي لا يثيبه على عمله ما دام متلبسا بتلك البدعة.

وعن الحسن قال: بلغني أن إبليس قال: سوّلت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار، فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون الله منها وهي الأهواء أي البدع.

وقد جاء في الحديث «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: ضلالة الأهواء» الحديث، وأهل الأهواء هم أهل البدع.

وعن عكرمة أن إبليس لما ولد رسول الله ﷺ ورأى تساقط النجوم قال أي لجنوده؟ لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا، وهذا يدل على أن تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا، فقال له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته، فلما دنا من رسول الله ﷺ بعث الله جبريل   فركضه برجله ركضة وقع بعدن. وكوت تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا، مشكل مع قول بعضهم، لما رجمت الشياطين ومنعت من مقاعدها في السماء لاستراق السمع شكوا ذلك لإبليس، فقال لهم: هذا أمر حدث في الأرض، وأمرهم أن يأتوه بتربة من كل أرض، فصار يشمها إلى أن أتى بتربة من أرض تهامة، فلما شمها قال: من ههنا الحدث، هكذا ساقه بعضهم عند ولادته. إلا أن يقال: لا إشكال لأن تساقط النجوم وإن كان علامة وجود نبينا لكن في أي أرض! على أن بعضهم أنكر كون ما ذكر كان عند الولادة. وقد تقدم أن المذكور في كلام غيره إنما هو عند مبعثه كما سيأتي، ولعله من خلط بعض الرواة.

وعبارة بعضهم: روي أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء ثم تجاوز سماء الدنيا إلى غيرها، فلما ولد عيسى  ، منعوا من مجاوزة سماء الدنيا وصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا حتى ولد نبينا محمد، فمنعوا من التردد إلى السماء إلا قليلا: أي فصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا في بعض الأحايين، وفي أكثر الأحايين يسترقون دونها حتى بعث النبي ﷺ فمنعوا أصلا فصاروا لا يسترقون السمع إلا دون سماء الدنيا، ثم رأيتني نقلت في (الكوكب المنير في مولد البشير النذير) عن ابن عباس   أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها مما سيقع في الأرض فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى   حجبوا عن ثلاث سموات. وعن وهب عن أربع سموات، ولما ولد رسول الله ﷺ حجبوا عن الكل، وحرست بالشهب فما يريد أحد منهم استراق السمع إلا رمي بشهاب، وسيأتي عند المبعث إيضاح هذا المحل.

وقد أخبرت الأحبار والرهبان بليلة ولادته. فعن حسان بن ثابت   قال: إني لغلام يفعة، أي غلام مرتفع ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذ بيهودي بيثرب يصيح ذات يوم غداة على أطمة: أي محل مرتفع: يا معشر يهود فاجتمعوا إليه وأنا أسمع وقالوا ويلك، ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة: أي الذي طلوعه علامة على ولادته في تلك الليلة في بعض الكتب القديمة، وحسان هذا سيأتي أنه ممن عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام مثلها، وكذا عاش هذا القدر وهو مائة وعشرون سنة أبوه وجده ووالد جده. قال بعضهم: ولا يعرف أربعة تناسلوا وتساوت أعمارهم سواهم. وكان حسان   يضرب بلسانه أرنبة أنفه وكذا ابنه وأبوه وجده.

وعن كعب الأحبار  : رأيت في التوراة أن الله تعالى أخبر موسى عن وقت خروج محمد أي من بطن أمه، وموسى   أخبر قومه أن الكوكب المعروف عندكم اسمه كذا إذا تحرك وسار عن موضعه فهو وقت خروج محمد: أي وصار ذلك مما يتوارثه العلماء من بني إسرائيل.

وعن عائشة   قالت: كان يهودي يسكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال في مجلس من مجالس قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود؟ ، فقال القوم: والله ما نعلمه، قال: احفظوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة: أي وهو منكم معاشر قريش، على كتفه أي عند كتفه علامة: أي شامة فيها شعرات متواترات، أي متتابعات كأنهن عرف فرس: أي وتلك العلامة هي خاتم النبوة أي علامتها، والدليل عليها لا يرضع لليلتين، وذلك في الكتب القديمة من دلائل نبوته، أي وعدم رضاعه لعله لتوعك يصيبه. وفي كلام الحافظ ابن حجر وأقره تعليلا لعدم رضاعه: لأن عفريتا من الجن وضع يده على فيه.

وعند قول اليهودي ما ذكر تفرق القوم من مجالسهم وهم متعجبون من قوله، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم آله وفي لفظ أهله، فقالوا: لقد ولد الليلة، لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، فالتقى القوم حتى جاؤوا لليهودي وأخبروه الخبر: أي قالوا له أعلمت، ولد فينا مولود؟ قال: اذهبوا معي حتى أنظر إليه، فخرجوا حتى أدخلوه على أمه، فقال أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته وكشفوا على ظهره فرأى تلك الشامة فخر مغشيا عليه، فلما أفاق قالوا ويلك ما لك؟ قال: والله ذهبت النبوة من بني إسرائيل أفرحتم به يا معشر قريش؟ أما والله ليسطونّ عليكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب.

أي وعن الواقدي   أنه كان بمكة يهودي يقال له يوسف، لما كان اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول الله ﷺ قبل أن يعلم به أحد من قريش قال: يا معشر قريش قد ولد نبي هذه الأمة الليلة في بحرتكم، أي ناحيتكم هذه، وجعل يطوف في أنديتهم فلا يجد خبرا، حتى انتهى إلى مجلس عبد المطلب فسأل، فقيل له: قد ولد لابن عبد المطلب: أي لعبد الله غلام، فقال، هو نبيّ والتوراة.

وكان بمرّ الظهران راهب من أهل الشام يدعى عيصا، وقد كان آتاه الله علما كثيرا وكان يلزم صومعة له، ويدخل مكة فيلقى الناس ويقول: يوشك أي يقرب أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب، أي تذل وتخضع، ويملك العجم: أي أرضها وبلادها هذا زمانه، فمن أدركه أي أدرك بعثته واتبعه أصاب حاجته: أي ما يؤمله من الخير، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته، فكان لا يولد بمكة مولود إلا ويسأل عنه ويقول ما جاء بعد أي الآن، فلما كان صبيحة اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول الله ﷺ خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا فوقف على أصل صومعته فناداه، فقال: من هذا؟ فقال: أنا عبد المطلب: أي وقيل الجائي له عبد الله والد النبي ﷺ بناء على أنه لم يمت وأمه حامل به: أي ولعل قائله أخذ ذلك من قول الراهب لما قيل له ما ترى عليه، أي على ذلك المولود، فقال: كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه وأن نجمه أي الذي طلوعه علامة على وجوده طلع البارحة، وعلامة ذلك أي أيضا أنه الآن وجع فيشتكي ثلاثا ثم يعافى.

أقول: أي ولا يرضع في تلك الثلاث ليلتين، فلا يخالف ما سبق من قول الآخر لا يرضع ليلتين، ولا دلالة في قوله كن أباه على أن الجائي للراهب عبد الله، لأن عبد المطلب كان يقال له أبو النبي، ويقال للنبي ابن عبد المطلب، وقال النبي: «أنا ابن عبد المطلب» كما تقدم والله أعلم ثم قال له فاحفظ لسانك: أي لا تذكر ما قلته لك لأحد من قومك، فإنه لم يحسد حسده أحد، ولم يبغ على أحد كما يبغي عليه. قال فما عمره؟ قال: إن طال عمره لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها في إحدى وستين أو ثلاث وستين، زاد في رواية وذلك جلّ أعمار أمته.

وعند ولادته تنكست الأصنام أي أصنام الدنيا، وتقدم أيضا أنها تنكست عند الحمل به، وتقدم أنه لا مانع من تعدد ذلك.

وجاء أن عيسى   لما وضعته أمه خر كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجدا لوجهه وفزع إبليس.

فعن وهب بن منبه: لما كانت الليلة التي ولد فيها عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم أصبحت الأصنام في جميع الأرض منكسة على رؤوسهم، وكلما ردوها على قوائمها، انقلبت، فحارت الشياطين لذلك ولم تعلم السبب فشكت إلى إبليس، فطاف إبليس في الأرض ثم عاد إليهم، فقال: رأيت مولودا والملائكة قد حفت به فلم أستطع أن أدنوا إليه، وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم منه، وإني لأرجو أن أضل به أكثر ممن يهتدي به.

أقول: قد علمت أن تنكيس الأصنام تكرر لنبينا محمد عند الحمل وعند الولادة، فالخاص به ما كان عند الحمل لا ما كان عند الولادة، لمشاركة عيسى   في ذلك، وبهذا يعلم ما في قول الجلال السيوطي في خصائصه الصغرى إن من خصائصه تنكيس الأصنام لمولده.

وعن عبد المطلب قال: كنت في الكعبة فرأيت الأصنام سقطت من أماكنها وخرت سجدا، وسمعت صوتا من جدار الكعبة يقول: ولد المصطفى المختار الذي تهلك بيده الكفار، ويطهر من عبادة الأصنام، ويأمر بعبادة الملك العلام.

ولا يقال: قال إبليس في حق عيسى   لا أستطيع أن أدنو إليه، وتقدم في حق نبينا أن إبليس دنا منه فركضه جبريل  . لأنا نقول يجوز أن يكون الدنو في حق نبينا دنوا إلى محله الذي هو فيه لا إلى جسده، والدنو المنفي في حق عيسى   دنو إلى جسده.

فإن قيل: جاء في الحديث «ما من مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها» رواه الشيخان: أي لقول أم مريم {إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} وفي رواية «كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن الحجاب» وهي المشيمة التي يكون فيها الولد، ولعل المراد بجنبه جنبه الأيسر.

وعن قتادة: «كل مولود يمسه الشيطان بأصبعه في جنبه فيستهل صارخا إلا عيسى ابن مريم وأمه مريم ضرب الله عليهما حجابا، فأصابت الطعنة الحجاب فلم ينفذ إليهما من شيء» ولعل هذا الحجاب هو المشيمة. ويحتمل أن يكون غيرها.

قلت: وجاء عن مجاهد: «أن مثل عيسى في عدم طعن الشيطان في جسده حين يولد سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» وذلك لا يقال من قبل الرأي. وعلى تقدير صحة ذلك يكون تخصيص عيسى وأمه بالذكر كان قبل أن يعلم بأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كعيسى وأمه.

وهذا الكلام يرد بيان القاضي عياض للضرر المنفي في قوله: «من قال إذا أراد أن يأتي أهله بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن قدر بينهما في ذلك الوقت ولد من ذلك الجماع لم يضره الشيطان أبدا» بأن المراد أنه لا يطعن فيه عند ولادته، بخلاف غيره، وهذا: أي عدم قربه من نبينا يجوز أن يكون في حق خصوص إبليس، فلا ينافي ما تقدم عن الحافظ ابن حجر أن عدم ارتضاعه في ليلتين بوضع عفريت من الجن يده في فيه على تسليم صحته.

وصاحب الكشاف أخرج المس ومثله الطعن عن حقيقته وقال: المراد به طمع الشيطان إغوائه، وتبعه القاضي على ذلك، وسيأتي في شق صدره كلام يتعلق بذلك.

وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي: اعلم أنه لا بد لجميع بني آدم من العقوبة والألم شيئا بعد شيء إلى دخولهم الجنة، لأنه إذا نقل إلى البرزخ فلا بد له من الألم، أدناه سؤال منكر ونكير، فإذا بعث فلا بد له من ألم الخوف على نفسه أو غيره، وأول الألم في الدنيا استهلال المولود حين ولادته صارخا، لما يجده من مفارقة الرحم وسخونته، فيضربه الهواء عند خروجه من الرحم، فيحس بألم البرد فيبكي، فإن مات فقد أخذ حظه من البلاء. وقال بعد ذلك في قوله تعالى حكاية عن عيسى   (والسلام علي يوم ولدت): معناه السلامة من إبليس الموكل بطعن الأطفال عند الولادة حين يصرخ الولد إذا خرج من طعنته، فلم يصرخ عيسى   بل وقع ساجدا لله حين خرج، فليتأمل هذا مع قوله إن استهلال المولود وصراخه حين يولد لحسه ألم البرد الذي يجده بعد مفارقة سخونة الرحم. وقوله: بل وقع ساجدا يدل على أن سجود نبينا حين ولد ليس من خصائصه والله أعلم.

وذكر أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن جحش كانوا يجتمعون إلى صنم، فدخلوا عليه ليلة ولد رسول الله ﷺ فرأوه منكسا على وجهه، فأنكروا ذلك، فأخذوه فردوه إلى حاله فانقلب انقلابا عنيفا فردوه فانقلب كذلك الثالثة، فقالوا: إن هذا الأمر حدث، ثم أنشد بعضهم أبياتا يخاطب بها الصنم ويتعجب من أمره: ويسأله فيها عن سبب تنكسه، فسمع هاتفا من جوف الصنم بصوت جهير أي مرتفع يقول:

تردى لمولود أضاءت بنوره ** جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب

الأبيات.

وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله:

وتوالت بشرى الهواتف أن قد ** ولد المصطفى وحق الهناء

أي تتابعت بشارة الهواتف جمع هاتف، وهو ما يسمع صوته، ولا يرى شخصه، بأن قد ولد المصطفى المختار على الخلق كلهم، وثبت لهم الفرح والسرور.

وليلة ولادته تزلزلت الكعبة، ولم تسكن ثلاثة أيام ولياليهن وكان ذلك أول علامة رأت قريش من مولد النبي، وارتجس: أي اضطرب وانشق إيوان كسرى أنو شروان. ومعنى أنو شروان: مجدد الملك: أي وكان بناء محكما مبنيا بالحجارة الكبار والجص بحيث لا تعمل فيه الفؤوس؟ مكث في بنائه نيفا وعشرين سنة: أي وسمع لشقه صوت هائل، وسقط من ذلك الإيوان أربع عشرة شرفة بضم الشين المعجمة وسكون الراء، أي وليس ذلك لخلل في بنائه، وإنما أراد الله تعالى أن يكون ذلك آية لنبيه باقية على وجه الأرض.

أي وقد ذكر أن الرشيد أمر وزيره يحيى بن خالد البرمكي: أي والد جعفر والفضل بهدم إيوان كسرى، فقال له يحيى: لا تهدم بناء دل على فخامة شأن بانيه، قال: بلى يا مجوسي، ثم أمر بنقضه، فقدر له نفقة على هدمه، فاستكثرها الرشيد، فقال له يحيى ليس يحسن بك أن تعجز عن هدم شيء بناه غيرك.

هذا والذي رأيته في بعض المجاميع أن المنصور لما بنى بغداد أحب أن ينقض إيوان كسرى. فإن بينه وبينها مرحلة ويبني به، فاستشار خالد بن برمك، فنهاه وقال: هو آية الإسلام ومن رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزول أمره، وهو مصلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والمئونة في نقضه أكثر من الإنفاق عليه، ولا مانع من تكرر طلب نقضه من المنصور ومن ولد ولده الرشيد.

وإنما قال الرشيد ليحيى بن خالد يا مجوسي، لأن جده والد خالد البرمكي وهو برمك كان من خراسان، وكان أولا مجوسيا ثم أسلم، وكان كاتبا عارفا محصلا لعلوم كثيرة، جاء إلى الشام في دولة بني أمية، فاتصل بعبد الملك بن مروان، فحسن موقعه عنده وعلا قدره. ثم لما أن زالت دولة بني أمية وجاءت دولة بني العباس صار وزيرا للسفاح، ثم لأخيه المنصور من بني العباس، ورأيت عن برمك هذا حكاية عجيبة، وهي أنه سار إلى زيارة ملك الهند، فأكرمه وأنس به وأحضر له طعاما وقال كل، فأكلت حتى انتهيت، فقال لي كل، فقلت لا أقدر والله أيها الملك، فأمر بإحضار قضيب فأخذه الملك وأمرّ به على صدري فكأني لم آكل شيئا قط، ثم أكلت أكلا كثيرا حتى انتهيت، فقال لي كل، فقلت لا والله لا أقدر أيها الملك، فأمرّ بالقضيب على صدري فكأني لم آكل شيئا قط، فأكلت حتى انتهيت، فقال لي كل، فقلت والله ما أقدر على ذلك، فأراد أن يمر بالقضيب على صدري، فقلت أيها الملك إن الذي دخل يحتاج إلى أن يخرج، فقال: صدقت، وأمسك عني، فسألته عن القضيب، فقال: تحفة من تحف الملوك.

ومما يحفظ عن يحيى بن خالد هذا زيادة على ما تقدم عنه: إذا أحببت إنسانا من غير سبب فارج خيره، وإذا أبغضت إنسانا من غير سبب فتوق شره.

ومما يحفظ عنه أيضا وقد قال له ولده وأظنه الفضل، وقد كان معه مقيدا في حبس الرشيد بعد قتله لولده جعفر وصلبه ونهبه أموال البرامكة ومن يلوذ بهم: يا أبت بعد العز ونفوذ الكلمة صرنا إلى هذه الحالة، فقال: يا ولدي دعوة مظلوم سرت ليلا غفلنا عنها وما غفل الله عنها: أي فقد قال أبو الدرداء: إياكم ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.

أي ولأن الله تعالى يقول: «أنا أظلم الظالمين إن غفلت عن ظلم الظالم» وقد قال: «اتق دعوة المظلوم فإنما يسأل الله حقه، وإن الله تعالى لن يمنع ذا حق حقه» وجاء «اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» وجاء «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» والمراد بالغمام: الغمام الأبيض الذي فوق السماء السابعة، المعنيّ بقوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام} أي لا تقوى على حمله إذا سقط. ونصر دعوة المظلوم: استجابتها ولو بعد زمن طويل، فهو سبحانه وتعالى وإن أمهل الظالم لا يهمله، وجاء «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة » أي تصعد إلى السماء السابعة فما فوقها وجاء «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب».

وقد قال القائل:

تنام عيناك والمظلوم منتبه ** يدعو عليك وعين الله لم تنم

ومما قيل في يحيى بن خالد هذا من المدح البليغ:

سألت الندى هل أنت حر فقال لا ** ولكنني عبد ليحيى بن خالد

فقلت شراء؟ قال لا بل وراثة ** توارثني من والد بعد والد

ومما يحفظ عن والده خالد: التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمولود. ومما يحفظ عن جعفر ولد يحيى قوله: شر المال ما لزمك الإثم في كسبه، وحرمت الأجر في إنفاقه، وقوله: المسىء لا يظن في الناس إلا سوءا لأنه يراهم بعين طبعه. ومما قيل في جعفر من المدح قول الشاعر:

تروم الملوك ندى جعفر ** ولا يصنعون كما يصنع

وليس بأوسعهم في الغني ** ولكن معروفه أوسع

وخمدت نار فارس أي مع إيقاد خدامها لها: أي كتب له صاحب فارس: إن بيوت النار خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف عام. وغاضت أي غارت بحيرة ساوة أي بحيث صارت يابسة كأن لم يكن بها شيء من الماء مع شدة اتساعها: أي كتب له بذلك عامله باليمن، وإلى هذا يشير صاحب الأصل بقوله:

لمولده إيوان كسرى تشققت ** مبانيه وانحطت عليه شؤونه

لمولده خرت على شرفاته ** فلا شرف للفرس يبقى حصينه

لمولده نيران فارس أخمدت ** فنورهم إخماده كان حينه

لمولده غاضت بحيرة ساوة ** وأعقب ذاك المدّ جور يشينه

كأن لم يكن بالأمس ريا لناهل ** ووردا لعين المستهام معينه

وإلى ذلك أيضا يشير صاحب الهمزية   بقوله:

وتداعى إيوان كسرى ولولا ** آية منك ما تداعى البناء

وغدا كل بيت نار وفيه ** كربة من خمودها وبلاء

وعيون للفرس غارت فهل كا ** ن لنيرانهم بها إطفاء

أي ومن العجائب التي ظهرت ليلة ولادته انهدام إيوان كسرى أنو شروان الذي كان يجلس به مع أرباب مملكته، وكان من أعاجيب الدنيا سعة وبناء وإحكاما، ولولا وجود علامة صادرة عنك إلى الوجود ما تهدّم هذا البناء العجيب الإحكام.

ومن ذلك أيضا أنه صار تلك الليلة كل واحد من بيوت نار فارس التي كانوا يعبدونها خامدة نيرانه والحال أن في ذلك البيت غما وبلاء عظيما من أجل سكون لهب تلك النيران التي كانوا يعبدونها في وقت واحد.

ومن ذلك أيضا غور ماء عيون الفرس في الأرض حتى لم يبق منها قطرة. وحينئذ يستفهم توبيخا وتقريعا لهم، فيقال: هل تلك المياه التي غارت كان بها إطفاء لتلك النيران؟ ويقال في جوابه، لا بل إطفاؤها إنما هو لوجود هذا النبي العظيم وظهوره.

ورأى الموبذان: أي القاضي الكبير. وفي كلام ابن المحدث، هو خادم النار الكبير ورئيس حكامهم، وعنه يأخذون مسائل شرائعهم، ورأى في نومه إبلا صعابا تقود خيلا عرابا: أي وهي خلاف البراذين، قد قطعت دجلة، أي وهي نهر بغداد، وانتشرت في بلادها، أي والإبل كناية عن الناس، ورأى كسرى ما هاله وأفزعه أي الذي هو ارتجاس الإيوان وسقوط شرافاته، فلما أصبح تصبر: أي لم يظهر الانزعاج لهذا الأمر الذي رآه تشجعا، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك: أي هذا الأمر الذي هاله وأفزعه عن مرازبته بضم الزاي: أي فرسانه وشجعانه، فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره، ثم بعث إليهم، فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون فيما بعثت إليكم؟ قالوا لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران، أي وورد عليه كتاب من صاحب إيليا يخيره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة. وورد عليه كتاب صاحب الشام يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة. وورد عليه كتاب صاحب طبرية يخبره أن الماء لم يجر في بحيرة طبرية، فازداد غما إلى غمه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله: أي وهو ارتجاس الإيوان وسقوط شرافاته، فقال الموبذان، فأنا ـ أصلح الله الملك ـ قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون في ناحية العرب، فابعث إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلا من علمائهم، فإنهم أصحاب علم بالحدثان.

فكتب كسرى عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد: فوجه إليّ برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح الغساني: أي وهو معدود من المعمرين، عاش مائة وخمسين سنة فلما ورد عليه قال: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه، قال ليسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي علم منه، وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بالذي وجه إليه فيه، قال علم ذلك عند خالي يسكن مشارف الشام بالفاء: أي أعاليها: أي وهي الجابية المدينة المعروفة، يقال له سطيح، قال فأته فاسأله عما سألتك عنه، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح وقد أشفى أي أشرف على الضريح. أي الموت: أي احتضر، وعمره إذ ذاك ثلثمائة سنة، وقيل سبعمائة سنة: أي ولم يذكره ابن الجوزي في المعمرين، وكان جسدا ملقى لا جوارح له، وكان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب فإنه ينتفخ فيجلس، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق. وفي كلام غير واحد: لم يكن له عظم سوى عظم رأسه وفي لفظ لم يكن له عظم ولا عصب إلا الجمجمة والكفين، ولم يتحرك منه إلا اللسان، قيل لكونه مخلوقا من ماء امرأة لأن ماء الرجل يكون منه العظم والعصب: أي كما سيأتي عنه من قوله: «نطفة الرجل يخلق منها العظم والعصب، ونطفة المرأة يخلق منها اللحم والدم». قال ذلك لما سأله اليهود فقالوا له: مم يخلق الولد؟ فلما قال لهم ما ذكر، قالوا له: هكذا كان يقول من قبلك: أي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وفيه أن عيسى   على تسليم أنه خلق من نطفة وهي نطفة أمه كان فيه العظم والعصب.

فقد قيل: تمثل لها الملك في صفة شاب أمرد حتى انحدرت شهوتها إلى أقصى رحمها، وقيل لم يخلق من نطفة أصلا. وقد صرح بالأول الشيخ محيي الدين بن العربي   حيث قال: أنكر الطبيعيون وجود ولد من ماء أحد الزوجين دون الآخر، وذلك مردود عليهم بعيسى   فإنه خلق من ماء أمه فقط، وذلك أن الملك لما تمثل لها بشرا سويا لشدة اللذة بالنظر إليه، فنزل الماء منها إلى الرحم، فتكون عيسى   من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة منها، فهو من ماء أمه فقط هذا كلامه.

أي وكون سطيح كان وجهه في صدره لم يختص سطيح بهذا الوصف. فقد رأيت أن عمرا ذا الأذعار إنما قيل له ذلك لأنه سبى أمة وجوهها في صدورها فذعرت الناس منهم وعمرو هذا كان في زمن سليمان بن داود عليهما السلام، وقيل قبله بقليل، وملكت بعده بلقيس بعد قتلها له.

وكان لسطيح سرير من الجريد والخوص إذا أريد نقله إلى مكان يطوي من رجليه إلى ترقوته. وفي لفظ إلى جمجمته كما يطوى الثوب، فيوضع على ذلك السرير فيذهب إلى حيث يشاء، وإذا أريد استخباره ليخبر عن المغيبات يحرك كما يحرك وطب المخيض: أي سقاء اللبن الذي يخض ليخرج زبده، فينتفخ ويمتلىء ويعلوه النفس، فيسأل فيخبر عما يسأل عنه، وكانت جمجمته إذا لمست أثر اللمس فيها للينها.

قيل وهو أول كاهن كان في العرب، وهذا يدل على أنه سابق على شق. وقد تقدم في حفر زمزم أن الكاهنة التي ذهب إليها عبد المطلب وقريش ليتحاكموا عندها تفلت في فم سطيح وفم شق، وذكرت أن سطيحا يخلفها، ومن ثم قال بعضهم: لم يكن أحد أشرف في الكهانة، ولا أعلم بها ولا أبعد فيها صيتا من سطيح وكان في غسان.

وذكر بعضهم أن سطيحا كان في زمن نزار بن معد بن عدنان، وهو الذي قسم الميراث بين بني نزار وهم مضر وإخوته، وهو يؤيد ما تقدم من أنه عمر سبعمائة سنة، ثم شق وعبد المسيح، وهؤلاء كانوا رؤوس الكهنة وأهل العلم الغامض منهم بالكهانة: أي وإلا فمنهم أي من أهل العلم الغامض: مسيلمة الكذاب في بني حنيفة، وسجاح كانت في بني تميم، وسجاح أخرى كانت في بني سعد. والكهانة: هي الإخبار عن الغيب، والكهانة من خواص النفس الإنسانية، لأن لها استعدادا للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها.

فسلم عبد المسيح على سطيح وكلمه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول: أصم أم يسمع غطريف اليمن: أي سيدهم إلى آخر أبيات ذكرها، فلما سمع سطيح شعر عبد المسيح رفع رأسه.

أقول: قد يقال لا منافاة بين إثبات الرأس هنا، ونفيه في قوله: ولم يكن له رأس، لأنه يجوز أن يكون المراد بالرأس المثبت الوجه، لكن قد تقدم أنه لم يكن له عظم سوى ما في رأسه أو الجمجمة، ففي ذلك إثبات الرأس.

وقد يقال: لما كان رأسه وتلك الجمجمة يؤثر فيها اللمس للينهما لمخالفتهما لرأس غيره ساغ إثبات الرأس له ونفيه عنه والله أعلم. وعند رفع رأسه قال: عبد المسيح، على جمل مشيح: أي سريع إلى سطيح، وقد وافى على الضريح: أي القبر، والمراد به الموت كما تقدم. بعثك ملك ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، أي تلاوة القرآن، وظهر صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقاما، ولا الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه: أي مات من ساعته.

