افتح القائمة الرئيسية

السيرة الحلبية/الجزء الرابع

السيرة الحلبية
الجزء الرابع
علي بن برهان الدين الحلبي

محتويات

غزوة حنين

اسم موضع قريب من الطائف. وفي كلام بعضهم: إلى جنب ذي المجاز، وهو سوق الجاهلية، وتقدم ذكره. وفي كلام بعض آخر: اسم لما بين مكة والطائف، ويقال لها غزوة هوازن، ويقال لها غزوة أوطاس باسم الموضع الذي كانت به الوقعة في آخر الأمر.

أي وسببها أنه لما فتح الله تعالى على رسول الله ﷺ مكة أطاعت له قبائل العرب إلا هوازن وثقيفا، فإن أهلهما كانوا طغاة عتاة مردة.

قال: قال أئمة المغازي: لما فتح الله على رسوله مكة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض، فأشفقوا: أي خافوا أن يغزوهم رسول الله ﷺ وقالوا: قد فرغ لنا، فلا ناهية: أي لا مانع له دوننا، والرأي أن يغزونا، فحشدوا وبغوا وقالوا: والله إن محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال، فأجمعت هوازن أمرها. ا هـ. أي جمعوا، وكان جماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصيري: أي بالصاد المهملة رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك فاجتمع إليه من القبائل جموع كثيرة فيهم بنو سعد بن بكر وهم الذين كان رسول الله ﷺ مسترضعا فيهم وحضر معهم دريد بن الصمة، وكان شجاعا مجرّبا لكنه كبر أي لأنه بلغ مائة وعشرين سنة، وقيل مائة وخمسين، وقيل مائة وسبعين: أي وقيل قارب المائتين قاله ابن الجوزي، وقد عمي وصار لا ينتفع إلا برأيه ومعرفته بالحرب: أي لأنه كان صاحب رأي وتدبير ومعرفة بالحروب، وكان قائد ثقيف ورئيسهم كنانة بن عبد ياليل رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك، وقيل قارب بن الأسود وكان سن مالك بن عوف إذ ذاك ثلاثين سنة، فأمر الناس بأخذ أموالهم ونسائهم وأبنائهم معهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة، فقال دريد للناس: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم محل الخيل. وفي لفظ: مجال الخيل بالجيم لا حزن ضرس. والحزن: بفتح الحاء المهملة وإسكان الزاي وبالنون: ما غلظ من الأرض. والضرس بكسر الضاد المعجمة وإسكان الراء وبالسين المهملة: ما صلب من الأرض، ولا سهل دهس. والسهل: ضدّ الحزن. والدهس بفتح الدال المهملة والهاء وبالسين المهملة: اللين كثير التراب، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير بضم النون: أي صوتها، وبكاء الصغير، ويعار الشاء. واليعار بضم المثناة تحت وبالعين المهملة المخففة والراء: صوت الشاء: أي وخوار البقر أي صوتها، قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم.

قال ابن مالك: أي وكان توافق معه على أن لا يخالفه، فإنه قال له إنك تقاتل رجلا كريما قد أوطأ العرب، وخافته العجم، وأجلى يهود الحجاز، أي غالبهم، إما قتلا، وإما خروجا عن ذل وصغار، فقال له: لا نخالفنك في أمر تراه، فقيل له: هذا مالك، فقال: يا مالك أما إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء، وخوار البقر؟ قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فأنقض به. قال أبو ذر: أي زجره كما تزجر الدابة، وهو أن يلصق اللسان بالحنك الأعلى ويصوت به، وهو معنى قول الأصل: أي صوّت بلسانه في فيه، ثم قال له: راعي. وفي لفظ: رويعي ضأن، والله ماله وللحرب، ثم أشار عليه برد الذرية والأموال وقال: هل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، الأول بفتح الحاء المهملة والثاني بالمعجمة مكسورة ضد الهزل، وبفتحها الحظ، لو كان يوم علا ورفعة ما غابا، ثم أشار عليه بأمور لم يقبلها مالك منه وقال: والله لا أطيعك، إنك قد كبرت وضعف رأيك، فقال دريد لهوازن: قد شرط يعني مالكا أن لا يخالفني فقد خالفني، فأنا أرجع إلى أهلي فمنعوه، وقال مالك: والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها رأي أو ذكر، قالوا: أطعناك: أي ثم جعل النساء فوق الإبل وراء المقاتلة صفوفا، ثم جعلوا الإبل صفوفا والبقر والغنم وراء ذلك لئلا يفروا. وفي لفظ: صفت الخيل ثم الرجالة المقاتلة، ثم صفت النساء على الإبل، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، ثم قال للناس: إذا رأيتموهم شدوا عليهم شدة رجل واحد، وبعث عيونا له: أي وهم ثلاثة أنفار أرسلهم لينظروا إلى رسول الله، فأتوا وقد تفرقت أوصالهم قال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيول بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، وإن أطعتنا رجعنا بقومك، فقال: أف لكم، بل أنتم أجبن العسكر، فلم يرده ذلك، ومضى على ما يريده.

ولما سمع رسول الله ﷺ باجتماعهم أرسل إليهم رجلا من أصحابه، أي وهو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل فيهم ويسمع منهم ما أجمعوا عليه، فدخل فيهم: أي ومكث فيهم يوما أو يومين وسمع، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر: أي وجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشبابهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى. فأجمع رسول الله ﷺ أمر السير إلى هوازن، وذكر له أن عند صفوان بن أمية ـ ولم يكن أسلم يومئذ بل كان مؤمنا ـ أدرعا وسلاحا، فأرسل إليه فقال: يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلق به عدونا غدا، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية، وهى مضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس. وفي رواية الإمام أحمد قال صفوان: عارية مؤداة، فقال: العارية مؤداة، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح. قيل وسأله أن يكفيهم حملها ففعل. وذكر أن بعض تلك الأدراع ضاع، فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب.

قال: واستعار من ابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال له: كأني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين ا هـ أي وتقدم أن نوفلا هذا فدى نفسه وكان في أسرى بدر بألف رمح.

وخرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفا: ألفان من أهل مكة، والعشرة آلاف الذين فتح الله بهم مكة أي على ما تقدم.

قال بعضهم: وخرج أهل مكة ركبانا ومشاة حتى النساء يمشين على غير وهن يرجون الغنائم ولا يكرهون: أي من لم يصدق إيمانه أن الضيعة، وفي لفظ أن الصدمة برسول الله ﷺ وأصحابه: أي فقد خرج معه وأصحابه ثمانون من المشركين منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، فلما قربوا من محل العدو صفهم ووضع الألوية والرايات مع المهاجرين والأنصار، فلواء المهاجرين أعطاه عليا كرم الله وجهه، وأعطى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه راية، وأعطى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه راية، ولواء الخزرج أعطاه الحباب بن المنذر رضي الله تعالى عنه، ولواء الأوس أعطاه أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه.

وفي سيرة الدمياطي: وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء وراية يحملها رجل منهم، وكذلك قبائل العرب فيها الألوية والرايات يحملها رجال منهم، وركب بغلته ولبس درعين والمغفر والبيضة، والدرعان هما ذات الفضول والسغدية بالسين المهملة والغين المعجمة: وهي درع داود عليه السلام التي لبسها حين قتل جالوت ومروا بشجر سدرة كان المشركون يعظمونها وينوطون بها أسلحتهم: أي يعلقونها بها، فقالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، هذا كما قال قوم موسى عليه السلام: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} «لتركبن سنن من كان قبلكم» فلما كان بحنين وانحدروا الوادي، أي وذلك عند غبش الصبح خرج عليهم القوم وكانوا كمنوا لهم في شعاب الوادي ومضايقه، وذلك بإشارة دريد بن الصمة، فإنه قال لمالك: اجعل لك كمينا يكون لك عونا إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم وكررت أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فحملوا عليهم حملة رجل واحد، أي وكانوا رماة فاستقبلوهم بالنبل كأنهم جراد منتشر، لا يكاد يسقط لهم سهم.

أي وعن البراء رضي الله تعالى عنه وسأله رجل، فقال: فررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين، فقال: ولكن رسول الله لم يفر.

وأما ما روي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: مررت على رسول الله ﷺ منهزما، فمنهزما حال من سلمة لا من النبي ﷺ لأنه لم ينهزم قط في موطن من المواطن كما تقدم.

وعن البراء رضي الله عنه: كانت هوازن ناسا رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، فأخذ المسلمون راجعين منهزمين لا يلوي أحد على أحد. أي ويقال إن الطلقاء وهم أهل مكة قال بعضهم لبعض: أي من كان إسلامه مدخولا منهم اخذلوه هذا وقته فانهزموا، فهم أول من انهزم وتبعهم الناس. وعند ذلك قال أبو قتادة رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه: ما شأن الناس؟ قال أمر الله.

وهذا السياق يدل على أنهم انهزموا مرتين: الأولى في أول الأمر، والثانية عند انكباب المسلمين على أخذ الغنائم. والذي في الأصل الاقتصار على الأولى.

وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ومعه نفر قليل، منهم أبو بكر وعمر وعليّ والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان ابن أخيه الحارث وربيعة بن الحارث ومعتب ابن عمه أبي لهب، وفقئت عينه، ولم أقف على أيهما كانت، أي ووردت في عدّ من ثبت معه روايات مختلفة، فقيل مائة، وقيل ثمانون، وقيل اثنا عشر، وقيل عشرة، وقيل كانوا ثلاثمائة.

ولا مخالفة لامكان الجمع، وصار رسول الله ﷺ يقول: «أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله إني عبد الله ورسوله».

وعن العباس رضي الله عنه: كنت آخذا بحكمة بغلة رسول الله ﷺ: أي وهي الشهباء التي أهداها له فروة بن عمرو الجزامي، أي صاحب البلقاء وعامل ملك الروم على فلسطين يقال لها فضة. وقيل التي يقال لها دلدل التي أهداها له المقوقس. وفي البخاري التي أهداها له ملك أيلة. قال بعضهم: والأول أثبت.

ويدل للثاني ما أخرجه أبو نعيم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «انهزم المسلمون بحنين ورسول الله ﷺ على بغلته الشهباء وكان يسميها دلدل، فقال لها رسول الله ﷺ: دلدل البدي، فألزقت بطنها بالأرض» الحديث. وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركابه وهو يقول حين رأى ما رأى من الناس: «إلى أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة» يعني الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان.

وفي لفظ: «يا عباس اصرخ بالمهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، وبالأنصار الذين آووا ونصروا» أي وإنما خص العباس بذلك، لأنه كان عظيم الصوت، كان صوته يسمع من ثمانية أميال، كان يقف على سلع وينادي غلمانه آخر الليل وهم بالغابة فيسمعهم، وبين سلع والغابة ثمانية أميال.

وغارت الخيل يوما على المدينة، فنادى: واصباحاه فلم تسمعه حامل إلا وضعت من عظم صوته.

وفي لفظ آخر: نادى يا أصحاب السمرة يوم الحديبية، يا أصحاب سورة البقرة، أي وخص سورة البقرة بالذكر، لأنها أول سورة نزلت في المدينة، لأن فيها {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} وفيها: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}وفيها: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}. وفي لفظ: نادى: «يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج. خصهم بالذكر بعد التعميم لأنهم كانوا صبرا في الحرب. أو غلب فأجابوا لبيك لبيك. وفي لفظ: يا لبيك يا لبيك».

أي وفي البخاري: «لما أدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين التفت عن يمينه، فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك».

ويجوز أن يكون هذا بعد نداء العباس وقربهم منه، وصار الرجل يلوي بعيره فلا يقدر على ذلك، أي لكثرة الأعراب المنهزمين، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، ويؤمّ الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله. قال بعضهم: فما شبهت عطفة الأنصار على رسول الله ﷺ إلا عطفة الإبل. وفي لفظ: عطفة البقر على أولادها فلرماحهم أخوف عندي على رسول الله ﷺ من رماح الكفار، حتى إذا انتهى إليه من الناس مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، وأشرف رسول الله ﷺ فنظر إلى القوم وهم يجتلدون، أي وكان شعارهم كيوم فتح مكة، فقال: «الآن حمي الوطيس»، وهو حجارة توقد العرب تحتها النار يشوون عليها اللحم. والوطيس في الأصل: التنور، وهذه من الكلمات التي لم تسمع إلا منه، وهي مثل يضرب لشدة الحرب: أي وصار يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وهذا السياق يدل على أن المائة انتهت إليه بعد الهزيمة، وهو يؤيد القول بأن الذين ثبتوا معه لم يبلغوا المائة.

وفي رواية: لما انكشف الناس عنه يوم حنين قال لحارثه، بالحاء المهملة، ابن النعمان: يا حارثة كم ترى الناس الذين ثبتوا؟ فحزرتهم مائة، فقلت: يا رسول الله مائة، فلما كان يوم من الأيام مررت على رسول الله ﷺ وهو يناجي جبريل عليه السلام عند باب المسجد، فقال جبريل عليه السلام: يا محمد من هذا؟ فقال رسول الله ﷺ: حارثة بن النعمان، فقال جبريل عليه السلام: هو أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت عليه السلام. قال: فلما أخبرني بذلك رسول الله. قلت له: ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك.

وفي رواية: لما فر الناس يوم حنين عن النبي ﷺ لم يبق معه إلا أربعة: ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: علي بن أبي طالب، والعباس وهما بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر، ولا يقبل أحد من المشركين جهته إلا قتل.

وذكر بعضهم أنه رأى أبا سفيان بن الحارث حينئذ آخذا بزمام بغلته، ولا ينافي ما تقدم أن الآخذ بذلك العباس رضي الله عنه، وأن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بركابه، لجواز أن يكون أخذ بزمامها بعد أخذه بركابه.

وعن أبي سفيان بن الحارث قال: لما لقينا العدو بحنين اقتحمت عن فرسي وبيدي السيف مصلتا والله يعلم أني أريد الموت دونه وهو ينظر إليّ، فقال له العباس: يا رسول الله أخوك وابن عمك أبو سفيان فارض عنه، فقال: غفر الله له كل عداوة عادانيها ثم التفت إليّ وقال: يا أخي، فقبلت رجله في الركاب وقال في حقه «أبو سفيان بن الحارث من شبان أهل الجنة أو من سيد فتيان أهل الجنة» وليس قوله: «أنا النبي لا كذب» إلى آخره من الشعر، لأن شرطه كما تقدم في بناء المسجد أن يكون عن قصد وروية، بناء على أن مشطور الرجز ومنهوكه شعر وهو الصحيح، خلافا للأخفش حيث ردّ على الخليل في قوله: إن الرجز شعر بأنه وقع منه في قوله المذكور، وقد قال الله تعالى {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}.

وردّ بأن ما يقع موزونا لا عن قصد لا يقال له شعر. ولا يقال لقائله إنه شاعر كما تقدم مع زيادة، وأنما قال: «أنا ابن عبد المطلب» ولم يقل أنا ابن عبد الله، لأن العرب كانت تنسبه إلى جده عبد المطلب لشهرته، ولموت عبد الله في حياته كما تقدم، فليس من الافتخار بالآباء الذي هو من عمل الجاهلية كما تقدم في قوله: «أنا ابن العواتك والفواطم». وأخذ من هذا أنه لا بأس بالانتساب في موطن الحرب.

وذكر الخطابي أنه إنما قال: «أنا ابن عبد المطلب» على سبيل الافتخار، ولكن ذكرهم بذلك رؤيا كان رآها عبد المطلب أيام حياته، وكانت القصة مشهورة عندهم فعرّفهم بها وذكرهم إياها، وهي إحدى دلائل نبوته.

ثم نزل عن بغلته. وقيل لم ينزل بل قال: يا عباس ناولني من الحصباء فانخفضت به بغلته حتى كادت بطنها تمس الأرض، ثم قبض قبضة من تراب قال بعضهم: كأنّ الله أفقه: أي أفهم البغلة كلامه: أي علمت مراده.

وفي رواية كما تقدم أنه قال لها: يا دلدلِ البدي، فلبدت: أي انخفضت. وفي رواية قال: اربضي دلدل فربضت. وقيل ناوله العباس ذلك. وقيل ناوله عليّ. وقيل ابن مسعود رضي الله عنهم. فعنه حادت به بغلته، فمال السرج. فقلت: ارتفع رفعك الله، فقال ناولني كفا من تراب فناولته، ثم استقبل بها وجوههم فقال: شاهت الوجوه» أي وفي رواية قال: «حم لا ينصرون» وفي رواية: «جمع بينهما فما خلف الله منهم إنسانا إلا ملأت عينيه وفمه ترابا تلك القبضة وقال انهزموا ورب محمد فولوا مدبرين» () أي وقال بعضهم: ما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا.

وحدث رجل كان من المشركين يوم حنين قال: «لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ لم يقوموا لنا حلبة شاة أن كشفناهم، قال: فبينما نحن نسوقهم ونحن في آثارهم، إذ صاحب بغلة بيضاء، وإذا هو رسول الله، فتلقّانا عنده رجال بيض الوجوه حسان الوجوه وقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا» فانهزمنا من قولهم وركبوا أجسادنا فكانت إياها، وإلى رميه بالحصى أشار صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله:

ورمى بالحصى فأقصد جيشا ** ما العصا عنده وما الإلقاء

أي ورمى بالحصى فأهلك ذلك الجيش العظيم، أىّ شيء عصا موسى عند ذلك الحصى؟ وأي شيء إلقاء موسى عليه السلام لتلك العصا عند إلقاء ذلك الحصى؟ شتان ما بينهما فلا يقاس هذا بذلك لأن هذا أعظم، لأن انقلاب العصا حية كان مشابها لانقلاب حبالهم وعصيهم حيات، لأن ابتلاعها لحبالهم وعصيهم لم يقهر العدو ولم يشتت شملهم، بل زاد بعدها طغيانهم وعتوهم على موسى عليه السلام، بخلاف هذا الحصى فإنه أهلك العدو وشتت شمله.

أي وذكر أنه عند القتال أنزل الله تعالى قوله: {ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} إلى قوله: {غفور رحيم).

فقد جاء أن بعض أصحابه: أي وهو أبو بكر رضي الله عنه كما في سيرة الحافظ الدمياطي قال: «يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة، وشق ذلك على رسول الله ﷺ وساءته تلك الكلمة» وقيل بل قائل ذلك هو لما رأى كثرة المسلمين، وقيل قال ذلك فتى من الأنصار: أي وهو سلمة بن الأكوع، أو سلامة بن وقش.

أي وجاء: «أنه رفع يومئذ يديه، وقال: اللهم أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا».

أي وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الضحاك، قال: «دعا موسى عليه الصلاة والسلام حين توجه إلى فرعون لعنه الله، ودعا رسول الله ﷺ يوم حنين: كنت وتكون، وأنت حي لا تموت، تنام العيون، وتنكدر النجوم، وأنت حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم».

وكان أمام المشركين رجل على جمل أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينما هو كذلك إذ أهوى إليه علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورجل من الأنصار يريدانه، فأتى عليّ من خلفه وضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة المسلمين من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله.

ولما انهزم المسلمون تكلم رجال من أهل مكة بما في نفوسهم من الضعف، ومنهم أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه. قيل وكان إسلامه بعد مدخولا، وكانت الأزلام في كنانته، فقال: لا تنتهي هزيمتهم يعني المسلمين دون البحر، أي وقال والله غلبت هوازن، فقال له صفوان: بفيك الكثيب: أي الحجارة والتراب. وقد وصلت الهزيمة إلى مكة، وسر بذلك قوم من مكة، وأظهروا الشماتة، وقال قائل منهم ترجع العرب إلى دين آبائها، أي وقال آخر: أي وهو أخو صفوان لأمه: ألا قد بطل السحر اليوم، فقال له صفوان وهو يومئذ مشرك: اسكت فض الله فاك: أي أسقط أسنانك، والله لأن يربني من الربوبية: أي يملكني ويدبر أمري رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن.

وفي رواية مر رجل من قريش على صفوان بن أمية، فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه فوالله لا يجبرونها أبدا، فغضب صفوان رضي الله عنه وقال: أتبشرني بظهور الأعراب؟ فوالله لرب رجل من قريش أحب إليّ من رجل من الأعراب. وقال عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه: وكونهم لا يجبرونها أبدا هذا ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء، إن أديل عليه اليوم فإن له العاقبة غدا، فقال له سهيل بن عمرو: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال له: يا أبا يزيد إنا كنا على غير شيء وعقولنا ذاهبة نعبد حجرا لا يضر ولا ينفع.

وعن شيبة الحجبي رضي الله عنه: أي حاجب البيت ويقال لبنيه بنو شيبة، وهم حجبة البيت كما تقدم أنه كان يحدث عن سبب إسلامه، قال: ما رأيت أعجب مما كنا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ولما كان عام الفتح ودخل رسول الله ﷺ مكة وسار إلى حرب هوازن، قلت: أسير من قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأقتله، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها: أي ولفظ: «اليوم أدرك ثأري من محمد» أي لأن أباه وعمه قتلا يوم أحد قتلهما حمزة رضي الله عنه كما تقدم.

وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما اتبعته، لا يزداد ذلك الأمر عندي إلا شدة، فلما اختلط الناس ونزل عن بغلته أصلتّ السيف ودنوت منه أريد الذي أريد منه، ورفعت السيف حتى كدت أوقع به الفعل إليّ شواظ من نار كالبرق كاد يهلكني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه.

وفي رواية: لما هممت به حال بيني وبينه خندق من نار وسور من حديد، فناداني: «يا شيبة ادن مني»، فدنوت منه فالتفت إلي وتبسم وعرف الذي أريد منه، فمسح صدري، ثم قال: «اللهم أعذه من الشيطان»، قال شيبة: فوالله لهو كان الساعة إذن أحب إليّ من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان فيّ، ثم قال: ادن فقاتل، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي الله أعلم إني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء ولو كان أبي حيا ولقيته تلك الساعة لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه، حتى تراجع المسلمون وكروا كرة واحدة، وقربت إليه بغلته، فاستوى عليها قائما، وخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه: أي لا يلوي أحد منهم على أحد، وأمر رسول الله ﷺ أن يقتل من قدر عليه، واتبعهم المسلمون يقتلونهم حتى قتلوا الذرية، فنهاهم النبي ﷺ عن قتل الذرية، وقال رسول الله: «من قتل قتيلا فله سلبه» وفي رواية: «من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه».

وفي الأصل في غزوة بدر أن المشهور أن قول النبي: «من قتل قتيلا فله سلبه» إنما كان يوم حنين. وأما ما روي أنه قال ذلك يوم بدر ويوم أحد فأكثر ما يوجد في رواية من لا يحتج به، ومن ثم قال الإمام مالك رضي الله عنه: لم يبلغني أن النبي ﷺ قال ذلك إلا يوم حنين.

وتعقب ما في الأصل بأنه وقع ذلك في غزوة مؤتة كما في مسلم وهي قبل الفتح.

وفي كلام بعضهم: كون السلب للقاتل أمر مقرر من أول الأمر، وأنما تجدد يوم حنين للإعلام العام والمناداة لا لمشروعيته.

وحدّث أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه استلب وحده عشرين رجلا: أي قتلهم وأخذ أسلابهم.

وقال أبو قتادة رضي الله عنه: رأيت يوم حنين مسلما ومشركا يقتتلان وإذا رجل من المشركين يريد إعانة المشرك على المسلم فأتيته وضربت يده فقطعتها، فاعتنقني بيده الأخرى فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الموت، ولولا أن الدم نزفه لقتلني، فسقط وضربته فقتلته، وأجهضني القتال عن استلابه، فلما وضعت الحرب أوزارها، قلت: يا رسول الله، لقد قتلت قتيلا ذا سلب، وأجهضني عنه القتال، فما أدري من استلبه، فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا يرضيه، تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلب قتيله. وفي لفظ قال أبو بكر رضي الله عنه: أي للنبي: كلا، تعطيه أضيبع من قريش وتدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله. والأضيبع تصغير ضبع، فقال رسول الله ﷺ: صدق اردد عليه سلبه. قال أبو قتادة رضي الله عنه: فأخذته منه فاشتريت بثمنه: أي السلب الذي جمعته بستانا، وأدرك ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة فإذا هو شيخ كبير أعمى ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، فقال له يسخر به: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخرة الرحل، ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت فيه نساءك، فقتله، فلما أخبر ربيعة أمه بقتله، فقالت له: أما والله لقد أعتق اثنين بل ثلاثا، وقالت له: ألا تكرمت عن قتلة لما أخبرك بمنه علينا، فقال: ما كنت لأتكرم عن رضا الله ورسوله.

أي وقيل القاتل لدريد بن الصمة الزبير بن العوام رضي الله عنه، وقيل عبد الله بن قبيع وكانت أم سليم رضي الله عنها مع زوجها أبي طلحة رضي الله عنه وهي حازمة وسطها ببرد لها وفي حزامها خنجر، وكانت حاملا بابنها عبد الله، فقال لها زوجها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به، فقال أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم الرميصاء، فأعادت عليه القول، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، أي وكان يقال لها العميصاء والرميصاء: وهي التي يخرج القذى من عينها، ومن ثم قال بعضهم: قيل لها الرميصاء لرمص كان في عينها.

وعن ولدها أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قد مات أبي مالك عنها مشركا ثم خطبها عمي أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام فأسلم، فقالت له: إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقا غيره فتزوجها، قال أنس رضي الله عنه. قال النبي: «دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقالوا هذه العميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك».

وعنه رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا أزواجه وإلا أم سليم فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك؟ فقال: إني أرحمها، قتل أخوها معي» ولعل المراد أنه كان يكثر الدخول عليها كأزواجه، ولا ينافي أنه كان يدخل على غيرها من النساء الأنصار، لأن من خصائصه جواز الاختلاء بالأجنبية، فكان يدخل على أخت أم سليم وهي أم حرام بالراء رضي الله عنها، وتفلي له رأسه الشريف وينام عندها ويدخل على الربيع، ثم رأيته في الإمتاع أشار إلى ذلك.

وفي (مزيل الخفاء) أن أم سليم وأختها خالتا النبي ﷺ من جهة الرضاع، وعليه فلا دلالة في دخوله عليهما والخلوة بهما على جواز الخلوة بالأجنبية.

وعن أنس رضي الله عنه، قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، أي وهو أبو عمير الذي كان يداعبه ويقول أبا عمير ما فعل النغير، ذكره السيوطي في كتابه (تبريد الأكباد).

وفي كلام بعضهم ما يفيد أنه غيره، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه فجاء فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن ما كان، فقربت إليه عشاء فأكل وشرب ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت وطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوا؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب ثم انطلق حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، قال: فحملت بعبد الله المذكور، قالت: ولما ولدته حملته وجئت به إلى رسول الله، فقال: هل معك تمر؟ فقلت: نعم، فناولته تمرات فألقاهن في فيه الشريف فلا كهن، ثم فغر فاه الصبي فمجه فيه فجعل الصبي يتلمظ، فقال رسول الله ﷺ: حب الأنصار التمر وسماه عبد الله، أي وجاء لعبد الله هذا الذي جاء من جماع تلك الليلة تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن.

«ولما أخبر أبو طلحة النبي ﷺ بما تقدم عن أم سليم، قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل صابرة بني إسرائيل، فقيل: يا رسول الله ما كان من خبرها؟ قال: كان في بني اسرائيل امرأة وكان لها زوج وكان له منها غلامان، وكان زوجها أمرها بطعام تصنعه ليدعو عليه الناس، ففعل واجتمع الناس في داره، فانطلق الغلامان يلعبان، فوقعا في بئر كانت في الدار، فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة، فأدخلتهما البيت وسجتهما بثوب، فلما فرغوا دخل زوجها، فقال: أين ابناي، قالت: هما في البيت، وإنها كانت تمسحت بشيء من الطيب وتعرضت للرجل حتى وقع عليها ثم قال: أين ابناي؟ قالت: هما في البيت، فناداهما أبوهما فخرجا يسعيان، فقالت المرأة: سبحان الله. والله لقد كانا ميتين ولكن الله أحياهما ثوابا لصبري.

ولما انهزم القوم عسكر بعضهم بأوطاس، فبعث النبي ﷺ في آثارهم أبا عامر الأشعري رضي الله عنه، وسيأتي في السرايا. ورجع رسول الله ﷺ إلى معسكره، قال شيبة: فدخل خباءه فدخلت عليه، ما دخل عليه غيري حبا لرؤية وجهه وسرورا به، فقال: يا شيبة الذي أراد الله خير مما أردت بنفسك، ثم حدثني بكل ما أضمرته في نفسي مما لم أذكره لأحد قط. فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قلت: استغفر لي، فقال غفر الله لك، أي وقالت له أم سليم رضي الله عنها: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. اقتل هؤلاء الذين انهزموا عنك فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد كفى وأحسن.

وعن عائذ بن عمرو قال: أصابتني رمية يوم حنين في جبهتي فسال الدم على وجهي وصدري، فسد النبي ﷺ الدم بيده عن وجهي وصدري إلى ترقوتي، ثم دعاني فصار أثر يده غرة سائلة كغرة الفرس.

وجرح خالد بن الوليد رضي الله عنه، فتفل النبي ﷺ في جرحه فلم يضره.

أي فعن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قال: رأيت النبي ﷺ بعد ما هزم الله الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم، يمشي في المسلمين ويقول: من يدلني على رحل خالد بن الوليد حتى دل عليه، فوجده قد أسند إلى مؤخرة رحله لأنه قد أثقل بالجراحة فتفل النبي ﷺ في جرحه فبرىء.

وعن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون شيئا أسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم.

وفي سيرة الحافظ الدمياطي رحمه الله أن سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر أرخوها بين أكتافهم: أي فعن جمع من هوازن قالوا: لقد رأينا يوم حنين رجالا بيضا على خيل بلق، عليها عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم بين السماء والأرض، وكتائب لا نستطيع أن نقاتلهم من الرعب منهم. ولما وقعت الهزيمة أسلم ناس من كفار مكة وغيرهم لما رأوا نصر الله لرسوله.

وعن شيبة الحجبي قال: خرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، والله ما خرجت إسلاما ولكن خرجت اتقاء أن تظهر هوازن على قريش، فوالله إني لواقف مع رسول الله، فقلت: يا رسول الله إني لأرى خيلا بلقا، قال: يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر فضرب بيده صدري ثم قال: اللهم اهد شيبة، فعل ذلك ثلاثا، فما رفع يده عن صدري الثالثة حتى ما أجد من خلق الله أحب إلي منه ويحتاج إلى الجمع بينه وبين ما تقدم على تقدير صحتهما.

وأمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم أن تجمع، فجمع ذلك كله وأحضره إلى الجعرانة أي بسكون العين وتخفيف الراء. وكثير من أهل الحديث يشددها وسمي المحل باسم امرأة كانت تلقب بذلك قيل وهي التي نقضت غزلها من بعد قوة، فكان بها إلى أن انصرف رسول الله ﷺ أي من غزوة الطائف. وفي هذه الغزوة سمي طلحة بن عبيد الله طلحة الجواد لكثرة إنفاقه على العسكر.


غزوة الطائف

ولما علم أن مالك بن عوف وجمعا من أشراف قومه لحقوا بالطائف عند انهزامهم. أي والطائف بلد كبير، كثير الأعناب والنخيل والفاكهة، قيل سمي بذلك لأن جبريل عليه السلام طاف بها حين نقلها من الشام إلى الحجاز بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام: أي أن الله يرزقهم أي أهل مكة من الثمرات.

أي وقيل إنهم بنوا حواليها حائطا وطافوا به تحصينا لهم، وقيل هي جنة أصحاب الصريم كانوا نواحي صنعاء، نقلها جبريل عليه السلام فسار بها إلى مكة وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في ذلك المكان، أي ويقال له: «وج» سمي ذلك باسم شخص من العماليق أول من نزل به، وأن أولئك القوم تحصنوا في حصن به وأدخلوا فيه ما يصلحهم سنة خرج من حنين وتوجه إليهم وترك السبي بالجعرانة.

أي، وفي الإمتاع أنه بعث بالسبي والغنائم إلى الجعرانة مع بديل بن ورقاء الخزاعي. وفي كلام السهيلي: وكان سبي حنين ستة آلاف رأس، قد ولى أبا سفيان بن حرب أمرهم وجعله أمينا عليهم هذا كلامه، أي ولعل هذا بعد رجوعه من الطائف، لأن أبا سفيان كان معه بالطائف كما سيأتي فلا معارضة.

أي ومر بحصن مالك بن عوف، فأمر به فهدم، ومر بحائط، أي بستان لرجل من ثقيف قد تمنع فيه، فأرسل إليه: إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج فأمر رسول الله ﷺ بإحراقه، ومر بقبر، فقال: هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف، أي وكان من ثمود قوم صالح أي وقد أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان ثم دفن فيه، أي بعد أن كان بالحرم ولم تصبه تلك النقمة، فلما خرج من الحرم إلى المكان المذكور أصابته النقمة.

فعن بعض الصحابة: حين خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال رسول الله ﷺ: هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، الحديث.

وفي العرائس عن مجاهد قيل له: هل بقي من قوم لوط أحد؟ قال: لا، إلا رجل بقي أربعين يوما وكان بالحرم فجاءه حجر ليصيبه في الحرم، فقام إليه ملائكة الحرم فقالوا للحجر: ارجع من حيث جئت، فإن الرجل في حرم الله تعالى، فرجع فوقف خارجا من الحرم أربعين يوما بين السماء والأرض حتى قضى الرجل حاجته، وخرج من الحرم إلى هذا المحل أصابه الحجر فقتله فدفن فيه.

وأبو رغال هذا هو الذي كان دليلا لأبرهة ليوصله إلى مكة لما مر أبرهة بالطائف، وتلقاه أهله، وأظهروا له الطاعة، وقالوا له: نرسل معك من يدلك على الطريق، فأرسلوا أبا رغال معه دليلا كما تقدم. وقال: «آية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه» فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا منه الغصن. وقدّم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه على مقدمته: أي وهي خيل بني سليم مائة فرس قدمها من يوم خرج من مكة، واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل كذلك حتى وصل، فلما وصل نزل قريبا من الحصن وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحات.

أي وممن أصيب أبو سفيان بن حرب، أصيبت عينه، فأتى النبي ﷺ وعينه في يده، فقال: يا رسول الله، هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال النبي: «إن شئت دعوت فردت عينك، وإن شئت فالجنة. وفي لفظ: فعين في الجنة، قال: فالجنة، ورمى بها من يده»، أي وقلعت عينه الثانية في القتال يوم اليرموك عند مقاتلة الروم، فإن أبا سفيان رضي الله تعالى عنه كان في ذلك اليوم يحرض المسلمين على قتال الروم والثبات لهم، ويقول لهم: الله الله عباد الله، انصروا الله ينصركم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك، وذلك في آخر خلافة الصديق، فإن الصديق رضي الله عنه توفي وهم في الاستعداد للقتال باليرموك، وكان الأمير على العسكر خالد بن الوليد رضي الله عنه.

ولما ولي سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أرسل البريد بعزل خالد وولاية أبي عبيدة بن الجراح على العسكر، فجاء البريد وقد التحم القتال بين المسلمين والروم، وأخذته خيول المسلمين، وسألوه عن الخبر، فلم يخبرهم إلا بخير وسلامة، وأخبرهم عن إمداد يجيء إليهم، وأخفى موت أبي بكر رضي الله تعالى عنه وتأمير أبي عبيدة، فأتوا به إلى خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، فأسرّ إليه موت أبي بكر وولاية عمر رضي الله تعالى عنهما، وأخبره بما أخبر به الجند، فاستحسن ذلك منه، وأخذ الكتاب فجعله في كنانته وخاف إن هو أظهر ذلك يتخاذل العسكر، ثم لما هزم الله الروم، وجمعوا الغنائم، ودفنوا قتلى المسلمين وقد بلغوا ثلاثة آلاف، دفع خالد رضي الله تعالى عنه الكتاب إلى أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه، فتولى أبو عبيدة، ثم بعث أبو عبيدة أبا جندل رضي الله تعالى عنه بشيرا إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه بالفتح على المسلمين.

ولما عزل سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد وولى أبا عبيدة خطب الناس وقال: إني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني نزعته وأثبتّ أبا عبيدة بن الجراح، فقام إليه عمرو بن حفص وهو ابن عم خالد بن الوليد وابن عم أم سيدنا عمر، فقال: والله ما عدلت يا عمر، لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله، وغمدت سيفا سله رسول الله، ولقد قطعت الرحم، وجفوت ابن العم، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إنك قريب القرابة، حديث السن، غضبت لابن عمك.

ومات ممن خرج بالطائف اثنا عشر رجلا، فارتفع رسول الله ﷺ إلى موضع مسجد الطائف الآن، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب رضي الله تعالى عنهما، فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين الصلاة مقصورة مدة حصار الطائف، وكانت ثمانية عشر يوما: أي غير يومي الدخول والخروج، وهذا هو المراد بقول فقهائنا لأنه أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة، وقيل في مدة حصاره غير ذلك.

ودخل خيمة أم سلمة وعندها أخوها عبد الله ومخنث، وإذا المخنث يقول: يا عبد الله فتح الله عليكم الطائف غدا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فلما سمعه قال: لا يدخل هذا عليكن. وأراد المخنث بالأربع التي تقبل بهن عكنها الأربع التي في بطنها، ولكل عكنة طرفان فتكون ثمانية من خلفها، فهي الثمانية التي تدبر بهن.

أي وفي الإمتاع: كان رسول الله ﷺ مولى لخالته فاخته بنت عمرو بن عائذ يقال له ماتع، وكان يدخل بيوته لأنه كان يرى أنه لا يفطن لشيء من أمر النساء ولا إربة له، فسمعه وهو يقول لخالد بن الوليد ويقال لعبد الله أخي أم سلمة: إن فتح رسول الله الطائف غدا فعليك ببادية، أي رضي الله تعالى عنها فإنها أسلمت، وبادية بالياء تحت لا بالنون بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، إذا قامت تثنت، وإذا جلست تبنت، وإذا تكلمت تغنت، بين رجلها مثل الإناء المكفوء، ثم نفر كأنه الأقحوان، فقال: «لا أرى هذا الخبيث يفطن لما أسمع».

وفي رواية أنه قال له: قاتلك الله، لقد أمعنت النظر، ما كنت أظن هذا الخبيث يعرف شيئا من أمر النساء.

وفي الأغاني أن هيتا بكسر الهاء وقيل بفتحها وإسكان التحتية بعدها مثناة. والهيت: الأحمق المخنث، قال لعبد الله بن أمية: إن فتح الله عليكم الطائف فاسأل النبي ﷺ بادية بنت غيلان، فإنها رداح شموع نجلاء إن تكلمت تغنت يعني من الغنة، وإذا قامت تثنت، موردة الخدين، منحطة المانتين، لقحاء الفخذين، مسرولة الساقين، كأنها قضيب بان. وفي لفظ: كأنها خوط بانة قصفت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، وبين فخديها شيء مخبوء كأنه الإناء المكفوء، فلما سمع رسول الله ﷺ كلامه قال: لقد غلغلت النظر يا عدو الله، ثم نفاه من المدينة إلى الحمى وقال: لا يدخل على أحد من نسائكم، فقيل له: إنه يموت جوعا، فأذن له أن يدخل المدينة كل جمعة يسأل الناس.

وقيل نفى كلا من ماتع وهيت إلى الحمى، فشكيا الحاجة، فأذن لهما أن ينزلا كل جمعة يسألان الناس ثم يرجعان إلى مكانهما، فلما توفي رسول الله ﷺ دخلا المدينة فأخرجهما أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فلما توفي دخلا المدينة فأخرجهما عمر رضي الله تعالى عنه، فلما مات دخلا.

وغيلان أبو بادية هو الذي أسلم وعنده عشرة نسوة، فأمره أن يمسك أربعا ويفارق سائرهن.

واختلف الفقهاء في ذلك؟ فقال فقهاء الحجاز: يختار أربعا، وقال فقهاء العراق يمسك التي تزوج أولا ثم التي تليها إلى الرابعة. واحتج فقهاء الحجاز بترك الاستفصال.

وغيلان هذا لما وفد على كسرى قال له: أيّ ولدك أحب إليك، فقال الغائب حتى يقدم والمريض حتى يعافى، والصغير حتى يكبر.

وكان المخنثون في زمانه ثلاثة: هيت، وماتع وهذم، وقيل لهم ذلك لأنه كان في كلامهم لين، وكانو يختضبون بالحناء كخضاب النساء لا أنهم يأتون الفاحشة الكبرى. ويحتمل أن يكون كل من ماتع وهيت كان معه في تلك الغزوة وقد سمع منهما ما تقدم عنهما، ويدل لهذا الاحتمال أنه نفاهما. وفي البخاري أن القائل لعبد الله ما تقدم هو هيت. ويحتمل أن الذي كان معه أحدهما وتكرر منه ذكر ما تقدم، وتسميته باسم الآخر خلط من بعض الرواة فليتأمل.

وقال: أقبل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه ونادى من يبارز؟ فلم يطلع إليه أحد ثم كرر ذلك فلم يطلع إليه أحد، وناداه عبد ياليل لا ينزل إليك منا أحد، ولكن نقيم في حصننا، فإن به من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا اهـ، ونصب عليهم المنجنيق: أي ورمي به كما في كلام غير واحد من أئمتنا، وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام، أي أرشده إليه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: إنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون فنصيب من عدونا، أي ويقال إن سلمان رضي الله تعالى عنه هو الذي عمله بيده، وفيه أنه تقدم في خيبر أنه لما فتح حصن الصعب وجدوا فيه آلة حرب ودبابات ومنجنيقات، إلا أن يقال سلمان صنع هذا المنجنيق الذي بالطائف، لأنه يجوز أن يكون الذي وجدوه في خيبر لم يكن معهم في الطائف، وتقدم في خيبر أنه لما حاصر الوطيح وسلالم أربعة عشر يوما ولم يخرج أحد منهما همّ أن يجعل عليهم المنجنيق، وتقدم عن الإمتاع أنه نصب المنجنيق على حصن البراء. وقد قدمنا أن ذلك لا يخالف قول بعضهم لم ينصب المنجنيق إلا في غزوة الطائف، لأنه يجوز أن يكون مراد هذا البعض لم يرم به إلا في غزوة الطائف، أي كما أشرنا إليه.

وأول من صنع المنجنيق إبليس، فإن نمروذا لعنهما الله لما أراد أن يلقي إبراهيم عليهم الصلاة والسلام في النار بنى إلى جنب الجبل جدارا طوله ستون ذراعا، ولما ألقوا الحطب وجعلوا فيه النار ووصلت النار إلى رأس ذلك الجدار لم يدروا كيف يلقون إبراهيم، فتمثل لهم إبليس لعنه الله في صورة نجار فصنع لهم المنجنيق ونصبوه على رأس الجبل ووضعوه فيه وألقوه في تلك النار.

وأوّل من رمى به في الجاهلية جذيمة الأبرش، وهو أوّل من أوقد الشمع ودخل نفر من الصحابة تحت دبابة وزحفوا بها إلى جدار الحصن ليحرقوه. وفي الإمتاع دخلوا تحت دبابتين وكانا من جلود البقر، فأرسلت إليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرموهم بالنبل فقتل منهم رجال. أي والدبابة بفتح الدال المهملة ثم موحدة مشددة وبعد الألف موحدة ثم تاء التأنيث: وهي آلة من آلات الحرب تجعل من الجلود يدخل فيها الرجال فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها، وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم، أي ونخيلهم وتحريقها، فقطع المسلمون قطعا ذريعا، فسألوه أن يدعها لله وللرحم فقال رسول الله: إني أدعها لله وللرحم، ونادى رسول الله ﷺ: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج منهم بضعة عشر، أي وقيل ثلاثة وعشرون رجلا، ونزل منهم شخص في بكرة، فقيل له أبو بكرة، أي وكان عبدا للحارث بن كلدة، فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة، قال: واستأذن رسول الله ﷺ عينية بن حصن في أن يأتي ثقيفا في حصنهم ليدعوهم إلى الإسلام فأذن له في ذلك، فأتاهم فدخل في حصنهم، فقال لهم: تمسكوا في حصنكم فوالله لنحن أذل من العبيد، أي زاد بعضهم: ولا تعطوا بأيديكم ولا تتأثروا: أي لا يشق عليكم قطع هذا الشجر، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال له: ما قلت لهم يا عيينة؟ قال: أمرتهم بالإسلام ودعوتهم إليه، وحذرتهم النار ودللتهم على الجنة، فقال له رسول الله ﷺ: كذبت، إنما قلت لهم كذا، وقص عليه القصة، فقال صدقت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإليك من ذلك ا. هـ.

ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتح الطائف، أي فإن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، قالت له: يا رسول الله ما يمنعك أن تنهض إلى أهل الطائف؟ قال لم يؤذن لنا الآن فيهم، وما أظن أن نفتحها الآن، وقال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك، فقال: لم يؤذن لنا في قتالهم، فقال رضي الله تعالى عنه: كيف نقبل في قوم لم يأذن الله فيهم، وفي لفظ: إن خولة قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حليّ بادية بنت غيلان أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف، فقال لها: وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة، فذكرت خولة ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله، فقال: يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة؟ زعمت أنك قلت لها، قال: قتلته، قال أو ما أذن الله فيهم يا رسول الله؟ قال لا، قال: أو أذن بالرحيل؟ قال بلى، واستشار رسول الله ﷺ بعض الناس أي وهو نوفل بن معاوية الديلي في الذهاب أو المقام، فقال له: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت أخذته، وإن تركته لم يضرك، فأمر رسول الله ﷺ عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأذن في الناس بالرحيل، فقبح الناس ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا، فقال رسول الله ﷺ: فاغدوا على القتال، فغدوا، فأصابت الناس جراحات، فقال رسول الله ﷺ: إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك، أي تعجبا من سرعة تغير رأيهم، لأنهم رأوا أن رأيه أبرك وأنفع من رأيهم، فرجعوا إليه وقال لهم رسول الله ﷺ: قولوا لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا واستقبلوا، قال قولوا: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، وقيل: يا رسول الله ادع على ثقيف أهل الطائف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم مسلمين، ولعل صاحب الهمزية رحمه

الله يشير إلى ذلك بقوله:

جهلت قومه عليه فأغضى ** وأخو الحلم دأبه الإغضاء

وسع العالمين علما وحلما ** فهو بحر لم تعيه الأعباء

أي آذاه قومه من قريش وغيرهم فأرخى جفنه حياء، وصاحب عدم الانتقام شأنه إرخاء الجفن. وسع علمه علوم العالمين من الإنس والجن والملك، ووسع حلمه كل من صدر منه نقص، فهو بسبب ذلك بحر واسع لم تتعبه الأحمال الثقيلة.

ومن جملة من جرح سيدنا عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما رماه بسهم أبو محجن، وطاوله ذلك الجرح إلى أن مات به في خلافة أبيه، ورثته زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكان يحبها حبا شديدا مرّ عليه أبوه يوم جمعة وهو يلاعبها وقد صلى الناس، فقال عبد الله: أو جمع الناس؟ فسمعه أبوه، فقال: أشغلتك عن الصلاة؟ لا جرم لا تبرحن حتى تطلقها فطلقها، ثم تعب عبد الله بسبب طلاقها فاطلع عليه أبوه يوما فسمعه يقول أبياتا من جملتها:

فلم أرى مثلي طلق اليوم مثلها ** ولا مثلها في غير جرم تطلق

فقال له: يا عبد الله راجع عاتكة، فقال لأبيه: قف بمكانك، وكان معه غلام مملوك له، فقال للغلام: أنت حر لوجه الله، اشهدا أني قد راجعت عاتكة، فلما مات رضي الله تعالى عنه رثته بقولها في أبيات:

آليت لا تنفك عيني حزينة ** عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

ثم تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلما أعرس بها، قال له علي كرم الله وجهه: أتأذن لي أن أكلم عاتكة، فقال: لا غيرة عليك كلمها، فقال لها علي كرم الله وجهه: أنت القائلة البيت:

آليت لا تنفك عيني قريرة ** عليك ولا ينفك جلدي أصفرا

قالت: لم أقل هكذا، وبكت وعادت إلى حزنها، فقال له رضي الله تعالى عنه: يا أبا الحسن ما أردت إلا إفسادها عليّ، فلما قتل عمر رضي الله تعالى رثته بأبيات منها:

من لنفس عادها أحزانها ** ولعين شفها طول السهد

جسد لفف في أكفانه ** رحمه الله على ذاك الجسد

ثم تزوجها الزبير رضي الله تعالى عنه، فلما قتل رثته بأبيات منها تخاطب قاتله:

ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ** حلت عليك عقوبة المتعمد

ثم خطبها سيدنا علي كرم الله وجهه، فقالت له: لم يبق للإسلام غيرك وأنا أنفس لك عن القتل، ومن ثم قيل في حقها: من أراد الشهادة فعليه بعاتكة.

وعند منصرفه من ذلك: أي وبينا هو يسير ليلا بواد بقرب الطائف إذ غشي سدرة في سواد الليل وهو في وسن النوم، فانفرجت السدرة له نصفين، فمر رسول الله ﷺ بين نصفيها وبقيت منفرجة على حالها، أي وعند انحداره إلى الجعرانة لقيه سراقة، وهو واضع الكتاب الذي كتبه له عند الهجرة بين أصبعيه وينادي: أنا سراقة، وهذا كتابي، فقال: هذا يوم وفاء ومودة، أدنوه، فأدنوه منه وساق إليه الصدقة، وسأله عن الضالة من الإبل ترد حوضه الذي ملأه لإبله هل له في ذلك من أجر، فقال له رسول الله: «نعم في كل ذات كبد حراء أجر».

وعند وصوله إلى الجعرانة أحصى السبي فكان ستة آلاف رأس والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألفا وأربعة آلاف أوقية فضة.

فأعطى للمؤلفة، أي من أسلم من أهل مكة، فكان أولهم أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه أعطاه أربعين أوقية ومائة من الإبل، وقال: ابني يزيد ويقال له يزيد الخير فأعطاه كذلك، وقال ابني معاوية فأعطاه كذلك، فأخذ أبو سفيان رضي الله عنه ثلاثمائة من الإبل ومائة وعشرين أوقية من الفضة. وقال: بأبي أنا وأمي يا رسول الله، لأنت كريم في الحرب وفي السلم، أي وفي لفظ: لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، وقد سالمتك فنعم المسالم أنت، هذا غاية الكرم جزاك الله خيرا.