والهراوة بكسر الهاء: وهي العصا الضخمة: أي وهو النبي، لأنه كان يمسك العصا كثيراعند مشيه. وكان يمشي بالعصا بين يديه وتغرز له فيصلي إليها التي هي العنزة. وفي الحديث «حمل العصا علامة المؤمن، وسنة الأنبياء» وفي الحديث «من بلغ أربعين سنة ولم يأخذ العصا عدله» أي عدم أخذ العصا «من الكبر والعجب».

وقد يقال: مراد سطيح بالعصا العنزة التي تغرز ويصلي إليها في غير المسجد، لأنه لم يحفظ أن ذلك كان لمن قبله من الأنبياء.

وذكر الطبري أن أبرويز بن هرمز جاء له جاء في المنام فقيل له: سلم ما في يدك إلى صاحب الهراوة، فلم يزل مذعورا من ذلك حتى كتب إليه النعمان بظهور النبي ﷺ بتهامة، فعلم أن الأمر سيصير إليه.

وعند موت سطيح نهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول شعرا منه:

شمر فإنك ماضي العزم شمير ** ولا يغرنك تفريق وتغيير

والناس أولاد علات فمن علموا ** أن قد أقل فمحقور ومهجور

وهم بنو الأم أما إن رأوا نشبا ** فذاك بالغيب محفوظ ومنصور

والخير والشر مقرونان في قرن ** فالخير متبع والشر محذور

فلما قدم عبد المسيح على كسرى وأخبره بما قاله سطيح، قال له كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان  : أي فقد ذكر أن آخر من هلك منهم كان في أول خلافة عثمان   ( ).

أي وكانت مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وأربعا وستين سنة.

ومن ملوك بني ساسان سابورد والأكتاف، قيل له ذلك، لأنه كان يخلع أكتاف من ظفر به من العرب. ولما جاء لمنازل بني تميم وجدهم فروا منه ومن جيشه، ووجد بها عمير بن تميم وهو ابن ثلثمائة سنة، وكان معلقا في قفة لعدم قدرته على الجلوس، فأخذ وجيء به إليه، فاستنطقه فوجد عنده أدبا ومعرفة، فقال للملك: أيها الملك لم تفعل فعلك هذا بالعرب؟ فقال: يزعمون أن ملكنا يصير إليهم على يد نبي يبعث في آخر الزمان فقال له عمير: فأين حلم الملوك وعقلهم؟ إن يكن هذا الأمر باطلا فلن يضرك، وإن يكن حقا ألفوك ولم تتخذ عندهم يدا يكافئونك عليها ويعظمونك بها في دولتك، فانصرف سابور وترك تعرضه للعرب، وأحسن إليهم بعد ذلك.

وقول سطيح يملك منهم ملوك وملكات، لم أقف على أنه ملك منهم من النساء إلا واحدة وهي بوران ولما بلغه ذلك قال: «لا يفلح قوم ملكتهم امرأة » فملكت سنة ثم هلكت.

وذكر ابن إسحاق   أن أمه لما ولدته أرسلت خلف جده عبد المطلب إنه قد ولد لك غلام فانظر إليه، فأتاه ونظر إليه وحدثته بما رأته، فأخذه عبد المطلب ودخل به الكعبة: أي وقام يدعو الله: أي وأهله يؤمنون ويشكر له ما أعطاه. ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وقد تقدم الوعد بذلك وتقدم ما فيه.

قال وتكلم في المهد في أوائل ولادته. وأول كلام تكلم به أن قال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا اهـ.

أقول: وتقدم أنه قال حين ولد: جلال ربي الرفيع، كما أورده السهيلي عن الواقدي وروي أنه تكلم حين خروجه من بطن أمه، فقال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.

ولا مانع من تكرر ذلك حين خروجه وحين وضعه في المهد وأنه زاد في المرة الثالثة وسبحان الله بكرة وأصيلا، وحينئذ يكون تكلمه حين خروجه من بطن أمه لم يشاركه فيه غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا الخليل وإلا نوح كما سيأتي، بخلاف تكلمه في المهد.

على أنه سيأتي أنه يجوز أن يكون المراد بالتكلم في المهد التكلم في غير أوان الكلام ويقال: إنه قال ذلك عند فطامه، وتقدم أنه قال: الحمد لله لما عطس على الاحتمال الذي أبداه بعضهم كما تقدم بما فيه.

ولا مانع من وجود هذه الأمور الثلاثة التي هي: جلال ربي الرفيع، والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا حين ولادته، وعلم ترتيبها يتوقف على نقل، وحينئذ تكون الأولية في الواقعة في بعض ذلك إما حقيقية أو إضافية.

وقدمنا أن الأولية في قوله جلال ربي الرفيع بالنسبة لقوله: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا إضافية.

قال وقد تكلم جماعة في المهد نظمهم الجلال السيوطي   في قوله:

تكلم في المهد النبي محمد ** ويحيى وعيسى والخليل ومريم

ومبري جريج ثم شاهد يوسف ** وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم

وطفل عليه مر بالأمة التي ** يقال لها تزني ولا تتكلم

وماشطة في عهد فرعون طفلها ** وفي زمن الهادي المبارك يختم

ا هـ.

قال بعضهم لكن هو حصر من تكلم في المهد في ثلاثة ولم يذكر نفسه، أي فقد رُوي عن أبي هريرة مرفوعا «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب جريج، وابن المرأة التي مر عليها بامرأة يقال لها إنها زنت» وقد يقال: هذا الحصر إضافي أي ثلاثة من بني إسرائيل، أو أن ذلك كان قبل أن يعلم مما زاد.

وذكر أن عيسى   تكلم في المهد وهو ابن ليلة. وقيل وهو ابن أربعين يوما أشار بسبابته وقال بصوت رفيع إني عبد الله لما مر بنو إسرائيل على مريم عليها السلام وهي حاملة له وأنكروا عليها ذلك، وأشارت إليهم أن كلموه وضربوا بأيديهم على وجوههم تعجبا و{قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} قال لهم ما قصة الله سبحانه وتعالى، ثم رأيتني في الكلام على قصة الإسراء والمعراج ذكرت ذلك، وأن عيسى تكلم يوم ولادته، قال لابن خال أمه يوسف النجار وقد خرج في طلب أمه وقد خرجت لما أخذها ما يأخذ النساء من الطلق عند الولادة خارج بيت المقدس، وجلست تحت نخلة يابسة، فاخضرت النخلة من ساعتها وتدلت عراجينها وجرت من تحتها عين ماء ووضعته تحتها: أبشر يا يوسف وطب نفسا وقر عينا، فقد أخرجني ربي من ظلمة الأرحام إلى ضوء الدنيا، وسآتي بني إسرائيل وأدعوهم إلى طاعة الله، فانصرف يوسف إلى زكريا   وأخبره بولادة مريم وقول ولدها ما ذكر.

وفي النطق المفهوم أن عيسى   كلم يوسف المذكور وهو في بطن أمه.

فقد قيل: إنه أول من علم بحمل مريم عليها السلام، فقال لها مقرعا لها: يا مريم هل تنبت الأرض زرعها من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير فحل؟ فقال له عيسى   وهو في بطن أمه: قم فانطلق إلى صلاتك، واستغفر الله مما وقع في قلبك.

وعن أبي هريرة   أن عيسى   تكلم في المهد ثلاث مرات ثم لم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان عادة: أي ولعل المرة الثالثة هي التي حمد الله فيها بحمد لم تسمع الأذان مثله، فقال: اللهم أنت القريب في علوك المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، حارت الأبصار دون النظر إليك.

ومبري جريج تكلم كذلك أي في بطن أمه، قيل له: من أبوك، فقال الراعي عبد بني فلان، وتكلم بعد خروجه من بطن أمه، فقد تكلم مرتين مرة في بطن أمه ومرة وهو طفل كذا في (النطق المفهوم) ولم أقف على وقت كلامه، ولا على ما تكلم به حينئذ.

وأما يحيى   فتكلم وهو ابن ثلاث سنين، قال لعيسى: أشهد أنك عبد الله ورسوله.

والخليل تكلم وقت ولادته، وسيأتي ما تكلم به، وفي كون ابن ثلاث سنين وفي كون من تكلم وقت ولادته يكون في المهد نظر، إلا أن يكون المراد بالتكلم في المهد التكلم في غير أوان الكلام.

ولم أقف على سن من تكلم في المهد حين تكلم غير من ذكر وغير الطفل الذي لذي الأخدود، فإنه لما جيء بأمه لتلقي في نار الأخدود لتكفر وهو معها مرضع: فتقاعست قال لها: يا أماه اصبري فإنك على الحق: قال ابن قتيبة: كان سنه سبعة أشهر. وفي (النطق المفهومّ) أن شاهد يوسف الصديق   كان عمره شهرين وكان ابن داية زليخا.

وفي الخصائص الصغرى: وخص بكلام الصبيان في المراضع، وشهادتهم له بالنبوة، ذكر ذلك البدر الدماميني  ، هذا كلامه، وفيه نظر، لأنه لم يشهد له بالنبوة من هؤلاء إلا مبارك اليمامة حسبما وقفت عليه.

ورأيت في الأجوبة المسكتة لابن عون   «أن اليهود قالوا للنبي: ألست لم تزل نبيا؟ قال نعم، قالوا: فلم لم تنطق في المهد كما نطق عيسى؟ قال: إن الله خلق عيسى من غير فحل، فلولا أنه نطق في المهد لما كان لمريم عذر وأخذت بما يؤخذ به مثلها، وأنا ولدت بين أبوين» هذا كلامه، وهو يخالف ما تقدم من أنه تكلم في المهد إلا أن يقال مرادهم لِمَ لَمْ تنطق في المهد بمثل الذي نطق به عيسى، أو أن ذلك منه إرخاء للعنان فليتأمل.

ثم رأيت أن إبراهيم الخليل   لما سقط على الأرض استوى قائما على قدميه وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، الحمد لله الذي هدانا لهذا.

قال في (النطق المفهوم) ولد بالغار الذي ولد به نوح وإدريس عليهما الصلاة والسلام ويقال لهذا الغار في التوراة غار النور، ويضم لهؤلاء ما ذكره الشيخ محيي الدين بن العربي   قال: قلت لبنتي زينب مرة وهي في سن الرضاعة قريبا عمرها من سنة ما تقولين في الرجل بجامع حليلته ولم ينزل؟ فقالت يجب عليه الغسل فتعجب الحاضرون من ذلك، ثم إني فارقت تلك البنت وغبت عنها سنة في مكة وكنت أذنت لوالدتها في الحج، فجاءت مع الحج الشامي، فلما خرجت لملاقاتها رأتني من فوق الجمل وهي ترضع، فقالت بصوت فصيح قبل أن تراني أمها هذا أبي، وضحكت وأرمت نفسها إلي.

قال: وقد رأيت أي علمت من أجاب أمه بالتشميت وهو في بطنها حين عطست وسمع الحاضرون كلهم صوته من جوفها شهد عندي الثقات بذلك، قال: وهذا واحد يخصه الله بعلمه وهو في بطن أمه ولا يحجبك قوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} لأنه لا يلزم من العالم حضوره مع علمه دائما.

و(في النطق المفهوم) أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه تكلم في بطن أمه فقال: أنا المفقود والمغيب عن وجه أبي زمنا طويلا، فأخبرت أمه والده بذلك، فقال لها: اكتمي أمرك.

وفيه أن نوحا   تكلم عقب ولادته، فإن أمه ولدته في غار خوفا على نفسها وعليه فلما وضعته وأرادت الانصراف قالت وانوحاه، فقال لها لا تخافي أحدا علي يا أماه، فإن الذي خلقني يحفظني.

وفيه أن أم موسى   لما وضعت موسى استوى قاعدا وقال: يا أماه لا تخافي، أي من فرعون، إن الله معنا.

ومبارك اليمامة قال بعض الصحابة، دخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ وسمعت فيها عجبا: جاءه رجل بصبي يوم ولد وقد لفه في خرقة فقال له النبي، يا غلام من أنا؟ قال الغلام بلسان طلق: أنت رسول الله، قال صدقت بارك الله فيك. ثم إن الغلام لم يتكلم بشيء فكنا نسميه مبارك اليمامة. وكانت هذه القصة في حجة الوداع، وكان يناغي القمر وهو في مهده: أي يحدثه يقال ناغت المرأة الصبي إذا كلمته بما يسره ويعجبه، وعد ذلك من خصائصه. ففي حديث فيه مجهول، وقيل فيه إنه غريب المتن والإسناد، عن عمه العباس   أنه قال يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك إشارة أي علامة نبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر: أي تحدثه، فتشير إليه بأصبعك، فحيثما أشرت إليه مال قال: كنت أحدثه ويحدثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته: أي سقطته حين يسجد تحت العرش أي ولم أقف على سنه حين ذلك، وكان مهده يتحرك بتحريك الملائكة، وعده ابن سميع   من خصائصه.

باب تسميته محمدا وأحمد

لا يخفى أن جميع أسمائه مشتقة من صفات قامت به توجب له المدح والكمال، فله من كل وصف اسم. قال: وكما أن لله عزّ وجل ألف اسم للنبي ألف اسم. عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب   وهو الباقر، من بقر العلم، أتقنه قال: أمرت آمنة أي في المنام وهي حامل برسول الله ﷺ أن تسميه أحمد وعن ابن إسحاق   أن تسميه محمدا وقد تقدم قال: والثاني هو المشهور في الروايات أي وعلى الأول اقتصر الحافظ الدمياطي  .

والمسمي له بمحمد جده عبد المطلب. فعن ابن عباس   قال: «لما ولد رسول الله ﷺ عقّ عنه: أي يوم سابع ولادته جده بكبش وسماه محمدا؟ فقيل له: يا أبا الحرث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه. وفي لفظ: وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال: أردت أن يحمده الله في السماء وتحمده الناس في الأرض» اهـ.

أقول: وهذا هو الموافق لما اشتهر أن جده سماه محمدا بإلهام من الله تعالى تفاؤلا بأن يكثر حمد الخلق له، لكثرة خصاله الحميدة التي يحمد عليها، ولذلك كان أبلغ من محمود وإلى ذلك يشير حسان   بقول:

فشق له من اسمه ليجلّه ** فذو العرش محمود وهذا محمد

وهذا الإلهام لا ينافي أن تكون أمه قالت له إنها أمرت أن تسميه بذلك، وقد حقق الله رجاءه بأنه تكاملت فيه الخصال المحمودة والخلال المحبوبة فتكاملت له المحبة من الخالق والخليقة، فظهر معنى اسمه على الحقيقة.

وفي الخصائص الصغرى: وخص باشتقاق اسمه من اسم الله تعالى وبأنه سمي أحمد ولم يسم به أحد قبله، ولإفادته الكثرة في معناه، لأنه لا يقال إلا لمن حمد المرة بعد المرة، لما يوجد فيه من المحاسن والمناقب.

ادّعى بعضهم أنه من صيغ المبالغة: أي الصيغ المفيدة للمبالغة بالمعنى المذكور استعمالا لا وضعا لأن الصيغ الموضوعة لإفادة المبالغة منحصرة في الصيغ الخمسة وليس هذا منها.

وهذا السياق يدل على أن تسميته بذلك كانت في يوم العقيقة، وأن العقيقة كانت في اليوم السابع من ولادته، وتقدم: ولد الليلة لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، وهو يدل على أن تسميته بذلك كانت في ليلة ولادته أو يومها.

وقد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون قوله هنا: وسماه محمدا، معناه أظهر تسميته بذلك لعموم الناس، وهذا التعليل للتسمية بهذا الاسم يرشد إلى ما قيل: اقتضت الحكمة أن يكون بين الاسم والمسمى تناسب في الحسن والقبح واللطافة والكثافة، ومن ثم غير الاسم القبيح بالحسن وهو كثير، وربما غير الاسم الحسن بالقبيح للمعنى المذكور كتسميته لأبي الحكم بأبي جهل، وتسميته لأبي عامر الراهب بالفاسق.

وجاء «أنه قال لبعض أصحابه ادع لي إنسانا يحلب ناقتي، فجاءه بإنسان، فقال له ما اسمك؟ فقال له حرب، فقال اذهب. فجاءه بآخر فقال: ما اسمك؟ فقال يعيش، فقال احلبها».

ويروى «أنه طلب شخصا يحفر له بئرا، فجاءه رجل، فقال له ما اسمك؟ قال مرة، فال اذهب» وليس هذا من الطيرة التي كرهها ونهى عنها، وإنما هو من كراهة الاسم القبيح، ومن ثم كان يكتب لأمرائه «إذا أبردتم لي بريدا فأبردوه» أي إذا أرسلتم لي رسولا فأرسلوه «حسن الاسم حسن الوجه» ومن ثم لما قال له سيدنا عمر   لما قال لمن أراد أن يحلب له ناقته أو يحفر له البئر ما تقدم «لا أدري أقول أم أسكت، فقال له رسول الله ﷺ قل، قال: قد كنت نهيتنا عن التطير، فقال له: ما تطيرت ولكن آثرت الاسم الحسن» وللجلال السيوطي كتاب فيمن غير رسول الله ﷺ اسمه، ولم أقف عليه.

ورأيت في كلام بعضهم «أن حزن بن أبي وهب أسلم يوم الفتح وهو جد سعيد بن المسيب أراد النبي ﷺ تغيير اسمه وتسميته سهلا فامتنع وقال لا أغير اسما سمانيه أبواي، قال سعيد: فلم تزل الحزونة فينا» والله أعلم.

أي وفي حديث «أنه عقّ عن نفسه بعد ما جاءته النبوة » قال الإمام أحمد، هذا منكر: أي حديث منكر، والحديث المنكر من أقسام الضعيف لا أنه باطل كما قد يتوهم، والحافظ السيوطي لم يتعرض لذلك وجعله أصلا لعمل المولد، قال لأن العقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا الذي فعله النبي ﷺ إظهارا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، وتشريعا لأمته، كما كان يصلي على نفسه لذلك. قال: فيستحب لنا إظهار الشكر بمولده هذا كلامه.

ويروى أن عبد المطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها: أي في منامه، رأى كأن سلسلة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق وأهل المغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا: أي مع ما حدثته به أمه بما رأته على ما تقدم.

وعن أبي نعيم عن عبد المطلب قال: بينما أنا نائم في الحجر، إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش، فلما نظرت إليّ عرفت في وجهي التغير فقالت: ما بال سيدهم قد أتى متغير اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر شيء؟ فقلت لها بلى، فقلت لها، إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها، ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا، فيكسر أظهرهم، ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا فلم أنله، فانتبهت مذعورا فزعا، فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك، ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب، وتدين له الناس، وعند ذلك قال عبد المطلب لابنه أبي طالب: لعلك أن تكون هذا المولود، فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد ويقول: كانت الشجرة هي محمد.

وفي الإمتاع: لما مات قثم بن عبد المطلب قبل مولد رسول الله ﷺ بثلاث سنين وهو ابن تسع سنين وجد عليه وجدا شديدا، فلما ولد رسول الله ﷺ سماه قثم حتى أخبرته أمه آمنة أنها أمرت في منامها أن تسميه محمدا، فسماه محمدا: أي ولا مخالفة بين هذه الروايات على تقدير صحتها كما لا يخفى، لأنه يجوز أن يكون نسي تلك الرؤية ثم تذكرها، ويكون معنى سؤاله: ما حملك على أن تسميه محمدا وليس من أسماء قومك؟ أي لم استقر أمرك على أن تسميه محمدا؟

وذكر بعضهم أنه لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم: يعني محمدا قبله إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين وفدوا على بعض الملوك وكان عنده علم من الكتاب الأول، وأخبرهم بمبعث النبي ﷺ: أي بالحجاز وبقرب زمنه وباسمه المذكور الذي هو محمد، وهو يدل على أن اسمه في بعض الكتب القديمة محمد، وكان كل واحد منهم قد خلف زوجته حاملا فنذر كل واحد منهم إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك.

وفي الشفاء أن في هذين الاسمين محمدا وأحمد من بدائع آياته: أي المصطفى وعجائب خصائصه أن الله تعالى حماهما عن أن يسمى بهما أحد قبل زمانه: أي قبل شيوع وجوده. أما أحمد الذي أتى في الكتب القديمة وبشرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمنع الله تعالى بحكمته أن يتسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله منذ خلقت الدنيا وفي حياته. زاد الزين العراقي: ولا في زمن أصحابه   حتى لا يدخل لبس أو شك على ضعيف القلب: أي فالتسمية به من خصائصه على جميع الناس ممن تقدمه، خلافا لما يوهمه كلام الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أنه من خصائصه على الأنبياء فقط.

ومن ثم ذهب بعضهم إلى أفضليته على محمد. وقال الصلاح الصفدي: إنَّ أحمد أبلغ من محمد، كما أن أحمر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر، ولعله لكونه منقولا عن أفعل التفضيل، لأنه أحمد الحامدين لرب العالمين، لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله.

وفي الهدى: لو كان اسمه أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى أن يسمى الحماد كما سميت بذلك أمته، وأما هذا فهو الذي يحمده أهل السماء والأرض وأهل الدنيا والآخرة، لكثرة خصاله المحمودة التي تزيد على عد العادين وإحصاء المحصين: أي أحق الناس وأولاهم بأن يحمد، فهو كمحمد في المعنى، فهو مأخوذ من الفعل الواقع على المفعول لا الواقع من الفاعل. وحينئذ فالفرق بين محمد وأحمد أن محمدا من كثر حمد الناس له، وأحمد من يكون حمد الناس له أفضل من حمد غيره، وسيأتي عن الشفاء أنه أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، فيجوز أن يكون أحمد مأخوذا من الفعل الواقع عن المفعول، كما يجوز أن يكون مأخوذا من الفعل الواقع من الفاعل.

وفي كلام السهيلي: ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان قبل أحمد، فبأحمد ذُكِر قبل أن يذكر بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، وأطال في بيان ذلك.

وفي كلام بعض فقهائنا معاشر الشافعية: أنه ليس في أحمد من التعظيم ما في محمد، لأنه أشهر أسمائه الشريفة وأفضلها فلذلك لا يكفي الإتيان به في التشهد بدل محمد. وقد جاء «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» قال بعضهم: وعبد الله أحب من عبد الرحمن لإضافة العبد إلى الله المختص به تعالى اتفاقا والرحمن مختص به على الأصح ومن ثم سمى نبينا في القرآن بعبد الله في قوله تعالى: {وإنه لما قام عبد الله يدعوه} وعلى ما ذكر هنا يكون بعد عبد الرحمن المذكور في القرآن في قوله تعالى: {وعباد الرحمن} أحمد ثم محمد: أي وبعدهما إبراهيم خلافا لمن جعله بعد عبد الرحمن.

وذكر بعضهم أن أول من تسمى بأحمد بعد نبينا ولد لجعفر بن أبي طالب، وعليه يشكل ما تقدم عن الزين العراقي. وقيل والد الخليل: أي ولعل المراد به الخليل بن أحمد صاحب العروض. ثم رأيت الزين العراقي صرح بذلك حيث قال: وأول من تسمى في الإسلام أحمد والد الخليل بن أحمد العروضي.

ويشكل على ذلك وعلى قوله لم يسمّ به أحد في زمن الصحابة تسمية ولد جعفر بن أبي طالب بذلك، إلا أن يقال لم يصح ذلك عند العراقي، أو يقال مراد العراقي أصحابه الذين تخلفوا عنه بعد وفاته، فلا يرد جعفر لأنه مات في حياته وهو خامس خمسة كل يسمي الخليل بن أحمد، وزاد بعضهم سادسا، وكذلك محمد أيضا لم يتسم به أحد قبل وجوده وميلاده إلا بعد أن شاع أن نبيا يبعث اسمه محمد بالحجاز وقرب زمنه، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك، وحمى الله تعالى هؤلاء أن يدَّعي أحد منهم النبوة أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه شيء من سماتها، أي علاماتها حتى تحققت له.

وفي دعوى أن الذي في الكتب القديمة إنما هو أحمد مخالفة لما سبق، وما يأتي عن التوراة والإنجيل: أي فالمراد بالكتب القديمة غالبها، فلا ينافي أن في بعضها اسمه محمد، وفي بعضها اسمه أحمد، وفي بعضها الجمع بين محمد وأحمد.

قال بعضهم: سمعت محمد بن عدي وقد قيل له: كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا؟ قال: سألت أبي، أي عما سألتني عنه، قال: خرجت رابع أربعة من تميم نريد الشام، فنزلنا عند غدير عند دير، فأشرف علينا الديراني وقال: إن هذه للغة قوم ما هي لغة أهل هذه البلد، فقلنا له: نحن قوم من مضر، فقال: من أيّ المضاير؟ فقلنا: من خندف، فقال لنا: إن الله سيبعث فيكم نبيا وشيكا: أي سريعا فسارعوا إليه، وخذوا حظكم ترشدوا، فإنه خاتم النبيين، فقلنا له: ما اسمه؟ قال محمد، ثم دخل ديره، فوالله ما بقي أحد منا إلا زرع قوله في قلبه، فأضمر كل واحد منا إن رزقه الله غلاما سماه محمدا، رغبة فيما قاله: أي فنذر كل واحد منا ذلك، فلا يخالف ما سق. قال: فلما انصرفنا ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.

أقول: يجوز أن يكون هؤلاء الأربعة منهم الثلاثة الذين وفدوا على بعض الملوك. وحينئذ تكرر لهم هذا القول من الملك ومن صاحب الدير، وإضمار ذلك لا ينافي نذره المتقدم، فالمراد باضماره نذره كما قدمناه. ويجوز أن يكونوا غيرهم فيكونوا سبعة.

وذكر ابن ظفر أن سفيان بن مجاشع نزل على حيّ من تميم فوجدهم مجتمعين على كاهنتهم وهي تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، فقال لها سفيان: من تذكرين لله أبوك؟ فقالت: صاحب هدى وعلم وحرب وسلم، فقال سفيان: من هو لله أبوك؟ فقالت نبي مؤيد، قد آن حين يوجد، ودنا أوان يولد، يبعث للأحمر والأسود اسمه محمد، فقال سفيان: أعربي أم عجمي؟ فقالت: أما والسماء ذات العنان والشجر ذوات الأفنان، إنه لمن معدّ بن عدنان، حسبك فقد أكثرت يا سفيان، فأمسك عن سؤالها ومضى إلى أهله وكانت امرأته حاملا فولدت له ولدا فسماه محمدا، رجاء منه أن يكون هو النبي الموصوف، والله أعلم.

وقد عدّ بعضهم ممن سمي بمحمد ستة عشر، ونظمهم في قوله:

إن الذين سموا باسم محمد ** من قبل خير الخلق ضعف ثمانِ

ابن البراء مجاشع بن ربيعة ** ثم ابن مسلم يحمدي حرماني

ليثي السليمي وابن أسامة ** سعدي وابن سواءة همداني

وابن الجلاح مع الأسيدي يا فتى ** ثم الفقيمي هكذا الحمراني

قال بعضهم: وفاته آخران لم يذكرهما، وهما: محمد بن الحارث، ومحمد بن عمر بن مغفل بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام. ووقع النزاع الكثير والخلاف الشهير في أوّل من سمى بذلك الاسم منهم.

أقول: وفي شرح الكفاية لابن الهائم. ويمكن أن يكون من زاد على أولئك الأربعة أو السبعة سمع ذلك من بعضهم فاقتدى به في ذلك، طمعا فيما طمع فيه.