وأعطى حكيم بن حزام رضي الله عنه مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى، فأعطاه إياها، أي وفي الامتاع: وسأله حكيم بن حزام مائة من الإبل فأعطاه، ثم سأله مائة فأعطاه ثم سأله مائة فأعطاه، وقال له: «يا حكيم هذا المال خضر حلو من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها، أي وقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا لا أرزأ أحد بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال عمر: يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.

وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل. وأعطى عيينة مثله. وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، فقال في ذلك شعرا: أي يعاتبه به حيث فضل الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن عليه وهو:

أتجعل نهبي ونهب العبيـ ** ـد (يعني فرسه) بين عيينة والأقرع

وما كان حصن ولا حابس ** يفوقان مرداس في مجمع

وما كنت دون امرىء منهم ** ومن تضع اليوم لا يرفع

فأعطاه تمام المائة. أي وفي رواية أنه قال: اقطعوا عني لسانه. وفي الكشاف أنه قال: يا أبا بكر اقطع لسانه عني وأعطه مائة من الإبل، هذا كلامه، وحينئذ يتوقف في قولهم فظن ناس أنه أمر أن يمثل به وفزع هو أيضا لذلك فأتي به إلى الغنائم، وقيل له خذ منها ما شئت، فقال: إنما أراد رسول الله ﷺ أن يقطع لساني بالعطاء فكره أن يأخذ منها شيئا، فبعث إليه رسول الله ﷺ بحلة، وفي رواية: «فأتم له رسول الله ﷺ مائة» وروي بدل: فما كان حصن ولا حابس: فما كان بدر ولا حابس وهو صحيح أيضا، لأن بدرا جد حصن أبو أبيه فانتسب تارة إلى أبيه حصن وتارة إلى جد أبيه بدر، فإن عيينة بن حصن بن حذيقة بن بدر. ويروى بدل مرداس: شيخي بالإفراد يعني والده، ويروى بالتثنية يعني والده وجده.

وفي كلام بعضهم: كانت المؤلفة ثلاثة أصناف. صنف يتألفهم رسول الله ﷺ ليسلموا كصفوان بن أمية. وصنف ليثبت إسلامهم كأبي سفيان بن حرب. وصنف لدفع شرهم كعيينة بن حصن والعباس بن مرداس والأقرع بن حابس.

لكن في رواية: «قيل يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة. وتركت جعيل بن سراقة؟ فقال: أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» وتقدم أن جعيلا هذا كان من فقراء المسلمين، وكان رجلا صالحا دميما قبيحا، وهو الذي تصوّر الشيطان بصورته يوم أحد، وقال إن محمدا قد مات، وجاء: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه» وقال: «إن من الناس ناسا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان» وأعطى صفوان بن أمية ما تقدم ذكره وهو جميع ما في الشعب من غنم وإبل وبقر، وكان مملوءا وكان ذلك سببا لإسلامه كما تقدم.

أقول: في كلام ابن الجوزي رحمه الله: اعلم أن من المؤلفة قلوبهم أقواما تؤلفوا في بدء الاسلام ثم تمكن الإسلام في قلوبهم، فخرجوا بذلك عن حد المؤلفة، وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة اعتبارا ببداية أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن الإسلام، والظاهر بقاؤه على حالة التأليف.

ولا يمكن أن يفرق بين من حسن إسلامه، وبين من لم يحسن إسلامه لجواز أن يكون من ظننا به شرا أنه على خلاف ذلك، إذ الإنسان قد يتغير عن حاله ولا ينقل إلينا أمره فالواجب أن نظن بكل من نقل عنه الإسلام خيرا.

وقد جاء عن أنس رضي الله عنه، قال: «كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها» هذا كلام ابن الجوزي، والعباس بن مرداس أسلم قبل الفتح بيسير، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، والله أعلم. ولا زال يعطي الرجل ما بين مائة وخمسين من الإبل، أي وذلك من الخمس كما سيأتي.

ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم: أي ما بقي منها، وهي الأربعة الأخماس الباقية بعد إعطاء من تقدم ما تقدم من الخمس وقسمتها عليهم، أي بعد أن اجتمعوا إليه وصاروا يقولون يا رسول الله اقسم علينا حتى ألجؤوه إلى شجرة فاختطفت رداءه، فقال ردوا ردائي أيها الناس، فوالله إن كان لي فيه شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كدودا، ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ وبرة من سنامه ثم رفعها، ثم قال: أيها الناس، والله ما لي من فيئكم أي غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا وشنارا ونارا يوم القيامة، فجاء شخص من الأنصار بكبة من خيوط شعر، وقال: يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها بردعة بعير لي دبر، فقال: أما نصيبي منها فلك، قال: أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها وألقاها.

ويروى أن عقيلا كان دفع لامرأته إبرة أخذها من الغنيمة، أي فإنها قالت له: إني قد علمت أنك قد قاتلت فماذا أصبت من الغنيمة، فقال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك. فسمع منادي رسول الله ﷺ يقول: من أخذ شيئا فليرده حتى الخيط والمخيط، فرجع وأخذها منها وألقاها في الغنائم.

وفي كلام السهيلي أن أبا جهم بن حذيفة العدوي كان على الأنفال يوم حنين، فجاءه خالد بن البرصاء وأخذ من الأنفال زمام شعر فمانعه أبو جهم، فلما تمانعا ضربه أبو جهم بالقوس فشجه منقلة، فاستعدى عليه خالد رسول الله ﷺ فقال له: خذ خمسين شاة ودعه فقال: أقدني منه، فقال: خذ مائة ودعه، فقال: أقدني منه، فقال: خذ خمسين ومائة ودعه وليس لك إلا ذلك، ولا أقيدك من وال عليك، فقوّمت المائة والخمسون بخمس عشرة فريضة من الإبل، فمن هنا جعلت دية المنقلة خمس عشرة فريضة، ولما قسم ما بقي خص كل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة، فإن كان فارسا أخذ ثنتي عشرة بعيرا وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم إلا لفرس واحد ومن ثم لم يعط الزبير رضي الله عنه إلا لفرس واحد، وكان معه أفراس، وبه أخذ إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه فقال: لا يعطى إلا لفرس واحد، وقال بعض المنافقين، قيل وهو معتب هذه القسمة ما عدل فيها ولا أريد بها وجه الله، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فتغير وجهه الشريف، أي حتى صار كالصِرف بكسر الصاد المهملة: وهو شيء أحمر يدبغ به الجلد. وفي رواية: فغضب غضبا شديدا واحمر وجهه وقال: «من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحمة الله على أخي موسى عليه السلام، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» انتهى.

ولعل من ذلك أن قارون ابن خالة موسى عليه السلام أو ابن عمه حمله البغي والشر على أن أحضر امرأة بغيا وجعل لها جعلا على أن ترمي موسى بنفسها، وأحضر بني إسرائيل وأعلمهم بذلك ودعا موسى عليه السلام وقال له: إن قومك اجتمعوا فاخرج إليهم لتأمرهم وتنهاهم، فخرج عليه السلام إليهم وقال لهم: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى محصنا رجمناه حتى يموت، ومن زنى وهو لم ينكح جلدناه مائة جلدة، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل زعموا أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعها، فإن قالت فهو كما قالت، فأتت فقال موسى: يا فلانة أنشدك بالذي أنزل التوراة أصدق قارون؟ فقالت: أما إذا أنشدتني فقد أشهد أنك بريء وأنك رسول الله، وإن قارون جعل لي جعلا على أن أرميك بنفسي، وجاءت بخريطتين فيهما دراهم عليهما ختمه، وقالت للملأ: إن قارون أعطاني هاتين وهذا ختمه، وأعوذ بالله أن أفتري على الله، فنظر القوم إلى ختمه فعلموا صدقها فخر موسى ساجدا، فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك فإني أمرت الأرض أن تطيعك، فخسف به فهو يتجلجل في الأرض، يخسف به في كل مقدار قامة إلى يوم القيامة.

ولعل من ذلك أيضا أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: إن طائفة تزعم أن الله لا يكلمك فخذ منا من يذهب معك ليسمعوا كلامه تعالى فيؤمنوا، فأوحى الله لموسى عليه السلام: أن اختر سبعين من خيارهم واصعد بهم الجبل أنت وهارون واستخلف يوشع ففعل، فلما سمعوا كلامه سبحانه سألوه أن يريهم الله جهرة.

ومن ذلك نسبته إلى أنه قتل أخاه هارون عليهما السلام كما تقدم، أي وقيل إن قائل: هذه القسمة ما عدل فيها: ذو الخويصرة التميمي، وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد. فقد جاء: «أن ذا الخويصرة التميمي وقف على رسول الله ﷺ وقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ أجل، فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت، فغضب رسول الله، ثم قال: «ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ » فقال عمر رضي الله عنه: ألا نقتله؟ . قيل وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: ألا أضرب عنقه».

قال الإمام النووي رحمه الله: ولا تعارض، لأن كل واحد منهما استأذن فيه؟ أي ففي مسلم: «فقام إليه عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثم أدبر، فقام إليه خالد رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال لا لعله أن يكون يصلي، قال خالد رضي الله عنه: وكم مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم».

وفي مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بعث علي كرم الله وجهه وهو باليمن بذهبة في تربتها، أي لم تخلص من ترابها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة وزيد الخير، فغضبت قريش فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا، فقال رسول الله ﷺ: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم، فجاء رجل فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله ﷺ: فمن يطع الله إن عصيته! يأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ » وفي رواية: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحا ومساءً، فجاء رجل فقال ما تقدّم، فقال له: ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ».

ولعل هذه القسمة غير قسمة غنائم حنين، وأن الرجل الذي قال له ما ذكر يحتمل أن يكون واحدا منهما أو من شيعة ذلك الرجل الذي قال له في أحدهما.

وذكر بعضهم أن ذا الخويصرة أصل الخوارج، وأنه قال: «دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية» وفي رواية: «قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه» أي جماعة يخرجون من صلبه فهو أصل الخوارج: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» وفي لفظ: «تراقيهم، لا تفقهه قلوبهم، ليس لهم حظ منه إلا تلاوة الفم، وإنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود» أي قتلا متأصلا لعامتهم. وفي رواية: «إذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» وبهذا استدل من يقول بجواز قتل الخوارج. وقد قاتلهم عليّ كرم الله وجهه. وقد سئل عليه السلام عن الخوارج، أهم كفار؟ فقال: «من الكفر فروا، فقيل: أمنافقون؟ فقال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا وهؤلاء يذكرون الله كثيرا فقيل: ما هم؟ فقال: أصابتهم فتنة فعموا وصموا» فلم يجعلهم كفارا لأنهم تعلقوا بضرب من التأويل.

وحينئذ يكون المراد بالدين في وصفهم بالمروق من الدين الطاعة لا الملة، ويبعده رواية بدل الإيمان: الإسلام، وكان مصداق ما قاله رسول الله ﷺ: أن ذا الخويصرة خرج منه حرقوص المعروف بذي الثدية، وهو أول من بويع من الخوارج بالأمانة.

والخوارج قوم يكفرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بحبوط عمل مرتكبها وتخليده في النار، ويحكمون بأن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر ولا يصلون جماعة.

وسبب مقاتلة سيدنا علي كرّم الله وجهه لهم أنهم نقموا عليه التحكيم الذي وقع بينه وبين معاوية في صفين، وقالوا لا حكم إلا الله، وأنت كفرت حيث حكمت الحكمين، فإن شهدت على نفسك أنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين واستأنفت التوبة والإيمان نظرنا فيما سألتنا من الرجوع إليك، وإن تكن الأخرى فإنا ننابذك على سواء {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} فلما أيس من رجوعهم إليه قاتلهم. وحرقوص هذا أول مارق من الدين، وكان رجلا أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة. فقد جاء عنه: «إن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض».

ولما قاتلهم علي كرّم الله وجهه وقتل غالبهم التمس ذلك الرجل فأتي به، فإذا هو له ثدي كثدي المرأة. وفي رواية التمسوه في القتلى فلم يجدوه، فقام عليّ كرم الله وجهه بنفسه فطاف في القتلى فأخرجوه من بينهم، فكبر عليّ كرم الله وجهه، ثم قال: صدق رسول الله، سمعته يقول «إن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض» فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين: والله الذي لا إله إلا هو، أسمعت هذا من رسول الله؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجدوا في أنفسهم» أي غضبوا «حتى كثرت منهم القالة» أي وهي القول الرديء «أي حتى قال بعضهم إن هذا لهو العجب يعطي قريشا» وفي لفظ: «الألفاء والمهاجرين، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم» أي وفي لفظ: «إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وإن غنائمنا تردّ عليهم» وفي رواية: «إذا كانت شديدة ندعى إليها ويعطى الغنيمة غيرنا» وفي رواية: «سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم، فإن كان من أمر الله صبرنا، وإن كان من أمر رسول الله ﷺ استعتبناه، فدخل عليه سعد بن عبادة رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم»، أي غضبوا «لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة» أي وهي قبة من أدم. أي وفي كلام بعضهم أن الحظيرة الزريبة التي تجعل للإبل والغنم من الشجر لتقيها من البرد والريح، ولعل هذا باعتبار الأصل فلا مخالفة، فلما اجتمعوا له أتى سعد إليه فقال: «اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله ﷺ: أي فقال لهم: أفيكم أحد من غيركم؟ قالوا لا إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ: إن ابن أخت القوم منهم» وفي رواية: «قال: من كان ههنا من غير الأنصار فليرجع إلى رحله»، وذكر بعضهم أن سبب إيراد ابن أخت القوم منهم أنه قال لعمر رضي الله عنه «اجمع لي من هنا من قريش، فجمعهم له ثم قال: تخرج إليهم أم يدخلون؟ قال: اخرج، فخرج فقال: يا معشر قريش هل فيكم من غيركم، قالوا: لا إلا ابن أختنا فذكره» ثم قال: «يا معشر قريش إن أولى الناس بي المتقون، فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالدنيا تحملونها فأصدّ عنكم بوجهي» انتهى.

«فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم وَجِدَةُ وجدتموها عليّ في أنفسكم؟ » القالة كما علمت: الكلام الرديء، والجدة: الغضب، والمعروف أنه الموجدة، ومن ثم قال بعضهم: الجدة في المال، والموجدة في الغضب «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف بين قلوبكم» أي وفي لفظ: «وكنتم متفارقين فجمعكم الله» وفي لفظ: «يا معشر الأنصار ألم يمنّ الله عليكم بالإيمان، وخصكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء، أنصار الله، وأنصار رسوله؟ قالوا: بلى الله ورسوله أمنّ وأفضل، ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنة والفضل» أي وفي لفظ: «قالوا: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا جرف من النار فأنقذنا الله بك. ووجدتنا ضلالا فهدانا الله بك، فرضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فافعل ما شئت، فأنت يا رسول الله في حل، قال: إذن والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فأغنيناك، أي وخائفا فأمناك» أوي أي إن كان متعديا كما هنا فالأفصح المد، وإن كان قاصرا فالأفصح القصر، قال تعالى: {وآويناهما إلى ربوة}وقال تعالى: {إذ أوى الفتية إلى الكهف} «قال فقال الأنصار: المن لله ولرسوله، والفضل علينا وعلى غيرنا، فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فسكتوا، فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم، قالوا: يغفر الله تعالى لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم»،

أي وفي رواية: «ماالذي بلغني عنكم؟ قالوا هو الذي بلغك، لأنهم لا يكذبون، فقال رسول الله ﷺ: إني لأعطي رجالا حديثو عهد بكفر أتألفهم» ا. هـ. أي وفي رواية: «إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم فيّ لغاغة» بضم اللام وغينين معجمتين: أي شيء قليل من الدنيا «ألفت بها قوما ليسلموا، أي ليحسن إسلامهم ويسلم غيرهم تبعا لهم، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت رجلا من الأنصار». أي لانتسبت إلى المدينة «ولو سلك الناس شعبا» أي بكسر الشين المعجمة: وهو ما انفرج بين جبلين «وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار» وفي لفظ: «فبكى القوم حتى أخضلوا لحالهم وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا» أي وقوله للأنصار: «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي» ليس من المن المذموم في قوله: «آفة السماحة المن» بل هو من التذكير بنعمة الله، لكن يشكل على ذلك قوله للأنصار: «ألا تجيبوني الخ» فليتأمل، أي وقد جاء في مدح الأنصار «اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، ولأزواج الأنصار، ولذراري الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس يكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» وفي لفظ آخر: «اللهم صل على الأنصار، وعلى ذرية الأنصار وعلى ذرية ذرية الأنصار» وقال للأنصار: «أنتم شعار والناس دثار» أي والشعار الثوب: الذي يلي الجسد، والدثار: الثوب الذي يكون فوق ذلك الثوب، فهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم وقال: «الأنصار حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء الأنصار، ولنساء

أبناء الأنصار، ولنساء أبناء أبناء الأنصار». وفي لفظ: «اللهم اغفر للأنصار، ولذراري الأنصار، ولذراري ذراريهم، ولمواليهم، ولجيرانهم، لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» وقال: «لا تؤذوا الأنصار، فمن آذاهم فقد آذاني، ومن نصرهم فقد نصرني، ومن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن بغى عليهم فقد بغى عليّ، ومن قضى لهم حاجة كنت في حاجته يوم القيامة أسرع. إن الله اختار دارهم لإعزاز دينه، واختارهم لنبيه أنصارا» وقال «حب الأنصار آية الإيمان وبغضهم آية النفاق» وقال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» وقال لهم: «اللهم أنتم أحب الناس إليّ قالها ثلاثا» قال: وقال حسان رضي الله عنه في مدح الأنصار:

سماهم الله أنصارا بنصرهم ** دين الهدى وعوان الحرب تستعر

وسارعوا في سبيل الله واعترفوا ** للنائبات وما خافوا وما ضجروا

انتهى أي وقد وقع له نظير ذلك، فعن عمرو بن ثعلبة: «أنه سبى فأعطى قوما ومنع قوما، وقال: إنا لنعطي قوما نخشى هلعهم وجزعهم، ونكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن ثعلبة»، فكان عمرو رضي الله عنه يقول: ما يسرني أن لي بها حمر النعم.

ولما أسرت أخته من الرضاعة الشيماء بشين معجمة مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وميم بمدة، ويقال الشماء بغير ياء، واختلف في اسمها صارت تقول: «والله إني أخت صاحبكم ولا يصدقوها، فأخذها طائفة من الأنصار حتى أتوا بها رسول الله، فقالت: يا محمد إني أختك، قال: وما علامة ذلك؟ » الحديث «ثم قال لها ارجعي إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فإني أمضي إلى الطائف، فرجعت إلى الجعرانة، فلما قدم الجعرانة جاءته، فقالت: يا رسول الله إني أختك، أي وأنشدته أبياتا، قال: وما علامة ذلكِ» بكسر الكاف لأنه خطاب لمؤنث «قالت عضة عضضتنيها في ظهري» وفي رواية «وفي وجهي» وفي رواية: «في إبهامي وأنا متوركتك» فعرف رسول الله ﷺ العلامة. وفي رواية: «قال لها إن تكوني صادقة فإن بك منّي أثرا لن يبلى، فكشفت عن عضدها، ثم قالت: نعم يا رسول الله، حملتك وأنت صغير فعضضتني هذه العضة، فعرف رسول الله ﷺ العلامة» فليتأمل «وعند ذلك قام لها قائما وبسط لها رداءه وأجلسها عليه. أي ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما، أي وقال لها: سلي تعطي، واشفعي تشفعي، فاستوهبته السبي، أي بعد أن قال لها قومها: إن هذا الرجل أخوك، فلو أتيته فسألته قومك لرجونا أن يحابينا، فأتته فقالت: أتعرفني؟ قال: ما أنكرك فمن أنت؟ قالت: أنا أختك بنت أبي ذؤيب، وآية ذلك أني حملتك ذات يوم فعضضت كتفي عضة شديدة هذا أثرها فرحب بها، ثم استوهبته السبي وهم ستة آلاف فوهبه لها، فما عرفت مكرمة مثلها، ولا امرأة هي أيمن على قومها منها، وخيرها وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أمتعتك وترجعي إلى قومك، قالت: بلى تمتعني وتردني إلى قومي، فأعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية، وقيل بل أعطاها ثلاثة أعبد وجارية ونعما وشاء» وقيل إن القادمة عليه أمه من الرضاع التي هي حليمة، وتقدم الكلام على ذلك.

قال بعضهم: وهذا العطاء الذي أعطاه رسول الله ﷺ للمؤلفة من قريش إنما كان من خمس الخمس الذي هو سهمه، لا من أربعة أخماس الغنيمة وإلا لاستأذن الغانمين في ذلك، لأنهم ملكوها بحوزهم لها.

ثم قدم وفد هوازن، وهم أربعة عشر رجلا مسلمين ورأسهم زهير بن صُرَد وفي لفظ: يكنى بأبي صرد، وأبو برقان بالموحدة، عم رسول الله ﷺ من الرضاعة، أي فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك. وفي رواية قالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتهم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام، ونرغب إلى الله وإليك يا رسول الله، وقال زهير: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك أي لأن مرضعته حليمة كانت من هوازن، أي وقال له أيضا: ولو ملحنا أي أرضعنا للحارث بن أبي شمر: أي ملك الشام، أو للنعمان بن المنذر: أي ملك العراق، ثم نزل منا بمثل ما نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين وأنشده أبياتا يستعطفه بها منها:

امنن علينا رسول الله في كرم ** فإنك المرء نرجوه وننتظر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها ** إذ فوك مملوءة من مخضها الدرر

أي الدفعات الكثيرة من اللبن.

إنا لنشكر للنعماء إن كفرت (أي جحدت). وفي لفظ:

إنا لنشكر آلاء وإن كفرت ** وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

إنا نؤمل عفوا منك نلبسه ** هدي البرية أن تعفو وتنتصر

فألبس العفو من قد كنت ترضعه ** من أمهاتك إن العفو مشتهر

فقال: «إن أحسن الحديث أصدقه أبناؤكم أصدقه، أيناأكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ » أي وفي لفظ البخاري: «أحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال» وفي رواية: «وقد كنت اسأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون» أي لأنه انتظرهم بعد أن قفل من الطائف بضع عشرة ليلة وفي لفظ: «أنه قال لهم: قد وقعت المقاسم مواقعها، فأي الأمرين أحبّ إليكم؟ أطلب لكم السبي أم الأموال؟ » وإنما قال لهم: قد وقعت المقاسم، أي لأنه لا يجوز للإمام أن يمن على الأسرى بعد القسم، وإنما يمن عليهم قبله كما وقع له في يهود خيبر، ولا يخفى أن هذا في الرجال دون الذراري «فقالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئا اردد علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال: أما مالي ولبني عبد المطلب فهو لكم، أي وقال لهم: فإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ في أبنائنا ونسائنا، أي بعد أن قال لهم: أظهروا إسلامكم وقولوا نحن إخوانكم في الدين، فسأسأل لكم الناس، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله، أي بعد أن أثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل» كذا في البخاري.

وفي لفظ: «أنه قال: وأما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أسبيه».

وفي رواية: «فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل، ومن كره أن يعطي ويأخذ الفداء فعليّ فداؤهم، ثم قال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون والأنصار رضي الله تعالى عنهم: ما كان لنا فهو لرسول الله، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله، فقال العباس بن مرداس: وهنتموني: أي أضعفتموني حيث صيرتموني منفردا».

وفي رواية: «فقال رسول الله ﷺ: هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده من النساء سبي فطابت نفسه أن يرده فليردّه، ومن أبى فليرد عليهم ذلك قرضا علينا بكل إنسان ست فرائض من أوّل ما يفيء الله علينا، قالوا: رضينا وسلمنا، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ولما فرق النساء نادى مناديه: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير الحبالى حتى يسبرئن بحيضة».

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: «أصبنا سبايا يوم حنين، فكنا نلتمس فداءهن، فسألنا رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: اصنعوا ما بدا لكم، فما قضى الله فهو كائن، وليس من كل الماء يكون الولد» قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: وكانت اليهود تزعم أن العزل الموءودة الصغرى، فقال رسول الله: «كذبت اليهود، ولو أراد الله أن يخلقه لم يستطع أحد أن يصرفه» وجاء: «لو أن الماء الذي منه الولد أهرقته على صخرة أخرج الله منها ولدا» وقد جاء في الحديث ما قالت اليهود. ففي مسلم وابن ماجه «العزل الوأد الخفي» أي لأن التحرز عن الولد بالعزل كدفنه حيا فليتأمل، وقد مر الكلام على ذلك مبسوطا.

والفريضة: البعير الذي يؤخذ في الزكاة لأنه فرض وواجب على رب المال، وإلى عفوه عن هوازن، أشار صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله:

منّ فضلا على هوازن إذ ** كان له قبل ذاك فيهم رباء

وأتى السبي فيه أخت رضاع ** وضع الكفر قدرها والسباء

فحباها برا توهمت النا ** س به أنما السباء هداء

بسط المصطفى لها من رداء ** أيّ فضل حواه ذاك الرداء

فغدت فيه وهي سيدة النسـ ** ـوة والسيدات فيه إماء

أي أعتق هوازن قبيلة أمه من الرضاعة التي هي حليمة السعدية، وكانوا ستة آلاف آدمي وإنما أعتقهم لأجل أنه كان له وهو طفل فيهم رباء بفتح الراء والمد: أي تربيته فيهم، ولأجل أن أخته من الرضاعة أتت في ذلك السبي، وتلك الأخت صغّر كفرها وسباؤها قدرها الرفيع بأخوته فأعطاها برا وفعل معها معروفا حتى وقع في وهم الحاضرين بسبب ذلك أن سباءها هداء لها بكسر الهاء كالعروس التي تهدي لزوجها، ومن بره لها أنه بسط لها رداءه لتجلس عليه، أي شرف لذلك الرداء شرف عظيم، لا غاية له بسبب مماسته لجسده الشريف فصارت في ذلك السبي سيدة من فيه من النساء، وصار السيدات التي فيه بالنسبة إليها إماء، وليتأمل الجمع بين كون أخته المذكورة هي الشافعة في السبي وقبلت شفاعتها، وبين كون السائل فيهم هوازن، والأصل اقتصر على سؤال الوفد، وردّ جميع السبي، ولم يتخلف منه أحد إلا عجوز من عجائزهم، كانت عند عيينة بن حصن أبى أن يردها، وقال حين أخذها: أرى عجوزا إني لأحسب أن لها في الحي نسبا وعسى أن يعظم فداؤها، ثم ردها بعد ذلك بعشر من الإبل، وقيل بست أخذ ذلك من ولدها بعد أن ساومه فيها مائة من الإبل، وقال له ولدها: والله ما ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا فوها ببارد، ولا صاحبها بواجد: أي بحزين لفراقها، ولا درها بناكد بالنون: أي غزير وهو من الأضداد. وقيل قائل ذلك له زهير.

وقد يقال: لا مخالفة لجواز أن زهيرا هو ولدها، فقال عيينة: خذها لا بارك الله لك فيها، قال وذلك ببركة دعائه، دعا على من أبى أن يرد من السبي شيئا أن يبخس، أي يكسد، فإن ولدها دفع له فيها مائة من الإبل فأبى، ثم غاب عنه ثم مر عليه معرضا عنه فقال: خذها بالمائة، فقال لا أدفع إلا خمسين فأبى، فغاب عنه ثم مر عليه معرضا عنه، فقال: خذها بخمسين فقال لا أدفع إلا خمسة وعشرين فأبى. فغاب عنه ثم مر عليه معرضا عنه، فقال خذها بالخمسة والعشرين فقال: لا آخذها إلا بعشرة. وفي رواية إلا بستة فقال له ما تقدم، ولما أخذها ولدها قال لعيينة: إن رسول الله ﷺ كسا السبي قبطية قبطية، فقال: لا والله ما ذاك لها عندي، فما فارقها حتى أخذ لها منه ثوبا، والقبطية بضم القاف: وهو ثوب أبيض من ثياب مصر منسوب للقبط وهم أهل مصر وضم القاف من التغيير في النسب.

أي وفي كلام بعضهم وزعموا أن رسول الله ﷺ أمر رجلا أن يقدم مكة فيشتري للسبي ثياب المتعة فلا يخرج الحر منهم إلا كاسيا، قال: وأمر رسول الله ﷺ بحبس أهل مالك بن عوف النضري بمكة عند عمتهم أم عبد الله بن أبي أمية، وكلمه الوفد في ذلك، فقالوا: يا رسول الله أولئك سادتنا، فقال رسول الله ﷺ: إنما أريد بهم الخير، ولم يجز أن تجري السهمان في مال مالك بن عوف، وقال رسول الله ﷺ لوفد هوازن: ما فعل مالك بن عوف؟ قالوا: يا رسول الله هرب، فلحق بحصن الطائف مع ثقيف، فقال رسول الله ﷺ: أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل، فلما بلغ مالكا ما صنع رسول الله ﷺ في قومه وأن ماله وأهله موفور، وما وعده به نزل من الحصن مستخفيا خوفا أن تحبسه ثقيف إذا علموا الحال، وركب فرسه وركضه، حتى أتى الدهناء، محلا معروفا، ركب راحلته ولحق برسول الله، فأدركه بالجعرانة، وأسلم وردّ عليه أهله وماله، واستعمله على من أسلم من هوازن، فكان لا يقدر على سرح لثقيف إلا أخذه ولا رحل إلا ميله، وكان رضي الله تعالى عنه يرسل بالخمس مما يغنم لرسول الله ﷺ ا هـ.

أي وجاء أعرابي إلى النبي ﷺ في هذا المحل الذي هو الجعرانة، وهو المراد بقول بعضهم وهو بحنين، لأن المراد منصرفه من غزوة حنين، وعلى ذلك الأعرابي جبة وهو متضمخ بخلوق: أي مصفر لحيته ورأسه، وقد أحرم بعمرة فقال: أفتني يا رسول الله. وفي رواية قال له: كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ فسكت ساعة ثم نزل عليه الوحي، فلما سُري عنه قال: أين السائل عن العمرة اخلع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق. وفي رواية قال له: ما كنت تصنع في حجك؟ قال: كنت أنزع هذه الجبة، وأغسل هذا الخلوق، فقال: اصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجك. واستند لذلك من يقول بحرمة التطيب قبل الإحرام بما يبقى عند الإحرام. والراجح عند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه استحباب ذلك.

وجاءه رجل فوقف على رأسه الشريف فقال: يا رسول الله إن لي عندك موعدا، فقال له: صدقت فاحْتكم، فقال: أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها، فقال: هي لك، ولقد احتكمت يسيرا، ولصاحبة موسى عليه الصلاة والسلام التي دلته على عظام يوسف عليه الصلاة والسلام كانت احزم وأجزل حكما منك حين حكمهما موسى عليه الصلاة والسلام، فقالت: حكمي أن تردني شابة، وأدخل معك الجنة، كذا ذكره الغزالي رحمه الله. قال السخاوي: وهذا أخرجه ابن حبان والحاكم وصحح إسناده، وفيه نظر كما قال العراقي، وهذا أصل في عدم إخلاف الوعد بالخير.

ونقل الإمام النووي رحمه الله أن جماعة ذهبوا إلى وجوب الوفاء بذلك، ووجهه السبكي رحمه الله بأن إخلاف الوعد كذب، والكذب حرام وترك الحرام واجب.

وذكر الغزالي رحمه الله أن إخلاف الوعد لا يكون كذبا إلا إذا عزم حين الوعد على عدم الوفاء.

أي ويدل لذلك ما جاء عن عبد الله بن ربيعة قال: «جاء رسول الله ﷺ إلى بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك، فقال رسول الله ﷺ: ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرا، قال: لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة».

وأحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا، واستمر يلبي حتى استلم الحجر، ثم رجع من ليلته، وأصبح بها كبائت. وفي لفظ: أصبح بمكة كبائت وفيه نظر، ولم يسق هديا في هذه العمرة وحلق رأسه وكان الحالق لرأسه الشريف أبا هند الحجام وقيل أبو خراش بن أمية الذي حلق رأسه في الحديبية، وأتى بأعمال العمرة بعد أن أقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، وقال: اعتمر منها سبعون نبيا.


غزوة تبوك

بعدم الصرف للعملية والتأنيث: ووقع في البخاري صرفها نظرا للموضع، أي ويقال لها غزوة العسيرة، ويقال لها الفاضحة، لأنها أظهرت حال كثير من المنافقين.

ففي شهر رجب سنة تسع أي بلا خلاف، ظووقع في البخاري أنها كانت بعد حجة الوداع، قيل وهو غلط من النساخ، بلغ رسول الله ﷺ أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة الشام، وأنهم قدموا مقدماتهم إلى البلقاء المحل المعروف.

أي وذكر بعضهم أن سبب ذلك أن منتصرة العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي قد خرج يدعي النبوّة هلك وأصابت أصحابه سنون أهلكت أموالهم، فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا، أي ولم يكن لذلك حقيقة، أي وإنما ذلك شيء قيل لمن يبلغ ذلك للمسلمين ليرجف به وكان ذلك في عسرة في الناس وجدب في البلاد، أي وشدة من نحو الحر، وحين طابت الثمار والناس يحيون المقام في ثمارهم وظلالهم() أي وكونه عند طيب الثمار يؤيد قول عروة بن الزبير: إن خروجه لتبوك كان في زمن الخريف، ولا ينافي ذلك وجود الحر في ذلك الزمن، لأن أوائل الخريف وهو الميزان يكون فيه الحر، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورّى بغيرها، إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد المشقة وشدة الزمن، أي وكثرة العدو، وليأخذ الناس أهبتهم، وأمر الناس بالجهاز، أي وبعث إلى مكة وقبائل العرب ليستنفرهم، وحض أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل الله، أي أكد عليهم في طلب ذلك، وهي آخر غزواته، وأنفق عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه نفقه عظيمة لم ينفق أحد مثلها، قال: فإنه جهز عشرة آلاف أنفق عليها عشرة آلاف دينار غير الإبل والخيل، وهي تسعمائة بعير ومائة فرس والزاد وما يتعلق بذلك حتى ما تربط به الأسقية.

أي وفي كلام بعضهم أنه أعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرسا، وعند ذلك قال: «اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض».

أي وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «رأيت رسول الله ﷺ من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه الكريمتين يدعو لعثمان بن عفان يقول: اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه» وجاء أنه قال: «سألت ربي أن لا يدخل النار من صاهرته أو صاهرني».

وجاء رضي الله تعالى عنه بألف دينار فصبها في حجر النبي، فجعل رسول الله ﷺ يقلبها بيديه ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم يرددها مرارا» ا هـ.

وفي رواية: «جاء بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله ﷺ فصبت بين يديه، فجعل يقول بيديه ويقلبها ظهرا لبطن، ويقول: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما كان منك، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها» أي ولعل هذه العشرة الآلاف هي التي جهز بها العشرة آلاف إنسان وإنها أي العشرة غير الألف التي صبها في حجره.

وأنفق غير عثمان أيضا من أهل الغنى قال: وكان أول من جاء بالنفقة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جاء بجميع ماله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله ﷺ: هل أبقيت لأهلك شيئا. قال: أبقيت لهم الله ورسوله. وجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله، فقال له رسول الله ﷺ: هل أبقيت لأهلك شيئا قال: النصف الثاني. وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه بمائة أوقية، أي ومن ثم قيل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما كانا خزنتين من خزائن الله في الأرض ينفقان في طاعة الله تعالى. وجاء العباس رضي الله تعالى عنه بمال كثير، وكذا طلحة رضي الله تعالى عنه، وبعثت النساء رضي الله تعالى عنهن بكل ما يقدرون عليه من حليهن. وتصدق عاصم بن عدي رضي الله تعالى عنه بسبعين وسقا من تمر اهـ. وجاءه جمع، أي سبعة أنفس من فقهاء الصحابة يتحملونه: أي يسألونه أن يحملهم. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، وعند ذلك {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون} أي ما يحملهم، ومن ثم قيل لهم البكاؤون، ومنهم العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، ولم يذكره القاضي البيضاوي في السبعة. وحمل العباس رضي الله تعالى عنه منهم اثنين، وحمل منهم عثمان رضي الله تعالى عنه بعد الجيش الذي جهزه ثلاثة، أي وحمل ياميز بند عمرو النضري اثنين دفع لهما ناضجا له وزودّ كل واحد منهما صاعين من تمر.

وعدهم مغلطاي ثمانية عشر.

وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم، فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال والله لا أحملكم على شيء. وفي رواية: والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه، فرجعت حزينا إلى أصحابي من منع النبي ﷺ ومن مخافة أن يكون النبي ﷺ وجد في نفسه حيث حلف على أن لا يحملهم. قال: فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته قال: أحب رسول الله ﷺ يدعوك، فلما أتيته قال: خذ هذه الستة أبعرة فانطلق بها إلى أصحابك. زاد بعضهم: فعند ذلك قال بعضهم لبعض أغلقنا رسول الله ﷺ أي حملناه على يمين الغلق وقد حلف أن لا يحملنا ثم حملنا فوالله لا بارك لنا في ذلك، فأتوه فذكروه، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا ما حملتكم، الله حملكم، ثم قال: «إني لا أحلف يمينا فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» أي فهو إنما حلف أن لا يتكلف لهؤلاء حملا بقرض ونحوه ما دام لا يجد لهم حملا فلا حنث. وفيه أن هذا لا يناسب قوله: إني لا أحلف إلى آخره.

وأجيب بأن هذا استثبات قاعدة لا تدل على أن النبي ﷺ حنث في يمينه بل خرج الكلام على تقدير. كأنه قال لو حنثت في يميني حيث كان الحنث خيرا وكفرت عنها لكان ذلك شرعا واسعا بل ندبا راجحا، ويؤيده أنه لم ينقل أن رسول الله ﷺ كفر عن هذه اليمين، وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين هذا وما قبله.

وقد يقال: إن حمل العباس رضي الله تعالى عنه اثنين منهم إلى آخره كان قبل وجود هذه الأبعرة الستة، أو يدعى أن هؤلاء غير من تقدم.

فلما تجهز رسول الله ﷺ بالناس وهم ثلاثون ألفا، أي وقيل أربعون ألفا، وقيل سبعون ألفا وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وقيل بزيادة ألفين.

وخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه على ما هو المشهور، وقال الحافظ الدمياطي رحمه الله: وهو أثبت عندنا، وقيل سباع بن عرفطة، أي وقيل ابن أم مكتوم، وقيل علي بن أبي طالب، قال ابن عبد البر: وهو الأثبت، هذا كلامه.

وفي كلام ابن إسحاق: وخلف عليا كرّم الله وجهه على أهله وأمره بالإقامة فيهم، وتخلف عنه عبد الله بن أبيّ ابن سلول ومن كان من المنافقين بعد أن خرج بهم، وعسكر عبد الله بن أبيّ على ثنية الوداع، أي أسفل منها، لأن معسكره كان على ثنية الوداع، وكان عسكر عبد الله بن أبيّ أسفل منه. قال ابن إسحاق رحمه الله: وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين، أي والتعبير عن ذلك بالزعم واضح لأنه يبعد أن يكون عسكر عبد الله مساويا لعسكره فضلا عن كونه أكثر منه فليتأمل، وقال عند تخلفه: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد: أي ما لا طاقة له به، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال، يقول ذلك إرجافا برسول الله ﷺ وبأصحابه أي وقيل للروم بنو الأصفر، لأنهم ولد روم بن العيص بن إسحاق نبي الله عليه السلام، وكان يسمى الأصفر لصفرة به.

فقد ذكر العلماء بأخبار القدماء أن العيص تزوّج بنت عمه إسماعيل فولدت له الروم وكان به صفرة، فقيل له الأصفر، وقيل الصفرة كانت بأبيه العيص ().

ولما ارتحل رسول الله ﷺ عن ثنية الوداع متوجها إلى تبوك عقد الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ورايته العظمى للزبير رضي الله عنه، ودفع راية الأوس لأسيد بن حضير رضي الله عنه، وراية الخزرج إلى الحباب بن المنذر رضي الله عنه، ودفع لكل بطن من الأنصار ومن قبائل العرب لواء وراية، أي لبعضهم راية ولبعضهم لواء، وكان قد اجتمع جمع من المنافقين أي في بيت سويلم اليهودي، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر. أي وهم الروم كقتال العرب بعضهم بعضا، والله لكأنهم يعني الصحابة غدا مقرنون في الحبال، يقولون ذلك إرجافا وترهيبا للمؤمنين، والجلاد: الضرب بالسيوف، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك لعمار بن ياسر رضي الله عنه: «أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل بل قلتم كذا وكذا، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه وقالوا إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} وقال للجد بن قيس: يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر، قال: يا رسول الله أو تأذن لي أي في التخلف ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت لك، فأنزل الله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} الآية. وفي لفظ أنه قال: «اغزوا تبوك تغنموا بنات بني الأصفر نساء الروم، فقال قوم من المنافقين: ائذن لنا ولا تفتنا فأنزل الله تعالى الآية: {ألا في الفتنة سقطوا}» أي التي هي التخلف عن رسول الله ﷺ والرغبة عنه.

وفي لفظ أنه قال للجد بن قيس: «يا أبا قيس هل لك أن تخرج معنا لعلك تحقب: أي تردف خلفك من بنات بني الأصفر، فقال ما تقدم» وعند ذلك لامه ولده عبد الله رضي الله عنه وقال له: والله ما يمنعك إلا النفاق، وسينزل الله فيك قرآنا فأخذ نعله وضرب به وجه ولده، فلما نزلت الآية قال له: ألم أقل لك؟ فقال له: اسكت يالكع، فوالله لأنت أشد عليّ من محمد. وفي رواية أن الجد بن قيس لما امتنع واعتذر بما تقدّم قال للنبي: ولكن أعينك بمالي، فأنزل الله تعالى: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم}وتقدّم أنه لم يبايع بيعة الرضوان، وتقدم أنه تاب من النفاق وحسنت توبته، وأنه قال لبني ساعدة: «من سيدكم؟ فقالوا: الجد بن قيس على بخل فيه، فقال: وأي داء أدوأ من البخل؟ قالوا: يا رسول الله من سيدنا؟ فقال: بشر بن البراء بن معرور». وفي رواية: «سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح» وذكر ابن عبد البر أن النفس أميل إلى الأوّل ومات الجد بن قيس في خلافة عثمان رضي الله عنه، وقال بعض المنافقين لبعض: لا تنفروا في الحرّ فأنزل الله تعالى: {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} أي يعلمون {وجاء المعذرون} أي وهم الضعفاء والمقلون {من الأعراب ليؤذن لهم} في التخلف فأذن لهم، وكانوا اثنين وثمانين رجلا وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة جراءة على الله ورسوله، وقد عناهم الله تعالى بقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله}.

قال السهيلي: وأهل التفسير يقولون إن آخر براءة نزل قبل أولها، وإن أوّل ما نزل منها: {انفورا خفافا وثقالا} قيل معناه شبابا وشيوخا، وقيل أغنياء وفقراء، وقيل أصحاب شغل وغير ذي شغل وقيل ركبانا ورجالة، ثم نزل أولها في نبذ كل ذي عهد إلى صاحبه كما تقدّم.

وتخلف جمع من المسلمين منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع من غير عذر، وكانوا ممن لا يتهم في إسلامه.

ولما خلف عليا كرّم الله وجهه أرجف به المنافقون، وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له، وحين قيل فيه ذلك أخذ علي كرّم الله وجهه سلاحه، ثم خرج حتى لحق برسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك ما خلفتني إلا استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا، ولكنني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» أي فإن موسى عليه السلام حين توجه إلى ميقات ربه استخلف هارون عليه السلام في قومه، فرجع عليّ إلى المدينة.

وعن علي كرّم الله وجهه قال: «خرج رسول الله ﷺ في غزوة وخلف جعفرا في أهله، فقال جعفر: والله لا أتخلف عنك، فخلفني، فقلت: يا رسول الله أتخلفني إلى شيء تقول قريش، أليس يقولون ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، وأخرى أبتغي الفضل من الله، أني سمعت الله يقول: {ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار} الآية، فقال: أما قولك أن تقول قريش ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، فقد قالوا إني ساحر وإني كاهن وإني كذاب، وأما قولك تبتغي الفضل من الله، فلك بي أسوة أي حيث تخلفت عن بعض مواطن القتال، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام» أي ولم يتخلف عنه علي كرّم الله وجهه في مشهد من المشاهد إلا في هذه الغزوة.

وادّعت الرافضة والشيعة أن هذا من النص التفصيلي على خلافة علي كرّم الله وجهه، قالوا لأن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوّة ثابتة لعلي كرّم الله وجهه من النبي، وإلا لما صح الاستثناء: أي استثناه النبوّة بقوله: «إلا أنه لا نبي بعدي» ومما ثبت لهارون من موسى عليه السلام استحقاقه للخلافة عنه لو عاش بعده: أي دون النبوّة.

وردّ بأن هذا الحديث غير صحيح كما قاله الآمدي. وعلى تسليم صحته، بل صحته هي الثابتة لأنه في الصحيحين ـ فهو من قبيل الآحاد، وكل من الرافضة والشيعة لا يراه حجة في الإمامة. وعلى تسليم أنه حجة فلا عموم له، بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا كرم الله وجهه خليفة عن النبي ﷺ في أهله خاصة مدة غيبته بتبوك، كما أن هارون كان خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة. فعلى تسليم أنه عام لكنه مخصوص والعام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة. وقد استخلف في مرار أخرى غير عليّ فيلزم أن يكون مستحقا للخلافة، وصار بعد مسيره يتخلى عنه الرجل، فيقال تخلف فلان، فيقول دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.

وكان ممن تخلف عن مسيره معه أبو خثيمة. ولما أن سار أياما دخل أبو خثيمة على أهله في يوم حارّ فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في حائط قد رشت كل منهما عريشتها، وبرّدتا فيها ماء، وهيأتا طعاما، وكان يوما شديد الحر، فلما دخل نظر إلى امرأتيه وما صنعتا فقال رضي الله عنه: رسول الله ﷺ في الحرّ، وأبو خثيمة في ظلّ بارد وماء مهيأ، وامرأة حسناء؟ ما هذا بالنصف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله، فهيئا لي زادا ففعلتا. ثم قدّم ناضحه فارتحل وأخذ سيفه ورمحه كما في الكشاف، أي ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل بتبوك، وقد كان أبو خثيمة أدرك عمير بن وهب في الطريق يطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى دنوا من تبوك. فقال أبو خثيمة لعمير: إن لي ذنبا فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ففعل، فلما دنا أبو خثيمة قال الناس: هذا ركب مقبل. فقال رسول الله ﷺ: كن أبا خثيمة. فقالوا: يا رسول الله هو والله أبو خثيمة، فلما أناخ أقبل يسلم على رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ: أولى لك يا أبا خثيمة، ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال له رسول الله ﷺ خيرا، ودعا له بخير: أي وأولى لك كلمة تهديد وتوعد.

ولما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر ديار ثمود سَجى ثوبه على رأسه واستحث راحلته، وقال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم»، أي لأن البكاء يتبعه التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله عز وجل على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه يقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك «ونهى الناس أن يشربوا من مائها شيئا، وأن لا يتوضؤوا به للصلاة، وأن لا يعجن به عجين وأن لا يحاس به حيس، ولا يطبخ به طعام، وأن العجين الذي عجن به أو الحيس الذي فعل به يعلفونه الإبل، وأن الطبيخ الذي طبخ به يلقى ولا يأكلوا منه شيئا».

ثم ارتحل بالناس: أي لا زال سائرا حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، وأخبرهم أنها تهب عليهم الليلة ريح شديدة، أي وقال: من كان له بعير فليشد عقاله، ونهى الناس في تلك الليلة عن أن يخرج واحد منهم وحده بل معه صاحبه، فخرج شخص وحده لحاجته فخنق، وخرج آخر كذلك في طلب بعير له ندّ فاحتمله الريح حتى ألقته بجبل طيىء، فأخبر بذلك رسول الله، فقال: ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه، ثم دعا للذي خنق فشفي، والذي ألقته الريح بجبل طيىء له حين قدم المدينة.

وفي سيرة الحافظ الدمياطي: وكان رسول الله ﷺ يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضي الله عنه يصلي بالناس. واستعمل على العسكر عباد بن بشر، فكان يطوف في أصحابه على العسكر. ثم أصبح الناس ولا ماء معهم: أي وحصل لهم من العطش ما كاد يقطع رقابهم، حتى حملهم ذلك على نحر إبلهم ليشقوا أكراشها ويشربوا ماءها.

فعن عمر رضي الله عنه: خرجنا في حرّ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. وفي لفظ: على صدره، فشكوا ذلك للنبي، أي قال له أبو بكر: يا رسول الله قد عوّدك الله من الدعاء خيرا فادع الله لنا، قال أتحب ذلك؟ قال نعم، فدعا، أي ورفع يديه فلم يرجعهما حتى أرسل الله سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ما يحتاجون إليه، قال: وذكر بعضهم أن تلك السحابة لم تتجاوز العسكر، وأن رجلا من الأنصار قال لآخر متهم بالنفاق: ويحك قد ترى فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: {وتجعلون رزقكم} أي بدل شكر رزقكم {أنكم تكذبون} أي حيث تنسوبه للأنواء. وقيل إنه قال له: ويحك، هل بعد هذا شيء، قال: سحابة مارّة انتهى.

وفي لفظ أنهم لما شكوا إليه شدة العطش. قال لعليّ: لو استسقيت لكم فسقيتم قلتم هذا بنوء كذا وكذا. فقالوا: يا نبيّ الله ما هذا بحين أنواء فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضأ ثم قام فصلى، فدعا الله تعالى، فهاجت ريح وثار سحاب فمطروا حتى سال كل واد، فمرّ رسول الله ﷺ برجل يغرف بقدحه، ويقول: هذا نوء فلان فنزلت الآية.