ومثل ذلك وقع لبني إسرائيل، فإن يوسف صلوات الله وسلامه عليه لما حضرته الوفاة أعلم بني إسرائيل بحضور أجله، وكان أول أنبيائهم، فقالوا له: يا نبي الله إنا نحب أن تعلمنا بما يؤمل إليه أمرنا بعد خروجك من بين أظهرنا في أمر ديننا فقال لهم: إن أموركم لم تزل مستقيمة حتى يظهر فيكم رجل جبار من القبط يدعي الربوبية، يذبح أبناءكم ويستحيي نساءكم، ثم يخرج من بني إسرائيل رجل اسمه موسى بن عمران فينجيكم الله به من أيدي القبط، فجعل كل واحد من بني إسرائيل إذا جاء له ولد يسميه عمران رجاء أن يكون ذلك النبي منه. ولا يخفى أن بين عمران أبي موسى وعمران أبي مريم أم عيسى ـ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل ـ ألف وثمانمائة سنة، والله أعلم.

والذي أدرك الإسلام ممن تسمى باسمه   محمد بن ربيعة ومحمد بن الحارث، ومحمد بن مسلمة. وادعى بعضهم أن محمد بن مسلمة ولد بعد مولد النبي ﷺ بأكثر من خمسة عشر سنة.

أي وقد ذكر ابن الجوزي أن أول من تسمى في الإسلام بمحمد محمد بن حاطب. وعن ابن عباس «اسمي في القرآن أي كالتوراة محمد، وفي الإنجيل أحمد».

وأما فضل التسمية بهذا الاسم: أعني محمدا، فقد جاء في أحاديث كثيرة، وأخبار شهيرة: أي منها أنه قال: قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أعذب أحدا تسمى باسمك في النار» أي باسمك المشهور وهو محمد أو أحمد. ومنها «ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد» أي وفي رواية: «فيها اسمي إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين» ومنها قال: «يوقف عبدان أي اسم أحدهما أحمد والآخر محمد بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة، فيقولان ربنا بما استأهلنا الجنة ولم نعمل عملا تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد أو محمد» لكن قال بعضهم: ولم يصح في فضل التسمية بمحمد حديث، وكل ما ورد فيه فهو موضوع، قال بعض الحفاظ: وأصحها أي أقر بهما للصحة «من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لي وتبركا باسمي كان هو ومولوده في الجنة ».

وعن أبي رافع عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سميتموه محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه» وفي رواية طعن فيها بأن بعض رواتها متهم بالوضع «فلا تسبوه، ولا تجبهوه، ولا تعنفوه، وشرّفوه، وعظموه، وأكرموه، وبروا قسمه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجها، بورك في محمد، وفي بيت فيه محمد، وفي مجلس فيه محمد» وفي رواية «تسمونه محمدا ثم تسبونه» وفي رواية طعن فيها «أما يستحيي أحدكم أن يقول يا محمد ثم يضربه» وعن ابن عباس   «من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدا فقد جهل» أي وفي رواية «فهو من الجفاء» وفي أخرى «فقد جفاني».

وذكر بعضهم وإن لم يرد في المرفوع «من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرا فليضع يده على بطنها وليقل إن كان هذا الحمل ذكرا فقد سميته محمدا فإنه يكون ذكرا».

وجاء عن عطاء قال: «ما سمي مولود في بطن أمه محمدا إلا كان ذكرا» قال ابن الجوزي في الموضوعات: وقد رفع هذا بعضهم: أي وروي «ما اجتمع قوم قط في مشورة فيهم رجل اسمه محمد لم يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك فيه» أي في الأمر الذي اجتمعوا له، وفي رواية: «فيهم رجل اسمه محمد أو أحمد فشاوروه إلا خير لهم: أي إلا حصل لهم الخير فيما تشاوروا فيه: «وما كان اسم محمد في بيت إلا جعل الله في ذلك البيت بركة » واتهم راوي ذلك بأنه مجروح.

ورُوي «ما قعد قوم قط على طعام حلال فيهم رجل اسمه اسمي إلا تضاعفت فيهم البركة » أي اسمه المشهور وهو أحمد أو محمد كما تقدم.

وفي الشفاء: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض عبادتهم» أي بالباء الموحدة «كل دار فيها اسم محمد» أي حراسة أهل كل دار فيها اسم محمد. وقد ذكر الحافظ السيوطي أن هذا الحديث غير ثابت.

وعن الحسين بن علي بن أبي طالب   قال: «من كان له حمل فنوى أن يسميه محمدا حوّله الله تعالى ذكرا وإن كان أنثى» قال بعض رواة الحديث فنويت سبعة كلهم سميتهم محمدا. وعنه «من كان له ذو بطن فأجمع أن يسميه محمدا رزقه الله تعالى غلاما».

وشكت إليه امرأة بأنها لا يعيش لها ولد، فقال لها: «اجعلي لله عليك أن تسميه ـ أي الولد الذي ترزقينه ـ محمدا، ففعلت فعاش ولدها».

وعن علي   مرفوعا «ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى باسمه ـ أي ولا يكنى ـ إلا آدم فإنه يدعى أبا محمد تعظيما له وتوقيرا للنبي » أي لأن العرب إذا عظمت إنسانا كنته، ويكنى الإنسان بأجلّ ولده قاله الحافظ الدمياطي. وفي رواية «ليس أحد ـ أي من أهل الجنة ـ يكنى إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد» أي وفي حديث معضل «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يا محمد قم فادخل الجنة بغير حساب، فيقوم كل من اسمه محمد يتوهم أن النداء له، فلكرامة محمد لا يمنعون».

وفي الحلية لأبي نعيم عن وهب بن منبه قال: كان رجل عصى الله مائة سنة ـ أي في بني إسرائيل ـ ثم مات فأخذوه وألقوه في مزبلة، فأوحى الله تعالى إلى موسى   أن أخرجه فصل عليه، قال: يا رب إن بني إسرائيل شهدوا أنه عصاك مائة سنة، فأوحى الله إليه: هكذا، إلا أنه كان كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم محمد قبله ووضعه على عينيه، فشكرت له ذلك وغفرت له وزوجته سعبين حوراء».

ومن الفوائد أنه جرت عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وضعه أن يقوموا تعظيما له، وهذا القيام بدعة لا أصل لها: أي لكن هي بدعة حسنة، لأنه ليس كل بدعة مذمومة. وقد قال سيدنا عمر   في اجتماع الناس لصلاة التراويح: نعمت البدعة. وقد قال العز بن عبد السلام: إن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وذكر من أمثلة كل ما يطول ذكره.

ولا ينافي ذلك قوله: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة » وقوله: «من أحدث في أمرنا ـ أي شرعنا ـ ما ليس منه فهو رد عليه» لأن هذا عام أريد به خاص. فقد قال: إمامنا الشافعي قدس الله سره: ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة الضلالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك فهو البدعة المحمودة. وقد وجد القيام عند ذكر اسمه من عالم الأمة ومقتدي الأئمة دينا وورعا الإمام تقي الدين السبكي، وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره، فقد حكى بعضهم أن الإمام السبكي اجتمع عنده جمع كثير من علماء عصره فأنشد منشد قول الصرصري في مدحه:

قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب ** على ورق من خط أحسن من كتب

وأن تنهض الأشراف عند سماعه ** قياما صفوفا أو جثيا على الركب

فعند ذلك قام الإمام السبكي   وجميع من في المجلس، فحصل أنس كبير بذلك المجلس، ويكفي مثل ذلك في الاقتداء.

وقد قال ابن حجر الهيتمي: والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها، وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك أي بدعة حسنة، ومن ثم قال الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته وتعظيمه في قلب فاعل ذلك، وشكر الله على ما منّ به من إيجاد رسوله الله الذي أرسله رحمة للعالمين، هذا كلامه.

قال السخاوي: لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة، وإنما حدث بعد، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. قال ابن الجوزي: من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام.

وأول من أحدثه من الملوك صاحب أربل وصنف له ابن دحية كتابا في المولد سماه (التنوير بمولد البشير النذير) فأجازه بألف دينار، وقد استخرج له الحافظ ابن حجر أصلا من السنة، وكذا الحافظ السيوطي، وردا على الفاكهاني المالكي في قوله إن عمل المولود بدعة مذمومة.

باب ذكر رضاعه وما اتصل به

يقال إنه ارتضع من ثمانية من النساء، وقيل من عشرة بزيادة: خولة بنت المنذر، وأم أيمن عزيزة قالت: أول من أرضع رسول الله ﷺ ثويبة: أي بعد إرضاع أمه له كما سيأتي، قال: وثويبة هي جارية عمه أبي لهب، وقد أعتقها حين بشرته بولادته: أي فإنها قالت له: أما شعرت أن آمنة ولدت ولدا. وفي لفظ غلاما لأخيك عبد الله، فقال لها: أنت حرة، فجوزي بتخفيف العذاب عنه يوم الاثنين، بأن يسقى ماء في جهنم في تلك الليلة: أي ليلة الاثنين، في مثل النقرة التي بين السبابة والإبهام اهـ: أي أن سبب تخفيف العذاب عنه يوم الاثنين ما يسقاه تلك الليلة في تلك النقرة.

ويذكر أن بعض أهل أبي لهب: أي وهو أخوه العباس   رآه في النوم في حالة سيئة، فعن العباس   قال: مكثت حولا بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شرّ حال: فقلت له: ماذا لقيت. فقال له أبو لهب: لم أذق بعدكم رخاء. وفي لفظ: فقال له بشر خيبة، بفتح الخاء المعجمة، وقيل بكسر الخاء: وهي سوء الحال، غير أني سقيت في هذه وأشار إلى النقرة المذكور بعتاقتي ثويبة، ذكره الحافظ الدمياطي.

والذي في المواهب: وقد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم: فقيل له: ما حالك؟ فقال في النار، إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمصّ من بين أصبعيّ هاتين ماء، وأشار برأس أصبعيه، وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عند ما بشرتني بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له فليتأمل.

وقيل إنه إنما أعتقها لما هاجر إلى المدينة: أي فإن خديجة   كانت تكرمها وطلبت من أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أعتقها أبو لهب.

أقول: قد يقال: لا منافاة لجواز أن يكون لما أعتقها لم يظهر عتقها وإباؤه بيعها لكونها كانت معتوقة ثم أظهر عتقها بعد الهجرة والله أعلم. وإرضاعها له كان أياما قلائل قبل أن تقدم حليمة، وكان بلبن ابن لها يقال له مسروح، وهو بضم الميم وسين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة ثم حاء مهملة، كذا في النور. وفي السيرة الشامية بفتح الميم، وكانت قد أرضعت قبله أبا سفيان ابن عمه الحارث.

وفي كلام بعضهم كان تربا له، وكان يشبهه، وكان يألفه إلفا شديدا قبل النبوة فلما بعث عاداه وهجره وهجا أصحابه  ، فإنه كان شاعرا مجيدا وسيأتي إسلامه   عند توجهه لفتح مكة وأرضعت ثويبة   قبلهما عمه حمزة بن عبد المطلب، وكان أسنّ منه بسنتين، وقيل بأربع سنين.

أقول: هذا يخالف ما تقدم من أن عبد المطلب تزوج من بني زهرة هالة وأتى منها بحمزة، وأن عبد الله تزوج من بني زهرة آمنة وذلك في مجلس واحد، وأن آمنة حملت برسول عند دخول عبد الله بها، وأنه دخل بها حين أملك عليها فكيف يكون حمزة أسنّ منه بسنتين، إلا أن يقال ليس فيما تقدم تصريح بأن عبد المطلب وعبد الله دخلا على زوجتيهما في وقت واحد.

وعبارة السهيلي: هالة بنت وهيب عبد بن مناف بن زهرة عم آمنة بنت وهب أم النبي ﷺ تزوجها عبد المطلب، وتزوج ابنه عبد الله آمنة في ساعة واحدة، فولدت هالة لعبد المطلب حمزة، وولدت آمنة لعبد الله رسول الله، ثم أرضعتهما ثويبة، هذا كلامه، وليس فيه كقول (أسد الغابة) المتقدم أن عبد المطلب تزوج هو وعبد الله في مجلس واحد تصريح بأنهما دخلا بزوجتيهما في وقت واحد، لإمكان حمل التزوج على الخطبة المصرح بها فيما تقدم عن ابن المحدث: أن عبد المطلب خطب هالة في مجلس خطبة عبد الله لآمنة، والله أعلم.

ثم رأيت في الاستيعاب قال: كان أي حمزة أسنّ من رسول الله ﷺ بأربع سنين، وهذا لا يصح عندي لأن الحديث الثابت أن حمزة أرضعته ثويبة مع رسول الله، إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين، هذا لفظه، وفيه ما علمت، وفيه أيضا على تسليم أنها أرضعتهما في زمانين، لكن بلبن ابنها مسروح كما سيأتي.

ويبعد بقاء لبن ابنها مسروح أربع سنين ثم أرضعت به رسول الله، وسيأتي الجواب عنه.

وأرضعت ثويبة   بعده أبا سلمة بن عبد الأسد أي ابن عمته الذي كان زوجا لأم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين  . فقد أرضعت ثويبة حمزة ثم أبا سفيان ابن عمه الحارث ثم رسول الله، ثم أبا سلمة، وهو مخالف بظاهره لقول المحب الطبري. وأرضعته ثويبة جارية أبي لهب وأرضعت معه حمزة بن عبد المطلب وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد بلبن ابنها مسروح، هذا كلامه، وفيه ما علمت.

وقد يجاب بأنه ممكن بأن تكون لم تحمل على ولدها مسروح في المدة المذكورة فاستمر لبنها.

وأيضا هي أرضعت بين حمزة ورسول الله ﷺ ابن عمه أبا سفيان الحارث كما علمت.

وذكر بعضهم أن أبا سلمة أول من يدعى للحساب اليسير، وقد روي عن النبي ﷺ حديثا واحدا، فعن أم سلمة   قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله، فقال: فقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به قال: «لا تصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف عليّ خيرا منها إلا فعل به» قال الترمذي حسن غريب. ويدل لكون أبي سلمة أخاه من الرضاعة ما جاء عن أم حبيبة قالت: «دخل عليّ رسول الله، فقلت له: هل لك في أختي بنت أبي سفيان» أي وهي عزة بعين مهملة ثم زاي: أي وفي رواية «هل لك في أختي حمنة بنت أبي سفيان» والذي في مسلم «انكح أختي عزة » أي وفي البخاري «أنكح أختي بنت أبي سفيان، قال: أو تحبين ذلك؟ قالت نعم، لست لك بمخلية » بضم الميم وسكون الخاء وكسر اللام وبالتحتية: أي لست لك بتاركة عدم أخذها، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي ﷺ: فإن ذلك لا يحل لي، قالت: فوالله إني أنبئت» أي وفي لفظ «إنا لنتحدث أنك تخطب درة » أي وفي لفظ «تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة » أي بضم الدال المهملة، وأما ضبطه بفتح الذال المعجمة قال بعضهم: هو تصحيف لا شك فيه، تعني بدرة بنتها من أبي سلمة «قال: ابنة أبي سلمة؟ قلت نعم، فقال: والله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة: أرضعتني وإياه ثويبة » أي وفي رواية «لولا أني لم أنكح أم سلمة يعني أم حبيبة التي هي أمها لم تحل لي، إن أباها أخي من الرضاعة » أي وأختك على فرض أن لا تكون بنت أخي من الرضاعة لا يحل لي أن أجمعها معك «فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» قيل وفي هذا: أي وفي قوله «لو لم تكن ربيبتي في حجري» وفي قوله: تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} حجة لداود الظاهري أن الربيبة لا تحرم إلا إذا كانت في حجر زوج أمها، فإن لم تكن في حجره فهي حلال له: أي وقيل لها ربيبة لأنها مأخوذة من الرب وهو الإصلاح، لأن زوج أمها يقوم بإصلاح أحوالها. قال: ولك أن تقول: كان الظاهر الاقتصار على الأخوات، لأن أم حبيبة هي التي عرضت أختها ولم تعرض بنتها التي هي درة.

وقد يجاب بأنه جعل خطاب أم حبيبة خطابا لجميع زوجاته، لأن هذا الحكم لا يختص بواحدة دون أخرى اهـ.

أقول: فيه أن هذا واضح لو كان في زوجاته من عرض عليه بنته، إلا أن يقال المراد فلا تعرضن لا ينبغي لكن أن تعرضن، وذلك لا يستلزم وقوع العرض بالفعل.

ثم رأيت الإمام النووي   ذكر أن هذا من أم حبيبة: أي من عرض أختها محمول على أنها لم تكن تعلم تحريم الجمع بين الأختين عليه. قال: وكذا لم تعلم من عرض بنت أم سلمة تحريم الربيبة، هذا كلامه، وهو يقتضي أن بعض الناس عرض عليه بنت أم سلمة. وإذا كان من عرضها عليه إحدى نسائه اتجه قوله: «فلا تعرضن عليّ بناتكن» تأمل.

وبهذا الحديث استدل من قال: إنه لا يجوز له أن يجمع بين المرأة وأختها، وهو الراجح من وجهين.

ومقابله يقول: خص بجواز ذلك له، ولا يجمع بين المرأة وبنتها، خلافا لوجه حكاه الرافعي، وهذا الحديث وهو قوله: « لو لم أنكح أم سلمة لم تحل لي» يردّ هذا الوجه.

وعبارة الخصائص الصغرى: وله الجمع بين المرأة وأختها وعمتها وخالتها في أحد الوجهين، وبين المرأة وابنتها في وجه حكاه الرافعي وتبعه في الروضة. وجزموا بأنه غلط، والله أعلم.

ومما يدل أيضا على أن عمه حمزة أخوه من الرضاعة ما جاء عن علي   قال: «قلت: يا رسول الله ما لك لا تتوَّق في قريش» أي بمثناتين فوق مفتوحتين ثم واو مشددة ثم قاف: أي لا تتشوق إليهم، مأخوذ من التوق الذي هو الشوق. وفي رواية بالتاء والنون: أي لا تختار ولا تتزوج منهم. قال: أو عندك؟ قلت نعم ابنة حمزة: أي عمه، وهي أمامة وهي أحسن فتاة في قريش، قال: «تلك ابنة أخي من الرضاعة » أي وهذا، من عليّ   محمول على أنه لم يكن يعلم بتحريم بنت الأخ من الرضاعة عليه، أو أنه لم يكن يعلم أن عمه حمزة أخ له من الرضاعة.

وفيه أنه جاء رواية «أليس قد علمت أنه أخي من الرضاعة، وأن الله قد حرم من الرضاعة ما حرم من النسب» إلا أن يراد بقوله: «قد علمت» أي أعلم. قال: ولعله لم يقل أرضعتني وإياه ثويبة كما قال ذلك في أبي سلمة، لأن ثويبة أرضعت حمزة، ثم رسول الله، ثم أبا سلمة لأن حمزة رضيعه أيضا من امرأة من بني سعد غير حليمة، كان حمزة   مسترضعا عندها في بني سعد، أرضعته يوما وهي عند حليمة: أي فهو رضيعه من جهة ثويبة، ومن جهة تلك المرأة السعدية، ولم أقف على اسم تلك المرأة اهـ: أي ولو اقتصر على ثويبة لأوهم أنه لم يرتضع معه على غيرها. وذكر في الأصل أن بعضهم ذكر من مراضعه خولة بنت المنذر.

أقول: وتقدم ذلك، ونسب هذا البعض في ذلك للوهم، وأن خولة بنت المنذر التي هي أم بردة إنما كانت مرضعة لولده إبراهيم.

وقد يجاب عنه بأنه يجوز أن تكون خولة بنت المنذر اثنتان: واحدة أرضعته، وواحدة أرضعت ولده إبراهيم، وأن خولة التي أرضعته هي السعدية التي كانت ترضع حمزة التي قال فيها الشمس الشامي: لم أقف على اسم تلك المرأة، والله أعلم، ولم يذكر إسلام ثويبة إلا ابن منده.

قال الحافظ ابن حجر: وفي طبقات ابن سعد ما تدل على أنها لم تسلم، ولكن لا يدفع نقل ابن منده به. وفي الخصائص الصغرى: لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت ولم أقف على إسلام ابنها مسروح.

أقول: ومما يدل على عدم إسلامه ما جاء بسند ضعيف «إذا كان يوم القيامة أشفع لأخ لي في الجاهلية » قال الحافظ السيوطي: يعني أخاه من الرضاعة لأنه لم يدرك الإسلام.

لا يقال: من أين أنه مسروح جاز أن يكون ابن حليمة، وهو عبد الله الذي كان يرضع معه، بناء على أنه لم تدرك الإسلام، لأنه لم يعرف له إسلام.

لأنا نقول: سيأتي عن شرح الهمزية لابن حجر أن عبد الله ولد حليمة أسلم، والله أعلم.

أي وقد يدل على عدم إسلام ثويبة وابنها المذكور الذي هو مسروح ما جاء «أنه كان يبعث لها بصلة وكسوة وهي بمكة، حتى جاءه خبر وفاتها مرجعه من خيبر سنة سبع، فقال: ما فعل ابنها مسروح، فقيل مات قبلها» أي ولو كانا أسلما لهاجرا إلى المدينة.

أقول: وهذا بظاهره يدل على أن مسروحا أدرك الإسلام. وقد ينافي علم وفاتهما مرجعه من خيبر ما ذكر السهيلي أنه   كان يصلها من المدينة، فلما افتتح مكة سأل عنها وعن ابنها مسروح، فأخبر أنهما ماتا.

وقد يقال: لا منافاة، لأنه يجوز أن يكون سؤاله الثاني للتثبت لوصوله محل إقامتهما.

والقول بأنهما لو كانا أسلما لهاجرا إلى المدينة. يقال عليه: يجوز أن تكون الهجرة تعذرت عليهما لعارض عرض لهما، والله أعلم. قال: وجاء أن أمه أرضعته تسعة أيام.

أقول: وعن عيون المعارف للقضاعي سبعة أيام. وفي الإمتاع أنها أرضعته سبعة أشهر، ثم أرضعته ثويبة أياما قلائل، هذا كلامه، وقوله ثم أرضعته ثويبة يخالف ما تقدم، من أن أول من أرضعه ثويبة، إلا أن يقال المراد أول من أرضعه غير أمه ثويبة فلا مخالفة.

وبهذا يرد نقل ابن المحدث عن الأصل أن أول لبن نزل جوفه لبن ثويبة، فإنه فهم ذلك من قول الأصل: أول من أرضعه ثويبة، لما علمت أن الأولية إضافية لا حقيقة، إلا أن يدعى ذلك في نقل ابن المحدّث أيضا: أي أول لبن نزل جوفه بعد لبن أمه والله أعلم.

قال: وأرضعه ثلاث نسوة: أي أبكار من بني سليم، أخرجن ثديهن فوضعنها في فمه فدرت في فيه فرضع منهن، وأرضعته أم فروة اهـ. أي وهؤلاء النسوة الأبكار كل واحدة منهن تسمى عاتكة، وهن اللاتي عناهن بقوله: «أنا ابن العواتك من سليم» على ما تقدم.

وما تقدم من أن أم أيمن أرضعته ذكره في الخصائص الصغرى، ردّ بأنها حاضنته لا مرضعته.

وعلى تقدير صحته ينظر بلبن أي ولد لها كان، فإنه لا يعرف لها ولد إلا أيمن وأسامة، إلا أن يقال جاز أن لبنها در له من غير وجود ولد كما تقدم في النسوة الأبكار.

وأرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب، وتكنى أم كبشة: أي باسم بنت لها اسمها كبشة، ويكنى بها أيضا والدها الذي هو زوج حليمة: أي وكانت من هوازن أي من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسيأتي الكلام على إسلامها.

وعنها أنها كانت تحدّث أنها خرجت من بلدها معها ابن لها ترضعه اسمه عبد الله، ومعها زوجها. قال: وهو الحارث بن عبد العزى، ويكنى أبا ذؤيب: أي كما يكنى أبا كبشة أدرك الإسلام وأسلم.

فقد روى أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن السائب أنه بلغه «أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة، فقام رسول الله ﷺ وأجلسه بين يديه».

وعن ابن إسحاق: بلغني أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي، وهو يؤيد قول بعضهم: لم يذكر الحارث كثير ممن ألف في الصحابة اهـ.

أقول: يدل للأول ظاهر ما روي «أن الحارث هذا قدم على رسول الله ﷺ بمكة بعد نزول القرآن عليه » فقالت له قريش: أو تسمع يا حارث ما يقول ابنك؟ فقال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث من في القبور، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه، ويكرم فيهما من أطاعه: أي يعذب في إحداهما من عصاه وهي النار، ويكرم في الأخرى من أطاعه وهي الجنة، فقد شتت أمرنا، وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني، ما لك ولقومك، يشكونك ويزعمون أنك تقول كذا: أي أن الناس يبعثون، بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة ونار «فقال له رسول الله، نعم أنا أقول ذلك» وفي لفظ «أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت فلآخذنّ بيدك حتى أعرّفك حديثك اليوم» فأسلم الحارث بعد ذلك وحسن إسلامه: أي وقد كان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة، وإنما قلنا ظاهر، لأنه قد يقال قوله بعد ذلك يصدق بما بعد وفاته، فلا دلالة في ذلك على أنه أسلم في حياته.

وفي شرح الهمزية لابن حجر: ومن سعادتها يعني حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها، وهم: عبد الله، والشيما، وأنيسة، هذا كلامه.

وفي الإصابة أن رسول الله ﷺ كان جالسا ـ أي على ثوب ـ فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة، فقام رسول الله ﷺ فجلس بين يديه» ورجاله ثقات، ولعل المراد بجلوسه بين يديه جلوسه مقابله، وحينئذ ففاعل جلس النبي، وضمير يديه راجع لأخيه: أي قام عن محل جلوسه على الثوب، وأجلس أخاه على الثوب مكانه وجلس قبالة أخيه، فعل ذلك ليكون أخوه هو وأبواه جميعا على الثوب، والله أعلم.

قالت: وخرجت في نسوة من بني سعد: أي ابن بكر بن هوازن عشرة يطلبن الرضعاء في سنة شهباء: أي ذات جدب وقحط لم تبق شيئا، على أتان قمراء بفتح القاف والمد: أي شديد البياض، ومعنى شارف أي ناقة مسنة، ما تبض بالضاد المعجمة، وربما روي بالمهملة: أي ما ترشح بقطرة لبن، قالت: وما كنا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي. وفي رواية ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه بمعجمتين، وقيل بمعجمة ثم مهملة، وقيل بإسكان العين المهملة وكسر الذال المعجمة وضم الباء الموحدة: أي ما يكفيه بحيث يرفع رأسه وينقطع عن الرضاعة. قالت حليمة: ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أدمت بالدال المهملة وتشديد الميم بالركب: أي حبسته بتأخرها عنه لشدة عنائها وتعبها لضعفها وهزالها، حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس: أي نطلب الرضعاء جمع رضيع، وأدمّ مأخوذ من الماء الدائم، يقال أدم بالركب: إذا أبطأ حتى حبسهم، ويروى بالمعجمة: أي جاء بما يذم عليه وهو هنا الإبطاء.

أقول: لأنه كان من شيم العرب وأخلاقهم إذا ولد لهم ولد يلتمسون له مرضعة في غير قبيلتهم، ليكون أنجب للولد، وأفصح له. وقيل لأنهم كانوا يرون أنه عار على المرأة أن ترضع ولدها انتهى: أي تستقل برضاعه.

ويدل للأول ما جاء أنه كان يقول لأصحابه «أنا أعربكم» أي أفصحكم عربية «أنا قرشي، واسترضعت في بني سعد» وجاء «أن أبا بكر   لما قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله، فقال له: ما يمنعني وأنا من قريش، وأرضعت في بني سعد؟ » فهذا كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات.

ومن ثم نقل عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول: أضر بناحب الوليد، يعني ولده، لأنه لمحبته له أبقاه مع أمه في المصر ولم يسترضعه في البادية مع الأعراب، فصار لحانا لا عربية له. وأخوه سليمان استرضع في البادية مع الأعراب فصار عربيا غير لحان.

قالت حليمة: فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها يتيم، وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الإنطلاق: أي عزمنا عليه، قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك الرضيع فلآخذنه، قال: لا عليك: أي لا بأس عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، فذهبت إليه فأخذته.

أقول: وهذا السياق قد يخالف قول بعضهم: إن عبد المطلب خرج يلتمس له المراضع فجاءت له حليمة ابنة أبي ذؤيب، إلا أن يقال: جاز أن يكون التماسه للمراضع غير حليمة كان عند قدومهن، وأبين أن يقبلن، ثم طلب من حليمة ذلك بعد أن لم يجد رضيعا. ويدل لذلك قول صاحب (شفاء الصدور) إن حليمة قالت: استقبلني عبد المطلب فقال: من أنت؟ فقلت: أنا امرأة من بني سعد قال: ما اسمك؟ قلت حليمة، فتبسم عبد المطلب وقال: بخ بخ، سعد وحلم، خصلتان فيهما خير الدهر وعز الأبد، يا حليمة إن عندي غلاما يتيما، وقد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلن وقلن: ما عند اليتيم من الخير، إنما نلتمس الكرامة من الآباء، فهل لك أن ترضعيه، فعسى أن تسعدي به؟ فقلت: ألا تذرني حتى أشاور صاحبي، فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته، فكأن الله قذف في قلبه فرحا وسرورا، فقال لي: يا حليمة خذيه، فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعدا ينتظرني، فقلت: هلمّ الصبي، فاستهل وجهه فرحا، فأخذني وأدخلني بيت آمنة، فقالت لي أهلا وسهلا، وأدخلتني في البيت الذي فيه محمد، فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه يغط، يفوح منه رائحة المسك، فأشفقت: أي خفت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا وفتح عينيه إليّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه وأخذته، وما حملني على أخذه: أي أكد أخذه إلا أني لم أجد غيره، وإلا فما ذكرته من أوصافه مقتض لأخذه: أي وهذه الرواية ربما تدل على أنها لم تره قبل ذلك، وأن إباءها كان قبل رؤيتها له، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل ثدياي بما شاء الله من لبن فشرب حتى روي: أي من الثدي الأيمن، وعرضت عليه الأيسر فأباه. قالت حليمة: وكانت تلك حالته بعد: أي بعد ذلك: لا يقبل إلا ثديا واحدا وهو الأيمن.

وفي السبعيات للهمداني: أن أحد ثديي حليمة كان لا يدر اللبن منه، فلما وضعته في فم رسول الله ﷺ در اللبن منه. قالت: وشرب معه أخوه حتى روي ثم نام، وما كنا ننام معه قبل ذلك: أي فعدم نومه من الجوع، فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل: أي ممتلئة الضرع من اللبن، فجلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قلت: والله إني لأرجو ذلك، ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته معي عليها فوالله لقطعت بالركب: أي صيرته خلفها ما يقدر عليها: أي على مرافقتها ومصاحبتها شيء من حمرهن، حتى أن صواحبي يقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك، اربعي: أي اعطفي علينا بالرفق وعدم الشدة في السير، أليس هذا أتانك التي كنت خرجت عليها تخفضك طورا وترفعك أخرى؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي، فيقلن: والله إن لها لشأنا: أي وقالت حليمة فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول: والله إن لي لشأنا ثم شأنا، شأني بعثني الله بعد موتي، ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة، وهل تدرين من على ظهري؟ على ظهري خير النبيين، وسيد المرسلين، وخير الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين، ذكره في النطق المفهوم.

وذكرت أنها لما أرادت فراق مكة رأت تلك الأتان سجدت: أي خفضت رأسها نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت. قالت: ثم قدمنا منازل بني سعد ولا أعلم أرضا من أراضي الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا: أي غزيرات اللبن، فنحلب ونشرب. ولفظ: فنحلب، ما شئنا والله ما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضر: أي المقيم في المنازل من قومنا يقول لرعاتهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب يعنونني، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا، فلم نزل نعرف من الله تعالى الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبا لا يشبه الغلمان، فلم يقطع سنتيه حتى كان غلاما جفرا: أي غليظا شديدا.

وعن حليمة   أنه لما بلغ شهرين كان يجيء إلى كل جانب: أي وهذا يضعف ما تقدم عن الامتناع من أن أمه أرضعته سبعة أشهر. قالت حليمة: فلما بلغ ثمانية أشهر كان يتكلم بحيث يسمع كلامه، ولما بلغ تسعة أشهر كان يتكلم الكلام الفصيح، ولما بلغ عشرة أشهر كان يرمي السهام مع الصبيان.

وعنها   أنها قالت، إنه لفي حجري ذات يوم إذ مرت به غنيماتي، فأقبلت واحدة منهن حتى سجدت له وقبلت رأسه ثم ذهبت إلى صواحبها.

أقول: وقد سجدت له الغنم، وكذا الجمل بعد بعثته والهجرة، فعن أنس بن مالك   «أن رسول الله ﷺ دخل حائطا: أي بستانا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجال من الأنصار وفي الحائط غنم، فسجدت له، فقال أبو بكر  : يا رسول الله كنا أحق بالسجود لك من هذه الغنم؟ فقال: إنه لا ينبغي في أمتي أن يسجد أحد لأحد، ولو كان ينبغي لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» زاد في رواية «ولو أن رجلا أمر زوجته أن تنقل من جبل إلى جبل لكان نولها: أي حقها أن تفعل» «وحرب جمل بكسر الراء: أي اشتد غضبه، فصار لا يقدر أحد يدخل عليه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال لأصحابه: افتحوا عنه، فقالوا: إنا نخشى عليك يا رسول الله، فقالوا: افتحوا عنه ففتحوا عنه فلما رآه الجمل خرّ ساجدا: أي فأخذ بناصيته ثم دفعه لصاحبه وقال استعمله وأحسن علفه، فقال القوم: يا رسول الله كنا أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة، فقال كلا» الحديث. وفي هذا دلالة على عظيم حق الزوج على زوجته.

وجاء مما يدل على ذلك أيضا ما روي «أن أسماء بنت يزيد الأنصارية أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك، ونحن معاشر النساء، مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن الرجال فضلوا بالجماعات، وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا لهم أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت رسول الله ﷺ بوجهه إلى أصحابه وقال: هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: انصرفي يا أسماء، واعلمي بأنك من النساء، إنّ حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال» أي من حضور الجماعات وشهود الجنائز والجهاد، فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشارا بما قال لها رسول الله. والتبعل: ملاعبة المرأة لزوجها، والله أعلم.

قالت حليمة: وكان ينزل عليه كل يوم نور كنور الشمس ثم ينجلي عنه، وإلى قصة رضاعه يشير صاحب الهمزية بقوله:

وبدت في رضاعه معجزات ** ليس فيها عن العيون خفاء

إذ أتته ليتمه مرضعات ** قلن ما في اليتيم عنا غناء

فأتته من آل سعد فتاة ** قد أبتها لفقرها الرضعاء

أرضعته لبانها فسقتها ** وبنيها ألبانهن الشاء

أصبحت شوّلا عجافا وأمست ** ما بها شائل ولا عجفاء

أخصب العيش عندها بعد محل ** إذ غدا للنبي منها غذاء

يا لها منة لقد ضوعف الأجر ** عليها من جنسها والجزاء

وإذا سخر الإله أناسا ** لسعيد فإنهم سعداء

أي وظهرت في رضاعه؟ وفي زمن رضاعه أمور خارقة للعادة لوضوحها لا تخفى على العيون.

فمن ذلك أن المراضع أبين أن يأخذنه لأجل يتمه، فبعد أن تركته أتت فتاة من آل سعد قد أبتها أهل الرضعاء لفقرها فسقته لبنها فسقتها وبنيها الشاء ألبانها، وكانت تلك الشياه لا لبن بها بل هزيلات، فصارت ذات ألبان وسمن.

ومن ذلك أن العيش كثر عندها بعد شدة المحل لأجل حصول غذاء النبي ﷺ: يا لها أي لتلك الخصلة الصادرة من حليمة وهي سقيها له لبنها نعمة منها عليه، لقد كرر الثواب والجزاء على تلك النعمة من جنس تلك النعمة، لأن الجزاء من جنس العمل فلما سقت اللبن سُقِيته، ولا بدع فإن الله تعالى إذا سخر أناسا لمحبة سعيد والقيام بخدمته فإنهم بسبب ذلك سعداء.

أقول: لم أقف على رواية فيها أن حليمة أبتها أهل الرضعاء لفقرها وكأن الناظم أخذ ذلك من قولها: فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره ولا دلالة في ذلك.

واستفتي الحافظ ابن حجر عن بعض الوعاظ يذكر عند اجتماع الناس للمولد حادثات أي وقائع تتعلق به جاءت بها الأخبار هي مخلة بالتعظيم حتى يظهر من السامعين لها حزن، فيبقى في حيز من يرحم لا في حيز من يعظم. من ذلك أنهم يقولون إن المراضع حضرن ولم يأخذنه لعدم ماله ونحو ذلك، فما قولكم في ذلك؟

فأجاب بما نصه: ينبغي لمن يكون فطنا أن يحذف من الخبر: أي الحديث ما يوهم في المخبر عنه نقصا ولا يضره ذلك، بل يجب كما وقع لإمامنا الشافعي   حيث قال في بعض نصوصه «وقطع رسول الله ﷺ امرأة لها شرف فكلم فيه، فقال: لو سرقت فلانة لامرأة شريفة لقطعتها، يعني فاطمة بنت النبي » فلم يصرح باسمها تأدبا معها أن تذكر في هذا المعرض ـ وإن كان ذكرها ـ لأن ذلك منه حسن دلّ على أن الخلق عنده في الشرع سواء، فهذا من كمال أدب الإمام   وأرضاه، ونفعنا ببركاته: أي فإذا جاز حذف بعض الحديث الموهم نقصا في بعض أهل بيته، فما بالك بما يوهم النقص فيه، وهذا من الحافظ يدل على أن إباء المراضع له وارد حيث أقره ولم ينكره، والله أعلم.

قال: وعن ابن عباس   «كان أول كلام تكلم به حين فطمته حليمة  ، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» أي وقد تقدم أنه تكلم بهذا عند خروجه من بطن أمه. وفي رواية «أوّل كلام تكلم به في بعض الليالي: أي وهو عند حليمة: لا إله إلا الله قدوسا قدوسا نامت العيون والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم» وكان لا يمس شيئا إلا قال بسم الله.

وعن حليمة   «لما دخلت به إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك، وألقيت محبته: أي واعتقاد بركته في قلوب الناس، حتى إنّ أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفه فيضعها على موضع الأذى فيبرأ بإذن الله تعالى سريعا. وكذلك إذا اعتل لهم بعير أو شاة انتهى.

قالت حليمة: فقدمنا مكة على أمه: أي بعد أن بلغ سنتين ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلت لها: لو تركتي بنيّ عندي حتى يغلظ.

وفي كلام ابن الأثير: قلنا لها دعينا نرجع به هذه السنة الأخرى فإني أخشى عليه وباء مكة: أي مرضها ووخمها فلم نزل بها حتى ردّته معنا.

وقيل إن أمه آمنة قالت لحليمة: ارجعي بابني، فإني أخاف عليه وباء مكة، فوالله ليكونن له شأن أي ولا مخالفة بينهما لجواز أن حليمة لما قالت لها ما تقدم قالت لحليمة ارجعي بابني على الفور فإني أخاف عليه وباء مكة: أي كما تخافين عليه ذلك. قالت حليمة: فرجعنا به فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر. عبارة ابن الأثير: بعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه يعني من الرضاعة، لفي بهم لنا، ولعل هذا لا ينافيه قول المحب الطبري: فلما شب وبلغ سنتين لأنه ألغي أي ذلك الكسر، فبينما هو وأخوه في بهم لنا خلف بيوتنا. والبهم: أولاد الضأن، إذ أتى أخوه يشتد. أي يعدو، فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه، فشقا بطنه فهما يسوطانه: أي يدخلان يديهما في بطنه، قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه. وفي لفظ لونه أي متغير أي صار لونه كلون النقع الذي هو الغبار وهو صفة ألوان الموتى، وذلك لما ناله من الفزع أي من رؤية الملائكة، لا من مشقة نشأت عن ذلك الشق، لما يأتي في بعض الروايات: فلم أجد لذلك حسا ولا ألما، ومن ثم قال ابن الجوزي: فشقة وما شق عليه، وإطلاقه شامل لهذه المرة التي هي الأولى، وقد قال بعضهم: إنه لم ينتقع لونه إلا وهو صغير في بني سعد.

قالت: فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له: ما لك يا بني؟ فقال: جاءني رجلان عليها ثياب بيض أي وهما جبريل وميكائيل: أي وهما المراد بقوله في رواية: فأقبل إليّ طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا أي طلباه، فوجداه فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو: أي وسيأتي أن هذا الذي قال فيه وما أدري ما هو أنه علقة سوداء استخرجاها من قلبه بعد شق بطنه، ففي هذه الرواية طي ذكر القلب وشقه، وسيأتي ذكر ذلك في بعض الروايات.

وفي رواية غريبة: نزل عليه كركيان، فشق أحدهما بمنقاره جوفه، ومجّ الآخر فيه بمنقاره ثلجا أو بردا. وقد يقال إن الطيرين تارة شبها بالنسرين وتارة شبها بالكركيين. وفي كون مجيء جبريل وميكائيل على صورة النسر لطيفة لأن النسر سيد الطيور. فقد جاء في الحديث «هبط عليّ جبريل فقال: يا محمد إن لكل شيء سيد، فسيد البشر آدم وأنت سيد ولد آدم وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر، وسيد الطير النسر» وفي بحر العلوم «وسيد الملائكة إسرافيل، وسيد الشهداء هابيل، وسيد الجبال جبل موسى، وسيد الأنعام الثور، وسيد الوحوش الفيل، وسيد السباع الأسد» زاد بعضهم وسيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن، وسيد القرآن سورة البقرة ».

قالت حليمة: فرجعنا به إلى خبائنا: أي محل الإقامة وقال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك. وفي رواية: قال الناس يا حليمة رديه على جده واخرجي من أمانتك. وفي رواية وقال: زوجي أرى أن ترديه على أمه لتعالجه، والله إن أصابه ما أصابه إلا حسد من آل فلان لما يرون من عظيم بركته. قالت: فحملناه فقدمنا به مكة على أمه. قال الواقدي وكان ابن عباس يقول: رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين أي وزاد في الاستيعاب ويومين من مولده، وكان غيره أي غير ابن عباس يقول: رجع إلى أمه وهو ابن أربع سنين. وذكر الأموي أنه رجع إلى أمه وهو ابن ست سنين انتهى.

أقول سياق ما قبله يدل على أن قدوم حليمة به على أمه كان عقب الواقعة المذكورة، وتقدم أن سنه حينئذ كان سنتين وأشهر، وسيأتي ما فيه والله أعلم.

وعن ابن عباس أن حليمة كانت تحدث أنه لما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم، فقال لي يوما: يا أماه ما لي لا أرى إخوتي بالنهار يعني إخوته من الرضاعة وهم أخوه عبد الله وأختاه أنيسة والشيماء بفتح المعجمة وسكون التحتية أولاد الحارث، قلت فدتك نفسي، إنهم يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل، قال ابعثيني معهم، فكان   يخرج مسرورا ويعود مسرورا: أي وهذا لا يخالف قولها السابق كان مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا، ولا قوله الآتي «فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا» ولا قوله «فبينما أنا ذات يوم منتبذا من أهلي في بطن وادٍ مع أتراب لي من الفتيان» كما لا يخفى.

قالت حليمة: فلما كان يوما من ذلك خرجوا، فلما انتصف إليها أتاني أخوه، أي وفي رواية إذ أتي ابني ضمرة يعدو فزعا وجبينه يرشح باكيا ينادي يا أبت ويا أمه الحقا أخي محمدا فما تلحقانه إلا ميتا. قلت: وما قضيته، قال: بينا نحن قيام إذ أتاه رجل فاختطفه من وسطنا وعلا به ذروة الجبل ونحن ننظر إليه حتى شق صدره إلى عانته ولا أدري ما فعل به.

أقول: ولعل ضمرة هذا هو أخوه عبد الله المتقدم ذكره، لقب بذلك لخفة جسمه، ولا يخالف ذلك قوله الآتي إن أترابه الذين كانوا معه انطلقوا هربا مسرعين إلى الحي يؤذونهم ويستصرخونهم ولأنه يجوز أن يكون ضمرة سبقهم، والله أعلم.

قالت حليمة: فانطلقت أنا وأبوه نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يتبسم ويضحك فأكببت عليه وقبلته بين عينيه، وقلت له: فدتك نفسي، ما الذي دهاك؟ قال خيرا كذا بالنصب يا أماه، بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهط ثلاثة بيد أحدهم إبريق فضة، وفي يد الآخر طست من زمردة خضراء والزمردة بالضم والزاي المعجمة. الزبرجد، وهو معرب، فأخذوني وانطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني على الجبل إضجاعا لطيفا، وفيه أن هذا يخالف قوله الآتي: «فأخذوني حتى أتوا شفير الوادي، فعمد أحدهم فأضجعني إلى الأرض ثم شق من صدري إلى عانتي» وسيأتي الجمع بينهما. وقوله: «ثم شق من صدري إلى عانتي» هو المراد ببطنه ففيما تقدم وما يأتي. قال: «وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسا ولا ألما» الحديث وفي هذه الرواية طيّ ذكر القلب وشقه أيضا.

أقول: ولا منافاة في تلك الرواية بين قولها فوجدناه قائما وبين قولها في هذه الرواية:

فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل، لجواز أن تكون أرادت بقولها قائما كونه حيا وبكونه قاعدا كونه ماكثا، كما لا منافاة بين قولها في تلك الرواية منتقعا وجهه، وبين قولها في هذه الرواية يتبسم ويضحك، لأن ذلك لا ينافي الفزع: أو لجواز أن يكون تبسمه وضحكه تعجبا لما رأى من الحالة التي عليها أمه من التعب والشدة والله أعلم.

قال: وذكر ابن إسحاق أن حليمة لما قدمت به مكة لترده على أمه أي بعد شق صدره وقد بلغ أربع سنين أو خمسا أو ستا على ما تقدم أضلته في أعالي مكة فأتت جده عبد المطلب، فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعالي مكة أضلني، فوالله ما أدري، أين هو؟ فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده عليه. وفي مرآة الزمان أنه أنشد:

يا رب رد لي ولدي محمدا ** اردده ربي واصطنع عندي يدا

وسيأتي أن هذا البيت أنشده عبد المطلب حين بعث النبي ﷺ ليرد إبلا له ضلت.

وقد يقال: لا مانع من تكرر ذلك منه فسمع هاتفا من السماء يقول: أيها الناس لا تضجوا إن لمحمد ربا لن يخذله ولا يضيعه، فقال عبد المطلب: من لنا به، فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى، فركب عبد المطلب نحوه، وتبعه ورقة بن نوفل، وسيأتي بعض ترجمة ورقة، فوجداه قائما تحت شجرة يجذب غصنا من أغصانها، فقال له جده: من أنت يا غلام؟ فقال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال وأنا عبد المطلب جدك فدتك نفسي، واحتمله وعانقه وهو يبكي، ثم رجع إلى مكة وهو قدامه على قربوس فرسه، ونحر الشياه والبقر، وأطعم أهل مكة.

أقول: وقول جده له من أنت يا غلام؟ لعله لكونه وجده على حالة لا توجد لمن يكون في سنه عادة كما تقدم عن حليمة من قولها: كان يشب شبابا لا يشبه الغلمان.

وفي السيرة الهاشمية أن الذي وجده هو ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب: أي ويقال إن عمرو بن نفيل رآه وهو لا يعرفه، فقال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبد المطلب.

وفي كلام بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي وصار ينشد وهو متعلق بأستار الكعبة

يا رب رد ولدي محمداالبيت، فجاء أبو جهل بين يديه على ناقة وقال لجدي ألا تدري ما وقع من ابنك؟ فسأله فقال: أنخت الناقة وأركبته من خلفي، فأبت أن تقوم، فأركبته من أمامي فقامت» ويحتاج إلى جمع على تقدير صحة كل مما ذكر.

وقد يقال: لا مانع من تعدد ذلك، ويدل لذلك أن بعض المفسرين قال في تفسير قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} قيل ضل عن حليمة مرضعته. وقيل ضل عن جده عبد المطلب وهو صغير.

قالت حليمة: فقالت أمه: ما أقدمك به يا ظئر، أي يا مرضعة؟ ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك. قلت: قد بلغ والله، وقضيت الذي عليّ وتخوفت عليه الأحداث فأديته إليك كما تحبين، فقالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك؟ قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لابني شأنا، أفلا أخبرك خبره؟ قلت بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت: أي ما علمت من حمل قط كان أخف علي ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته إنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.

قال: وعن حليمة أنه مر عليها جماعة من اليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا، حملته كذا ووضعته كذا، ورأيت كذا كما وصفت لها أمه: أي فإنها ذكرت لها ذلك مرتين عند دفعه لها وعند أخذه منها انتهى.

أقول: ولا ينافي ذلك قول آمنة لحليمة: أولا أخبرك خبره، وقول حليمة لها بلى، لجواز أن تكون أمه لم تكن متذكرة أنها أخبرتها بذلك قبل ذلك، وأن حليمة كذلك، أو جوّزت حليمة أنها تخبرها بزيادة عما أخبرتها به أولا، بناء على اتحاد ما أخبرتها به أولا وثانيا، والله أعلم.

قالت: ولما أخبرت أولئك اليهود بذلك قال بعضهم لبعض اقتلوه، فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت لا، هذا أبوه وأنا أمه، فقالوا لو كان يتيما قتلناه.

أقول: وهذا يدل على أن ما ذكرته أمه لحليمة من أنها حين حملت به خرج منها نور إلى آخر ما تقدم، وأن يكون لا أب له مذكورا في بعض الكتب القديمة أنه من علامة نبوة النبي المنتظر، والله أعلم.

قال: وعنها أنها نزلت به سوق عكاظ: أي وكان سوقا للجاهلية بين الطائف ونخلة المحل المعروف، كانت العرب إذا حجت أقامت بهذا السوق شهر شوال، فكانوا يتفاخرون فيه، وللمفاخرة فيه سمي عكاظ، يقال: عكظ الرجل صاحبه إذا فاخره وغلبه في المفاخرة.

وفي كلام بعضهم كان سوق عكاظ لثقيف وقيس غيلان، فرآه كاهن من الكهان فقال يا أهل سوق عكاظ اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكا، فزاغت: أي مالت به وحادت عن الطريق، فأنجاه الله تعالى: أي وفي الوفاء: لما قامت سوق عكاظ انطلقت حليمة برسول الله ﷺ إلى عرّاف من هذيل يريه الناس صبيانهم، فلما نظر إليه صاح: يا معشر هذيل، يا معشر العرب، فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم، فقال اقتلوا هذا الصبي، فانسلت حليمة به، فجعل الناس يقولون: أي صبي، فيقول هذا الصبي، فلا يرون شيئا، فيقال له ما هو؟ فيقول: رأيت غلاما والآلهة ليقتلنّ أهل دينكم، وليكسرن آلهتكم، وليظهرن أمره عليكم فطلب فلم يوجد.

وعنها   أنها لما رجعت به مرت بذي المجاز: وهو سوق للجاهلية على فرسخ من عرفة: أي وهذا السوق قبله سوق يقال له سوق مجنة، كانت العرب تنتقل إليه بعد انفضاضهم من سوق عكاظ فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة، ثم تنتقل إلى هذا السوق الذي هو سوق ذي المجاز فتقيم به إلى أيام الحج، وكان بهذا السوق عراف: أي منجم يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ أي نظر إلى خاتم النبوة وإلى الحمرة في عينيه صاح: يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي، فليقتلن أهل دينكم، وليكسرن أصنامكم، وليظهرن أمره عليكم، إن هذا لينظر أمرا من السماء، وجعل يغري بالنبي، فلم يلبث أن وله فذهب عقله حتى مات اهـ.

أي وفي السيرة الهاشمية أن نفرا نصاري من الحبشة رأوه مع أمه السعدية حين رجعت به إلى أمه بعد فطامه، فنظروا إليه وقلبوه: أي رأوا خاتم النبوة بين كتفيه وحمرة في عينيه، وقالوا لها هل يشتكي عينيه؟ قالت، لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا الغلام كائن لنا وله شأن، نحن نعرف أمره، فلم تكد تنفلت به منهم وأتت به إلى أمه.

وعنه «واسترضعت في بني سعد، فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بيد أحدهما طست من ذهب مملوءة ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، أي وقيل هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله» وفي رواية «فاستخرجا منه علقتين سوداوين» أي ولا مخالفة، لجواز أن تكون تلك العلقة انفلقت نصفين. وفي رواية «فاستخرجا منه مغمز الشيطان» أي وهو المعبر عنه في الرواية قبلها بحظ الشيطان.

ولا ينافي ذلك قوله في الرواية السابقة «ولا أدري ما هو» لجواز أن يكون إخباره بهذا بعد أن علمه، والمراد بمغمز الشيطان محل غمزه: أي محل ما يلقيه من الأمور التي لا تنبغي، لأن تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه فلم يبق فيه مكان لأن يلقى الشيطان فيه شيئا فلم يكن للشيطان فيه حظ، وليست هي محل غمزه عند ولادته كما يوهمه كلام غير واحد.

وفيه أن هذا يقتضي أن يكون قبل إزالة ذلك كان للشيطان عليه سبيل. أجاب السبكي بأنه لا يلزم من وجود القابل لما يلقيه الشيطان حصول الإلقاء، أي بالفعل فليتأمل.

وسئل السبكي  : فلم خلق الله ذلك القابل في الذات الشريفة وكان من الممكن أن لا يخلقه الله فيها؟ وأجاب بأنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخلقت تكملة للخلق الإنساني، ثم نزعت تكرمة له: أي وليظهر للخلق بذلك التكرمة ليتحققوا كمال باطنه كما تحققوا كمال ظاهره: أي لأنه لو خلق خاليا عنها لم تظهر تلك الكرامة.

وفيه أنه يرد على ذلك ولادته من غير قلفة. وأجيب بالفرق بينهما بأن القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة كان نقص الخلقة الإنسانية عنها عين الكمال، وقد تقدم كل ذلك.

وذكر السهيلي   ما يفيد أن هذه العلقة هي محل مغمز الشيطان عند الولادة حيث قال: إن عيسى   لما لم يخلق من منيّ الرجال وإنما خلق من نفخة روح القدس أعيذ من مغمز الشيطان.