وضلت ناقته، فقال رجل من المنافقين الذين خرجوا معه ليس غرضهم إلا الغنيمة: إن محمدا يزعم أنه نبي، وأنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال: إن رجلا يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها أنها في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فوجدوها كذلك، فجاؤوا بها، أي وتقدم له نظير هذا في غزوة بني المصطلق التي هي المريسيع، ولا بعد في تعدد الواقعة. ويحتمل أن يكون من خلط بعض الرواة.

ولما سمع بذلك بعض الصحابة جاء إلى رحله، فقال لمن به: والله لعجب في شيء حدثناه رسول الله ﷺ عن مقالة قائل أخبره الله عنه وذكر المقالة. فقال له بعض من في رحله: هذه المقالة قالها فلان يعني شخصا في رحله أيضا قالها قبل أن تأتي بيسير، فقال: يا عباد الله في رحلي داهية وما أشعر: أي عدوّ الله اخرج من رحلي ولا تصحبني فيقال: إنه تاب، ويقال إنه لم يزل منها بشرّ حتى هلك.

وتباطأ جمل أبي ذرّ رضي الله عنه لما به من الأعياء والتعب، فتخلف عن الجيش فأخذ متاعه وحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا فأدركه نازلا في بعض المنازل، أي وقبل مجيئه قالوا له: يا رسول الله تخلف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره.

فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.

ولما أشرف على ذلك المنزل ونظره شخص يمشي، فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول الله ﷺ: كن أبا ذرّ، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذرّ، فقال رسول الله: «رحم الله أبا ذرّ، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» وكان كما قال إنه يموت وحده. فقد مات رضي الله عنه وحده بالربذة لما أخرجه عثمان رضي الله عنه إليها.

أي فإنه بعد موت أبي بكر رضي الله عنه خرج من المدينة إلى الشام. فلما ولى عثمان رضي الله عنه شكاه معاوية رضي الله عنه إليه، فإنه كان يغلظ على معاوية في بعض أمور تقع منه، فاستدعاه عثمان رضي الله عنه من الشام ثم أسكنه الربذة، ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه، فوصاهما عند موته أن غسلاني وكفناني ثم اجعلاني على قارعة الطريق، فأول من يمرّ بكم قولا له هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فلما مات رضي الله عنه فعلا به ذلك. وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق فوجدوا الجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل تطؤها فقام إليهم الغلام وقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فاستهل عبد الله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله، تمشي وحدك وتموت وحدك، وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود خبره.

أي وفي الحدائق عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا بد لنا من معين على دفنك، وليس معنا ثوب يسعك كفنا. فقال: لا تبكي وأبشري، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية، وإني أنا الذي أموت بالفلاة، والله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبت. وفي رواية: ما كذبت ولا كذبت فانظري الطريق. فقالت: قد ذهب الحاج وتقطعت السبل. فقال: انظري، فقالت: كنت أشتد إلى الكثيب فأقوم عليه ثم أرجع إليه فأمرضه، فبينما أنا كذلك إذا أنا برجال على رواحلهم كأنهم الرخم فألحت بثوبي، فأسرعوا إليّ ووضعوا السياط في نحورها يستقبلون إليّ، فقالوا ما لك يا أمة الله؟ فقلت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه، قالوا: ومن هو؟ قلت أبو ذر. قالوا: صاحب رسول الله؟ قلت نعم، فأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فسلموا عليه فرحب بهم. وقال: أبشروا فإنكم عصابة من المؤمنين وحدثهم الحديث، وقال: والله لو كان لي أو لها ما يسعني كفنا ما كفنت إلا فيه، وإني أنشدكم الله والإسلام لا يكفنني منكم رجل كان أميرا ولا عريفا ولا بريدا أو نقيبا، ولم يكن منهم أحد سلم من ذلك إلا فتى من الأنصار، فقال: والله لم أصب مما ذكرت شيئا أن أكفنك في ردائي هذا وثوبين معي من غزل أمي، فمات فكفنه الفتى الأنصاري ودفنه في النفر الذين معه.

أقول: يحتاج إلى الجمع بين هذا وما تقدم. وقد يقال: لا ينافي ذلك ما تقدم عن ابن مسعود رضي الله عنه، لجواز أن يكون قدومه بعد أن كفن بكفن الأنصاري، ولا ينافي ذلك ما تقدم من قول الراوي: فلما مات فعلا: أي زوجته وغلامه ذلك: أي غسله وتكفينه، ولا ينافي ذلك قول الغلام لابن مسعود ومن معه: أعينونا على دفنه. ولا ينافي ذلك قول الراوي هنا: ودفنه: أي الفتى الأنصاري في النفر الذين معه، لأن ذلك يقال إذا اشتركوا مع غيرهم في ذلك.

وأبو ذر رضي الله عنه اسمه جندب، وقيل اسمه سلمة بن جنادة. وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق. وقد قال في حقه: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر» وكان رضي الله عنه من الأقدمين في الإسلام. قال ابن عبد البر: كان خامس رجل أسلم فليتأمل. وقال: «أبو ذر في أمتي شبيه عيسى ابن مريم في زهده» وبعضهم يرويه: «من ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر» وإلى وجود ما أخبر عن أبي ذر من أنه يموت وحده أشار الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:

وعاش أبو ذر كما قلت وحده ** ومات وحيدا في بلاد بعيدة

قال: وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: لما كنا فيما بين الحجر وتبوك ذهب رسول الله ﷺ لحاجته بعد الفجر وتبعته بماء فأسفر الناس بصلاتهم التي هي صلاة الفجر فقدموا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فصلى بهم، فانتهى بعد أن توضأ ومسح خفيه لعبد الرحمن بن عوف وقد صلى ركعة، فصلى رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن ركعة وقام ليأتي بالركعة الثانية، وقال لهم بعد فراغه: أحسنتم أو أصبتم، ثم قال: «لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته» اهـ. أي ولعل هذا لا ينافي ما تقدم.

وكان رسول الله ﷺ يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضي الله عنه يصلي بالناس، وقوله: «لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته» يقتضي أنه لم يصل خلف الصديق في هذه الغزوة حيث يصلى بالعسكر فليتأمل.

أي وجاء أنه قال: «عبد الرحمن سيد من سادات المسلمين» ولا يخالف هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لم يصل النبي ﷺ خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر» أي في مرض موته، لأن المراد صلاة كاملة أو تكرر الصلاة هذا.

وفي الخصائص الصغرى: ومن خصائصه فيما حكى القاضي عياض رحمه الله أنه لا يجوز لأحد أن يؤمه لأنه لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة ولا غيرها لا لعذر ولا لغيره.

وقد نهى الله المؤمنين عن ذلك، ولا يكون أحد شافعا له وقد قال: «أئمتكم شفعاؤكم» ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: «ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله » فليتأمل.

ولما نزلوا تبوك وجدوا عينها قليلة الماء، فاغترف رسول الله ﷺ بيده غرفة من مائها فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت.

قال: وعن حذيقة رضي الله عنه «بلغ رسول الله ﷺ أن في الماء قلة أي ماء عين تبوك، أي وقد قال لهم: إنكم لتأتون غدا إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لن تنالوها حتى يضحا النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي، وأمر مناديا ينادي بذلك فجئناها فإذا العين مثل الشراك تبض من مائها، وقد سبق إليها رجلان: أي من المنافقين ومسا من مائها فسبهما رسول الله ﷺ لما بلغه ذلك» وفي رواية: «سبق إليها أربعة من المنافقين، ثم إنهم غرفوا من تلك العين قليلا قليلا حتى اجتمع شيء في شن فغسل رسول الله ﷺ وجهه ويديه ومضمض ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير» وفي رواية: «فجعلوا فيها سهاما دفعها لهم، فجاشت بالماء» وإلى ذلك أشار الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله:

فيوما بوقع النبل جئت بشربهم ** ويوما بوقع الوبل جدت بسقية

وحينئذ أي وحين إذ ثبت أنه جعل السهام في عين تبوك يسقط الاعتراض بأن وقع النبل لم يكن بتبوك وإنما كان بالحديبية على أن الذي بالحديبية إنما هو غرز سهم واحد لا سهم فليتأمل.

ثم قال لمعاذ: «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هنا ملىء جنانا» أي بساتين، وذكر ابن عبد البر رحمه الله عن بعضهم. قال: أنا رأيت ذلك الموضع كله حوالي تلك العين جنانا خضرة نضرة.

وقبل قدومهم تبوك بليلة نام رسول الله، فلم يستيقظ حتى كادت الشمس قيد رمح، أي وقد كان قال لبلال: اكلأ لنا الفجر فاسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه قال: ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر؟ وفي رواية أن بلالا رضي الله عنه قال لهم ناموا وأنا أوقظكم: فاضطجعوا، فقال له رسول الله ﷺ: يا بلال أين ما قلت؟ قال: يا رسول الله ذهب بي مثل الذي ذهب بك، أي وفي لفظ: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، وقال للصديق: إن الشيطان صار يهدىء بلالا للنوم كما يُهدَّىء الصبي حتى ينام، ثم دعا رسول الله ﷺ بلالا وسأله عن سبب نومه، فأخبر النبي ﷺ بما أخبر به النبي الصديق، فقال الصديق للنبي: أشهد أنك رسول الله، فانتقل رسول الله ﷺ من منزله غير بعيد. ثم صلى وتقدم في خيبر: أي في غزوة وادي القرى، فإنها كانت عند منصرفه من خيبر، الخلاف في أي غزوة كان وسار مسرعا بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك.

وفي منصرفه من تبوك قال أبو قتادة رضي الله عنه: «بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ وهو قافل من تبوك وأنا معه، إذ خفق خفقة وهو على راحلته فمال على شقه، فدنوت منه فدعمته، فانتبه فقال: من هذا؟ فقلت أبو قتادة يا رسول الله، خفت أن تسقط فدعمتك، فقال: حفظك الله كما حفظت رسوله ثم سار غير كثير ثم فعل مثلها فدعمته، فانتبه، فقال: يا أبا قتادة هل لك في التعريس؟ فقلت: ما شئت يا رسول الله، فقال انظر من خلفك، فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة فقال: ادعهم، فقلت أجيبوا رسول الله، فجاؤوا فعرسنا».

وفي رواية قال أبو قتادة رضي الله عنه: «بينا رسول الله ﷺ يسير حتى ابهار الليل وأنا إلى جنبه فنعس فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته، فدعمته حتى اعتدل على راحلته ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأولتين حتى كاد يسقط، فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة، قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حفظك الله كما حفظت نبيه» وهذا تقدم في منصرفه من خيبر، ولا مانع من التعدد. ويحتمل أن هذا خلط وقع من بعض الرواة فليتأمل، ثم قال: هل ترى من أحد: يعني من الجيش؟ قلت: هذا راكب، ثم قلت هذا راكب آخر حتى اجتمعنا وكنا سبعة. وفي رواية خمسة برسول الله، فمال رسول الله ﷺ عن الطريق، ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، وكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره، فقمنا فزعين. ثم قال: اركبوا، فركبنا، فسرنا حتى ارتفعت الشمس: ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، فتوضأ منها وبقي فيها شيء، وفي رواية: جرعة من ماء، ثم قال لي: احفظ علينا ميضأتك، وفي رواية: ازدهر بها يا أبا قتادة فسيكون لها نبأ» الحديث.

وفي رواية: «ما أيقظنا إلا حر الشمس، فقلنا: إنا لله فاتنا الصبح، فقال رسول الله ﷺ لنغيظن الشيطان كما غاظنا، فتوضأ من الإداوة التي هي الميضأة، ففضل فضل، فقال يا أبا قتادة احتفظ بما في الإداوة، واحتفظ بالركوة فإن لهما شأنا فصلى بنا رسول الله ﷺ الفجر بعد طلوع الشمس. وفي لفظ إن عمر رضي الله عنه هو الذي أيقظ النبي ﷺ بالتكبير.

أقول: ظاهر هذه الرواية أنهم صلوا بمحلهم ولم ينتقلوا. وفي رواية قال لهم: تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة. وفي لفظ: ارتحلوا، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان.

وفي البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «كنا في سفر مع النبي، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه: أي من الوحي، فكانوا يخافون من إيقاظه قطع الوحي» كما تقدم في غزوة بني المصطلق «فلما استيقظ عمر رضي الله عنه ورأى ما أصاب الناس: أي من فوات صلاة الصبح كبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ النبي ».

وفي رواية: «إن الصديق رضي الله عنه استيقظ أولا ثم لا زال يسبح ويكبر حتى استيقظ عمر، ولا زال يكبر حتى استيقظ رسول الله، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم: أي من فوات صلاة الصبح، قال: لا ضير، ارتحلوا، فارتحلوا فسار غير بعيد ثم نزل، فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس» وهذا كما نرى فيه التصريح بأن هاتين اليقظتين وقعتا في غزوة تبوك، الأولى عند ذهابهم لها، والثانية عند منصرفهم منها.

وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعض الصحابة: «وبعد أن صلينا وركبنا جعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ فقال النبي ﷺ: ما هذا الذي تهمسون دوني؟ فقلنا: يا رسول الله بتفريطنا في صلاتنا، قال: أما لكم في أسوة حسنة؟ ثم قال: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلّ الصبح حتى يجيء وقت الأخرى».

وفي فتح الباري: اختلف في تعيين هذا السفر. ففي مسلم أنه كان في رجوعهم من خيبر قريب من هذه القصة. وفي أبي داود: «أقبل النبي ﷺ من الحديبية ليلا، فنزل فقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال أنا» الحديث. وفي مصنف عبد الرزاق أن ذلك كان بطريق تبوك.

وقد اختلف العلماء هل كان ذلك: أي نومهم عن صلاة الصبح مرة أو أكثر؟ فجزم الأصيلي رحمه الله بأن القصة واحدة.

وتعقبه القاضي عياض رحمه الله بأن قصة أبي قتادة مغايرة لقصة عمران بن حصين. ومما يدل على تعدد القصة اختلاف مواطنها.

وفي الطبراني قصة شبيهة بقصة عمران وأن الذي كلأ لهم الفجر ذو مخبر، قال ذو مخبر: فما أيقظني إلا حر الشمس، فجئت أدنى القوم فأيقظته وأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ النبي ﷺ فليتأمل، وتقدم عن الإمتاع قال عطاء بن يسار: إن ذلك كان بتبوك، وهذا لا يصح، وإلا فالآثار الصحاح على خلاف قوله مسندة ثابتة، والله أعلم.

واستشكل ذلك بقوله: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» وقوله لعائشة وقد قالت له «أتنام قبل أن توتر؟ قال: تنام عيني ولا ينام قلبي».

وأجيب عنه بأجوبة أحسنها أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ولا يدرك ما يتعلق بالعين كرؤية الشمس وطلوع الفجر.

ومن الأجوبة أنه كان له نومان: نوم تنام فيه عينه وقلبه، ونوم تنام فيه عينه فقط. وينبغي أن يكون هذا الثاني أغلب أحواله وإن كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثله في ذلك، ويكون قوله: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا» أي غالبا. ويكون هذا حاله دائما وأبدا إذا كان متوضئا، لقولهم: إنه لا يُنقض وضوؤه بالنوم، وفي جعله العين محلا للنوم نظر، لأن العين إنما هي محل السِنة، ومحل النعاس الرأس، ومحل النوم القلب.

قال الحافظ السيوطي: وكون القلب محلا للنوم دون العين لا يشكل عليه قوله: «تنام عيناي ولا ينام قلبي»، لأنه من باب المشاكلة، وفيه بحث هذا كلامه.

واستشكل قوله: «ارتحلوا فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان» وفي لفظ: «ارتحلوا، فإن هذا واد به شيطان» بأنه يقتضي تسلط الشيطان على النبي، لأن الظاهر أن وجود الشيطان هو السبب في النوم عن الصلاة.

وأجيب بأنه على تسليم ذلك، فإن تسليطه إنما كان على من كان يحفظ الفجر بلال أو غيره. ففي بعض الروايات كما تقدم: «إن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام».

ثم لحق بالجيش، وقبل لحوقه بهم قال لأصحابه ما ترون الناس: يعني الجيش فعلوا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: لو أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا، وذلك أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء فأبوا ذلك عليهما فنزلا على الماء فأبوا ذلك عليهما، فنزلا على غير ماء بفلاة من الأرض لا مار بها عند زوال الشمس وقد كادت أعناق الخيل والركاب تقطع عطشا فدعا رسول الله ﷺ وقال: أين صاحب الميضأة؟ قيل هو ذا يا رسول الله. قال: جئني بميضأتك فجاءه بها وفيها شيء من ماء، وفي رواية: دعا رسول الله ﷺ بالركوة فأفرغ ما في الإدواة فيها ووضع أصابعه الشريفة عليها فنبع الماء من بين أصابعه، وأقبل الناس فاستقوا، وفاض الماء حتى رووا ورووا خيلهم وركابهم، وكان في العسكر من الخيل اثنا عشر ألف فرس أي على ما تقدم، ومن الإبل خمسة عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، وقيل سبعون ألفا. وواضح أن هذه العطشة غير المتقدمة التي دعا فيها رسول الله ﷺ فنزل المطر.

وفي كلام بعضهم أنه لما حصل للقوم العطش أرسل نفرا، ويقال عليا والزبير يستعرضون الطريق، وأعلمهم أن عجوزا تمر بهم في محل كذا على ناقة معها سقاء ماء، فقال لهم: اشتروا منها بما عزّ وهان، وائتوا بها مع الماء، فلما بلغوا المكان إذا بالمرأة ومعها السقاء. وفي رواية: إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فسألوها في الماء، فقالت: أنا وأهلي أحوج إليه منكم، فسألوها أن تأتي رسول الله ﷺ مع الماء، فأبت وقالت: من هو رسول الله؟ لعله الساحر. وفي رواية الذي يقال له الصابىء وخير الأشياء أني لا آتيه، فشدوها وثاقا وأتوا بها إلى رسول الله، فقال لهم: خلوا عنها. وفي رواية: قلنا لها أين الماء؟ قالت: أهاه أهاه لا حالكم، بينكم وبين الماء مسيرة يوم وليلة، ثم قال لها رسول الله ﷺ: أتأذنين لنا في الماء، ولتصيبنّ ماءك كما جئت به؟ فقالت: شأنكم، فقال لأبي قتادة: هات الميضأة، فقرّبت إليه، فحل السقاء وتفل فيه وصب في الميضأة ماء قليلا، ثم وضع يده الشريفة فيه ثم قال: ادنوا فخذوا، فجعل الماء يفور ويزيد والناس يأخذون حتى ما تركوا معهم إناء إلا ملؤوه، ورووا إبلهم وخيلهم، وبقي في الميضأة ثلثاها. والميضأة هي الإداوة لأنه يتوضأ منها. وفي الدلائل للبيهقي: فجُعل في إناء من مزادتيها، ثم قال فيه ما شاء الله أن يقول. زاد في رواية: ثم مضمض، ثم رد الماء في المزادتين وأوكأ أفواههما وأطلق العزالي، ثم أمر الناس أن يملؤوا آنيتهم وأسقيتهم، ثم قال لها: تعلمي والله ما رزأنا من مائك شيئا، ولكن الله عز وجل هو الذي سقانا، والعزالي: جمع عزلاء، والعزلاء: هي التي تجعل في فم القربة لينزل فيها الماء من الراوية وهي المرادة بالمزادة، وهذا السياق يدل على أن هذه عطشة ثالثة، لأن الثانية وضع يده في الركوة التي صب فيها من الميضأة، وهذه وضع يده في الميضأة بعد أن لم يجدوا في الميضأة شيئا.

وفي رواية أن تلك المرأة أخبرته أنها مؤتمة: أي لها صبيان أيتام، فقال: هاتوا ما عندكم فجمعنا لها من كسر وتمر وصرتها صرة، ثم قال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالَك.

وفي رواية أيتامك، وصارت تعجب مما رأت. ولما قدمت على أهلها قالوا لها: لقد احتبست علينا، قالت: حبسني أني رأيت عجبا من العجب، أرأيتم مزادتيّ هاتين؟ فوالله لقد شرب منهما قريب من سبعين بعيرا، وأخذوا من القرب والمزاد والمطاهر ما لا أحصي، ثم هما الآن أوفر منهما يومئذ، فلبثت شهرا عند أهلها ثم أقبلت في ثلاثين راكبا على رسول الله، فأسلمت وأسلموا.

وفي مسلم: «لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة بحيث صارت تمص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادّهنا، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله إن فعلت فني الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعلها في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: نعم، فدعا بنطع فبسطه ثم دعاهم بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف من تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال لهم: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنة» وفي رواية: «إلا وقاه الله النار» وتقدم نظير ذلك في الرجوع من غزوة الحديبية، أي ولا مانع من التعدد أو هو من خلط بعض الرواة، ولعل هذا كان بعد أن ذبح لهم طلحة بن عبيد الله جزورا فأطعمهم وأسقاهم فقال له رسول الله «أنت طلحة الفياض» وسماه يوم أحد «طلحة الخير» ويوم حنين« طلحة الجود» لكثرة إنفاقه على العسكر رضي الله عنهم.

وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم، قال: «كنت في غزوة تبوك على نحي السمن، فنظرت إلى النحي وقد قلّ ما فيه، وهيأت للنبي طعاما ووضعت النحي في الشمس ونمت، فانتبهت بخرير النحي، فقمت فأخذت رأسه بيدي، فقال رسول الله ﷺ وقد رأى: لو تركته لسال الوادي سمنا».

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: «كنت مع رسول الله ﷺ بتبوك، فقال ليلة لبلال: هل من عشاء؟ فقال: والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جربنا» فقال: انظر عسى أن تجد شيئا، فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا، فتقع التمرة والتمرتان حتى رأيت في يده سبع تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها ثم وضع يده الشريفة على التمرات، وقال: كلوا بسم الله، فأكلنا ثلاثة أنفس، وأحصيت أربعا وخمسين تمرة أعدّها عدّا ونواها في يدي الأخرى وصاحباي يصنعان كذلك، فشبعا ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي، فقال: يا بلال ارفعها فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعا، فلما كان من الغد دعا بلالا بالتمرات، فوضع يده الشريفة عليهنّ، ثم قال: كلوا بسم الله، فأكلنا حتى شبعنا وأنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا وإذا بالتمرات كما هي، فقال رسول الله ﷺ: لولا أن أستحيي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نردّ إلى المدينة من آخرنا، فأعطاهنّ غلاما فولى وهو يلوكهن».

وأتاه وهو بتبوك يُحنة بضم المثناة تحت وفتح الحاء المهملة ثم نون مشددة مفتوحة ثم تاء التأنيث ابن رؤبة بالموحدة صاحب أيلة وصحبته أهل جرباء تأنيث أجرب يمد ويقصر: قرية بالشام، وأهل أذرح بالذال المعجمة والراء المهملة المضمومة والحاء المهملة، مدينة تلقاء السراة، وأهل ميناء، وأهدى يحنة لرسول الله ﷺ بغلة بيضاء، فكساه رسول الله ﷺ بردا، فصالح رسول الله ﷺ على إعطاء الجزية، أي بعد أن عرض عليه الإسلام فلم يسلم.

وكتب له ولأهل أيلة كتابا صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بي رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يجوز ماله دون نفسه، وإنه لطيبة لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر».

وكتب لأهل أذرح وجرباء ما صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي، لأهل أذرح وجرباء أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد وأن عليهم مائة دينار في كل رجب، وافية طيبة، والله كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين وصالح أهل ميناء على ربع ثمارهم».

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «رأيت ونحن بتبوك شعلة من نار في ناحية العسكر» أي ضوء شمعة كما صرح به الجلال السيوطي رحمه الله حيث أجاب من سأله هل الشمع كان موجودا قبل البعثة وهل وقد عنده بأنه كان موجودا قبل البعثة؟ فقد ذكر العسكري رحمه الله في الأوائل أن أول من أوقده جزيمة الأبرش، أي وقد تقدم وهو قبل البعثة بدهر، وورد في حديث «أنه أوقد للنبي عند دفنه عبد الله ذا البجادين» قال: وقد ألفت في المسألة تأليفا سميته (مسامرة السموع في ضوء الشموع) قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له ورسول الله ﷺ في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه، وهو يقول: أدليا إليّ أخاكما، فأدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللهم قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة: أي والبجاد بموحدة ككتاب: الكساء المخطط الغليظ، أنه لم يكن لعبد الله المذكور إلا بجاد واحد، فشقه نصفين فاتزر بواحد وارتدى بالآخر وقدم المدينة وأسلم، وقرأ قرآنا كثيرا، وكان اسمه عبد العزى فسماه رسول الله عبد الله.

«ولما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك خرج معه وقال: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة، فقال: ائتني بلحاء شجرة» أي بقشرها «فأتاه بذلك فربطه على عضده وقال: اللهم حرم دمه على الكفار، قال: يا رسول الله ليس هذا ما أردت، قال إنك إذا أخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، فأخذته الحمى بعد الإقامة بتبوك أياما ومات بها» أي وهذا هو المشهور.

وروي عن الأدرع الأسلمي وكان في حرس رسول الله ﷺ قال، جئت ليلة أحرس رسول الله، فإذا رجل ميت، فقيل: هذا عبد الله ذو البجادين، توفي بالمدينة، وفرغوا من جهازه وحملوه، فقال النبي ﷺ: ارفقوا به رفق الله بكم، فإنه كان يحب الله ورسوله، قال ابن الأثير: وهذا حديث غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه وتقدم.