قال: ولا يدل هذا على فضل عيسى   على محمد، لأن محمدا قد نزع منه ذلك الغمز هذا كلامه، وقد علمت أنه إنما هو محل ما يلقيه الشيطان من الأمور التي لا تنبغي، وأن ذلك مخلوق في كل واحد من الأنبياء عيسى   وغيره، ولم تنزع إلا من نبينا محمد. قال: «ثم غسلا قلبي بذلك الثلج» أي الذي في ذلك الطست «حتى أنقياه أي وملآه حكمة وإيمانا» كما في بعض الروايات: أي وفي رواية «ثم قال أحدهما لصاحبه ائتني بالسكينة، فأتى بها فذراها في قلبي» وهذه السكينة يحتمل أن تكون هي الحكمة والإيمان. ويحتمل أن تكون غيرهما وهذه الرواية فيها أن الطست كان من ذهب، وكذا في الرواية الآتية. وفي الرواية قبل هذه «كانت من زمردة خضراء» ويحتاج إلى الجمع وسنذكره في هذه الرواية وكذا الرواية الآتية أن الثلج كان في الطست. وفي الرواية قبل هذه «كان في يد أحدهما إبريق فضة » ويحتاج إلى الجمع لأن الواقعة لم تتعدد، وهو عند حليمة، وفي غسله بالثلج إشعار بثلج اليقين وبرده على الفؤاد، ذكره السهيلي  .

وذكر في حكمة كون الطست من ذهب كلاما طويلا قال: «وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن» وفي الروايات السابقة طيّ ذكر الخاتم.

وتتمة الجواب الذي أجاب به أخا بني عامر التي وعدنا بذكرها هنا هو قوله: «وكنت مسترضعا في بني سعد، فبينا أنا ذات يوم منتبذا أي منفردا «من أهلي في بطن واد مع أتراب لي» أي المقاربين بالموحدة أو النون «لي في السن من الصبيان، إذ أتى رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملآن ثلجا فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هرابا حتى أتوا على شفير الوادي، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا، ما أربكم؟ أي ما حاجتكم إلى هذا الغلام؟ فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش، وهو مرتضع فينا، يتيم ليس له أب، فما يرد عليكم أن يفيدكم قتله، وماذا تصيبون من ذلك؟ فإن كنتم لا بد قاتلوه أي إن كان لا بدّ لكم من قتل واحد فاختاروا منا من شئتم فليأتكم مكانه، فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يجيبون جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحيّ يؤذنونهم» أي يعلمونهم «ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم إليّ فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق بطني ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه، فلم أجد لذلك مسا» أي أدنى مشقة «واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها» أي بالغ في غسلها «ثم أعادها مكانها» أي وقد طوى ذكر استخراج الأحشاء وغسلها في الروايات السابقة. ولا يخفى أن من جملة الأحشاء ظاهر القلب «ثم قال الثاني منهم لصاحبه تنح عنه، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي، فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء» تقدم التعبير عنها بالعلقة السوداء «ثم رمى بها، ثم قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا، وإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي» أي بعد التئام شقه «فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة » وقد تقدم «وملآه حكمة وإيمانا» وإن السكينة ذرت فيه ثم أعاده مكانه فوجدت برد الخاتم في قلبي دهرا، وفي رواية «فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي».

أقول: نقل شيخ بعض مشايخنا الشيخ نجم الدين الغيطي عن مغازي بن عائذ في حديثه لأخي بني عامر «وأقبل أي الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه» فليتأمل، وقوله «فصدعه» يدل بظاهره على أن صدعه كان بيد الملك، فلم يشقه بآلة، وحينئذ يكون المراد بالشق الصدع بلا آلة. وقد طوى في هذه الرواية ذكر ملء قلبه حكمة وإيمانا، وأنه ذرّ فيه السكينة. وذكر في هذه الرواية أن الختم كان لقلبه، وفي الرواية قبلها «أنه كان بين كتفيه» وفي رواية ابن عائذ «وبين ثدييه» ويحتاج إلى الجمع. والظاهر أن متعاطي الختم جبريل، ويدل عليه قول صاحب الهمزية   في هذه القصة * ختمته يمنى الأمين. وسيأتي التصريح بذلك لكن في غير هذه القصة والله أعلم. قال: «ثم قال الثالث لصاحبه تنحّ عنه فنحاه عني فأمرّ يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، وختم عليه» وفي رواية «قال أحدهما للآخر خطه فخاطه وختم عليه».

أقول: وقد يقال معنى خطه ألحمه، فخاطه «أي لحمه» أي مرّ بيده عليه فالتحم أي فلا يخالف ما سبق، ولا ينافيه ما في الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره، لجواز أن يكون المراد يرون أثرا كأثر المخيط في صدره وهو أثر مرور يد جبريل  ، وهذا طوى ذكره في الروايات السابقة، وقوله ختم عليه يقتضي أن الختم كان في صدره وهو الموافق لما تقدم عن ابن عائذ أنه بين ثدييه لكنه زاد بين كتفيه، وتقدم أن الختم كان بقلبه.

وقد يقال في الجمع، لا مانع من تعدد الختم في المحال المذكورة أي في قلبه وصدره وبين كتفيه، فختم القلب لحفظ ما فيه، وختم الصدر وبين الكتفين مبالغة في حفظ ذلك لأن الصدر وعاؤه القريب، وجسده وعاؤه البعيد، وخص بين الكتفين لأنه أقرب إلى القلب من بقية الجسد، ولعله أولى من جواب القاضي عياض   بأن الذي بين كتفيه هو أثر ذلك الختم الذي كان في صدره، إذ هو خلاف الظاهر من قوله: «وجعل الخاتم بين كتفيّ» وفيه السكوت عن ختم قلبه، ولا يحسن أن يراد بالصدر القلب من باب تسمية الحالّ باسم محله، لأنه يصير ساكتا عن ختم الصدر.

وأولى من جواب الحافظ ابن حجر   أيضا بأنه يجوز أن يكون الختم لقلبه ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر، لأن القلب في ذلك الجانب لما علمت، وفيهما أن الذي عند الأيسر خاتم النبوة: أي الذي هو علامة على النبوة الذي ولد به على ما هو الصحيح.

وفي الخصائص الصغرى: وخص بجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان لغيره وسائر الأنبياء كلهم كان الخاتم في يمينهم.

أي فقد أخرج الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: «لم يبعث الله نبيا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» هذا كلامه، ولم أقف على بيان تلك الشامات التي كانت للأنبياء ما هي.

وكتب الشهاب القسطلاني على هامش الخصائص قوله: «وجعل خاتم النبوة بظهره الخ» مشكل إذ مفهومه أن موضع الدخول لقلوب الأنبياء غير نبينا لم يختم، ولا يخفى ما فيه من المحظور، فما أشنعها من عبارة وأخطأها من إشارة، هذا كلامه.

ولك أن تقول: المراد بغيره في قوله حيث يدخل الشيطان لغيره من غير الأنبياء، لما علم وتقرر في النفوس من عصمة الأنبياء من الشيطان واختص نبينا من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالختم في المحل المذكور مبالغة في حفظه من الشيطان وقطع أطماعه فليتأمل.

لا يقال: كل من جواب القاضي والحافظ ابن حجر يجوز أن يكون مبنيا على أن خاتم النبوة هو أثر هذا الختم، وهو موافق لما تمسك به القائل بأن خاتم النبوة لم يولد به، وإنما حدث بعد الولادة.

لأَنا نقول: على تسليم أنه حدث بعد الولادة فقد وجد عقبها، فعن أبي نعيم في الدلائل أنه لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج صرة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، وبذلك يعلم أن خاتم النبوة ليس أثرا لهذا الخاتم.

وكلام السهيلي يقتضي أنه هو حيث قال: إن هذا الحديث الذي في شق صدره في الرضاعة فيه فائدة من تبيين العلم، وذلك أن خاتم النبوة لم يدر أنه خلق به أو وضع فيه بعد ما ولد، أو حين نبىء، فبين في هذا الحديث متى وضع وكيف وضع ومن وضعه زادنا الله تعالى علما، وأوزعنا شكر ما علم هذا كلامه.

ثم رأيت عن الحافظ ابن حجر ما يوافقه حيث قال: ومقتضى الأحاديث التي فيها شق الصدر ووضع الخاتم أنه لم يكن موجودا حين ولادته، وإنما كان أول وضعه لما شق صدره عند حليمة، خلافا لمن قال ولد به أو حين وضع هذا كلامه.

ولا يخفى أن ما قلناه من أن هذا الخاتم غير خاتم النبوة أولى، لأن به يجتمع القولان، وتندفع المخالفة. والجمع أولى من التضعيف، لما صح من أنه ولد به، وعلى أنه هو يلزم أن يكون خاتم النبوة تعدد محله، فوجد بين كتفيه وفي صدره وفي قلبه.

لا يقال: قد أشير إلى الجواب عن ذلك بأن الموجود بين كتفيه إنما هو أثر ما في صدره وقلبه.

لأنا نقول يبطله ما تقدم عن الدلائل لأبي نعيم، وما تقدم عن بعض الروايات «فأقبل الملك وفي يده خاتم فوضعه بين كتفيه وثدييه» وأيضا يلزم عليه أن يكون خاتم النبوّة تكرر الإتيان به ثانيا في قصة المبعث، وثالثا في قصة الإسراء. ففي قصة المبعث «فأكفأني كما يكفأ الإناء ثم ختم في ظهري» وفي قصة الإسراء «ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة » وكل منهما يبطل كون ما في ظهره أو بين كتفيه أثرا لذلك الختم الذي وجد في صدره أو قلبه.

إلا أن يقال ما في قصة المبعث وقصة الإسراء غير خاتم النبوّة وإن خاتم النبوة إنما هو الأثر الحاصل من ختم صدره وقلبه وفي قصة الرضاعة، وإنه تكرر الختم على ذلك الأثر في المبعث وفي قصة الإسراء، وفيه أنه لا معنى لتكرر الختم في محل واحد.

ولا يقال: الغرض منه المبالغة في الحفظ، لأن ذلك إنما يكون عند تعدد محل الختم لا عند إعادته ثانيا وثالثا في محل واحد. وأيضا هو خلاف ظاهر كلامهم من أنه في المحالّ الثلاثة خاتم النبوة، ويؤيده أن المتبادر من القول في قصة الإسراء «ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوّة » أنه جعل خاتم النبوة بين كتفيه، وإلا فما معنى كون الخاتم بمعنى الطابع: أي خاتم النبوّة.

فإن قلت: على دعوى الغيرية يحتاج إلى الجواب عن قوله بخاتم النبوّة. قلت: قد يقال هذا ليس برواية عن الشارع، وإنما وقعت تلك العبارة عن بعضهم. ويجوز أن يكون الباء في كلامهم بمعنى مع: أي مع خاتم النبوّة فتأمل، والله أعلم.

قال: «ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا، ثم قال الأول للذي شق صدري زنه بعشرين من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال دعه فلو وزنتموه بأمته كلهم لرجحهم كلهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب الله لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك».

أقول في بعض الروايات «زنه بعشرة ثم قال زنه بمائة » ففي هذه الرواية طي ذكر وزنه بعشرين، وفي تلك الرواية طي ذكر وزنه بعشرة والله أعلم.

قال: قال رسول الله: «وبينا نحن كذلك إذا بالحي قد أقبلوا بحذافيرهم ـ أي بأجمعهم ـ وإذا بظئري ـ أي مرضعتي ـ أمام الحي تهتف ـ أي تصيح بأعلى صوتها ـ وتقول: واضعيفاه، فأكبوا عليّ ـ يعني الملائكة الذين هم أولئك الرهط الثلاثة ـ وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عينيّ، وقالوا حبذا أنت من ضعيف، ثم قالت ظئري يا وحيداه، فأكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد، إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض، ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فأكبوا عليّ وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما أريد بك من الخير لقرّت عينك، فوصلوا يعني الحي إلى شفير الوادي: فلما أبصرتني أمي وهي ظئري قالت: لا أراك إلا حيا بعد، فجاءت حتى أكبت عليّ ثم ضمتني إلى صدرها فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها ويدي في أيديهم يعني الملائكة، وجعل القوم لا يعرفونهم ـ أي لا يبصرونهم ـ فأقبل بعض القوم يقول إن هذا الغلام قد أصابه لمم: أي طرف من الجنون أو طائف من الجن أي وهي اللمة فانطلقوا به إلى كاهن حتى ينظر إليه ويداويه، فقلت يا هذا ما بي مما تذكر، إن آرابي أي أعضائي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة أي علة يقلب بها إلى من ينظر فيها، فقال أبي وهو زوج ظئري: ألا ترون كلامه صحيحا إني لأرجو أن لا يكون بابني بأس، واتفقوا على أن يذهبوا بي إليه: أي إلى الكاهن، فلما انصرفوا بي إليه فقصوا عليه قصتي، فقال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري من أوّله إلى آخره فوثب قائما إلي وضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب من شرّ قد اقترب، اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فواللات والعزى لئن تركتموه فأدرك مدرك الرجال ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله» وفي رواية «ليسفهن أحلامكم أي عقولكم وليكذبن أوثانكم وليدعونكم إلى رب لم تعرفونه ودين تنكرونه فعمدت ظئري وانتزعتني من حجره وقالت لأنت أعته وأجن ولو علمت أن هذا قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك فأنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني إلى أهلهم وأصبحت مفزعا مما فعلوا، يعني الملائكة بي» أي من حملي من بين أترابي وإلقائي إلى الأرض، لا من خصوص الشق لما تقدم «وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي أي» أثر التئام الشق الناشىء عن إمرار يد الملك كأنه الشراك اهـ.

أقول: الشراك أحد سيور النعل الذي هو المداس الذي يكون على وجههنا، ولعل حكمة بقائه ليدل على وجود الشق.

واعلم أنه حيث كانت قصة شق صدره الشريف في زمن الرضاع عند حليمة واحدة يكون هذه الروايات المراد منها واحد، وأن بعضها وقع فيها الاختصار عما وقعت به الإطالة في بعضها، وأن إخباره بأن الملائكة كانوا ثلاثة لا ينافي إخباره بأنهم كانوا اثنين، ونسبة الأخذ والإضجاع والشق للبطن أو الصدر إلى الثلاثة أو إلى الاثنين، لا ينافي أن متعاطي ذلك واحد منهم كما أخبر به أخوه، وجاء التصريح به في بعض الروايات، وأن التعبير في بعضها بشق البطن هو المراد بشق الصدر إلى منتهى العانة في بعضها، وأنه ليس المراد بشق البطن أو شق الصدر شق القلب، لما تقدم في الرواية «واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها ثم أعادها مكانها، ثم قال لصاحبه تنح عنه، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي فصدعه الحديث» وأنه يجوز أن يكون الطست كان متعددا واحدا من زمردة خضراء وواحدا من ذهب، وأن الأول كان فارغا معدا لأن يلقى فيه ماء يغسل به باطنه أي مع أحشائه ومنها أي من جملة الأحشاء ظاهر قلبه من الإبريق الفضة وأن الثاني كان مملوءا ثلجا معدا لأن يغسل به قلبه: أي داخل قلبه.

وحينئذ يكون في بعض الروايات اقتصر على القلب، وفي بعضها جمع بينه وبين الأحشاء في ذلك ويحتاج إلى الجمع بين كون الشق في ذروة الجبل وكونه في شفير الوادي، وكون المخرج علقة وكونه مضغة.

وقد يقال جاز أن تكون ذروة الجبل قريبة من شفير الوادي، وأنه عبر عن الذي أخرجه وألقاه تارة بالعلقة وتارة بالمضغة، ولعل تلك المضغة كانت قريبة من العلقة ولا يخفى أن هذه العلقة يحتمل أنها غير حبة القلب التي أخذت منها المحبة وهي علقة سوداء في صميمه المسماة بسويداء القلب.

ويحتمل أنها هي والله أعلم، وقد أشار إلى هذه القصة صاحب الهمزية بقوله:

وأتت جده وقد فصلته ** وبها من فصاله البرحاء

إذ أحاطت به ملائكة الله ** فظنت بأنهم قرناء

ورأى وجدها به ومن الوجـ ** ـد لهيب تصلى به الأحشاء

فارقته كرها وكان لديها ** ثاويا لا يمل منه الثواء

شق عن قلبه وأخرج منه ** مضغة عند غسله سوداء

ختمته يمنى الأمين وقد أو ** دع ما لم يذع له أنباء

صان أسراره الختام فلا الفـ ** ـض ملمّ به ولا الإفضاء

أي وأتت حليمة به جده والحال أنها فطمته والحال أنه لحق بها من أجل فطامه، ورده التألم الزائد، وردها له لأجل أنه أحدقت به ملائكة الله فظنتهم شياطين، ورأى شدة محبتها له وتعلقها به، وقد حصل لها من الوجد الذي بها لهب تحترق الأحشاء به، وهي ما تحويه الضلوع، وفارقته بعد رد هاله كارهة لفراقه والحال أنه كان مقيما عندها لا تملّ ذلك منه، وقد شق عن قلبه وأخرج من ذلك القلب عند غسله مضغة سوداء ختمت على ذلك القلب يمين الأمين جبريل بخاتم، والحال أن ذلك القلب الشريف قد أودع من الأسرار الإلهية ما لم تنشره أخبار، لأن تلك الأسرار لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، حفظ ذلك الختام أسراره التي أودعت فيه، فلا الكسر واقع بذلك الختم ولا الإشاعة واقعة لتلك الأسرار.

أقول: قد علمت أن صدره الشريف شق مرّتين غير هذه المرة: مرّة عند مجيء الوحي، ومرّة عند المعراج: وزاد بعضهم أنه شق عند بلوغه عشر سنين كما في مسلم.

ولما بلغ عمره عشرين سنة: أي ولعلها هي المعنية بقول صاحب المواهب وروي خامسة ولم تثبت وستأتي تلك الخامسة عن الدرّ المنثور، وسيأتي ما فيها والله أعلم.

قال: وفي المرة التي كان ابن عشر سنين: أي وأشهر قال: «جاءني رجلان، فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعني لحلاوة القفا، ثم شقا بطني فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر يغسل جوفي، ثم شق قلبي فقال أخرج الغل والحسد منه، فأخرج منه العلقة ».

والمتبادر أن أل في العلقة للعهد، وهي العلقة السوداء، التي تقدم أنها حظ الشيطان وأنها مغمزة فهي محل الغلّ والحسد.

وفيه أنه تقدم أيضا أن تلك العلقة أخرجت وألقيت قبل هذه المرة وتكرر نبذها مستحيل إلا أن تحمل العلقة على جزء بقي من أجزائها بناء على جواز أنها تجزأت أكثر من جزئين، المعبر عنهما فيما تقدم عن بعض الروايات علقتين سوداوين، إلا أن يقال المراد بقوله فأخرج منه العلقة أي أخرج ما هو كالعلقة: أي شيئا يشبه العلقة كما سيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات «فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه فذره عليه أي على شق القلب ليلتحم به ثم نقر إبهامي ثم قال اغد واسلم».

أقول: لم يذكر في هذه المرة الختم. وظاهر هذه الرواية أن الصدر التحم بمجرد ذر الذرور. وتقدم في قصة الرضاع أن ذلك كان من إمرار يد الملك واستمر أثر التئام الشق يشاهد كالشراك.

وفي الدر المنثور عن زوائد مسند الإمام أحمد عن أبي بن كعب، عن أبي هريرة قال: «يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهر، إذا بكلام فوق رأسي، وإذا برجل يقول لرجل أهو هو، فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر» أي من غير إتعاب «فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغلّ والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج» أي ليدخله شبه الفضة «ثم نقر إبهام رجلي اليمنى وقال اغد واسلم فرجعت أغدو بها رأفة على الصغير ورحمة على الكبير» ولم يذكر في هذه المرة الغسل فضلا عما يغسل به، ولم يذكر الختم، ولكن قول الرجل للآخر أهو هو يدل على أن الرجلين ليسا جبريل وميكائيل لأنهما يعرفانه، وقد فعلا به ذلك في قصة الرضاع. وقد يدعي أن هذه الرواية هي عين الرواية قبلها، وذكر عشرين سنة غلط من الراوي، وإنما هي عشر سنين.

ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو كان سنه عشر حجج، وقد تحمل هذه المرة أي كونه ابن عشرين سنة، على أن ذلك كان في المنام وإن كان خلاف ظاهر السياق.

وقال في المرة التي هي عند ابتداء الوحي: «جاءني جبريل وميكائيل فأخذني جبريل وألقاني لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج» ولم يبين ذلك ما هو «ثم غسله في طست من ماء زمزم ثم أعاده مكانه ثم لأمه: أي بذلك الذرور: أي بإمرار يده أو بهما جميعا ثم أكفأني كما يكفى الإناء ثم ختم في ظهري».

يحتمل أن يكون المراد في غير المحل الذي ختمه في قصة الرضاع وهو بين كتفيه. ويحتمل أن المراد بظهره المحل الذي ختمه في قصة الرضاع.

وفيه أنه لا معنى لوضع الختم على الختم كما تقدم ويمكن أن تكون الحكمة في الجمع بين جبريل وميكائيل أن ميكائيل ملك الرزق الذي به حياة الأجساد والأشباح، وجبريل ملك الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، والمرة التي هي عند المعراج سيأتي الكلام عليها. وفيها أن الختم وقع بين كتفيه وفيه ما علمت.

وقد علمت أن شق الصدر والبطن غير شق القلب، وأن شق القلب وإخراج العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان ومغمزه مما اختص به عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وما في بعض الآثار أن التابوت أي تابوت بني إسرائيل كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء المراد ظاهر قلوبهم، لأن القلب من جملة الأحشاء التي غسلت بغسل الصدر أو البطن كما تقدم على أن ابن دحية ذكر أنه أثر باطل.

وقد يطلق الصدر على القلب من باب تسمية الحال باسم محل. ومنه ما وقع في قصة المعراج «ثم أتى بطست ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغ في صدره» ومنه قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى: إن شق صدره الشريف من خصائصه على الأصح من القولين: أي شق قلبه. وسيأتي الكلام على ذلك في الكلام على المعراج بما هو أبسط مما هنا.

وعن حليمة  : أنها كانت بعد رجوعها به من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا: أي عنها، فغفلت عنه يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه فوجدته مع أخته أي من الرضاعة وهي الشيماء، وكانت تحضنه مع أمها أي ولذلك تدعى أمّ النبي أيضا ( ) أي وكانت ترقصه بقولها:

هذا أخ لي لم تلده أمي ** وليس من نسل أبي وعمي

أنمه اللهم فيما تنمي فقالت في هذا الحر: أي لا ينبغي أن يكون في هذا الحر، فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرا، رأيت غمامة تظلّ عليه، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع، فجعلت تقول: أحقا يا بنية؟ قالت: إي والله، فجعلت تقول: أعوذ بالله من شرّ ما يحذر على ابني: أي وفي كلام بعضهم: ورأت يعني حليمة الغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت.

وقد يقال الرؤية في حق حليمة علمية، وفي حق أخته بصرية فلا مخالفة، أو أنها أبصرتها بعد الإخبار بها كما يدل على ذلك القول بأنه أفزعها ذلك من أمره أي وفي كونها فزعت من ذلك بعد إخبار أخته لها بذلك شيء، فقدمت به على أمه.

أقول: عن الواقدي أن حليمة لما قدمت به إلى مكة لترده لأمه رأت غمامة تظله في الطريق، إن سار سارت، وإن وقف وقفت. وسياق هذه الرواية يقتضي أنها ردته إلى أمه عقب مجيئها به من مكة، وأن ذلك كان قبل شقّ صدره عندها.

وحينئذ تكون هذه قدمة ثانية لحليمة إلى مكة كانت قبل شق صدره، ففي القدمة الأولى كان سنه سنتين، وفي هذه القدمة كان سنه سنتين وأشهرا وتكون هذه المرة الثانية محمل قول حليمة: فوالله إنه بعد مقدمنا بأشهر. وقول ابن الأثير بشهرين أو ثلاثة.

وأما في القدمة الثالثة وهي التي بعد شق صدره وتركها له عند أمه كان سنه أربع سنين، وفيها كانت وفاتها على ما يأتي، وقيل خمس سنين قاله ابن عباس، وقيل ست سنين، ويكون بعض الرواة اشتبه عليه الأمر، وظن أن هذه القدمة الثانية التي قبل شق صدره هي الثالثة التي بعد شق صدره فلزم الإشكال، فتأمل ذلك تأملا حميدا، ولا تكن ممن يفهم تقليدا، والله أعلم.

ووفدت عليه حليمة بعد تزوجه خديجة تشكو إليه ضيق العيش، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرات، جمع بكرة: وهي الثنية من الإبل: أي وفي رواية أربعين شاة وبعيرا اهـ.

ووفدت عليه يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه، أي فقد قال بعضهم: لم تره بعد أن ردته إلا مرتين: إحداهما بعد تزوّجه خديجة: أي وعليه تكون هذه المرة هي التي قدمت فيها مع زوجها وولدها وأجلسهم على ردائه أي ثوبه الذي كان جالسا عليه كما تقدم، والمرة الثانية يوم حنين.

وفي كلام القاضي عياض: ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك: أي بسط لها رداءه، ثم جاءت عمر ففعل كذلك ().

وفي كلام ابن كثير أن حديث مجيء أمه إليه في حنين غريب وإن كان محفوظا، فقد عمرت دهرا طويلا لأن من وقت أرضعت رسول الله ﷺ إلى وقت الجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين أزيد من ستين سنة. وأقل ما كان عمرها حين أرضعته   ثلاثين سنة وكونها وفدت على أبي بكر وعمر   تزيد المدة على المائة.

وعن أبي الطفيل قال: «رأيت رسول الله ﷺ يقسم لحما بالجعرانة: أي بعد رجوعه من حنين، كما تقدم، والطائف وأنا غلام شاب فأقبلت امرأة، فلما رآها رسول الله ﷺ بسط لها رداءه، فقيل: من هذه؟ قيل: أمه التي أرضعته » وفي رواية «استأذنت امرأة على النبي ﷺ قد كانت ترضعه، فلما دخلت عليه قال: أمي أمي وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه» اهـ. وتقدم عن شرح الهمزية لابن حجر أن من سعادة حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها.

وفي الأصل ومن الناس من ينكر إسلامها، وأشار بذلك إلى شيخه الحافظ الدمياطي فإنه من جملة المنكرين حيث قال: أي في سيرته: حليمة لا يعرف لها صحبة ولا إسلام، وقد وهم غير واحد فذكروها في الصحابة وليس بشيء، وكان الأنسب أن يقول ذكروا إسلامها وليس بشيء ويوافقه قول الحافظ ابن كثير الظاهر أن حليمة لم تدرك البعثة. ورده بعضهم فقال: إسلامها لا شك فيه عند جماهير العلماء، ولا يعول على قول بعض المتأخرين إنه لم يثبت. فقد روى ابن حبان حديثا صحيحا دل على إسلامها، وأنكر الحافظ الدمياطي وفودها عليها في حنين وقال: الوافدة عليه في ذلك إنما هي أخته من الرضاعة وهي الشيماء.

أقول: وعلى صحة ما قاله الحافظ الدمياطي لا ينافيه قوله: «أمي أمي» لأنه كان يقال لأخته الشيماء أم النبي، لأنها كانت تحضنه مع أمها كما تقدم، ولا قول بعض الصحابة أمه التي أرضعته، لأنه يجوز أنه لما قيل أمه حملها على المرضعة له لتيقن موت أمه من النسب. وعلى كون الوافدة عليه في حنين أخته اقتصر في الهدى والله أعلم.

أقول: قال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد عدة آثار في مجيء أمه من الرضاعة إليه في حنين، وفي تعدد هذه الطرق ما يقتضي أن لها أصلا أصيلا، وفي اتفاق الطرق على أنها أمه رد على من زعم أن التي قدمت عليه أخته اهـ.