وعن الحافظ السيوطي رحمه الله: لما ذكر أنه أوقد للنبي الشمع عند دفنه عبد الله ذا البجادين قال: وقد دل ذلك على إباحة استعماله أي الشمع ولا يعد استعماله إسرافا مع قيام غيره من الأدهان مقامه.

وأقام بتبوك بضع عشرة ليلة، وفي سيرة الحافظ الدمياطي عشرين ليلة يصلي ركعتين ولم يجاوز تبوك، ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن ذلك على تقدير صحته.

قال: وقد استشار النبي ﷺ أصحابه في مجاوزتها، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: إن كنت أمرت بالسير فسر، فقال رسول الله ﷺ: لو أمرت بالسير لم أستشركم فيه، فقال يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعنا هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمرا، وهذا تصريح بأن تبوك لم يقع بها مقاتلة ولا حصل فيها غنيمية، وبه يرد ما ذكره الزمخشري في فضائل العشرة أنه جلس في المسجد يقسم غنائم تبوك، فدفع لكل واحد سهما، ودفع لعلي كرّم الله وجهه سهمين، فقام زائدة بن الأكوع وقال: يا رسول الله أوحي نزل من السماء أم أمر من نفسك؟ فقال: أنشدكم الله هل رأيتم في ميمنتكم صاحب الفرس الأغر المحجل والعمامة الخضراء بها ذؤابتان مرخاتين على كتفيه بيده حربة قد حمل بها على الميمنة فأزالها؟ قالوا نعم، قال: هو جبريل عليه الصلاة والسلام وإنه أمرني أن أدفع سهمه لعليّ، فقال زائدة: حبذا سهم مسهم، وخطب خطبة فيها: «أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، والسعيد من وعظ بغيره، ومن يغفر يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، أستغفر الله لي ولكم».

وأهدى له بعض أهل الكتاب جبنة فدعا بالسكين فسمى الله وقطع وأكل، ثم انصرف قافلا إلى المدينة وكان في الطريق ماءً يخرج من وشل قليل جدا، فقال رسول الله ﷺ: من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه، فسبق إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله ﷺ وقف عليه، فلم يجد فيه شيئا، فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له فلان وفلان وفلان، فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه، ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فصار يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه ومسح بيده ودعا رسول الله ﷺ بما شاء أن يدعو به فانخرق من الماء وكان له حس كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله ﷺ: لئن بقيتم أو بقي منكم أحد لتسمعن بهذا الوادي وقد أخصب ما بين يديه وما خلفه. أي وهذا خلاف عين تبوك الذي تقدم له فيها ما يشبه هذا، وقوله لمعاذ: «يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ههنا ملىء جنانا» إلى آخره، لأن تلك العين كانت بتبوك، وهذا عند منصرفه من تبوك.

قال: واجتمع رأي من كان معه من المنافقين وهم اثنا عشر رجلا وقيل أربعة عشر، وقيل خمسة عشر رجلا على أن ينكثوا برسول الله ﷺ في العقبة التي بين تبوك والمدينة، فقالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي فأخبر الله تعالى رسوله بذلك، فلما وصل الجيش العقبة نادى منادي رسول الله ﷺ: إن رسول الله ﷺ يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد واسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي، وسلك رسول الله ﷺ العقبة، فلما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، وسلكوا العقبة، وأمر عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيقة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما أن يسوق من خلفه.

وفي الدلائل عن حذيفة قال: «كنت ليلة العقبة آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار بن ياسر يسوقه أو أنا أسوقه وعمار يقوده» أي يتناوبان ذلك «فبينا رسول الله ﷺ يسير في العقبة إذ سمع حس القوم قد غشوه، فنفرت ناقة رسول الله ﷺ حتى سقط بعض متاعه، فغضب رسول الله، وأمر حذيفة أن يردهم، فرجع حذيفة إليهم وقد رأى غضب رسول الله ﷺ ومعه محجن، فجعل يضرب به وجوه رواحلهم وقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فإذا هو بقوم ملثمين» وفي رواية: «أنه صرخ بهم فولوا مدبرين، فعلموا أن رسول الله ﷺ اطلع على مكرهم به، فانحطوا من العقبة مسرعين إلى بطن الوادي واختلطوا بالناس، فرجع حذيفة يضرب الناقة، فقال له رسول الله ﷺ: هل عرفت أحدا من الركب الذين رددتهم؟ قال: لا، كان القوم ملثمين والليلة مظلمة».

وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: «لما سقط متاع النبي ﷺ وأردت جمعه نوّر لي في أصابعي الخمس فأضاءت حتى جمعت ما سقط حتى ما بقي من المتاع شيء» وفي لفظ: «أن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: عرفت راحلة فلان وراحلة فلان، قال: هل علمت ما كان من شأنهم، وما أرادوه؟ قال لا: قال: إنهم مكروا ليسيروا معي في العقبة فيزحموني فيطرحوني منها، إن الله أخبرني بهم وبمكرهم وسأخبركما بهم واكتماهم، فلما أصبح رسول الله ﷺ جاء إليه أسيد بن حضير؟ فقال يا رسول الله ما منعك البارحة من سلوك الوادي، فقد كان أسهل من سلوك العقبة؟ فقال: أتدري ما أراد المنافقون وذكر له القصة، فقال: يا رسول الله قد نزل الناس واجتمعوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم بهذا، فإن أحببت بين بأسمائهم، والذي بعثك بالحق لا أبرح حتى آتيك برؤوسهم، فقال: إني أكره أن يقول الناس إن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم، فقال: يا رسول الله هؤلاء ليسوا بأصحاب، فقال رسول الله ﷺ: أليس يظهرون الشهادة، ثم جمعهم رسول الله ﷺ وأخبرهم بما قالوه وما أجمعوا عليه، فحلفوا بالله ما قالوا ولا أرادوا الذي ذكر، فأنزل الله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية، وأنزل الله تعالى: {وهموا بما لم ينالوا} ودعا عليهم رسول الله ﷺ فقال: اللهم ارمهم بالدبيلة» وهي سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم انتهى. أي وفي لفظ: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلكه».

وفي الامتاع أن النبي ﷺ وهو بتبوك صلى إلى نخلة فجاء شخص فمر بينه وبين تلك النخلة بنفسه، وفي رواية وهو على حمار، فدعا عليه فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره فصار مقعدا، وكان يقال لخذيفة رضي الله تعالى عنه صاحب سر رسول الله، قال حذيفة: نزل رسول الله ﷺ عن راحلته، فأُوحي إليه وراحلته باركة فقامت تجر زمامها، فلقيتها فأخذت بزمامها وجئت إلى قرب رسول الله ﷺ فأنختها، ثم جلست عندها حتى قام النبي ﷺ فأتيته بها، فقال: من هذا؟ قلت، حذيفة فقال النبي ﷺ: إني مسر إليك سرا فلا تذكرنه، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان، وعد جماعة من المنافقين، فلما توفي رسول الله ﷺ كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في خلافته إذا مات الرجل ممن يظن به أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة رضي الله عنه فقاده إلى الصلاة عليه، فإن مشى معه حذيفة صلى عليه عمر رضي الله تعالى عنه وإن انتزع يده من يده ترك الصلاة عليه.

وقال للمسلمين عند انصرافه: إن بالمدينة لأقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال نعم حبسهم العذر، ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى نزل بذي أوان محل بينه وبين المدينة ساعة من نهار، أي وقال البكري: أظن أن الراء سقطت من بين الهمزة والواو: أي أروان، منسوب إلى البئر المشهورة.

وحين نزل أتاه خبر مسجد الضرار، فأنزل الله تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا} الآية: أي لإضرار أهل قباء، أي فإن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نصلي في مربط حمار، لا، لعمر الله أي لأنه كان لامرأة كانت تربط فيه حمارها، ولكننا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، فيثبت لنا الفضل والزيادة على إخواننا وكان المسلمون في تلك الناحية كلهم يصلي في مسجد قباء جماعة، فلما بني هذا المسجد فصرف عن مسجد قباء جماعة وصلوا بذلك المسجد، فكان به تفريق للمؤمنين، فكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي ﷺ ويستهزئون به، أي ويقال إن أبا عامر الراهب الذي سماه النبي ﷺ فاسقا هو الآمر لهم ببنائه، فقال لهم: ابنوا لي مسجدا واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه من المدينة، وإنهم لما فرغوا من بنائهم أرسلوا إلى النبي ﷺ أن يأتيهم ويصلي فيه كما صلى في مسجد قباء، فهمّ أن يأتيهم، فأنزل الله تعالى الآية.

وفي رواية أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، قال: إني علي جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لأتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما قفل من السفر وسألوه إتيان المسجد جاءه الخبر من السماء فأمر جماعة منهم وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنهم وقال لهم: انطلقوا إلى المسجد الظالم أهله فاحرقوه واهدموه على أصحابه، ففعل به ذلك، قال: وكان ذلك بين المغرب والعشاء، ووصل الهدم إلى الأرض، وأعطاه لثابت بن أرقم رضي الله تعالى عنه يجعله بيتا، فلم يولد في ذلك البيت مولود قط، وحفر فيه بقعة فخرج منها الدخان، ولعل هذا أي جعله بيتا كان بعد أن أمر أن يتخذه محلا لإلقاء الكناسة والجيفة.

وفي الكشاف أن مجمع بن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار، فكلم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في خلافته أن يأذن لجمع بن حارثة أن يؤمهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعمة، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ فوالله لقد صليت بهم والله يعلم إني لا أعلم ما أضمروا فيه ولو علمت ما صليت معهم فيه، وكنت غلاما قارئا للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون من القرآن شيئا فعذره وصدقه، وأمره بالصلاة بهم.

ولما أشرف رسول الله ﷺ على المدينة قال: هذه طابة أسكننيها ربي، تنفي خبث أهلها كما ينفي الكبر خبث الحديد.

ولما رأى جبل أحد قال: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه» وتقدم ما في ذلك في غزوة أحد، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: «ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة تلقاه النساء والصبيان يقلن:

طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع»

قال البيهقي رحمه الله: وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه عند مقدمه المدينة من تبوك، هذا كلامه، ولا مانع من تعدد ذلك.

ولما دنا من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: لا تكلموا رجلا منهم، ولا تجالسوهم حتى آذن لكم، فأعرض عنهم رسول الله ﷺ والمسلمون، حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه انتهى.

أي وعن فضالة بن عبيد: أن رسول الله ﷺ لما غزا غزوة تبوك جهد الظهر جهدا شديدا حتى صاروا يسوقونه، فشكوا إليه ذلك ورآهم يسوقونه، فوقف في مضيق والناس يمرون فيه فنفخ في الظهر، وقال: اللهم احمل عليها في سبيلك فإنك تحمل على القوي والضعيف والرطب واليابس في البر والبحر، فزال ما بها من الإعياء، وما دخلنا إلا وهي تنازعنا أزمتها.

وجاء: «أن حية عارضتهم في الطريق عظيمة الخلقة، فانحاز الناس عنها، فأقبلت حتى وقفت على رسول الله ﷺ وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها، ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة، فقال رسول الله ﷺ: تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآن أي بنخلة عند منصرفه من الطائف، وتقدم الكلام عليه فرأى عليه من الحق حين ألمّ رسول الله ﷺ ببلده أن يسلم عليه، وها هو يقرئكم السلام فقال الناس: وعليه السلام ورحمة الله».

وقد كان تخلف عنه، رهط من المنافقين وكانوا بضعة وثمانين رجلا، وتخلف عنه أيضا كعب بن مالك وكان من الخزرج ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكانا من الأوس، فأما المنافقون فجعلوا يحلفون ويعتذرون فقبل رسول الله ﷺ منهم علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله، واستغفر لهم، وأما الثلاثة، فعن كعب بن مالك الخزرجي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «لما جئته وسلمت عليه تبسم تبسم المغضب وقال لي تعال، فجئت حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك؟ فصدقته، وقلت: والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك» وفي رواية: «قلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط عليّ فيه، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر. فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، وقال الرجلان الآخران وهما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية وكانا ممن شهد بدرا وهما من الأوس مثل قول كعب، فقال لهما مثل ما قال لكعب، ونهى المسلمين عن كلامهم، فاجتنبهم الناس، فأما الرجلان فمكثا في بيوتهما يبكيان، وأما كعب فكان يشهد الصلاة مع المسلمين ويطوف بالأسواق فلا يكلمه أحد منهم، قال: ولما طال ذلك عليّ من جفوة الناس تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه، والله ما رد عليّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله، فسكت فعدت إليه فنشدته، فسكت فعدت إليه فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، قال: وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك، فطفق: أي جعل الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان أي وهو الحارث بن أبي شمر أو جبلة بن الأيهم، وكان الكتاب ملفوفا في قطعة من الحرير، فإذا فيه: أما بعد فانه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسِك، فقلت لما قرأته: وهذا أيضا من البلاء، فيممت أي قصدت به التنور فسجرته بها: أي ألقيته فيها: أي والأنباط قوم يسكنون البطائح بين العراقين: قال حتى إذا مضت أربعون ليلة جاءني رسول رسول الله ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ: أي وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع بمثل ذلك، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا ولكن لا يقربك، قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لي بعض أهلي. قال في النور: الظاهر أن القائل له امرأة لأن النساء لم يدخلن في النهي لأن في الحديث «ونهى المسلمين» وهذا الخطاب لا يدخل فيه النساء فدل على أن المراد الرجال، قالت: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدريني ما يقول لي رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، ثم مضى بعد ذلك عشر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما كان صلاة الفجر صبح تلك الليلة سمعت صوتا فوق جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، فخررت ساجدا. وعرفت أن رسول الله ﷺ قد آذن، أي أعلم بتوبة الله علينا، فلما جاءني الرجل الذي سمعت صوته يبشرني أي وهو حمزة بن عمرو الأوسي نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، والله لا أملك غيرهما يومئذ: واستعرت أي من أبي قتادة رضي الله عنه ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا: أي جماعة جماعة يهنئوني بالتوبة، يقولون: ليهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة: أي لأنه كان آخى بينهما حين قدم المدينة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور، وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، فلما جلست بين يديه قال: أبشر بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله عز وجل؟ قال: لا بل من عند الله، فقلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله قال رسول الله ﷺ: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، أي وكان المبشر لهلال بن أمية أسعد بن أسد، وكان المبشر لمرارة بن الربيع سلطان بن سلامة أو سلامة بن وقش.

أي وفي البخاري عن كعب رضي الله عنه: «فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة رضي الله عنها محسنة في شأني معينة في أمري، فقال رسول الله ﷺ: يا أم سلمة تيب على كعب، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره، قال: إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليل، حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر أعلم بتوبة الله علينا وأنزل الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} إلى قوله: {وكونوا مع الصادقين} وقال في حق من اعتذر له: {سيحلفون بالله لكم} إلى قوله: {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين}.

واستشكل نزول الوحي بالقرآن في بيت أم سلمة بقوله في حق عائشة رضي الله عنها: «ما نزل عليّ الوحي في فراش امرأة غيرها» وأجاب بعضهم بأنه يجوز أن يكون ما تقدم في حق عائشة كان قبل هذه القصة، أو أن الذي خصت به عائشة رضي الله تعالى عنها نزول الوحي في خصوص الفراش لا في البيت.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية، قال: كانوا عشرة أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما رجع أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد منهم أبو لبابة، فلما مر بهم رسول الله ﷺ قال: من هؤلاء؟ قالوا: أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم، قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية، فعند ذلك أطلقهم رسول الله ﷺ وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ أموالكم، فأنزل الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} إلى قوله: {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري، وتقدم أن أبا لبابة رضي الله عنه ربط نفسه ببعض سواري المسجد في قصة بني قريظة، وعلى هذا فقد تكرر منه ربط نفسه، وقد ذكره ابن إسحاق فليتأمل ذلك.

ولما قدم من تبوك وجد عويمرا العجلاني رضي الله عنه امرأته حبلى، أي وهي خولة بنت عمه قيس، فلاعن بينهما أي في المسجد بعد العصر وكان قد قذفها بشريك بن سمحاء ابن عمه وقال: وجدته على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، فدعا رسول الله ﷺ عويمرا وقال له: اتق الله في زوجتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، ودعا بالمرأة التي هي خولة وقال لها: اتقي الله ولا تخبريني إلا بما صنعت، فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجل غيور، وأنه يأتي وشريكا يطيل السهر ويتحدث، حملته الغيرة، على أن قال ما قال، فدعا شريكا وقال له: ما تقول؟ فقال مثل قول المرأة فأنزل الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} الآية، فأمر رسول الله ﷺ أن ينادى بالصلاة جامعة، فلما صلي العصر أي وقد نودي بذلك واجتمع الناس، قال لعويمر: قم، فقام وقال: أشهد بالله إن خولة لزانية، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد بالله إني رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين، ثم أمره بالقعود، وقال لخولة: قومي، فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا زانية، وإن عويمرا لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الثالثة: أشهد بالله إني لحبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة، وإنه لمن الكاذبين ثم قالت في الخامسة: إن غضب الله على خولة تعني نفسها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله ﷺ بينهما: أي قال له لا سبيل لك عليها وهو دليل لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه القائل إن الفرقة بين الزوجين تحصل بنفس التلاعن.

وما جاء في بعض الروايات أنه طلقها ثلاثا قبل أن يأمره: أي بعدم الاجتماع بها فهو محمول على أنه ظن أن التلاعن لا يحرّمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق، فقال: هي طالق ثلاثا، ومن ثم قال له عقب ذلك لا سبيل لك عليها، أي لا ملك لك عليها فلا يقع طلاقك، ثم قال: إن جاء الولد على صفة كذا فعويمر صادق، وإن جاء على صفة كذا فعويمر كاذب، فجاء على الصفة التي تصدق عويمرا، فكان الولد ينسب إلى أمه.

وفي البخاري: «أن عويمرا أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا: أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله، فأتى عاصم النبي ﷺ فسأله، فكره النبي ﷺ تلك المسألة وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله، فسأله عويمر، فقال له عاصم: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسألة وعابها، أي لأنه كان يكره المسألة التي لا يحتاج إليها: أي التي لم تكن وقعت لا سيما إن كان فيها هتك ستر مسلم أو مسلمة. قال: فعويمر رضي الله عنه لم يكن وقع له مثل ذلك حينئذ ثم اتفق له وقوع ذلك بعد، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فجاءه عويمر وهو وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا إن تكلم جلدتموه، وإن قتله قتلتموه، أو سكت سكت على الغيظ، فقال رسول الله: «اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان، وعند ذلك قال لعويمر: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فائت بها» أي وذلك بعد أن ذكر له عويمر قصته.

وفي رواية «قد قضى فيك وفي امرأتك فتلاعنا» وفي «أن هلال بن أمية أحد المتخلفين عن تبوك قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سمحاء، أي وكانت حاملا، فقال النبي ﷺ: البينة» زاد في رواية: «أوحدّ في ظهرك: فقال، يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا يتكلف يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول وإلا فحدّ في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام: أي بعد أن قال: اللهم افتح، أي بين لنا الحكم، فأنزل الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} فأرسل إلى المرأة فجاءت وتلاعنا، وعند الخامسة تلكأت ونكصت حتى ظن أنها ترجع، أي لأنه قال لها: إنها أي اللعنة موجبة: أي للعذاب في الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من غضب الآخرة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر الأيام وقالتها: أي الخامسة، أي وقال: إن جاءت به كذا فهو لهلال، وإن جاءت به كذا فهو لشريك، فجاءت به على الوصف الذي ذكر أنه يكون لشريك، فقال: لولا ما سبق من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن.

وجمهور العلماء على أن سبب نزول آية اللعان قصة هلال بن أمية، وإنه أول لعان وقع في الإسلام.

وذهب جمع إلى أن سبب نزولها قصة عويمر العجلاني، لقوله: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا» وأجيب بأن معناه لما نزل في قصة هلال، لأن ذلك عام في جميع الناس.

قال الإمام النووي رحمه الله: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين: أي وقال في كل: اللهم افتح، فنزلت هذه الآية فيهما، وسبق هلال باللعان، فكان أول من لاعن.

وفي مسلم: «أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ قال رسول الله ﷺ: لا، قال، سعد: بلى والذي أكرمك بالحق». وفي رواية: «كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف» وفي لفظ: «لضربته بالسيف من غير صفح» أي بل أضربه بحده «فقال رسول الله: «اسمعوا الى ما يقول سيدكم» وليس ذلك من سعد رضي الله تعالى عنه ردا عليه، وإنما هو إخبار عن حاله، ومن ثم قال: «إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني» فأخبر عن سعد بأنه غيور، وأنه أغير منه، وأن الله أغير منه، ومن ثم جاء في الحديث «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك أرسل مبشرين ومنذرين. ولا أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة ليكثر سؤال العباد إياها والثناء منهم عليه».

وفي تفسير الفخر الرازي رحمه الله «لا شخص أغير من الله» وبه استدل على جواز إطلاق الشخص على الله تعالى.

وفي الحلية لأبي نعيم رحمه الله عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله: «يا أبا بكر أرأيت لو وجدت مع أم رومان رجلا ما كنت صانعا؟ قال: كنت فاعلا به شرا ثم قال: يا عمر أرأيت لو وجدت رجلا، أي مع زوجتك ما كنت صانعا؟ قال: كنت والله قاتله، فقرأ: {والذين يرمون أزواجهم} الآية».

وفي الأم لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه: «أن رجلا من أهل الشام وجد مع امرأته رجلا فقتله، فرفع الأمر إلى معاوية رضي الله تعالى عنه فأشكل على معاوية القضاء فيها فكتب. معاوية إلى أبي الأشعري رضي الله تعالى عنه أن يسأل عن ذلك علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فاستخبر علي أبا موسى عن القصة، فأخبره أبو موسى أن معاوية كتب إليه في ذلك، فقال علي كرّم الله وجهه: أنا أبو الحسن إن لم يأت بأربعة شهداء قتلناه، فليتأمل.

وفي الخصائص الكبرى أن في غزوة تبوك اجتمع بإلياس. فعن أنس رضي الله تعالى عنه: سمعنا صوتا يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفور لها المستجاب لها. فقال النبي ﷺ: يا أنس انظر ما هذا الصوت؟ قال أنس رضي الله تعالى عنه: فدخلت الجبل، فإذا رجل عليه ثياب بيض أبيض الرأس واللحية، طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما رآني قال: أنت خادم رسول الله؟ قلت نعم، قال: ارجع إليه وأقرئه السلام، وقل له: أخوك إلياس يريد أن يلقاك، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فجاء يمشي وأنا معه، حتى إذا كنت منه قريبا تقدم النبي ﷺ وتأخرت أنا فتحدثا طويلا فنزل عليهما من السماء شيء شبه السفرة ودعاني فأكلت معهما قليلا فإذا فيها كمأة ورمان وحوت وتمر وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت ثم جاءت سحابة فاحتملته وأنا أنظر إلى بياض ثوبه فيها. قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه، وأطال في بيان ذلك. والعجب من الحاكم كيف يستدركه على الصحيحين، وهذا مما يستدرك به على الحاكم.

وفي النور: لم يجىء في حديث صحيح اجتماعه بإلياس. وفي الجامع الصغير إلياس أخو الخضر. وفي تفسير البغوي: أربعة من الأنبياء أحياء إلى يوم البعث اثنان في الأرض وهما الخضر وإلياس، أي وإلياس في البر والخضر في البحر، يجتمعان كل ليلة على ردم ذي القرنين يحرسانه. وأكلهما الكرفس والكمأة، واثنان في السماء إدريس وعيسى عليهما الصلاة والسلام.

وعن ابن إسحق الخضر من ولد فارس وإلياس من بني إسرائيل، أي وقد يقال: لا ينافي ذلك ما تقدم أنهما أخوان، لجواز أن يكونا أخوين لأم.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن إليه النفس أن الخضر عليه الصلاة والسلام اجتمع برسول الله ﷺ في يوم من الأيام، ولو كان حيا في زمان رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله اجتماعه به.

وفي الخصائص الكبرى عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «خرجت ليلة مع النبي ﷺ أحمل الطهور، فسمع قائلا يقول: اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني منه، فقال رسول الله ﷺ: يا أنس ضع الطهور وأت هذا فقل له: ادع لرسول الله ﷺ أن يعينه الله على ما بعثه به، وادع لأمته أن يأخذوا ما أتاهم به من الحق، فأتيته فقلت له: فقال مرحبا برسول الله، أنا كنت أحق أن آتيه، اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام، وقل له أخوك الخضر يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن الله فضلك على النبيين كما فضل شهر رمضان على الشهور، وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، فلما وليت سمعته يقول: اللهم اجعلني من هذه الأمة المرحومة المتاب عليها قال بعضهم: وهذا حديث واه منكر الإسناد سقيم المتن، ولم يراسل الخضر عليه الصلاة السلام نبينا ولم يلقه.

قال السيوطي في اللآلىء قلت: قد أخرج هذا الحديث الطبراني في الأوسط. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الإصابة: قد جاء من وجهين. وفي الخصائص الصغرى: ومن خصائصه أنه جمعت له الشريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أحدهما بدليل قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام، والمراد بالشريعة الحكم بالظاهر، وبالحقيقة الحكم بالباطن.

وقد نص العلماء على أن غالب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا ليحكموا بالظاهر دون ما اطلعوا عليه من بواطن الأمور وحقائقها، ومن ثم أنكر موسى عليه الصلاة والسلام على الخضر في قتله الغلام بقوله: {لقد جئت شيئا نكرا} فقال له الخضر عليه الصلاة والسلام {وما فعلته عن أمري} ومن ثم قال الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام: إني على علم من عند الله لا ينبغي لك أن تعلمه، أي تعمل به لأنك لست مأمورا بالعمل به، وأنت على علم من عند الله لا ينبغي لي أن أعلمه: أي لا ينبغي لي أن أعمل به، لأني لست مأمورا بالعمل به.

وفي تفسير أبي حيان: والجمهور على الخضر نبي وكان علمه معرفة بواطن أمور أوحيت إليه، أي ليعمل بها، وعلم موسى عليه الصلاة والسلام الحكم بالظاهر، أي دون الحكم بالباطن.

ونبينا حكم بالظاهر في أغلب أحواله، وحكم بالباطن: أي في بعضها، بدليل قتله للسارق وللمصلي لما اطلع على باطن أمرهما وعلم منهما ما يوجب القتل.

وقد ذكر بعض السلف رحمه الله أن الخضر إلى الآن ينفذ الحكم بالحقيقة، وأن الذين يموتون فجأة هو الذي يقتلهم، فإن صح ذلك فهو في هذه الأمة بطريق النيابة عن النبي ﷺ فإنه عليه الصلاة والسلام صار من أتباعه، كما أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما ينزل يحكم بشريعته نيابة عنه لأنه من أتباعه.

وفيه أن عيسى عليه الصلاة والسلام اجتمع به اجتماعا متعارفا ببيت المقدس فهو صحابي. وجاء في حديث مطعون فيه: أي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الخضر وإلياس عليهما الصلاة والسلام يجتمعان في كل عام: أي في الموسم، ويحلق كل منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هذه الكلمات «بسم الله، ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله». قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من قالها حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات عوفي من السرق والحرق والغرق ومن السلطان، ومن الشيطان، ومن الحية والعقرب.

وعن علي كرّم الله وجهه: سكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط، والله اعلم.


باب سراياه وبعوثه

لا يخفى أن ما كان فيه رسول الله ﷺ يقال له غزوة، وما خلا عنه يقال له سرية إن كان طائفة اثنين فأكثر، فإن كان واحدا قيل له بعث، وربما سموا بعض السرايا غزوة كما في مؤتة، حيث قالوا غزوة مؤتة، وكما في سرية الرجيع حيث عبر عنها السيوطي في الخصائص بغزوة الرجيع، وعن سرية ذات السلاسل بغزوة ذات السلاسل، وعن سرية سيف البحر بغزوة سيف البحر، وربما سموا الواحد سرية وهو في الأصل كثير، وربما سموا الاثنين فأكثر بعثا، ومنه قول الأصل كالبخاري بعث الرجيع، وظاهر كلامهم أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون إرسال ذلك لقتال، أو لغير قتال كتجسس الأخبار، أو لتعليمهم الشرائع كما في بئر معونة والرجيع، أو للتجارة كما في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما حيث ذهب مع جمع بالتجارة للشام فلقيه بنو فزارة فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم كما سيأتي.

والسرية في الأصل الطائفة من الجيش تخرج منه، ثم تعود إليه خرجت ليلا أو نهارا، وقيل السرية هي التي تخرج ليلا. والسارية هي التي تخرج نهارا، وهي من مائة إلى خمسمائة، وقيل إلى أربعمائة: أي وفي القاموس: السرية من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة، وعليه فما دون ذلك لا يقال له سرية، فما زاد على الثلاثمائة أو أربعمائة إلى ثمانمائة يقال له بنسر بالنون، فإن زاد على ذلك إلى أربعة آلاف قيل له جيش، أي وقيل الجيش من ألف إلى أربعة آلاف، فإن زاد على ذلك قيل له جحفل وجيش جرار أي إلى اثني عشر ألفا.

والبعث في الأصل: الطائفة تخرج من السرية، ثم تعود إليها، وهو من عشرة إلى أربعين يقال له حفيرة، ومن أربعين إلى ثلاثمائة يقال له معتقب، وما زاد على ذلك يسمى حمزة: قال بعضهم: والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله: «خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، وما هزم قوم بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صدقوا وصبروا» أي فلا يرد انهزام القدر المذكور يوم حنين. قال في الأصل: وكانت سراياه التي بعث بها سبعا وأربعين سرية، وهو في ذلك موافق لما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب. قال الشمس الشامي: والذي وقفت عليه من السرايا والبعوث لغير الزكاة يزيد على السبعين ا هـ.

أي وكان إذا أمر أميرا على سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، والوليد الصبي، أي ما لم يقاتل كالنساء وإلا قتلوا.

وفي رواية: «لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة»، وهذا عند العمد، فلا ينافي أنه يجوز الإغارة على المشركين ليلا وإن لزم على ذلك قتل الصبيان والنساء والشيوخ.

فقد روى الشيخان: «سئل عن المشركين يبيتون، أي يغار عليهم ليلا فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم» وكان يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ولا سمع ولا طاعة في معصية الله» وكان يعتذر عن تخلفه عن تلك السرايا ويقول: «والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب نفوسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل».

ومن جملة وصيته لمن يوليه على سرية «وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم».

ومن جملة قوله للسرايا: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا» ولما بعث معاذ بن جبل وأبا موسى رضي الله تعالى عنهما إلى اليمن قال لهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا».


سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه

بعث رسول الله ﷺ عمه حمزة في ثلاثين رجلا من المهاجرين، قيل ومن الأنصار، وفيه نظر لأنه لم يبعث من الأنصار إلا بعد أن غزا بهم بدرا، أي وذلك في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وعقد له لواء أبيض. وهو أول لواء عقد في الإسلام، حمله أبو مرثد بفتح الميم وإسكان الراء ثم مثلثة مفتوحة: حليف حمزة رضي الله تعالى عنه، ليعترض عيرا لقريش جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل لعنه الله في ثلاثمائة رجل، وقيل في مائة وثلاثين، فصار رضي الله تعالى عنه إلى أن وصل سيف البحر، أي بكسر السين المهملة وإسكان المثناة تحت ثم فاء: ساحله من ناحية العيص، أرض من جهينة فصادف العير هناك، فلما تصافوا للقتال حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان حليفا للفريقين، فأطاعوه وانصرفوا، ولم يقع بينهم قتال. ولما عاد حمزة رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر، أي بأن مجديا حجز بينهم وأنهم رأوا منه نصفة، قال في مجدي: إنه ميمون النقيبة: أي مبارك النفس، مبارك الأمر. وقال سعيد أو رشيد الأمر: أي أموره ناجحة، ولم يقع له إسلام. أي وفي الإمتاع: وقدم رهط مجدي على النبي ﷺ فكساهم.


سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه

بعث رسول الله ﷺ على رأس ثمانية أشهر من الهجرة عبيدة بن الحارث رضي الله تعالى عنه في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، منهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وعقد له لواء أبيض، وحمله مسطح بن أثاثة رضي الله تعالى عنه ليعترض عيرا لقريش، وكان رئيسهم أبا سفيان. وقيل عكرمة بن أبي جهل. وقيل مكرز بن حفص في مائتي رجل، فوافوا العير ببطن رابغ: أي ويقال له ودان، فلم يكن بينهم إلا المناوشة برمي السهام، أي فلم يسلوا السيف، ولم يصطفوا للقتال. وكان أول من رمى المسلمين سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، فكان سهمه أول سهم رمى به في الإسلام، أي كما أن سيف الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه أول سيف سل في الإسلام. ففي كلام ابن الجوزي: أول من سل سيفا في سبيل الله الزبير بن العوام.

وقد ذكر أن سعدا رضي الله تعالى عنه تقدم أصحابه ونثر كنانته، وكان فيها عشرون سهما ما منها سهم إلا ويجرح إنسانا أو دابة، أي لو رمى به لصدق رمية وشدّة ساعده رضي الله تعالى عنه، ثم انصرف الفريقان، فإن المشركين ظنوا أن المسلمين مددا فخافوا وانهزموا، ولم يتبعهم المسلمون، وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو، أي الذي يقال له ابن الأسود، وعيينة بن غزوان، فإنهما كانا مسلمين ولكنهما خرجا مع المشركين ليتوصلا بهم إلى المسلمين، فعلم أن سرية عبيدة بن الحارث رضي الله تعالى عنه بعد سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وقيل بل هي قبلها، وكلام الأصل يشعر به، ويؤيده قول ابن إسحاق كانت راية عبيدة بن الحارث فيما بلغنا أول راية عقدت في الإسلام. قال بعضهم: ومنشأ هذا الاختلاف أن بعث حمزة وبعث عبيدة رضي الله تعالى عنهما كانا معا، أي في يوم واحد في محل واحد، أي وشيعهما رسول الله ﷺ جميعا كما في ذخائر العقبى فاشتبه الأمر، فمن قائل يقول: إن راية حمزة رضي الله تعالى عنه أول راية عقدت في الإسلام، وأن بعثه أول البعوث، ومن قائل يقول: إن راية عبيدة رضي الله تعالى عنه أول راية عقدت في الإسلام، وأن بعثه أول البعوث، لكن يشكل على ذلك أن خروج حمزة كان على رأس سبعة أشهر من الهجرة كما تقدم، وخروج عبيدة كان على رأس ثمانية أشهر كما تقدم، وبما ذكر أن بعثهما معا إلى آخره يردّ ما أجاب به بعضهم عن هذا الإشكال، بأنه يحتمل أنه عقد رايتهما معا، وتأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية أشهر لأمر اقتضى ذلك هذا كلامه، إلا أن يقال يجوز أن يكون المراد ببعثهما معا أمرهما بالخروج، وإن المراد بتشييعهما جميعا أن كلا منهما وقع له التشييع منه، وذلك لا يقتضي أن يكون ذلك في وقت واحد تأمل.

وفي هذا إطلاق الراية على اللواء، وهو الموافق لما صرح به جماعة من أهل اللغة أنهما مترادفان، وتقدم أنه لم يحدث له اسم الراية إلا في خيبر، أي وكانوا لا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية، وما هنا يرده.

وفي كلام بعضهم كانت رايته سوداء ولواؤه أبيض كما في حديث ابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما. زاد أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: مكتوب فيه «لا إله إلا الله، محمد رسول الله».


سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه إلى الخرار

بفتح الخاء المعجمة وراءين مهملتين: وفي النور بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء الأولى بعث رسول الله ﷺ على رأس تسعة أشهر من الهجرة سعد بن أبي وقاص في عشرين من المهاجرين، أي وقيل ثمانية وعقد له لواء أبيض، حمله المقداد بن عمرو قال: والخرار واد يتوصل منه إلى الجحفة، وقد عهد إليه أن لا يجاوزه ليعترض عيرا لقريش تمرّ بهم فخرجوا يمشون على أقدامهم يكمنون النهار ويسيرون الليل حتى صبحوا المكان المذكور في صبح خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس، فضربوا راجعين إلى المدينة ا هـ.

وقد ذكر ابن عبد البر وابن حزم هذه السرية بعد بدر الأولى. وفي السيرة الشامية: «الباب السادس في سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه إلى الخرار» وساق ما تقدم وقال بعده: «الباب السابع في سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه».

روى الإمام أحمد عنه قال: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءت جهينة فقالوا له: إنك نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا حتى نأتيك وقومنا، فأوثق لهم فأسلموا، وبعثنا ولا نكون مائة، وكان ذلك في رجب أي من السنة الثانية، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نغير على حي من كنانة، فأغرنا عليهم، فكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا، وقالوا لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ فقال بعضنا نأتي رسول الله ﷺ فنخبره، وقال بعض آخر لا نقيم ههنا، وقلت أنا في أناس معي: بل نأتي عير قريش فنقتطعها، فانطلقنا إلى العير وانطلق بعض أصحابنا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه الخبر، فقام رسول الله ﷺ غضبان محمرا وجهه، فقال: جئتم متفرقين وإنما أهلك من قبلكم الفرقة، لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش، فبعث عبد الله بن جحش أميرا فأمره علينا لنذهب إلى جهة بين مكة والطائف».


سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه إلى بطن نخلة

قال: لما صلى رسول الله ﷺ العشاء الأخيرة، قال لعبد الله بن جحش واف مع الصبح معك سلاحك أبعثك وجها، فوافاه الصبح ومعه قوسه وجعبته ودرقته، فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاة الصبح وجده واقفا عند بابه، فدعا رسول الله ﷺ أبي بن كعب، فدخل عليه، فأمره فكتب كتابا ثم دعا عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، فدفع إليه الكتاب، وقال له: قد استعملتك على هؤلاء النفر ا هـ. أي وكان قبل ذلك بعث عليهم عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فلما ذهب لينطلق بكى صبيانه إلى النبي، فبعث عليهم عبد الله وسماه رسول الله ﷺ أمير المؤمنين، أي فهو أول من تسمى في الإسلام بأمير المؤمنين ثم بعده عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ولا ينافي ذلك قول بعضهم: أول من تسمى في الإسلام بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لأن المراد أول من تسمى بذلك من الخلفاء أو أن هذا أمير جميع المؤمنين وذاك أمير من معه من المؤمنين خاصة.

فقد جاء أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يكتب أولا: من خليفة أبي بكر، فاتفق أن عمر رضي الله تعالى عنه أرسل إلى عامل العراق أن يبعث إليه برجلين جلدين يسألهما عن أهل العراق، فبعث إليه بعبد بن ربيعة وعدي بن حاتم الطائي، فقدما المدينة ودخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل عليه عمرو وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ فأخبره الخبر وقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون، فأول من سماه بذلك عبد بن ربيعة وعدي بن حاتم. وقيل أول من سماه بذلك المغيرة بن شعبة، وحينئذ صار يكتب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين، فقد كتب رضي الله تعالى عنه بذلك إلى نيل مصر، فإن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح مصر ودخل شهر بؤنة من شهور العجم دخل إليه أهل مصر وقالوا له: أيها الأمير إذا كان أحد عشر ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبوابها وجعلنا عليها من الثياب والحلي ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، أي ليجري، فقال لهم عمرو رضي الله تعالى عنه: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا مدة والنيل لا يجري لا قليلا ولا كثيرا حتى هم أهل مصر بالجلاء منها، فكتب عمرو بذلك إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فكتب إليه كتابا وكتب بطاقة في داخل الكتاب، وقال في الكتاب: قد بعثت إليك بطاقة في داخل الكتاب فألقها في نيل مصر، فلما قدم الكتاب أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر. أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله هو الذي يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم فأصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعا في ليلةً واحدة، فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.

وكان أولئك النفر ثمانية: أي وقيل اثني عشر من المهاجرين. يعتقب كل اثنين منهم بعيرا منهم سعد بن أبي وقاص وعيينة بن غزوان، وكانا يعتقبان بعيرا، ومنهم واقد بن عبد الله، ومنهم عكاشة بن محصن، وأمر عبد الله أن لا ينظر في ذلك الكتاب حتى يسير يومين، أي قبل مكة ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه أي على السير معه. أي وقد عقد له راية.

قال ابن الجوزي: أول راية عقدت في الإسلام راية عبد الله بن جحش، أي بناء على أن الراية غير اللواء، وحينئذ تعارض القول بترادفهما والقول بأن اسم الراية إنما وجد في خيبر.

قال ابن الجوزي رحمه الله: وهو أول أمير أمر في الإسلام. وفيه أنه مخالف لما سبق. إلا أن يريد أول من سمي أمير المؤمنين، فلما سار عبد الله يومين فتح الكتاب، فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فأت حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، ولا تكره أحدا من أصحابك على السير معك، أي ولفظ الكتاب: سر بسم الله وبركاته ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك، وامض لأمري حتى تأتي بطن نخلة فترصد عير قريش، وتعلم لنا أخبارهم، فلما قرأ الكتاب على أصحابه قالوا: نحن سامعون مطيعون لله ولرسوله ولك، فسر على بركة الله تعالى، أي وجعل البخاري دفعه الكتاب لعبد الله ليقرأه ويعمل بما فيه دليلا على صحة الرواية بالمناولة، وهي أن الشيخ يدفع لتلميذه كتابا، ويأذن له أن يحدّث عنه بما فيه.

وممن قال بصحة المناولة سيدنا مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه. روى إسماعيل بن صالح عنه أنه أخرج لهم كتبا مشدودة وقال لهم: هذه كتبي صححتها ورويتها فارووها عني، فقال له إسماعيل بن صالح: نقول: حدثنا مالك؟ قال نعم.

وفي لفظ أن عبد الله رضي الله عنه لما قرأ الكتاب قال سمعا وطاعة، أي بعد أن استرجع ثم أعلم أصحابه، وقال لهم من كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض إلى رسول الله، فمضوا لم يتخلف منهم أحد حتى إذا كانوا ببَحران بفتح الموحدة وبضمها وسكون الحاء المهملة: موضع أضل سعد بن وقاص وعيينة بن غزوان بعيرهما فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله ومن عداهما معه حتى نزل بنخلة فمرت عير لقريش: أي تحمل زبيبا وأدما: أي جلودا من الطائف وأمتعة للتجارة، في تلك العير عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن المغيرة، وأخوه نوفل والحكم بن كيسان، ونزلوا قريبا من عبد الله وأصحابه وتخوّفوا منهم، فأشرف عليهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه: أي وتراءى لهم ليظنوا أنهم عمارا فيطمئنوا، أي وذلك بإرشاد عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه، فإنه قال لهم: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم، فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم، فلما رأوا رأسه محلوقا قالوا عُمَّار، أي هؤلاء قوم معتمرون لا بأس عليكم منهم، وكان ذلك آخر يوم من شهر رجب، أي وقيل أول يوم منه.

ويدل للأول ما جاء أن عبد الله تشاور مع أصحابه فيهم، فقال بعضهم لبعض: إن تركتموهم في هذه الليلة دخلوا الحرم فقد تمنعوا منكم به، وإن قتلتموهم في هذا اليوم تقتلوهم في الشهر الحرام، أي وكان ذلك قبل أن يحل القتال في الشهر الحرام، فإن تحريم القتال في الأشهر الحرم كان معمولا به من عهد إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام، جعل الله ذلك مصلحة لأهل مكة، فإن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما دعا لذريته بمكة أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إليهم لمصلحتهم ومعاشهم، جعل الأشهر الحرم أربعة: ثلاثة سردا وواحدا فردا وهو رجب، أما الثلاثة فليأمن الحجاج فيها واردين لمكة وصادرين عنها، شهرا قبل شهر الحج، وشهرا آخر بعده قدر ما يصل الراكب من أقصى بلاد العرب ثم يرجع، وأما رجب فكان للعمار يأمنون فيه مقبلين ومدبرين وراجعين نصف الشهر للإقبال ونصفه الآخر للإياب، لأن العمرة لا تكون من أقاصي بلاد العرب كالحج، وأقصى منازل بلاد المعتمرين خمسة عشر يوما، ذكره السهيلي.

ولم يزل تحريم القتال في تلك الأشهر الحرم إلى صدر الإسلام، وذلك قبل نزول براءة، فإن براءة كان فيها نبذ العهد العام، وهو أن لا يصدّ أحد عن البيت جاءه، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم، وأن لا يحج مشرك، وإباحة القتال في الأشهر الحرم، أي مع بقاء حرمتها، فإنها لم تنسخ، قال تعالى: {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} فتعظيم حرمتها باقية لم تنسخ، وإنما نسخ حرمة القتال فيها، خلافا لما نقل عن عطاء من أن حرمة القتال فيها باقية لم تنسخ.

ويدل للثاني ما في الكشاف وكان ذلك اليوم أول يوم من رجب وهم يظنون أنه من جمادى الآخرة، فتردد القوم وهابوا الإقدام، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، ثم أجمع رأيهم على قتل من لم يقدروا على أسره، أي وأخذ ما معهم فقتلوا عمرو بن الحضرمي، رماه واقد بن عبد الله بسهم فهو أول قتيل قتله المسلمون، وأسروا عثمان والحكم فهما أول أسير أسره المسلمون، وأفلت بفتح الهمزة باقي القوم، أي وجاء الخبر لأهل مكة فلم يمكنهم الطلب لدخول شهر رجب، أي بناء على ما تقدم، واستاق عبد الله وأصحابه رضي الله عنهم العير حتى قدموا على رسول الله ﷺ وهو أول غنيمة غنمها المسلمون فقال لهم رسول الله ﷺ: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وأبى أن يستلم العير والأسيرين، فسُقِطَ بالبناء للمجهول في أيديهم: أي ندموا وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام؟ سفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، أي وصارت قريش تعير بذلك من مكة من المسلمين، يقولون لهم: يا معشر الصباة قد استحللتم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، وزادوا في التشنيع والتعيير وصارت اليهود تتفاءل بذلك على رسول الله ﷺ فيقولون القتيل عمرو الحضرمي والقاتل واقد، فيه عمرت بفتح العين المهملة وكسر الميم الحرب: أي حضرت الحرب ووقدت الحرب، فكان ذلك الفأل عليهم لعنهم الله وضاق الأمر على عبد الله وأصحابه رضي الله عنهم، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} أي عظيم الوزر{وصد عن سبيل الله} أي ومنع للناس عن دين الله {وكفر به} أي بالله {والمسجد الحرام} أي ومنع للناس عن مكة {وإخراج أهله منه}وهم النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين منه من {أكبر عند الله} أعظم وزرا {والفتنة} الشرك: أي الذي أنتم عليه، أو حملكم من أسلم على الكفر بالتعذيب له {أكبر من القتل} لكم فيه:

أي صدهم لكم عن المسجد الحرام، وكفرهم بالله وإخراجكم من مكة وأنتم أهلها، وفتنة من أسلم بحيث يرتد عن الإسلام ويرجع إلى الكفر أكبر من قتل من قتلتم منهم، ففرج عن عبد الله وأصحابه رضي الله عنهم، أي وهذا كما ترى يدل على أنهم قتلوا مع علمهم بأن ذلك اليوم من رجب، ويضعف ما تقدم عن الكشاف الموافق لما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أصحاب محمد كانوا يظنون أن ذلك اليوم آخر جمادى، وكان أول رجب ولم يشعروا، أي لأن جمادى يجوز أن يكون ناقصا. وفيه أنه لو كان الأمر كذلك لاعتذر عبد الله وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بذلك.

وجاء أن المسلمين اختلفوا في ذلك اليوم، فمن قائل منهم هذه غرة من عدوكم وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا؟ وقال قائل منهم: لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع اشتملتم عليه، ويذكر أنه عقل ابن الحضرمي أي أعطى ديته، ويضعفه ما تقدم في غزوة بدر من أن أخاه طلب ثأره وكان ذلك سببا لإثارة الحرب وأن عتبة بن ربيعة أراد أن يتحمل ديته ويتحمل جميع ما أخذ من العير وأن تكف قريش عن القتال، وحينئذ تسلم رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وطمع عبد الله وأصحابه في حصول الأجر، وسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} أي فقد أثبت لهم الجهاد في سبيل الله.

ثم إن رسول الله ﷺ قسم ذلك العير وخمسه. أي جعل خمسه لله وأربعة أخماسه للجيش.

وقيل تركه حتى رجع من بدر وخمسه مع غنائم بدر، وقيل إن عبد الله هو الذي خمسها، أي فإنه رضي الله عنه، قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ فيما غنمنا الخمس فأخرج خمس ذلك لرسول الله ﷺ: أي عزلها له، وقسم سائرها بين أصحابه رضي الله عنهم. وحينئذ يكون ما تقدم من قوله وأبى أن يتسلم العير، الظاهر في أن العير لم تقسم، المراد خمس تلك العير، وهو أول غنيمة خمست في الإسلام: أي قبل فرضه، ثم فرض على ما صنع عبد الله رضي الله عنه، ويوافق ذلك قول ابن عبد البر في الاستيعاب. وعبد الله بن جحش أوّل من سنّ الخمس من الغنيمة للنبي من قبل أن يفرض الله الخمس، وأنزل الله تعالى بعد ذلك آية الخمس: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه} الآية، وإنما كان قبل ذلك المرباع، هذا كلامه، والمرباع: ربع الغنيمة، وتقدم أن الفيء والغنيمة يطلق أحدهما على الآخر.

وفي كلام فقهائنا أن الغنيمة كانت في صدر الإسلام له خاصة، ثم نسخ ذلك بالتخميس.

وبعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء عثمان والحكم، فقال رسول الله ﷺ: لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعد بن أبي وقاص وعيينة بن غزوان، فإنا نخشاكم عليهما، فإن قتلتموها نقتل صاحبيكم، فإن سعدا وعيينة رضي الله عنهما لم يحضرا الوقعة بسبب التماسهما بعيرهما وقد مكثا في طلبه أياما ثم قدما، فأفدى رسول الله ﷺ الأسيرين: أي كل واحد بأربعين أوقية. فأما الحكم فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا.