أقول: لا رد في ذلك، لأنه علم أن أخته المذكورة كان يقال لها أم النبي، ووصف بعض الصحابة لها بأنها أمه من الرضاعة تقدم أنه يجوز أن يكون بحسب ما فهم.

ومما يعين أنها أخته ما سيأتي أنها لما أخذت في حنين من جملة سبي هوازن قالت للمسلمين: أنا أخت صاحبكم، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالت له: يا رسول الله أنا أختك، قال: وما علامة ذلك، قالت عضة عضيتنيها في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله ﷺ العلامة، فقام لها قائما وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت عيناه إلى آخر ما يأتي.

وكلام المواهب يقتضي أنهما قضيتان: واحدة كانت فيها أخته، والأخرى كانت فيها أمه من الرضاعة حيث قال: «وقد روي أن خيلا له أغارت على هوازن، فأخذوها يعني أخته من الرضاعة التي هي الشيماء، فقالت أنا أخت صاحبكم إلى أن قال فبسط لها رداءه وأجلسها عليه فأسلمت» ثم قال: وجاءته يعني أمه من الرضاعة التي هي حليمة يوم حنين فقام إليها وبسط رداءه لها وجلست عليه.

وهذا كما ترى يوهم أن الخيل التي أغارت على هوازن التي كانت فيها أخته لم تكن في حنين، وأن أمه لم تكن يوم حنين في سبي هوازن مع أن القصة واحدة، وأن سبي هوازن كان يوم حنين. فيلزم أن يكون جاء إليه يوم حنين كل من أمه وأخته من الرضاعة الأولى في غير السبي والثانية في السبي. وأنه فرش لكل رداءه، وهو تابع في ذلك لابن عبد البر حيث قال في الاستيعاب: حليمة السعدية أم النبي ﷺ من الرضاعة جاءت إليه يوم حنين، فقام لها وبسط لها رداءه فجلست عليه وروت عنه: وروى عنها عبد الله بن جعفر، ثم قال حذافة أخت النبي ﷺ من الرضاعة يقال لها الشيماء، أغارت خيل رسول الله ﷺ على هوازن، فأخذوها فيما أخذوا من السبي الحديث، وكون عبد الله بن جعفر روى عن حليمة.

قال الحافظ ابن حجر: لا يتهيأ له السماع منها إلا بعد الهجرة بسبع سنين فأكثر، لأنه قدم من الحبشة مع أبيه الذي هو جعفر بن أبي طالب في خيبر سنة سبع، وتبعد حياتها وبقاؤها إلى ذلك الزمن.

وفيه أن حنينا بعد خيبر، وأبعد من ذلك وقوفها على أبي بكر وعمر، وقد تقدم ما يشعر باستبعاد ذلك عن ابن كثير.

والذي يتجه أن الوافدة عليه في حنين أخته لا أمه كما يقول الحافظ الدمياطي، والله أعلم. قال: قال أبو الفرج بن الجوزي: ثم قدمت، أي حليمة، عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت أي فلا يقال: سلمنا أن حليمة هي القادمة عليه: أي بعد النبوة، فما الدليل على إسلامها اهـ.

أقول: كان من حقه أن يقول بدل هذه العبارة التي ذكرها وإنما قال يعني ابن الجوزي فأسلمت بعد قوله قدمت عليه بعد النبوة لأنه لا يلزم من قدومها عليه بعد النبوة إسلامها. وفي كون قول ابن الجوزي فأسلمت دليلا على إسلامها نظر، بل هي دعوى تحتاج إلى دليل، إلا أن يقال: قول ابن الجوزي فأسلمت دليل لنا على إسلامها: والله أعلم.

وذكر الذهبي أن التي وفدت عليه في الجعرانة يجوز أن تكون ثويبة، ونظر فيه بأن ثويبة توفت سنة سبع: أي من الهجرة أي مرجعه من خيبر على ما تقدم.

أقول ذكر في النور أن الحافظ مغلطاي له مؤلف في إسلام حليمة سماه: التحفة الجسيمة في إسلام حليمة.

وذكر بعضهم أنه لم ترضعه مرضعة إلا وأسلمت، لكن هذا البعض قال: ومرضعاته أربع: أمه وحليمة السعدية وثويبة وأم أيمن أيضا.

وهو يؤيد ما تقدم عن ابن منده من إسلام ثويبة: وأما إسلام أمنة فسنذكره، وكون أم أيمن أرضعته تقدم ما فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

باب وفاة أمه وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبد المطلب إياه

أي اختصاصه بذلك.

ذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ ماتت أمه لما بلغ ست سنين. وقيل كان سنه أربع سنين، وبه صدر في المواهب: أي وهو يرد القول بأن حليمة لما ردته إلى أمه كان عمره خمس أو ست سنين: قال: وقيل كان سنه سبع سنين، وقيل ثمان، وقيل تسع، وقيل اثنتي عشرة وشهرا وعشرة أيام اهـ.

ووفاتها كانت بالأبواء، وهو محل بين مكة والمدينة: أي وهو إلى المدينة أقرب. وسمي بذلك لأن السيول تتبوّأه: أي تحل فيه ودفنت به. فقد جاء أنه لما مر بالأبواء في عمرة الحديبية قال: إن الله أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فأتاه وأصلحه، وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكائه وقيل له في ذلك، فقال: أدركتني رحمتها فبكيت وكان موتها وهي راجعة به من المدينة من زيارة أخواله: أي أخوال جده عبد المطلب، لأن أم عبد المطلب من بني عدي بن النجار كما تقدم، بعد أن مكثت عندهم شهرا ومرضت في الطريق ومعها أم أيمن بركة الحبشية التي ورثها من أبيه عبد الله على ما تقدم، فحضنته وجاءت به إلى جده عبد المطلب: أي بعد خمسة أيام من موت أمه، فضمه إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده.

هذا وفي كلام بعضهم: وبقي النبي ﷺ بعد موت أمه بالأبواء حتى أتاه الخبر إلى مكة: وجاءت أم أيمن مولاة أبيه عبد الله فاحتملته، وذلك لخامسة من موت أمه فليتأمل.

وكون موت أمه كان في حياة عبد المطلب هو المشهور الذي لا يكاد يعرف غيره، وبه يرد قول من قال إن موت عبد المطلب كان قبل موت أمه بسنتين.

أي وكان يقول لأم أيمن: «أنت أمي بعد أمي» ويقول: «أم أيمن أمي بعد أمي» وفي القاموس: دار رابغة ـ بالغين المعجمة ـ بمكة فيها مدفن أمه، ولم أقف على محل تلك الدار من مكة قال: وقيل توفيت: أي دفنت بالحجون بشعب أبي ذؤيب، وغلط قائله.

وعن عائشة   قالت: «حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع، فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه طفق» أي شرع يقول: «يا حميراء استمسكي، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عني طويلا ثم عاد إليّ وهو فرح متبسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسم فمم ذاك؟ قال ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمنت وردها الله تعالى».

وهذا الحديث قد حكم بضعفه جماعة، منهم الحافظ أبو الفضل بن ناصر الدين، والجوزقاني وابن الجوزي، والذهبي في الميزان، وأقره على ذلك الحافظ ابن حجر في لسان الميزان جعله ابن شاهين ومن تبعه ناسخا لأحاديث النهي عن الاستغفار: أي لها.

منها ما جاء «أنه لما قدم مكة » أي ولعله في عمرة القضاء، لأنه لم يقدم مكة نهارا «مع أصحابه قبل حجة الوداع إلا في ذلك أتى رسم قبر أمه فجلس إليه فناجاه طويلا ثم بكى، قال ابن مسعود فبكينا لبكائه، ثم قام ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة » الحديث.

وفي رواية «أتى قبر أمه فجلس إليه، فجعل يخاطبه، ثم قام مستعبرا، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله قد رأينا ما صنعت، قال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي» وفي رواية «إن جبريل   ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركا، فما رئي باكيا أكثر منه يومئذ» وفي رواية «استأذنته في الدعاء لها: أي بالاستغفار، فلم يأذن لي وأنزل علي {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} فأخذني ما يأخذ الولد للوالد» قال القاضي عياض: بكاؤه على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به أي النافع إجماعا، وكونه ناسخا لذلك غير جيد، لأن أحاديث النهي عن الاستغفار بعض طرقها صحيح رواه مسلم وابن حبان في صحيحيهما. ونص مسلم «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة » وفي لفظ «تذكركم الموت» وهذا الحديث: أي حديث عائشة   على تسليم ضعفه أي دون وضعه لا يكون ناسخا للأحاديث الصحيحة.

أقول: ذكر الواحدي في أسباب النزول أن آيتي {ما كان للنبي والذين آمنوا} ـ {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} نزلتا لما استغفر لعمه أبي طالب بعد موته فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذي قرابتنا؟ هذا رسول الله ﷺ يستغفر لعمه، وقد استغفر إبراهيم لأبيه: أي فنزولهما كان عقب موت أبي طالب.

لا يقال جاز أن تكون آية {ما كان للنبي} تكرر نزولها لما استغفر لعمه ولما استغفر لأمه، لأنا نقول كونه يعود للاستغفار بعد أن نهى عنه فيه ما فيه، أو المراد بالنسخ المعارضة، يعني قول ابن شاهين إنه ناسخ أحاديث النهي عن الاستغفار: أي معارض لها، إذ لا معنى للنسخ هنا، على أنه لا معارضة، لأن النهي عن الاستغفار لها كان قبل أن تؤمن.

وإذا ثبت ما تقدم عن عائشة   وما بعده كان دليلا لمن يقول قبر أمه بمكة. وعلى كونها دفنت بالأبواء اقتصر الحافظ الدمياطي في سيرته، وكذا ابن هشام في سيرته. وفي الوفاء عن ابن سعد: أن كون قبرها بمكة غلط وإنما قبرها بالأبواء.

وقد يقال: على تقدير صحة الحديثين: أي أنها دفنت بالأبواء وأنها دفنت بمكة يجوز أنها تكون دفنت أولا بالأبواء ثم نقلت من ذلك المحل إلى مكة، فعلم أن بكاءه كان قبل أن يحييها الله له وتؤمن به. ومن ثم قال الحافظ السيوطي إن هذا الحديث: أي حديث عائشة قيل إنه موضوع، لكن الصواب ضعفه لا وضعه هذا كلامه.

ويجوز أن يكون قوله لشخصين: «أمي وأمكما في النار» على تقدير صحته التي ادعاها الحاكم في المستدرك كان قبل إحيائها وإيمانها به كما تقدم نظير ذلك في أبيه.

وقولنا على تقدير صحة الحديث إشارة لما تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرد الحاكم بالتصحيح في المستدرك، لما عرف من تساهله فيه في التصحيح. وقد بين الذهبي ضعف هذا الحديث، وحلف على عدم صحته يمينا. وتقدم الجواب عما يقال كيف ينفع الإيمان بعد الموت، وتقدم ما فيه. على أن هذا: أي منع الاستغفار لها إنما يأتي على القول أن من بدّل أو غيّر أو عبد الأصنام من أهل الفترة معذب، وهو قول ضعيف مبني على وجوب الإيمان والتوحيد بالعقل.

والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة أنه لا يجب ذلك إلا بإرسال الرسل. ومن المقرر أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل، وأن إسماعيل انتهت رسالته بموته كبقية الرسل، لأن ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا محمد، فعليه أهل الفترة من العرب لا تعذيب عليم وإن غيروا أو بدلوا أو عبدوا الأصنام، والأحاديث الواردة بتعذيب من ذكر أي من غيّر أو بدّل أو عبد الأصنام مؤولة، أو خرجت مخرج الزجر للحمل على الإسلام.

ثم رأيت بعضهم رجح أن التكليف بوجوب الإيمان بالله تعالى وتوحيده: أي بعدم عبادة الأصنام يكفي فيه وجود رسول دعا إلى ذلك وإن لم يكن ذلك الرسول مرسلا لذلك الشخص بأن لم يدرك زمنه حيث بلغه أنه دعا إلى ذلك أو أمكنه علم ذلك، وأن التكليف بغير ذلك من الفروع لا بد فيه من أن يكون ذلك الرسول مرسلا لذلك الشخص وقد بلغته دعوته.

وعلى هذا فمن لم يدرك زمن نبينا ولا زمن من قبله من الرسل معذب على الاشراك بالله بعبادة الأصنام لأنه على فرض أن لا تبلغه دعوة أحد من الرسل السابقين إلى الإيمان بالله وتوحيده، لكنه كان متمكنا من علم ذلك فهو تعذيب بعد بعث الرسل لا قبله.

وحينئذ لا يشكل ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس   قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بعث الله نبيا إلى قوم ثم قبضه إلا جعل بعده فترة يملأ من تلك الفترة جهنم» ولعل المراد المبالغة في الكثرة، وإلا فقد أخرج الشيخان عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول (هل من مزيد) حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيرتد بعضها إلى بعض وتقول قط قط» أي حسبي بعزتك وكرمك، وأما بالنسبة لغير الإيمان والتوحيد من الفروع فلا تعذيب على تلك الفروع، لعدم بعثة رسول إليهم فأهل الفترة وإن كانوا مقرين بالله إلا أنهم أشركوا بعبادة الأصنام.

فقد حكى الله تعالى عنهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقد جاء النهي عن ذلك على ألسنة الرسل السابقين.

ووجه التفرقة بين الإيمان والتوحيد وغير ذلك: أن الشرائع بالنسبة للإيمان بالله وتوحيده كالشريعة الواحدة لاتفاق جميع الشرائع عليه.

قيل وهو المراد من قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} فقد قال بعضهم: المراد من الآية استواء الشرائع كلها في أصل التوحيد: أي ومن ثم قال في تمام الآية {ولا تفرقوا فيه} وقال: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} وقال {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ومن ثم قاتل بعض الأنبياء غير قومه على الشرك بعبادة الأصنام، ولو لم يكن الإيمان والتوحيد لازما لهم لم يقاتلهم، بخلاف غيره من الفروع فإن الشرائع فيها مختلفة.

قال بعضهم: سبب اختلاف الشرائع اختلاف الأمم في الاستعداد والقابلية. والدليل على أن الأنبياء متفقون على الإيمان والتوحيد ما جاء أنه قال: «الأنبياء أولاد علات» أي أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع شرائعهم، لأن العلات الضرائر، فأولادهم أخوة من الأب وأماتهم مختلفة. وقد جاء هذا التفسير في نفس الحديث. ففي بعض الروايات «الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» وبه يعلم ما في كلام العلامة ابن حجر الهيتمي حيث ذكر أن الحق الواضح الذي لا غبار عليه أن أهل الفترة جميعهم ناجون، وهم من لم يرسل لهم رسول يكلفهم بالإيمان بالله  ، فالعرب حتى في زمن أنبياء بني إسرائيل أهل فترة لأن تلك الرسل لم يؤمروا بدعايتهم إلى الله تعالى وتعليمهم الإيمان قال: نعم، من ورد فيه حديث صحيح من أهل الفترة بأنه من أهل النار، فإن أمكن تأويله فذاك، وإلا لزمنا أن نؤمن بهذا الفرد بخصوصه.

قال: وأما قول الفخر الرازي: لم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد معلومة، فجوابه أن كل رسول إنما أرسل إلى قوم مخصوصين، فمن لم يرسل إليه لا يعذب. وجواب ما صح من تعذيب أهل الفترة أنها أخبار آحاد، فلا تعارض القطع، أو يقصر التعذيب على ذلك الفرد بخصوصه: أي حيث لا يقبل التأويل، كما تقدم، هذا كلامه.

هذا وقد جاء أنهم: أي أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة. فقد أخرج البزار عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل لنا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأن تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا فقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين، فقال النبي ﷺ: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما».

قال الحافظ ابن حجر: فالظن بآله، يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له لتقرّ عينه ويرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة في جماعة من يدخلها طائعا إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن به أي بعد أن طلب منه الإيمان.

ومما استدل به الحافظ السيوطي على أن أبويه ليسا في النار قال: لأنهما لو كانا في النار لكانا أهون عذابا من أبي طالب، لأنهما أقرب منه وأبسط عذرا لأنهما لم يدركا البعثة، ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب. وقد أخبر الصادق أنه أهون أهل النار عذابا، فليسا أبواه من أهلها. قال: وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.

وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد من أهل بيته: أي ولا أحد من أشراف قريش إجلالا له، فكان بنوه وسادات قريش يحدقون به، فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر: أي شديد قوي حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب: إذا رأى: أي علم ذلك منهم دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه عليه معه، ويمسح ظهره ويسرّه ما يراه يصنع.

قال: وعن ابن عباس  : دعوا ابني يجلس، فإنه يحس من نفسه بشيء: أي بشرف، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه به عربي قبله ولا بعده. وفي رواية: دعوا ابني إنه ليؤنس ملكا: أي يعلم من نفسه أن له ملكا. وفي لفظ: ردوا ابني إلى مجلسي، فإنه تحدثه نفسه بملك عظيم وسيكون له شأن.

وعن ابن عباس   قال: سمعت، أبي يقول: كان لعبد المطلب مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، وكان حرب بن أمية فمن دونه من عظماء قريش يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول الله ﷺ يوما وهو غلام لم يبلغ الحلم فجلس على المفرش، فجذبه رجل فبكى رسول الله ﷺ فقال عبد المطلب وذلك بعد ما كف بصره ما لابني يبكي، قالوا له: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال عبد المطلب: دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشرف: أي يتيقن في نفسه شرفا، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده: أي فكانوا بعد ذلك لا يردونه عنه حضر عبد المطلب أو غاب: أي ولعل هذا كان في آخر الأمر، فلا ينافي ما تقدم الدّال ظاهرا على تكرر ذلك منه، من اختلاف قول عبد المطلب، وإلا فيحتمل أن اختلاف قول عبد المطلب جاء من اختلاف الرواة.

وقال لعبد المطلب قوم من بني مدلج: أي وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات: احتفظ به، فإنا لم نر قط ما أشبه بالقدم التي في المقام منه: أي وهي قدم إبراهيم  .

أقول: أي فإن إبراهيم  ، أثرت قدماه في المقام: وهو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت كما سيأتي، وهو الذي يزار الآن بالمكان الذي يقال له مقام إبراهيم: أي وقد أشار إلى ذلك عمه أبو طالب في قصيدته بقوله مقسما:

وبالحجر المسود إذ يلثمونه ** إذا اكتنفوه في الضحى والأصائل

وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة ** على قدميه حافيا غير ناعل

قال الحافظ ابن كثير: يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة.

وعن أنس  : رأيت في القام أثر أصابع إبراهيم وعقبيه وأخمص قدميه غير أن مسح الناس بأيديهم أذهب ذلك: أي ومشابهة قدمه لقدم سيدنا إبراهيم تدل على أن تلك الأقدام بعضها من بعض كما تقدم في قول مجزز المدلجي في زيد بن أسامة   وقد ناما وغطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسرّ بذلك لأن في ذلك رد على من كان يطعن في نسب أسامة بن زيد كما تقدم.

وذكر بعضهم أن نبينا أثر قدمه في الحجر أيضا، فقد أثر في صخرة بيت المقدس ليلة الإسراء، وإن ذلك الأثر موجود إلى الآن.

وذكر الجلال السيوطي أنه لم يقف لذلك: أي لتأثير قدمه في الحجر على أصل ولا سند. قال: ولا رأيت من خرجه في شيء من كتب الحديث. وقال مثل ذلك فيما اشتهر على الألسنه من أن مرفقه الشريف لما ألصقه بالحائط غاص في الحجر وأثر فيه وبه يسمى ذلك المحل بمكة بزقاق المرفق.

ومن العجب أن الجلال السيوطي مع قوله المذكور قال في الخصائص الصغرى: ولا وطىء على صخر إلا وأثر فيه هذا كلامه، ولعله ظهر له صحة ذلك بعد إنكاره. ودعوى أنه ما وطىء على صخر إلا وأثر فيه قد يتوقف فيه. ثم رأيت الإمام السبكي ذكر تأثير قدمه الشريف في الأحجار حيث قال في تائيته:

وأثر في الأحجار مشيك ثم لم ** يؤثر برمل أو ببطحاء رطبة

قال شارحها: ولعل عدم تأثير قدمه الشريف في الرمل كان ليلة ذهابه إلى الغار: أي فليس كان هذا شأنه في كل رمل مشى عليه «وكان إذا رفع قدمه عن الرمل يقول لأبي بكر ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينمّ» أراد به إخفاء أثر سيره ليتحير المشركون في طلبه.

وفيه أن هذا التعليل مقتض لتأثير قدمه الشريف في الرمل لا لعدم تأثيره في ذلك. ويؤيد ذلك أنه سيأتي أنهم قصوا أثره إلى أن انقطع الأثر عند الغار: أي وقال لهم القاص هذا أثر قدم ابن أبي قحافة، وأما القدم الآخر فلا أعرفه إلا أنه يشبه القدم الذي في المقام يعني مقام إبراهيم، فقالت قريش: ما وراء هذا شيء أي محل كما سيأتي.

وفيه أن هذا أي تميز قدمه الشريف من قدم سيدنا أبي بكر ربما ينافيه قوله لأبي بكر: «ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينم».

وقد يقال: لا منافاة لأنه يجوز أن يكون قدم أبي بكر لم يكن مساويا لقدمه ولا يضر في ذلك قوله: «فإن الرمل لا ينم» لجواز أن يكون المراد لا يظهر فيه قدمي ظهور أبينا فصح قول القائل هذا أثر قدم ابن أبي قحافة، وأما القدم الآخر إلى آخره، ولم يعترض هذا الشارح على تأثير قدمه في الحجارة بل أبدى لذلك حكما لا بأس بها فلتراجع.

وقوله في الأحجار يدل على أنه تكرر تأثير قدمه الشريف في الأحجار ولكن لم يكن ذلك شأنه في كل حجر مشى عليه كما دلت عليه عبارة الجلال السيوطي، والله أعلم.

قال: وبينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران. والأسقف: رئيس النصارى في دينهم اشتق من السقف بالتحريك وهو طول الانحناء لأنه يتخاشع: أي يظهر الخشوع وذلك الأسقف يحادثه ويقول له إنا نجد صفة نبي بقي من ولد إسماعيل وهذا البلد مولده، ومن صفته كذا وكذا، وأتى برسول فنظر إليه الأسقف إلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدمه، وقال: هو هذا ما هذا منك قال: هذا ابني، قال: ما نجد أباه حيا، قال: هو ابن ابني، وقد مات أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت، فقال عبد المطلب لبنيه تحفظوا بابن أخيكم، ألا تسمعون ما يقال فيه؟ انتهى.

وعن أم أيمن «كنت أحضن النبي ﷺ أي أقوم بتربيته فغفلت، عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسي يقول يا بركة. قلت لبيك، قال: أتدرين أين وجدت ابني؟ قلت لا أدري، قال: وجدته مغ غلمان قريبا من السدرة لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب أي ومنهم سيف بن ذي يزن كما سيأتي يزعمون أنه نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم، وكان لا يأكل يعني عبد المطلب طعاما إلا يقول عليّ بابني أي أحضروه، قال: وكان عبد المطلب إذا أتي بطعام أجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه انتهى.

وعن بعضهم أي وهو حيدة بن معاوية العامري كان من المعمرين، وفد على رسول الله ﷺ وأسلم. قال بعضهم: مات وهو عم ألف رجل وامرأة، قال: حججت في الجاهلية، فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل. وفي رواية: إذا شيخ طويل يطوف بالبيت وهو يقول: رد إلى راكبي محمدا، وفي رواية:

يا رب رد راكبي محمدا ** اردده ربي واصطنع عندي يدا

فقلت من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، بعث ابن ابنه في طلب إبل له ضلت وما بعثه في شيء إلا جاء به، قال وفي رواية هذا سيد قريش عبد المطلب له إبل كثيرة فإذا ضل منها شيء بعث فيه بنيه يطلبونها، فإذا غابوا بعث ابن ابنه ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد بعثه في حاجة أعيا عنها بنوه وقد أبطأ عليه انتهى، فما برحت: أي ما زلت عن مكاني حتى جاء بالإبل معه، فقال له: يا بني حزنت عليك حزنا لا يفارقني بعده أبدا، وتقدم عن بعض المفسرين ما لا يحتاج إلى إعادته هنا.

وعن رقيقة بنت أبي صيفي: أي ابن هاشم بن عبد مناف زوجة عبد المطلب، ذكرها ابن سعد في المسلمات المهاجرات أقول: وقال أبو نعيم: لا أراها أدركت الإسلام. وقال ابن حبان: يقال إن لها صحبة والله أعلم. قالت تتابعت على قريش سنون: أي أزمنة قحط وجدب ذهبت بالأموال، وأشفين: أي أشرفن على الأنفس، قالت فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان أي وقت خروجه وبه يأتيكم الحيا أي بالقصر المطر العام والخصب، فانظروا رجلا من أوساطكم: أي أشرافكم نسبا طولا عظاما أي طويلا عظيما أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار أي طويل شعر الأجفان، أسيل الخدين: أي لا نتوّ بها رقيق العرنين أي الأنف. وقيل أوله فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فيتطهروا ويتطيبوا، ثم استلموا الركن، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي وتؤمنون، فإنكم تسقون، فأصبحت وقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب فاجتمعوا عليه، وأخرجوا من كل بطن رجلا ففعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي ﷺ وهو غلام، فتقدم عبد المطلب فقال: لاهم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر: أي الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، فأشفت على الأنفس: أي أشرفت على ذهابها فأذهب عنا الجدب، وائتنا بالحيا والخصب فما برحوا حتى سالت الأودية.

قال: وفي رواية أخرى عن رقيقة قالت: تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت، أي أيبست الجلد، وأدقت العظم، فبينا أنا نائمة أو مهوّمة أي بين اليقظانة والنائمة إذ هاتف هو الذي يسمع صوته ولا يرى شخصه كما تقدم يصرخ بصوت صحل: أي فيه بحوحة وهي خشونة الصوت وغلظه يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه: أي قربت منكم، وهذا إبان مخرجه فحيعلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا منكم وسطا عظاما أبيض بضا أي شديد البياض، أوطف الأهداب أي كثير شعر العينين أسهل الخدين، أشم العرنين أي مرتفع الأنف، له فخر يكظم عليه أي يسكت عليه ولا يظهره وسنن يهتدى إليها أي يرشد إليها، فليخلص هو وولده وولد ولده وليدلف أي يتقدم إليه من كل بطن رجل فليسنوا من الماء: أي يفرغوه على أجسادهم أي يغتسلوا به، وليمسوا من الطيب، ثم يلتمسوا الركن وليطوفوا بالبيت العتيق سبعا، ثم ليرقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤمن القوم ألا وفيهم الطيب الطاهر فغثتم إذا ما شئتم أي جاءكم الغيث على ما تريدون. قالت: فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي ووله أي ذهب عقلي، واقتصيت رؤياي أي ذكرتها على وجهها فنمت أي فشت وكثرت في شعاب مكة، فما بقي أبطحي إلا قال هذا شيبة الحمد يعني عبد المطلب وقامت عنده قريش وانفض إليه من كل بطن رجل فسنوا من الماء، ومسوا من الطيب واستلموا وطافوا.

ثم ارتقوا أبا قبيس، فطفق القوم يدنون حوله ما إن يدركه بعضهم مهلة وهي التؤدة والتأني ومعه رسول الله ﷺ قد أيفع أي ارتفع أو كرب أي قرب من ذلك، فقام عبد المطلب فقال اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم مسؤول غير مبخل، وهذه عبيدك وإماؤك بغدرات حرمك أي أفنيته يشكون إليك سنتهم التي أقحلت أي أيبست الظلف والخف: أي الإبل والبقر فأمطرن، اللهم غيثا سريعا مغدقا فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي: أي ضاق بثجيجه أي بسيله فلسمعت شيخان قريش وهي تقول لعبد المطلب: هنيئا لك يا أبا البطحاء، بك عاش أهل البطحاء انتهى: أي والظاهر أن القصة واحدة فليتأمل الجمع. وقد يدعى أن الاختلاف من الرواة منهم من عبر بالمعنى.

وفي سقيا الناس بعبد المطلب وأن ذلك ببركته تقول رقيقة:

بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ** وقد عدمنا الحيا واجلوذ المطر *(أي امتد زمن تأخره. )

فجاد بالماء جوني له سبل دان *( أي أمطرها طل كثير الهطل قريب) ** فعاشت به الأنعام والشجر

منا من الله بالميمون طائره * (أي المبارك حظه) ** وخير من بشرت يوما به مضر

مبارك الاسم يستسقى الغمام به ** ما في الأنام له عدل ولا خطر *(أي لا معادل ولا مماثل له. )

ولما سقوا لم يصل المطر إلى بلاد قيس ومضر فاجتمع عظماؤهم وقالوا قد أصبحنا في جهد وجدب وقد سقى الله الناس بعبد المطلب، فاقصدوه لعله يسأل الله تعالى فيكم فقدموا مكة ودخلوا على عبد المطلب فحيوه بالسلام. فقال لهم: أفلحت الوجوه وقام خطيبهم، فقال: قد أصابتنا سنون مجدبات، وقد بان لنا أثرك، وصح عندنا خبرك، فاشفع لنا عند من شفعك وأجرى الغمام لك، فقال عبد المطلب: سمعا وطاعة، موعدكم غدا عرفات، ثم أصبح غاديا إليها وخرج معه الناس وولده ومعه رسول الله، فنصب لعبد المطلب كرسي فجلس عليه وأخذ رسول الله ﷺ فوضعه في حجره ثم قام عبد المطلب ورفع يديه، ثم قال: اللهم رب البرق الخاطف، والرعد القاصف، رب الأرباب، وملين الصعاب، هذه قيس ومضر، من خير البشر، قد شعثت رؤوسها، وحدبت ظهورها تشكو إليك شدة الهزال وذهاب النفوس والأموال. اللهم فأتح لهم سحابا خوارة وسماء خرارة لتضحك أرضهم ويزول ضرهم، فما استتم كلامه حتى نشأت سحابة دكناء لها دويّ وقصدت نحو عبد المطلب، ثم قصدت نحو بلادهم، فقال عبد المطلب: يا معشر قيس ومضر انصرفوا فقد سقيتم فرجعوا وقد سقوا.

وذكر بعضهم أنهم كانوا في الجاهلية يستسقون إذا أجدبوا فإذا أرادوا ذلك أخذوا من ثلاثة أشجار، وهي سلع وعشر وشبرق، من كل شجرة شيئا من عيدانها وجعلوا ذلك حزمة وربطوا بها على ظهر ثور صعب وأضرموا فيها النار ويرسلون ذلك الثور، فإذا أحس بالنار عدا حتى يحترق ما على ظهره ويتساقط، وقد يهلك ذلك الثور فيسقون.

وفي حياة الحيوان كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء، فإن الله يرحمها بسبب ذلك. قال: وذكر ابن الجوزي أنه في سنة سبع من مولده أصابه رمد شديد، فعولج بمكة فلم يغن، فقيل لعبد المطلب إن في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه ومعه رسول الله، فناداه وديره مغلق فلم يجبه، فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادرا. فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخر علي ديري، فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب، ثم عالجه وأعطاه ما يعالجه به.

هذا ورأيت في كتاب سماه مؤلفه (كريم الندماء ونديم الكرماء) أن رسول الله ﷺ رمد وهو صغير، فمكث أياما يشكو، فقال قائل لجده عبد المطلب: إن بين مكة والمدينة راهبا يرقي من الرمد، وقد شفى على يديه خلق كثير، فأخذه جده وذهب به إلى ذلك الراهب، فلما رآه الراهب دخل إلى صومعته فاغتسل ولبس ثيابه ثم أخرج صحيفة فجعل ينظر إلى الصحيفة وإليه، ثم قال: هو والله خاتم النبيين، ثم قال: يا عبد المطلب هو أرمد؟ قال نعم، قال: إن داوءه معه، يا عبد المطلب خذ من ريقه وضعه على عينيه فأخذ عبد المطلب من ريقه ووضعه على عينيه فبَرِىء لوقته ثم قال الراهب يا عبد المطلب وتالله هذا هو الذي أقسم على الله به فأبرأ المرضى وأشفى الأعين من الرمد فليتأمل، فإن تعدد الواقعة لا يخلو عن بعد، والله أعلم.

باب وفاة عبد المطلب وكفالة عمه أبي طالب له

ثم لما كان سنه ثمان سنين: أي بناء على الراجح من الأقوال المتكاثرة، ويرجحه ما يأتي: توفي عبد المطلب وله من العمر خمس وتسعون سنة، وقيل مائة وعشرون، وقيل وأربعون: أي ولعل ضعف هذا القول اقتضى عدم ذكر ابن الجوزي لعبد المطلب في المعمرين. قال: وقيل اثنان وثمانون: أي وعليه اقتصر الحافظ الدمياطي، قال: وقيل مائة وأربعة وأربعون اهـ. وقد قيل له: «يا رسول الله أتذكر موت عبد المطلب؟ قال نعم وأنا يومئذ ابن ثمان سنين».

وعن أم أيمن أنها كانت تحدث أن رسول الله ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين. ودفن بالحجون عند جده قصيّ.

وجاء عن ابن عباس   قال: قال رسول الله: «يبعث جدي عبد المطلب في زي الملوك، وأبهة الأشراف».

ولما حضرته الوفاة أوصى به إلى عمه شقيق أبيه أبي طالب: أي وكان أبو طالب ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية كأبيه عبد المطلب كما تقدم، واسمه على الصحيح عبد مناف. وزعمت الروافض أن اسمه عمران، وأنه المراد من قوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} قال الحافظ ابن كثير وقد أخطؤوا في ذلك خطأ كبيرا، ولم يتأملوا القرآن قبل أن يقولوا هذا البهتان، فقد ذكر بعد هذه قوله تعالى: {إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} وحين أوصى به جده لأبي طالب أحبه حبا شديدا لا يحبه لأحد من ولده، فكان لا ينام إلا إلى جنبه، وكان يخصه بأحسن الطعام: أي وقيل اقترع أبو طالب هو والزبير شقيقه فيمن يكفله منهما، فخرجت القرعة لأبي طالب، وقيل بل هو اختار أبا طالب لما كان يراه من شفقته عليه وموالاته له قبل موت عبد المطلب، فسيأتي أنه كان مشاركا له في كفالته.

وقيل كفله الزبير حين مات عبد المطلب، ثم كفله أبو طالب: أي بعد موت الزبير، وغلط قائله بأن الزبير شهد حلف الفضول ولرسول الله ﷺ من العمر نيف وعشرون سنة كذا في (أسد الغابة) مقدما للاقتراع على ما قبله.

وفي كون عمره في حلف الفضول كان نيفا وعشرين سنة نظر، لما سيأتي أن عمره إذا ذاك كان أربع عشرة سنة.

وفي كلام بعضهم: فلما مات عبد المطلب كفله عماه شقيقا أبيه الزبير وأبو طالب، ثم مات عمه الزبير وله من العمر أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب، وكفالة جده وعمه له بعد موت أبيه وأمه مذكورة في الكتب القديمة من علامات نبوته.

ففي خبر سيف بن ذي يزن: يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه: أي وفي سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته وكن ست نسوة: صفية، وهي أم الزبير بن العوام وبرة وعاتكة، وأم حكيم البيضاء: أي وهي جدة عثمان بن عفان لأمه، وأميمة وأروى، فقال لهن: ابكين عليّ حتى أسمع ما تقلن فيّ قبل أن أموت، فقالت كل واحدة منهن شعرا في وصفه مذكور في تلك السيرة، ولما سمع جميع ذلك أشار برأسه أن هكذا فابكينني. ويقال إنه إنما أشار بذلك لما سمع قول أميمة وقد أمسك لسانه وكان من قولها:

أعينيّ جودا بدمع درر ** على ماجد الخيم والمعتصر

على ماجد الجد واري الزناد ** جميل المحيا عظيم الخطر

على شيبة الحمد ذي المكرمات ** وذي المجد والعز والمفتخر

وذي الحلم والفضل في النائبات ** كثير المفاخر جمّ الفخر

له فضل مجد على قومه ** متين يلوح كضوء القمر

قال ابن هشام  : لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر إلا أنه: أي ابن إسحاق لما رآه عن ابن المسيب كتبه. قال بعضهم: ولم يبك أحد بعد موته ما بكي عبد المطلب بعد موته، ولم يقم لموته بمكة سوق أياما كثيرة.

وروى أبو نعيم والبيهقي: أن سيف بن ذي يزن الحميري لما ولي على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول بسنتين أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئه: أي بهلاك ملوك الحبشة وبولايته عليهم: أي لأن ملك اليمن كان لحمير، فانتزعته الحبشة منهم، واستمر في يد الحبشة سبعين سنة ثم إن سيف بن ذي يزن الحميري استنقذ ملك اليمن من الحبشة، واستقر فيه على عادة آبائه، وجاءت العرب تهنئه من كل جانب، وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب وأمية بن عبد شمس، وغالب وجهائهم أي كعبد الله بن جدعان بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين المهملة التيمي، وهو ابن عم عائشة  ، وكأسد بن عبد العزى، ووهب بن عبد مناف، وقصي ابن عبد الدار، فأخبر بمكانهم: أي وكان في قصره بصنعاء وهو مضمخ بالمسك، وعليه بردان، والتاج على رأسه وسيفه بين يديه، وملوك حمير عن يمينه وشماله، فأذن لهم فدخلوا عليه، ودنا منه عبد المطلب.

وفي الوفاء وجدوه جالسا على سرير من الذهب، وحوله أشراف اليمن على كراسي من الذهب، فوضعت لهم كراسي من الذهب فجلسوا عليها إلا عبد المطلب فإنه قام بين يديه واستأذنه في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك، فقال: إن الله   أحلك أيها الملك محلا رفيعا شامخا: أي مرتفعا باذخا: أي عاليا منيعا، وأنبتك نباتا طالت أرومته، وعظمت جرثومته: أي والأرومة والجرثومة هما الأصل، وثبت أصله وبسق: أي طال فرعه في أطيب موضع وأكرم معدن، وأنت أبيت اللعن أي أبيت أن تأتي من الأمور ما يعلن عليه، ملك العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، وكهفها الذي تلجأ إليه العباد سلفك خير سلف. وأنت لنا فيهم خير خلف، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا: أي أحضرنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا أي أثقلنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد الترزئة أي التعزية، فعند ذلك قال له الملك من أنت أيها المتكلم؟ قال عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن أختنا بالتاء المثناة فوق، لأن أم عبد المطلب من الخزرج وهم من اليمن، قال نعم، قال ادنه، ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا وملكا ربحلا: أي كثير العطاش، يعطى عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء: أي العطاء إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجرى عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه، ثم قال له: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه أي عليه، فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله   فيه، إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون

الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجبناه: أي كتمناه دون غيرنا خبرا عظيما، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة، فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سرّ وبرّ، فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة ولكن به الزعامة أي السيادة إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب: أيها الملك أبت، أي رجعت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من مساره: أي من مساررته إياي بما ازداد به سرورا، فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه قد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا: وجاعل له منا أنصارا يعزبهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض أي جميعا، ويستفتح بهم كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدحض: أي يزجر الشيطان، ويخمد النيران، ويكسر الأوثان. قوله فصل، وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله، وينهي عن المنكر ويبطله: قال له عبد المطلب: جد جدك، ودام ملكك، وعلا كعبك، فهل الملك ساريّ بإفصاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح، قال: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النقب: أي الطرق، إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب، قال: فخرّ عبد المطلب ساجدا، فقال له ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك؟ قال، نعم أيها الملك، إنه كان لي ابن، وكنت به معجبا وعليه رقيقا، وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه: يعني أبا طالب، وهذا يدل على أن وفود عبد المطلب على سيف بن ذي يزن كان بعد موت أمه.

وحينئذ لا ينافي ذلك ما تقدم أن عمره كان سنتين، لأن ذلك كان سنه حين ولي سيف بن ذي يزن على الحبشة، وتأخر وفود عبد المطلب عليه بعد موت أمه. ويدل على أن أبا طالب كان مشاركا لعبد المطلب في كفالته في حياة عبد المطلب، ثم اختص هو بذلك بعد موته: أي وعبارة سيف بن ذي يزن صادقة بالحالين. فقال له: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحتفظ على ابنك، واحذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا: أي، فحفظه والخوف عليه منهم من باب الاحتياط والإعلام بقدره.

قال واطوما ذكرته لك عن هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تداخلهم النفاسة من أن تكون له الرياسة، فينصبون له الحبائل، ويبغون له الغوائل، وهم فاعلون ذلك، أو أبناؤهم من غير شك. ولولا أعلم أن الموت مجتاحي: أي مهلكي قبل مبعثه، لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه. فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق أن يثرب دار ملكه، واستحكام أمره، وأجل نصرته، وموضع قبره. ولولا أني أقيد الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنه أمره، وأعليت على أسنان العرب كعبه، ولكن سأصرف ذلك إليك من غير تقصير بمن معك.

ثم دعا بالقوم، وأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد سود، وعشرة إماء سود، وحلتين من حلل البرود، وعشرة أرطال ذهبا، وعشرة أرطال فضة، ومائة من الإبل، وكرش مملوء عنبرا. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا جاء الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره، فمات الملك قبل أن يحول عليه الحول، وكان عبد المطلب كثيرا ما يقول لمن معه: لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره، فإذا قيل له ما هو؟ قال سيعلم ما أقول ولو بعد حين اهـ.

وهذا القصر الذي كان فيه الملك سيف بن ذي يزن يقال له بيت عمدان، يقال إنه كان هيكلا للزهرة تعبد فيه الزهرة. وكان سيدنا عمر   يقول لا أفلحت العرب ما دام فيها عمدانها، فلما ولي عثمان   الخلافة هدمه.

وكان أبو طالب مقلا من المال، فكان عياله إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم النبي ﷺ شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول لهم، كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي رسول الله ﷺ فيأكل معهم، فيفضلون من طعامهم، وإن كان لبنا شرب رسول الله ﷺ أولهم، ثم تتناول العيال القعب: أي القدح الذي من الخشب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم: أي جميعهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعبا واحدا. فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.

أقول: وفي الإمتاع وكان أي أبو طالب يقرب إلى الصبيان يصبحهم أول البكرة فيجلسون وينتهبون فيكف رسول الله ﷺ يده لا ينتهب معهم. فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه على حدة، هذا كلامه: ولا ينافي ما قبله، لأنه يجوز أن يكون ذلك خاصا بما يحضر في البكرة الذي يقال له الفطور دون الغداء والعشاء، فإنه كان يأكل معهم وهو المقدم، والله أعلم.

وكان الصبيان يصبحون شعثا رُمصا بضم الراء وإسكان الميم ثم صاد مهملة ويصبح رسول الله ﷺ دهينا كحيلا.

قالت أم أيمن: ما رأيت رسول الله ﷺ يشكو جوعا قط ولا عطشا لا في صغره ولا في كبره.

وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول أنا شبعان: أي في بعض الأوقات، فلا ينافي ما سبق.

وكان يوضع لأبي طالب وسادة يجلس عليها فجاء النبي ﷺ فجلس عليها، فقال: إن ابن أخي ليُخبر بنعيم: أي بشرف عظيم.

قال: واستسقى أبو طالب برسول الله. قال جلهمة بن عرفطة: قدمت مكة وقريش في قحط فقائل منهم يقول اعتمدوا اللات والعزى. وقائل منهم يقول اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي أنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عن الحق وفيكم باقية إبراهيم، وسلالة إسماعيل عليهما السلام؟ أي فكيف تعدلون عنه إلى ما لا يجدي. قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: إيها، فقاموا بأجمعهم وقمت معهم، فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه، عليه إزار قد اتشح به فثاروا أي قاموا إليه، فقالوا، يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق لنا، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة بدال مهملة فجيم مضمومتين أي ظلمة. وفي رواية كأنه شمس دجن: أي ظلام تجلت عنه سحابة قتماء أي من القتام بالفتح وهو الغبار وحوله أغيلمة جمع غلام، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ أي طاف بأصبعه الغلام، زاد في بعض الروايات، وبصبصت الأغيلمة حوله: أي فتحت أعينها، وما في السماء قزعة: أي قطعة من سحاب، فأقبل السحاب من ههنا ومن ههنا واغدودق: أي كثر مطره، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي.

وفي ذلك يقول أبو طالب من قصيدة يمدح بها النبي ﷺ وشرف وكرم أكثر من ثمانين بيتا:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

أي ملجأ وغياثا لليتامى، ومانع الأرامل من الضياع. والأرامل: المساكين من النساء والرجال، وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالا.

أقول: وأخذت الشيعة من هذه القصيدة القول بإسلام أبي طالب: أي لأنه صنفها بعد البعثة وسيأتي الكلام في إسلامه.

وأما ما نقله الدميري في شرح المنهاج عن الطبراني وابن سعد أن هذه القصيدة التي منها هذا البيت من إنشاء عبد المطلب فهو وهم، لما درج عليه أئمة السير أن المنشىء لها هو أبو طالب، واحتمال توارد كل من أبي طالب وعبد المطلب على هذه القصيدة بعيدا جدا.

ومما يصرح بالوهم ما يأتي عن النبي ﷺ من نسبة هذا البيت لأبي طالب، والله أعلم.

قال: وعن أبي طالب قال: كنت بذي المجاز: أي وهو موضع على فرسخ من عرفة كان سوقا للجاهلية كما تقدم مع ابن أخي يعني النبي ﷺ فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت يا ابن أخي قد عطشت وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئا إلا الجزع: أي لم يحملني على ذلك إلا الجزع: وعدم الصبر. قال: فثنى وركه: أي نزل عن دابته. ثم قال: يا عم عطشت. قلت نعم فأهوى بعقبه إلى الأرض. وفي رواية: إلى صخرة فركضها برجله وقال شيئا، فإذا أنا بالماء لم أر مثله، فقال اشرب، فشربت حتى رويت، فقال أرويت؟ قلت نعم، فركضها ثانية فعادت كما كانت وسافر: أي وقد أتت عليه بضع عشرة سنة مع عمه الزبير بن عبد المطلب شقيق أبيه كما تقدم إلى اليمن، فمروا بواد فيه فحل من الإبل يمنع من يجتاز، فلما رآه البعير برك وحك الأرض بكلكله: أي صدره فنزل عن بعيره وركب ذلك الفحل، وسار حتى جاوز الوادي ثم خلى عنه فلما رجعوا من سفرهم مروا بواد مملوء ماء يتدفق، فقال رسول الله ﷺ أتبعوني ثم أقتحمه فاتبعوه فأيبس الله   الماء فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا بذلك، فقال الناس: إن لهذا الغلام شأنا اهـ.

أي وفي السيرة الهشامية أن رجلا من لهب كان قائفا. وكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويقتاف لهم فيهم، فأتى أبو طالب بالنبي ﷺ وهو غلام مع من يأتيه فنظر إليه، ثم شغل عنه بشيء، فلما فرغ قال عليّ بالغلام، وجعل يقول ويلكم ردوا عليّ الغلام الذي رأيت آنفا فوالله ليكوننّ له شأن، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه وانطلق به، والله أعلم.

باب ذكر سفره مع عمه أبي طالب إلى الشام

عن ابن إسحق لما تهيأ أبو طالب للرحيل صبّ به رسول الله ﷺ بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة. والصبابة: رقة الشوق، قاله في الأصل.

قال: وعند بعض الرواة: فضبث به أي بفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة كضرب لزمه وقبض عليه، يقال ضبثت على الشيء: إذا قبضت عليه.

فقد جاء: أوحى الله تعالى إلى داود  : قل للملأ من بني إسرائيل لا يدعوني والخطايا بين أضباثهم: أي قبضاتهم: أي وهم يحملون الأوزار غير مقلعين عنها: أي وعلى ما عند بعض الرواة اقتصر الحافظ الدمياطي، فلفظه: لما تهيأ يعني أبا طالب للرحيل ضبث به رسول الله ﷺ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجنّ به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا.

أقول: رأيت بعضهم نقل عن سيرة الدمياطي: وضبث به أبو طالب ضباثة لم يضبث مثلها لشيء قط وإنه ضبث بالضاد المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة. قال وهو القبض على الشيء، وهذا لا يناسب قوله ضباثة لم يضبث مثلها لشيء قط، لأن ذلك إنما يناسب صب بالصاد المهملة: أي الذي هو الرقة كما لا يخفى. على أن مصدر ضبث إنما هو الضبث، ومن ثم لم أجد ذلك في السيرة المذكورة. والذي رأيته فيها ما قدمته عنها، وفي رواية أنه مسك بزمام ناقة أبي طالب، وقال: يا عم إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أم. وكان سنه تسع سنين على الراجح. وقيل اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام: أي وهذا القيل صدر به في الإمتاع وقال إنه أثبت: أي ومن ثم اقتصر عليه المحب الطبري.

وذكر أنه لما سار به أردفه خلفه فنزلوا على صاحب دير، فقال صاحب الدير ما هذا الغلام منك؟ قال ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون له أب حي هذا نبي: أي لأن من كانت هذه الصفة صفته فهو نبي: أي النبي المنتظر.

ومن علامة ذلك النبي في الكتب القديمة أن يموت أبوه وأمه حامل به كما تقدم وسيأتي أو بعد وضعه بقليل من الزمن: أي ومن علامته أيضا في تلك الكتب موت أمه وهو صغير كما تقدم في خبر سيف بن ذي يزن. ولا ينافي ذلك الاقتصار من بعض أهل الكتب القديمة على الأول الذي هو موت أبيه وهو حمل.

قال أبو طالب لصاحب الدير وما النبي؟ قال: الذي يأتي إليه الخبر من السماء فينبىء أهل الأرض. قال أبو طالب الله أجل مما تقول، قال: فاتق عليه اليهود، ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير، فقال له: ما هذا الغلام منك، قال ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال ولم؟ قال لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي: أي النبي الذي يبعث لهذه الأمة الأخيرة، لأن ما ذكر علامته في الكتب القديمة. قال أبو طالب: سبحان الله! الله أجل مما تقول. ثم قال أبو طالب للنبي: يا ابن أخي ألا تسمع ما يقول؟ قال: أي عم لا تنكر لله قدرة، والله أعلم.

فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا، بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة، واسمه جرجيس، وقيل سرجيس. وحينئذ يكون بحيرا لقبه في صومعة له. وكان انتهى إليه علم النصرانية: أي لأن تلك الصومعة كانت تكون لمن ينتهي إليه علم النصرانية، يتوارثونها كابرا عن كابر، وعن أوصياء عيسى  . وفي تلك المدة انتهى علم النصرانية إلى بحيرا، وقيل كان بحيرا من أحبار اليهود يهود تيما ().

أقول: لا منافاة لأنه يجوز أن يكون تنصر بعد أن كان يهوديا كما وقع لورقة بن نوفل كما سيأتي.

هذا وقال ابن عساكر: إن بحيرا كان يسكن قرية يقال لها الكفو، بينها وبين بصرى ستة أميال. وقيل كان يسكن البلقاء من أرض الشام بقرية، يقال لها ميفعة، ويحتاج إلى الجمع.

وقد يقال يجوز: أنه كان يسكن في كلّ من القريتين كل واحدة يسكن فيها زمنا، وكان في بعض الأحايين يأتي لتلك الصومعة فليتأمل. وقد سمع مناد قبل وجوده ينادي ويقول: ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة: رباب بن البراء، وبحيرا الراهب، وآخر لم يأت بعد. وفي لفظ: والثالث المنتظر يعني النبي ﷺ ذكره ابن قتيبة.

قال ابن قتيبة: وكان قبر رباب وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش: وهو المطر الخفيف، والله أعلم.

وكانت قريش كثيرا ما تمر على بحيرا فلا يكلمهم حتى كان ذلك العام صنع لهم طعاما كثيرا، وقد كان رأى وهو بصومعته رسول الله ﷺ في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم، ثم لما نزلوا في ظلّ شجرة نظر إلى الغمامة قد أظلت الشجرة وتهصرت: أي مالت ( ) أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ وفي رواية وأخضلت: أي كثرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حين استظلّ تحتها: أي وقد كان وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، ثم أرسل إليهم: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم لم أقف على اسم هذا الرجل: يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا بنا وكنا نمر عليك كثيرا فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا صدقت، قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رجال القوم: أي تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم ولم ير الصفة: أي لم ير في أحد منهم الصفة التي هي علامة للنبي المبعوث آخر الزمان التي يجدها عنده: أي ولم ير الغمامة على أحد من القوم، ورآها متخلفة على رأس رسول الله، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي. فقالوا: يا بحيرا ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا. قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الغلام معكم أي وقال: فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم: هو والله أوسطنا نسبا، وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقال رجل من قريش: واللات والعزى إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد

الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه: أي وجاء به () وأجلسه مع القوم: أي وذلك الرجل هو عمه الحارث بن عبد المطلب، ولعله لم يقل هو ابن أخي مع كونه أسن من أبي طالب، لأن أبا طالب كان شقيقا لأبيه عبد الله كما تقدم دون الحارث مع كون أبي طالب هو المقدم في الركب. وقيل الذي جاء به أبو بكر   وقدمه ابن المحدث على ما قبله فليتأمل.

ولما سار به من احتضنه لم تزل الغمامة تسير على رأسه، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا، فقال له: أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما: أي وفي الشفاء أنه اختبره بذلك، فقال له رسول الله ﷺ: لا تسألني باللات والعزى شيئا، فوالله ما أبغض شيئا قط بغضهما، فقال بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول الله، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته: أي صفة النبي المبعوث آخر الزمان التي عنده: أي ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة على الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم، فقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا. فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال ابني، قال: ما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به، قال صدقت: أي ثم قال ما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريبا، قال صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلاده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لتبغينه شرا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم أي نجده في كتبنا ورويناه عن آبائنا.

واعلم أني قد أديت إليك النصيحة فاسرع به إلى بلده. وفي لفظ لما قال له ابن أخي قال له بحيرا أشفيق عليه أنت؟ قال نعم، قال: فوالله لئن قدمت به إلى الشام أي جاوزت هذا المحل ووصلت إلى داخل الشام الذي هو محل اليهود لتقتلنه اليهود، فرجع به إلى مكة. ويقال إنه قال لذلك الراهب: إن كان الأمر كما وصفت فهو في حصن من الله  .

وقد يقال: لا مخالفة لأن ما صدر من بحيرا كان على ما جرت به العادة من طلب التوقي، فخرج به عمه أبو طالب حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. وفي الهدى فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة، فليتأمل.

وذكر أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله ﷺ ما رأى بحيرا وأرادوا به سوءا فردهم عنه بحيرا، وذكرهم الله وما يجدونه في الكتاب من ذكره وصفاته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لا يخلصون إليه، فعند ذلك تركوه وانصرفوا عنه.

وفي رواية أخرى: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب بحيرا، وكانوا قبل ذلك يمرون عليه فلا يخرج إليهم ولا يلتفت إليهم، فجعل وهم يحلون رحالهم يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي، ثم قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال الأشياخ من قريش: ما أعلمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا، ولا يسجد إلا لنبي: أي وإن الغمامة صارت تظلله دونهم، وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. أي والغضروف تقدم أنه رأس لوح الكتف، ثم رجع وصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به كان النبي ﷺ في رعية الإبل، فأرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة: فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء هذه الشجرة مال عليه.

فبينما هو قائم عليهم وهو يعاهدهم أن لا يذهبوا به إلى أرض الروم: أي داخل الشام، فإنهم إن عرفوه قتلوه، فالتفت فإذا سبعة من الروم قد أقبلوا، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر: أي مسافر فيه، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا لا، فبايعوه: أي بايعوا بحيرا على مسالمة النبي، وعدم أخذه وأذيته على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا عند ذلك الراهب خوفا على أنفسهم ممن أرسلهم إذا رجعوا بدونه. قال بحيرا لقريش: أنشدكم الله: أي أسألكم بالله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه بلالا. وفي لفظ: وبعث معه أبو بكر   بلالا، وزوده بحيرا من الكعك والزيت: أي وإذا كانت القصة واحدة فالاختلاف في إيرادها من الرواة كما تقدم نظيره. فبعض الرواة قدم في هذه الرواية وأخر.

على أنه في الهدى قال: وقع في كتاب الترمذي وغيره أن عمه: أي وأبا بكر   بعث معه بلالا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر.

وذكر في الأصل أن في هذه الرواية أمورا منكرة حيث قال: قلت ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرّج له في الصحيح، ومع ذلك: أي مع صحة سنده، ففي متنه نكارة: أي أمور منكرة: وهي إرسال أبي بكر مع النبي ﷺ بلالا، فإن بلالا لم ينقل لأبي بكر إلا بعد هذه السفرة بأكثر من ثلاثين عاما، ولأن أبا بكر لم يبلغ العشر سنين حينئذ، لأنه أسن منه بأزيد من عامين بقليل: أي بشهر. ولا ينافي ما يأتي: وتقدم أن سنه حينئذ تسع سنين على الراجح أي فيكون سن أبي بكر نحو سبع سنين وكان بلال أصغر من أبي بكر  ، فلا يتجه هذا بحال: أي لأن أبا بكر حينئذ لم يكن أهلا للإرسال عادة، وكذا بلال لم يكن أهلا لأن يرسل.

وكون النبي ﷺ أسن من أبي بكر هو ما عليه الجمهور من أهل العلم بالأخبار والسر والآثار.

وما روي أن النبي ﷺ سأل أبا بكر فقال له: من الأكبر أنا أو أنت؟ فقال له أبو بكر: أنت أكرم وأكبر وأنا أسن. قيل فيه إنه وهم وإن ذلك إنما يعرف عن عمه العباس  ، وكون بلال أصغر من أبي بكر ينازعه قول ابن حبان: بلال كان تربا لأبي بكر: أي قرينه في السن، وبه يردّ قول الذهبي: بلال لم يكن خلق.

قال: وذكر الحافظ ابن حجر أن إرسال أبي بكر معه بلال وهَم من بعض الرواة، وهو مقتطع من حديث آخر أدرجه ذلك الراوي في هذا الحديث انتهى.

أقول: ولأجل هذا الوهم قال الذهبي في الحديث أظنه موضوعا بعضه باطل: أي لم يوافق الواقع: أي فمع كون الحديث موضوعا، بعضه موافق للواقع، وبعضه لم يوافق الواقع. وحينئذ فمراد الأصل بالنكارة في قوله في متنه نكارة البطلان كما أشرت إليه، وليس هذا من قبيل قولهم: هذا حديث منكر، الذي هو من أقسام الضعيف وهو يرجع إلى الفردية ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلا عن بطلانه.

وقال الحافظ الدمياطي: في هذا الحديث وهمان أحدهما قوله فبايعوه وأقاموا معه والوهم الثاني قوله وبعث معه أبو بكر بلالا، ولم يكونا معه، ولم يكن بلال أسلم ولا ملكه أبو بكر.

وفيه أن الحافظ الدمياطي فهم أن الضمير في بايعوه للنبي، وقد علمت أنه لبحيرا فلا وهم فيه.

وتوجيه الوهم الثاني بعدم وجود أبي بكر وبلال مع النبي ﷺ واضح إن ثبت ذلك، وإلا فمجرد النفي لا يرد به الإثبات. وحينئذ لا حاجة معه إلى ذكر ما بعده من أن بلالا لم يكن أسلم ولا ملكه أبو بكر، إلا أن يقال هو على تسليم وجود أبي بكر وبلال مع النبي.

وقد يقال على تسليم ذلك: إرسال أبي بكر لبلال لا يتوقف على إسلام بلال ولا على ملك أبي بكر له، جاز أن يكون سيد بلال وهو أمية بن خلف أرسله في ذلك العير لأمر، فأذن أبو بكر لبلال في العود مع النبي ﷺ ليكون خادما، ويستأنس ويأمن به، اعتمادا على رضا سيده بذلك، إذ ليس من لازم إرساله أن يكون مملوكا له. وكون أبي بكر لم يكن في سن من يرسل عادة تقدم ما فيه، والله أعلم.

قال: وروى ابن منده بسند ضعيف عن أبي بكر   أنه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ﷺ ابن عشرين سنة: أي فالنبي ﷺ أسن من أبي بكر بعامين: أي وشهر كما تقدم. ولقلة هذه الزيادة على العامين التي هي الشهر الواردة مبهمة في الرواية السابقة لم يذكرها ابن منده، وهم يريدون الشام في تجارتهم، حتى إذا نزل منزلا وهو سوق بصرى من أرض الشام، وفي ذلك المحل سدرة فقعد في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شيء، فقال: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ قال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال له: والله هذا نبي هذه الأمة، ما استظل تحتها بعد عيسى ابن مريم   إلا محمد  : أي وقد قال عيسى: لا يستظل تحتها بعدي إلا النبي الأمي الهاشمي كما سيأتي في بعض الروايات.

قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون أي سفر أبي بكر معه في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب انتهى.

أقول: وهي سفرته مع ميسرة غلام خديجة، فإنه لم يثبت أنه سافر إلى الشام أكثر من مرتين. ويؤيده ما تقدم من قول الراوي وهم يريدون الشام في تجاراتهم، لأن النبي ﷺ لم يخرج تاجرا إلا في تلك السفرة، وسيأتي أن هذا القول قاله الراهب نسطورا لا بحيرا، قاله لميسرة لا لأبي بكر. إلا أن يقال: لا مانع أن يكون قال ذلك لميسرة ولأبي بكر، لكن ربما يبعده ما سيأتي أن سنه حين سافر مع ميسرة كان خمسا وعشرين سنة على الراجح لا عشر سنين. وعلى هذا فالشجرة لم تكن إلا عند صومعة الراهب نسطورا لا عند صومعة الراهب بحيرا، وذكر بحيرا موضع نسطورا، وهو ما وقع في شرف المصطفى للنيسابوري وهم من بعض الرواة سرى إليه من اتحاد محلهما وهو سوق بصرى. إلا أن يقال: يجوز أن يكون الراهب نسطورا خلف بحيرا في ذلك الصومعة لموته مثلا، وهو أقرب من دعوى تعدد الشجرة، فتكون واحدة عند صومعة بحيرا، وواحدة عند صومعة نسطورا، وكلاهما قال فيها عيسى ما ذكرا.

ومن دعوى اتحادها وأنها بين صومعة بحيرا وصومعة نسطورا وأن العير الذي كان فيه أبو طالب نزل جهة صومعة بحيرا، والعير الذي كان فيه أبو بكر وميسرة نزل جهة صومعة نسطورا، وسيأتي أن بحيرا ونسطورا ونحوهما ممن صدّق بأنه نبي هذه الأمة من أهل الفترة لا من أهل الإسلام، لأنهما لم يدركا البعثة: أي الرسالة بناء على اقترانهما بالنبوة، أو أن المراد بها النبوة: أي لم يدركا النبوة فضلا عن الرسالة بناء على تأخرها عن النبوة.

ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في بحيرا: ما أدري أدرك البعثة أم لا؟ هذا كلامه في الإصابة، وليس هذا بحيرا الراهب الصحابي الذي هو أحد الثمانية الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة.

فعنه   قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا شرب الرجل كأسا من خمر» الحديث، ومن قال: إن هذا الحديث منكر ظن أن بحيرا هذا هو بحيرا المذكور هنا الذي لقي النبي ﷺ قبل البعثة، والله أعلم.

باب ما حفظه الله تعالى به في صغره من أمر الجاهلية

أي من أقذارهم ومعايبهم: أي بحسب ما آل إليه شرعه، لما يريد الله تعالى به من كرامته، حتى صار أحسنهم خلقا، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزيها وتكريما: أي حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وخيرهم جوارا، وأعظمهم حلما وأمانة، وأصدقهم حديثا فسموه الأمين، لما جمع الله   فيه من الأمور الصالحة الحميدة، والفعال السديدة، من الحلم والصبر، والشكر والعدل، والزهد والتواضع والعفة والجود، والشجاعة والحياء والمروءة.

فمن ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ قال: «لقد رأيتني ـ أي رأيت نفسي ـ في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم: أي من الملائكة ما أراها لكمة وجيعة » وفي لفظ «لكمني لكمة شديدة ».

وقد يقال: لا منافاة، لأنها مع شدتها لم تكن وجيعة له: «ثم قال شدّ عليك إزارك، فأخذته فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليّ من بين أصحابي» أي وقد وقع له مثل ذلك: أي نقل الحجارة عاريا عند إصلاح أبي طالب لزمزم.

فعن ابن إسحاق وصححه أبو نعيم قال: «كان أبو طالب يعالج زمزم، وكان النبي ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره واتقى به الحجارة فغشي عليه، فلما أفاق سأله أبو طالب، فقال أتاني آت عليه ثياب بيض، فقال لي استتر» فما رؤيت عورته من يومئذ.

وفي الخصائص الصغرى: ونهى عن التعري وكشف العورة من قبل أن يبعث بخمس سنين. وقد وقع له مثل ذلك: أي نهيه عن التعري عند بنيان الكعبة كما سيأتي، وسيأتي ما فيه.

ومن ذلك ما جاء عن علي   قال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول «ما هممت بقبيح مما همّ به أهل الجاهلية » أي ويفعلونه «إلا مرتين من الدهر، كلتاهما عصمني الله   منهما» أي من فعلهما «قلت لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها» أي وفي لفظ «قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلها» لم أقف على اسم هذا الفتى «أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان قال نعم» وأصل السمر: الحديث ليلا «فخرجت، فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان قد تزوج بفلانة » لرجل من قريش تزوج من امرأة من قريش «فلهوت بذلك الصوت حتى غلبتني عيناي فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس» أي وفي لفظ «فجلست أنظر ـ أي أسمع ـ وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا حر الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت اللية الأخرى مثل ذلك».

أقول: المناسبة لقوله عصمني الله ما في الرواية الثانية لا ما ذكر في الرواية الأولى، إلا أن يحمل قوله في الرواية الأولى فلهوت على أردت أن ألهو، والله أعلم، فقال: «والله ما هممت بغيرهما بسوء مما تعمله أهل الجاهلية »: أي ما هممت بسوء مما يعمله أهل الجاهلية غيرهما، وفي لفظ «فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك» أي مما يعمله أهل الجاهلية «ولا هممت به حتى أكرمني الله تعالى بنبوّته».

ومن ذلك ما جاء عن أم أيمن   أنها قالت، كان بوانة بضم الموحدة وبفتح الواو مخففة بعدها ألف ونون، صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك ـ أي تذبح له ـ وتحلق عنده، وتعكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة، فكان أبو طالب يحضر مع قومه ويكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد معه فيأبى ذلك، حتى قالت رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، ويقلن ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع مرعوبا فزعا، فقلن: ما دهاك؟ قال إنى أخشى أن يكون بي لمم: أي لمة وهي المس من الشيطان، فقلن: ما كان الله   ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها: أي من تلك الأصنام التي عند ذلك الصنم الكبير الذي هو بوانة تمثل لي رجل أبيض طويل، أي وذلك من الملائكة يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه، قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ.

أقول: ظاهر هذا السياق أن اللمم يكون من الشيطان، وحينئذ يكون بمعنى اللمة: وهي المس من الشيطان كما قدمناه، فقد أطلق اللمم على اللمة، وإلا فاللمم نوع من الجنون كما تقدم في قصة الرضاع: قد أصابه لمم أو طائف من الجن، إذ هو يدل على أن اللمم يكون من غير الشيطان كمرض. وعبارة الصحاح: اللمم طرف من الجنون، وأصاب فلانا من الجن لمة: وهي المس أي فقد غاير بينهما، والله أعلم.

ومن ذلك ما روته عائشة   قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب كل ما ذبح لغير الله تعالى: أي فكان يقول لقريش: الشاة خلقها الله  ، وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم تذبحونها على غير اسم الله، فما ذقت شيئا ذبح على النصب ـ أي الأصنام ـ حتى أكرمني الله تعالى برسالته» أي وزيد بن عمرو كان قبل النبوة زمن الفترة على دين إبراهيم  ، فإنه لم يدخل في يهودية ولا نصرانية، واعتزل الأوثان والذبائح التي تذبح للأوثان، ونهى عن الوأد، وتقدم أنه كان يحييها إذا أراد أحد ذلك، أخذ الموؤودة من أبيها وتكفلها، وكان إذا دخل الكعبة يقول: لبيك حقا، تعبدا وصدقا. وقيل: ورقا عذتُ بما عاذ به إبراهيم، ويسجد للكعبة، قال: «إنه يبعث أمة وحده» أي يقوم مقام جماعة انتهى: أي فإن ولده سعيدا قال: «يا رسول الله إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له، قال نعم أستغفر له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده».

وفي البخاري عن عبد الله بن عمر  : «أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي وقد قدمت إلى النبي ﷺ سفرة ـ أي فيها شاة ذبحت لغير الله   أو قدمها النبي ﷺ إليه ـ فأبى أن يأكل منها وقال: إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه» ولعل هذا كان قبل ما تقدم عنه، وأن ذلك كان هو السبب في ذلك.

قال الإمام السهيلي: وفيه سؤال كيف وفق الله   زيد إلى ترك ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم الله عليه، ورسوله كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية، لما ثبت من عصمة الله تعالى له؟ أي فكان يترك ذلك من عند نفسه لا تبعا لزيد بن عمرو. وحينئذ لا يحسن الجواب الذي أشرنا إليه بقولنا.

وأجاب أي السهيلي بأنه لم يثبت أنه أكل من تلك السفرة: أي ولا من غيرها.

سلمنا أنه أكل قبل ذلك مما ذبح على النصب، فتحريم ذلك لم يكن من شرع إبراهيم وإنما كان تحريم ذلك في الإسلام والأصل في الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة، هذا كلامه.

وفيه أن هذا التسليم يبطل عدّ الشمس الشامي ذلك من أمر الجاهلية التي حفظه الله تعالى منه في صغره، ويخالف ما ذكره بعضهم من أن زيد بن عمرو هذا هو رابع أربعة من قريش فارقوا قومهم، فتركوا الأوثان والميتة وما يذبح للأوثان. كانوا يوما في عيد لصنم من أصنامهم ينحرون عنده، ويعكفون عليه، ويطوفون به في ذلك اليوم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، فما حجر تطوف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ثم تفرقوا في البلاد يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم، وظاهر هذا السياق أن تركهم للأوثان كان بعد عبادتهم لها، وسيأتي عن ابن الجوزي أنهم لم يعبدوها.

وهؤلاء الثلاثة الذين زيد بن عمرو رابعهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش ابن عمته أميمة، وعثمان بن الحويرث. وزاد ابن الجوزي على هؤلاء الأربعة جماعة آخرين سيأتي الكلام عليهم عند الكلام على أول من أسلم.

وزيد بن عمرو بن نفيل هذا كان ابن أخي الخطاب والد سيدنا عمر أخاه لأمه. فأما ورقة فلم يدرك البعثة على ما سيأتي. وكان ممن دخل في النصرانية: أي بعد دخوله في اليهودية كما سيأتي.

وأما عبيد الله بن جحش، فأدرك البعثة وأسلم وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر من المسلمين ثم تنصر هناك كما سيأتي، وكان يمر على المسلمين ويقول لهم: فتحنا وصأصأتم: أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا ومات على النصرانية.

وأما عثمان بن الحويرث، فلم يدرك البعثة، وقدم على قيصر ملك الروم وتنصر عنده.

وأما زيد بن عمرو بن نفيل هذا، كان يوبخ قريشا ويقول لهم: والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، حتى إن عمه الخطاب أخرجه من مكة وأسكنه بحراء، ووكل به من يمنعه من دخول مكة كراهة أن يفسد عليهم دينهم، ثم خرج يطلب الحنيفية دين إبراهيم، ويسأل الأحبار والرهبان عن ذلك حتى بلغ الموصل، ثم أقبل إلى الشام فجاء إلى راهب به كان انتهى إليه علم أهل النصرانية فسأله عن ذلك، فقال له: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها: يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها فإنه مبعوث الآن هذا زمانه، فخرج سريعا يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه وقتلوه ودفن بمكان يقال له ميفعة. وقيل دفن بأصل جبل حراء.

هذا وفي كلام الواقدي عن زيد بن عمرو أنه قال لعامر بن ربيعة وأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل. ولا أرى أدركه، وأن أدين به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فسلم مني عليه، قال عامر: فلما أسلمت بلغته عن زيد السلام قال: فرد   وترحم عليه. وتقدم أن ولده سعيدا سأل النبي ﷺ أن يستغفر لأبيه زيد، فقال نعم أستغفر له الحديث.

قال: وعن عائشة   قالت: قال رسول الله: «دخلت الجنة فوجدت لزيد بن عمرو دوحتين» أي شجرتين عظيمتين. قال الحافظ ابن كثير إسناده جيد قوي: أي وقال إلا أنه ليس في شيء من الكتب. وفي رواية «رأيته في الجنة يسحب ذيولا» وعن الزهري «نهى رسول الله ﷺ عن أكل ما يذبح للجن وعلى اسمهم» وأما ما قيل عند ذبحه بسم الله واسم محمد فحلال أكله وإن كان القول المذكور حراما لإيهامه التشريك، وهذا من جملة المحالّ المستثناة من قوله تعالى له: {لا أذكر إلا وتذكر معي} فقد جاء «أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول لك: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ » أي على كل حال أي جعلت ذكرك مرفوعا مشرفا المذكور ذلك في قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} إلى قوله: {ورفعنا لك ذكرك} «قلت الله أعلم، قال: لا أذكر إلا وتذكر معي» أي في غالب المواطن وجوبا أو ندبا.

ومن ذلك ما روي عن علي   قال: «قيل للنبي هل عبدت وثنا قط؟ قال لا، قالوا: هل شربت خمرا قط؟ قال لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» انتهى.

أقول: تحريم شرب الخمر في الجاهلية ليس من خصائصه، بل حرّمها على نفسه في الجاهلية جماعة كثيرون سيأتي ذكر بعضهم، وتقدم ذكر بعض منهم وكون شرب الخمر من الكفر على ما هو ظاهر السياق بمعنى ينبغي أن يجتنب كما يجتنب الكفر، ولعل صدور هذا منه كان بعد تحريم الخمر، وكيون الإتيان بذلك للمبالغة في الزجر عنها، والتباعد منه لأنها أم الخبائث، وقد كانت نفوس غالبهم ألفتها، وهذا محمل ما جاء «أتاني جبريل فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا» أي مصدقا بما جئت به «دخل الجنة » أي لا بد وأن يدخل الجنة وإن دخل النار «قلت: يا جبريل وإن زنى وإن سرق؟ قال نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال نعم قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال نعم، وإن شرب الخمر» والمراد بتحريمها تحريمها على الناس، وإلا ففي الخصائص الصغرى للسيوطي: وحرمت عليه الخمر من قبل ما يبعث قبل أن تحرم على الناس بعشرين سنة، والله أعلم.

قال: وأما ما رواه جابر بن عبد الله «كان رسول الله ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه، واحد يقول لصاحبه اذهب بنا نقوم خلف رسول الله، فقال: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام قبل فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم» قال الحافظ ابن حجر: أنكره الناس أي فقد قال الإمام أحمد كما في الشفاء إنه موضوع أو يشبه الموضوع. وقال الدارقطني: إن ابن أبي شيبة وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر فلا يلتفت إليه، والمنكر فيه قول الملك عهده باستلام الأصنام قبل، فإن ظاهره أنه باشر الاستلام، وليس ذلك مرادا أبدا، بل المراد أنه شاهد مبشارة المشركين استلام أصنامهم: أي لشهوده بعض مشاهدهم التي تكون عند الأصنام.

وقال غيره: والمراد بالمشاهد التي شهدها: أي التي كان يشهدها مشاهد الحلف ونحوها كالضيافات الآتي بيانها لا مشاهدة استلام الأصنام، فإنه يرده ما تقدم عن أم أيمن انتهى: أي من قولها إن بوانة كان صنما لقريش تعظمه وتعتكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة إلى آخره: أي ويرده أيضا ما تقدم من قوله لبحيرا لما حلفه باللات والعزى: لا تسألني بهما؟ فإني والله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، لأن مثل اللات والعزى غيرهما من الأصنام في ذلك، وما سيأتي من قوله لخديجة  : «والله ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط» وما جاء أنه قال: «لما نشأت بغضت إليّ الأوثان، وبغض إليّ الشعر» والله سبحانه وتعالى أعلم.

باب رعيته الغنم

قال: رعيته بكسر الراء، المراد الهيئة انتهى.

أقول: المبين في هذا الباب إنما هو فعله الذي هو رعيه للغنم، لا بيان هيئة رعيه للغنم، فرعيته بفتح الراء لا بكسرها، والله أعلم.

عن أبي هريرة   قال: قال رسول الله: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط» أي وهي أجزاء من الدراهم والدنانير يشترى بها الحوائج الحقيرة. قال سويد بن سعيد: بعني كل شاة بقيراط، وقيل القراريط موضع بمكة.

فقد قال إبراهيم الحربي: قراريط موضع، ولم يرد بذلك القراريط من الفضة أي والذهب، قال: وأيد هذا الثاني بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الذهب والفضة بدليل أنه جاء في الصحيح «ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط» ولأنه جاء في بعض الروايات «لأهلي» ولا يرعى لأهله بأجرة: أي كما قضت بذلك العادة. وأيضا جاء في بعض الروايات بدل بالقراريط «بأجياد» فدل ذلك على أن القراريط اسم محل، عبر عنه تارة بالقراريط وتارة بأجياد.

وردّ بأن أهل مكة لا يعرفون بها محلا يقال له القراريط، وحينئذ يكون أراد بأهله أهل مكة لا أقاربه الذين تقضي العادة بأنه لا يرعى لهم بالأجرة، والإضافة تأتي لأدنى ملابسة، ويدل لذلك ما جاء في رواية البخاري «كنت أرعاها» أي الغنم «على قراريط لأهل مكة » وذكره البخاري كذلك في باب الإجارة، وذلك يبعد أن المراد بالقراريط المحل، وجعل على بمعنى الباء.

ويردّ القول بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الدراهم والدنانير: أي ويمنع دلالة قوله «ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط» على ذلك لجواز أن يكون المراد يذكر فيها القيراط كثيرا لكثرة التعامل به فيها، أو أن المراد بالقيراط ما يذكر في المساحة.

وجمع الحافظ ابن حجر بأنه رعى لأهله أي أقاربه بغير أجرة، ولغيرهم بأجرة، والمراد بقوله «أهلي» أهل مكة: أي الشامل لأقاربه ولغيرهم. قال: فيتجه الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة أي التي هي القراريط، وفي الآخر بين المكان: أي الذي هو أجياد، فلا تنافي في ذلك، هذا كلامه ملخصا. وعبارته تقتضي وقوع الأمرين منه، وهو مما يتوقف على النقل في ذلك.

قال ابن الجوزي: كان موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم رعاة غنم. وهذا يرد قول بعضهم لم يرد ابن إسحاق برعايته الغنم إلا رعايته لها في بني سعد مع أخيه من الرضاع: أي وقد يتوقف في كون قول ابن الجوزي هذا بمجرده يردّ قول هذا البعض، نعم يرده ما تقدم وما يأتي. وفي الهدى أنه آجر نفسه قبل النبوة في رعيه الغنم.

ومن حكمة الله   في ذلك أن الرجل إذا استرعى الغنم التي هي أضعف البهائم سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفا، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هذب أولا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي، فيكون في أعدل الأحوال. ووقع الافتخار بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم: أي عند النبي، فاستطال أصحاب الإبل، فقال رسول الله: «بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت أنا وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» أي وهو موضع بأسفل مكة من شعابها، ويقال له جياد بغير همزة، ولعل المراد بقوله: «راعي غنم» أي وكذا قوله: «وأنا راعي غنم» أي وقد رعى الغنم، وقد رعيت الغنم، إذ الأخذ بظاهر الحالية بعيد، ولتنظر حكمة الاقتصار على من ذكر من الأنبياء مع قوله السابق: «ما بعث الله نبيا إلا رعي الغنم» وما يأتي من قوله «وما من نبي إلا وقد رعاها» وقد قال: «الغنم بركة والإبل عز لأهلها» وقال في الغنم «سمنها معاشنا، وصوفها رياشنا، ودفؤها كساؤنا» وفي رواية «سمنها معاش، وصوفها رياش» أي وفي الحديث «الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» ولعل هذا لا ينافي ما جاء في الأمثال قالوا: أحمق. وفي لفظ: أجهل من راعي ضأن لما بين، لأن الضأن تنفر من كل شيء فيحتاج راعيها إلى جمعها: أي وذلك سبب لحمقه فليتأمل. وفي رواية «الفخر والخيلاء» وفي لفظ «والرياء في أهل الخيل والوبر» قال: وفيما تقدم في الباب من أمر السمر دليل على ذلك: أي على رعايته للغنم أيضا، وما رواه جابر   قال: «كنا مع رسول الله ﷺ نجني الكباث» بكاف فباء موحدة مفتوحتين فثاء مثلثة: أي وهو النضيج من ثمر الأراك، وفي الحديث «عليكم بالأسود من ثمر الأراك فإنه أطيبه، فإني كنت أجتنيه إذ كنت أرعى الغنم. قلنا: وكيف ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: نعم، وما من نبي إلا وقد رعاها» اهـ.

أقول: وحينئذ لا ينبغي لأحد عير برعاية الغنم أن يقول كان النبي ﷺ يرعى الغنم، فإن قال ذلك أدب، لأن ذلك كما علمت كمال في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دون غيرهم، فلا ينبغي الاحتجاج به، ويجرى ذلك في كل ما يكون كمالا في حق النبي ﷺ دون غيره كالأمية، فمن قيل له أنت أمي فقال كان النبي ﷺ أميا يؤدب، والله أعلم.

باب حضوره حرب الفجار

أي بكسر الفاء بمعنى المفاجرة كالقتال بمعنى المقاتلة، وهو فجار البرّاض بفتح الباء الموحدة وتشديد ال