أي وعن المقداد: أراد أميرنا يعني عبد الله بن جحش أن يقتل الحكم، فقلت: دعه فقدم به على رسول الله، وأما عثمان فلحق بمكة فمات بها كافرا بعث وفي الأصل تبعا لشيخه الحافظ الدمياطي.


سرية عمير بن عدي الخطمي الضرير إلى عصماء

أي بالمد: بنت مروان اليهودية، وكانت متزوجة في بني خطمة، وكان زوجها مرثد بن زيد بن حصين الأنصاري أسلم بعد ذلك رضي الله عنه.

بعث رسول الله ﷺ عمير بن عدي الخطمي، وهو أول من أسلم من بني خطمة إلى قتل عصماء بنت مروان، لأنها كانت تسب الإسلام وتؤذي النبي ﷺ في شعر لها، وتحرّض عليه، فجاءها عمير في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام وعلى صدرها صبي ترضعه فمسها بيده ونحى الصبي عن صدرها، ووضع سيفه على صدرها وتحامل عليه حتى أنفذه من ظهرها ثم صلى الصبح مع النبي ﷺ بالمدينة، فقال له رسول الله، أقتلت ابنة مروان؟ فقال: نعم، فهل عليّ في ذلك من شيء؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان: أي الأمر في قتلها هين لا يعارض فيه معارض، وهذه الكلمة من جملة الكلمات التي لم تسمع إلا من النبي، وقد جمع غالبها في النور في هذا المحل، قال: وسمى رسول الله ﷺ عميرا هذا بالبصير، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يسري في طاعة الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ: لا تقل الأعمى، ولكن البصير.

وفي رواية أنه لما قال: ألا رجل يكفينا هذه؟ يعني عصماء بنت مروان، فقال عمير بن عدي: أنا لها، فأتاها وكانت تمارة: أي تبيع التمر، فقال لها: أعندك أجود من هذا التمر، لتمر بين يديها؟ قالت نعم، فدخلت إلى البيت وانكبث لتأخذ شيئا من التمر، فالتفت يمينا وشمالا فلم يشعر بأحد، فضرب رأسها حتى قتلها، فليتأمل هذا مع ما قبله.

ثم إنّ عميرا أتى المسجد فصلى الصبح مع رسول الله، فلما انصرف من صلاته نظر إليه، فقال له: أقتلت ابنة مروان؟ قال نعم، فقال النبي: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله فانظروا إلى عمير، فلما رجع عمير إلى منزل بني خطمة وجد بنيها في جماعة يدفنونها، فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ قال: نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون: والذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لأضربنكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة، وكان يخفي إسلامه من أسلم منهم، لكن جاء في رواية أنها كانت تلقي خرق الحيض في مسجد بني خطمة فليتأمل.

وفي رواية أنه لما أهدر دم عصماء نذر عمير إن رد الله رسوله من بدر إلى المدينة سالما ليقتلنها، فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر إلى المدينة عدا عليها عمير رضي الله تعالى عنه فقتلها. وفي كلام السهيلي رحمه الله أن الذي قتل عصماء بعلها.

وقد يقال: لا مخالفة لأن عميرا رضي الله عنه جاز أن يكون كان بعلا لها قبل مرثد بن زيد. وذكر في الاستيعاب في ترجمة عمير رضي الله عنه أنه قتل أخته لسبها رسول الله ﷺ ولم يسمها.

أقول: الظاهر أنها كانت غير عصماء، لأن نسب عصماء غير نسب عدي، إلا أن يقال إنها أخته لأمه ويبعده ما تقدم من أنه كان زوجا لها، والله أعلم * وبعث * وفي الأصل تبعا لشيخه الحافظ الدمياطي.


سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك

أي والعفك بفتح العين المهملة وبالفاء وبالكاف: أي الحمق أي أبي الحمق اليهودي، قال يوما: «من لي بهذا الخبيث، يعني أبا عفك» أي من ينتدب إلى قتله وكان شيخا كبيرا قد بلغ مائة وعشرين سنة، وكان يحرض الناس على رسول الله ﷺ ويعيبه في شعر له، فقال سالم بن عمير رضي الله عنه، أي وهو أحد البكائين، وقد شهد بدرا: عليّ نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فطلب له غرة: أي غفلة، فلما كانت ليلة صائفة أي شديدة الحر نام أبو عفك بفناء بيته، أي خارجه، فعلم بذلك سالم رضي الله عنه فأقبل نحوه فوضع السيف على كبده ثم تحامل حتى خش السيف في الفراش وصاح عدو الله، فتركه سالم رضي الله عنه وذهب، فقام إلى أبي عفك ناس من أصحابه فاحتملوه وأدخلوه داخل بيته فمات عدو الله، وابن إسحاق قدم هذا البعث على بعث عمير.


سرية عبد الله بن مسلمة رضي الله عنه إلى كعب بن الأشرف الأوسي

أي فإن أباه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف منهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبا وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، وكان شاعرا مجيدا، وقد كان ساد يهود الحجاز بكثرة ماله، وكان يعطي أحبار اليهود ويصلهم، فلما قدم النبي ﷺ المدينة جاءه أحبار يهود من بني قينقاع وبني قريظة لأخذ صلته على عادتهم، فقال لهم: ما عندكم من أمر هذا الرجل: يعني النبي؟ قالوا: هو الذي كنا ننتظر، ما أنكرنا من نعوته شيئا، فقال لهم قد حرمتم كثيرا من الخير، فارجعوا إلى أهليكم، فإن الحقوق في مالي كثيرة، فرجعوا عنه خائبين، ثم رجعوا إليه وقالوا له إنا أعجلناك فيما أخبرناك به، ولما استثبتنا علمنا أنا غلطنا وليس هو المنتظر، فرضي عنهم ووصلهم، وجعل لكل من تابعهم من الأحبار شيئا من ماله، وهذا نزل فيه قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} استودعه شخص دينارا فجحده كذا في تكملة الجلال السيوطي. وفي الكشاف وفروعه أنها نزلت في فنحاص بن عازوراء. وقد يقال: لا مانع من تعدد الواقعة.

ولما انتصر رسول الله ﷺ يوم بدر وقدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهما مبشرين لأهل المدينة بذلك وصارا يقولان قتل فلان وفلان وأسر فلان وفلان من أشراف قريش، صار كعب يكذب في ذلك ويقول هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله إن كان محمد قتل هؤلاء القوم فبطن الأرض خير من ظهرها، أي كما تقدم، فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة وكان شاعرا فجعل يهجو رسول الله ﷺ والمسلمين، ويمدح عدوهم ويحرضهم عليه، وينشد الأشعار ويبكي من قتل ببدر من أشراف قريش، فقال: اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت، ثم رجع إلى المدينة: أي بعد أن لم يجد من يأوي رحله بمكة، أي لأنه لما قدم مكة وضع رحله عند المطلب بن وداعة وأكرمته زوجة المطلب وهي عاتكة بنت أسيد، فدعا رسول الله ﷺ حسان وأخبره بذلك، فهجا المطلب وزوجته، فلما بلغهما هجاء حسان ألقت رحله، وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟ وأسلم المطلب وزوجته بعد ذلك رضي الله عنهما، وصار كلما تحول عند قوم من أهل مكة صار حسان يهجوهم فيلقون رحله، أي يقال إنه خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة ليحالفوا قريشا على رسول الله، فنزلوا على أبي سفيان فقال لهم أبو سفيان إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما، ففعلوا، فأنزل الله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} أي وحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين، فخرج من مكة للمدينة، فلما وصل إلى المدينة وصار يشبب بنساء المسلمين: أي يتغزل فيهن ويذكرهن بالسوء حتى آذاهن.

أي وقيل إن كعب بن الأشرف صنع طعاما وواطأ جماعة من اليهود أن يدعوا النبي ﷺ إلى الطعام، فإذا حضر يفتكون به، ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل عليه السلام بما أضمروه بعد أن جالسه، فقام وجبريل عليه السلام يستره بجناحه حتى خرج، فلما فقدوه تفرّقوا، ولا مانع من تعدد الأسباب، فقال رسول الله ﷺ: من ينتدب لقتل كعب بن الأشرف؟ وفي لفظ: من لنا بابن الأشرف، فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا، أي وفي رواية: إنه يؤذي الله ورسوله، وفي أخرى فإنه قد آذانا بشعره وقوى المشركين علينا، أي فإن أبا سفيان قال لكعب: فإنك تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا قديم ودين محمد الحديث، فقال كعب لعنه الله: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه، فقال: من لي بقتل ابن الأشرف؟ فقال محمد بن سلمة الأوسي: أنا لك به يا رسول الله، هو خالي ـ لأن محمد بن سلمة ابن أخته ـ أنا أقتله، وأجمع: أي عزم على ذلك هو وأربعة: أي من الأوس عباد بن بشر وأبو نائلة، وكان رضي الله عنه أخا لكعب بن الأشرف من الرضاعة والحارث بن عيسى والحارث بن أوس. ومكث محمد بن سلمة رضي الله عنه بعد قوله لرسول الله ﷺ ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب إلا ما تقوم به نفسه خوفا من عدم وفائه بما ذكر، ثم قال: يا رسول الله لا بد لنا أن نقول: أي نذكر ما نتوصل به إليه من الحيلة، وحينئذ كان المناسب أن يقول لا بد لنا أن نتقول: أي نخترع ما نحتال به عليه، فقال: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حل من ذلك، فأباح لهم الكذب لأنه من خدع الحرب كما تقدم.

وقيل إنه أمر سعد بن معاذ أن يبعث رهطا ليقتلوه، والجمع ممكن، فتقدمهم إلى كعب أبو نائلة رضي الله عنه، وكان يقول الشعر فتحدث معه ساعة وتناشد شعرا، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عني، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، فقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس. أي وسألنا الصدقة ونحن لا نجد ما نأكل، وسائر ما عندنا أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه، فقال كعب: لقد كنت أخبرتك يا بن مسلمة أن الأمر سيصير إلى ما تقول، أي ثم قال له كعب: أصدقني ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتنحي عنه، قال شر تبين، بأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل، فقال أبو نائلة، وقيل محمد بن سلمة كما في رواية صحيحة.

قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن كلا منهما قال له: إني أريد أن تبيعني وأصحابي طعاما ونرهنك ونوثق لك، فقال: أترهنوني أبناءكم. وفي رواية نساءكم، قال: أردت أن تفضحنا، نرهنك من الحلقة: أي السلاح كما تقدم ـ وقيل الدرع خاصة ـ ما فيه وفاء، وقد أردت أن آتيك بأصحابي، أراد أبو نائلة رضي الله عنه أن لا ينكر كعب السلاح إذا جاء به هو واصحابه، فقال إن في الحلقة لوفاء: أي وفي البخاري، قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب. زاد في رواية: ولا نأمنك عليهنّ، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك فإنك تعجب النساء، قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم، فيقال رهن يوسف، قالوا: هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللامة: أي السلاح، فرجع أبو نائلة رضي الله عنه إلى أصحابه فأخبرهم الخبر، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم جاؤوا إلى رسول الله ﷺ وخرجوا من عنده متوجهين إلى كعب، فخرج رسول الله ﷺ يمشي معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته: أي وأمرَّ عليهم محمد بن سلمة، وكانت تلك الليلة مقمرة، فأقبلوا رضي الله عنهم حتى انتهوا إلى حصن كعب فهتف به أبو نائلة رضي الله عنه، وكان كعب قريب عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها أي طرفها، وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في مثل هذه الساعة، قال: إنه أبو نائلة، لو وجدني قائما لا يوقظني، فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر، أي وفي البخاري: فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فإني أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم. وفي مسلم كأنه صوت دم: أي صوت طالب دم، قال: إنما هو ابن أختي محمد بن سلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب كذا في البخاري. وفي مسلم: إنما هو محمد ورضيعته، قيل وصوابه إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة.

فقد ذكر أهل العلم أن أبا نائلة رضي الله عنه كان رضيعا لمحمد فنزل أي وهو ينفح منه ريح طيب، فتحدث معه هو وأصحابه ساعة ثم تماشوا، ثم إن أبا نائلة رضي الله عنه وضع يده على رأس كعب ثم شم يده، وقال: ما رأيت طيبا أعطر من هذا الطيب. أي فقال: وكيف وعندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب؟ وفي لفظ: وأجمل بدل أكمل، وهي أشبه، فقال له: يا أبا سعيد ادنِ مني رأسك أشمه وأمسح به عيني ووجهي، ثم مشوا ساعة، ثم عاد أبو نائلة لوضع يده على رأسه، واستمسك به وقال اضربوا عدوّ الله، فضربوه، فاختلفت أسيافهم، فلم تغن شيئا: أي وقع بعضها على بعض ولصق عدوّ الله بأبي نائلة وصاح صيحة لم يبق حصن إلا وعليه نار، قال محمد بن مسلمة رضي الله عنه: فوضعت سيفي في ثنيته ثم تحاملت عليه حتى بلغ عانته فوقع، أي ولما صاح اللعين صاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين، فخرجت اليهود فأخذوا على غير طريق الصحابة ففاتوهم.

قال محمد بن مسلمة رضي الله عنه: وأصيب الحارث بن أوس من بعض أسيافنا في رجله ورأسه ونزف به الدم، فتخلف عنا: أي وناداهم: اقرئوا رسول الله ﷺ مني السلام، فعطفوا عليه واحتملوه. وفي رواية تخلف عن أصحابه فافتقدوه ورجعوا إليه فاحتملوه. قال محمد بن مسلمة رضي الله عنه: فجئنا رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه، فخرج إلينا وأخبرناه بقتل عدوّنا، وتفل على جرح صاحبنا فلم يؤلمه.

قال: وفي رواية أنهم حزوا رأس كعب وحملوا ذلك الرأس ثم خرجوا يشتدّون، فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله ﷺ يصلي تلك الليلة، فلما سمع تكبيرهم بالبقيع كبر وعرف أنهم قد قتلوا عدوّ الله، وخرج إلى باب المسجد فجاؤوا فوجدوا رسول الله ﷺ واقفا على باب المسجد، فقال لهم رسول الله ﷺ: أفلحت الوجوه، قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله، أي وعند ذلك أصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي، فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكر لهم النبي ﷺ صنيعه من التحريض عليه وأذيته المسلمين فازدادوا خوفا.


سرية عبد الله بن عتيك رضي الله عنه لقتل أبي رافع

سلام بالتخفيف ابن أبي الحقيق على وزن نصير بالتصغير وبالحاء المهملة الخزرجي: أي وفي البخاري: أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، ويقال له سلام بن أبي الحقيق، كان بخيبر، وكان تاجر أهل الحجاز.

لما قتلت الأوس: أي عبد الله بن مسلمة وأبو نائلة ومن تقدم معهما كعب بن الأشرف تذاكر الخزرج من يشابه كعب بن الأشرف في العداوة لرسول الله ﷺ من الخزرج، فذكروا أبا رافع سلام بن أبي الحقيق، أي لأنه كان يؤذي رسول الله.

أي وعن عروة أنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله، وهو الذي حزب الأحزاب يوم الخندق، لأن الأوس والخزرج كانا يتنافسان فيم يقرّب إلى الله ورسوله، لا تفعل الأوس شيئا من ذلك إلا فعلت الخزرج نظيره وبالعكس، ويقولون: والله لا يذهبون بهذا فتيلا علينا في الإسلام، فانتدب لقتله خمسة من الخزرج منهم عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة، واستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك: أي في أن يتكلموا بما يتوصلون به إليه من الحيلة، فأذن لهم وأمر عليهم عبد الله بن عتيك وأمرهم أن لا يقتلوا وليدا ولا امرأة فخرجوا حتى أتوا خيبر فتسوروا دار أبي رافع ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان أبو رافع في علية لها درجة، أي سُلّم من الخشب من محل يصعد عليه إلى تلك العلية، فطلعوا في تلك الدرجة حتى قاموا على باب تلك العلية، فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته، فقالت: من أنتم؟ قالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة.

وفي لفظ: لما صعدوا قدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يتكلم بلسان يهود، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته وقالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه، فلما دخلوا عليه أغلقوا عليهم وعليها باب الحجرة ووجدوه وهو على فراشه، ما دلهم عليه في الظلمة إلا بياضه كأنه قبطية بيضاء فابتدروه بأسيافهم، ووضع عبد الله بن أنيس رضي الله عنه سيفه في بطنه وتحامل عليه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني: أي يكفيني يكفيني، وعند ذلك صاحت المرأة. قال بعضهم: ولما صاحت المرأة جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يتذكر نهي رسول الله ﷺ فيكف يده. قال: وفي رواية أن المرأة لما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بعضنا بالسيف فسكتت، فابتدرناه بأسيافنا وخرجنا من عنده، وكان عبد الله بن عتيك رجلا سيىء البصر فوقع من الدرجة فوثبت رجله وثبا شديدا، أي جرحت جرحا شديدا. وفي لفظ: قد انكسرت ساقه. وفي آخر فانخلعت رجله فعصبها بعمامته، والجمع بين كسر ساقه وخلع رجله واضح، لأن الانخلاع يكون من المفصل، فقد انكسرت ساقه وانخلعت من مفصلها، ومع الكسر ولانخلاع حصلت فيها جراحة أيضا.

وأما قول ابن إسحاق رحمه الله فوثبت يده فقيل وهم والصواب رجله كما تقدم. وفي السيرة الهشامية. فوثبت يده، وقيل رجله.

وقد يقال: لا مانع من حصولهما، قال: فحملناه حتى أتينا محلا استخفينا فيه: أي وذلك المحل من أفنيتهم التي يلقون فيها كناستهم. وفي لفظ: أنهم كمنوا في نهر من عيونهم حتى سكن الطلب.

وقد يقال: لا مخالفة، لأنهم أوقدوا النيران، وتفرقوا من كل وجه يطلبونهم أي وفي لفظ: فخرج الحارث في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران حتى إذا أيسوا رجعوا إلى عدوّ الله، فاكتنفوه وهو بينهم يجود بنفسه، فقال بعضنا لبعض: كيف نعلم أن عدوّ الله مات؟ فقال رجل منهم: أنا ذاهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس قال: فوجدت امرأته تنظر في وجهه وفي يدها المصباح، ورجال يهود حوله وهي تحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي.

أي وعلى الرواية الآتية أنه أكذبها، ثم أقبلت تنظر في وجهه، ثم قالت فاضت وإله يهود: أي خرجت روحه، فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها، ثم جئت وأخبرت أصحابي، واحتملنا عبد الله بن عتيك، وقدمنا إلى رسول الله.

وفي رواية: أن ابن عتيك لما عصب رجله انطلق حتى جلس على الباب. وقال: لا أخرج الليلة حتى أعلم أني قتلته أو لا؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلق يحجل إلى أصحابه وقال قد قتل الله أبا رافع، فأسرعوا، وليتأمل هذا مع ما قبله، وقوله أنعى هو بفتح العين، وقيل الصواب انعوا، والنعي: خبر الموت والاسم الناعي. ويقال له الناعية، وكانت العرب إذا مات فيهم الكبير ركب راكب فرسا وصار يذكر أوصافه ومآثره، وقد نهى عن ذلك. ولا منافاة بين كونه انطلق يحجل إلى أصحابه وكونهم حملوه، لأنه يجوز أن يكون عند وقوعه وحصول ما تقدم له لم يحس بالألم لما هو فيه من الاهتمام وقدر على المشي يحجل، ومن ثم جاء في بعض الروايات: فقمت أمشي ما بي قلبة: أي علة مهلكة. فلما وصل إلى أصحابه وعاد عليه المشي أحسّ بالألم، فحمله أصحابه، وهذا السياق يدل على أن الذي قتله عبد الله بن عتيك وحده، وهو ما في البخاري، وفي رواية أن الذي كسرت رجله أبو قتادة لأنهم لما قتلوه وخرجوا نسي أبو قتادة قوسه فرجع إليها وأخذها فأصيبت رجله فشدها بعمامته ولحق بأصحابه، وكانوا يتناوبون حمله حتى قدموا المدينة على النبي ﷺ فمسحها فبرئت، أي وقال لما رآنا: أفلحت الوجوه، قلنا أفلح وجهك يا رسول الله وأخبرناه بقتل عدوّ الله، واختلفنا عنده في قتله كل منا ادعاه، فقال رسول الله ﷺ هاتوا أسيافكم فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. قال: والثابت في الصحيح كما علمت أن عبد الله بن عتيك هو الذي انفرد بقتله وأن عدوّ الله كان يحصن بأرض الحجاز، ولا منافاة لأن خيبر من الحجاز، أي من قراه وريفه.

فلما دنوا من خيبر وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله، ناداه بذلك كما ينادي الشخص شخصا لا يعرفه وهو يظن أنه من أهل الحصن، إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب فدخل وكمن. فلما أغلق الباب علق المفاتيح. قال ثم أخذتها وفتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده. فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته عليّ من داخله حتى انتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت. قلت: أبا رافع، قال من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فضربته بالسيف فما أغنت شيئا وصاح، فخرجت من البيت، أي وعند ذلك قالت له امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك. قال: ثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك؟ قال ابن عتيك: ثم عدت وقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني بالسيف فعمدت إليه فضربته أخرى فلم تغن شيئا فتواريت ثم جئته كهيئة المغيث وغيرت صوتي، وإذا هو مستلق على ظهره فوضعت السيف في بطنه وتحاملت عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم جئت إلى الدرجة فوقعت، فانكسرت رجلي فعصبتها بعمامتي فانطلقت إلى أصحابي، وقلت النجاة قد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثه. فقال: ابسط رجلك فمسحها فكأني لم أشتكها قط، وعادت كأحسن ما كانت انتهى، أي وهذا ما في البخاري.

وفيه في رواية أخرى أن ابن عتيك قال: لما وضعت السيف في بطنه وتحاملت عليه حتى سمعت صوت العظم خرجت دهشا حتى أتيت السلم: أي الذي صعدت فيه أريد أن أنزل فأسقطت منه فانخلعت رجلي، فعصبتها، فأتيت أصحابي أحجل. فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية، فقال أنعى أبا رافع، فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله ﷺ فبشرته.

وفي سيرة الحافظ الدمياطي أنهم مكثوا في ذلك المحل الذي استخفوا فيه يومين حتى سكن عنهم الطلب. وينبغي النظر إلى وجه الجمع بين ما ذكر.


سرية زيد بن حارثة رضي الله عنهما إلى القردة

بفتح القاف والراء، وقيل بالفاء مفتوحة، وقيل بكسرها وسكون الراء، وقدمه في الأصل على الأول: اسم ماء.

وسببها أن قريشا لما كانت وقعة بدر خافوا الطريق التي كانوا يسلكونها إلى الشام من على بدر، فسلكوا طريقا أخرى من جهة العراق. فخرج عير لهم فيه أموال كثيرة جدا من تلك الطريق يريدون الشام، واستأجروا رجلا يدلهم على الطريق، وكان ذلك الرجل ممن هرب من أسارى بدر. وفي ذلك العير من أشراف قريش: أبو سفيان، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزى. فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في مائة راكب، وهي أول سرية لزيد بن حارثة خرج فيها أميرا، فصادف تلك العير على ذلك الماء فأصاب العير، وأفلت القوم وأسروا دليلهم.

وقدم زيد رضي الله عنه بتلك العير على رسول الله ﷺ فخمسها فبلغ الخمس ما قيمته عشرون ألف درهم، وأتي بذلك الأسير إلى رسول الله، فقيل له إن تسلم تترك: أي من القتل. فأسلم فتركه رسول الله ﷺ وحسن إسلامه بعد ذلك.


سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد

وهو ابن عمته برة بنت عبد المطلب وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة كما تقدم ـ إلى قطن ـ أي وهو جبل، وقيل ماء من مياه بني أسد.

وسببها أنه بلغ رسول الله ﷺ أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما إلى حرب رسول الله ﷺ: أي أخبره بذلك رجل من طيىء قدم المدينة لزيارة بنت أخيه بها، فدعا رسول الله ﷺ أبا سلمة المذكور، وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار، وخرج الرجل المخبر له دليلا لهم، وقال له: سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن يتلاقى عليك جموعهم، فأغذّ السير، أي بفتح الهمزة والغين المشددة والذال المعجمتين: أي أسرع، ونكب، أي بفتح الكاف المخففة: عدل عن سيف الطريق، وسار بهم ليلا ونهارا ليستبق الأخبار، فانتهى إلى ماء من مياههم، فأغار على سرح لهم، وأسروا ثلاثة من الرعاة وأفلت سائرهم، ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق: فرقة بقيت معه، وفرقتان أغارتا في طلب النعم والشاء والرجال، فأصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.

قال: وقيل إنه خرج صفي رسول الله ﷺ من ذلك عبدا، أي لأنه كان يباح له أخذ الصفي، وهو ما يختاره له أمير السرية قبل القسمة من الفيء أو الغنيمة من جارية أو غيرها كما تقدم. وأخرج الخمس، ثم قسم ما بقي بين أصحابه، فأصاب كل إنسان سبعة أبعرة، أي وطليحة هذا كان يعد بألف فارس، قدم عليه في بعض الوفود وأسلم، ثم ارتد وادعى النبوة، وتوفي رسول الله ﷺ فقويت شوكته، ثم أسلم بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه، وحسن إسلامه، وحج في زمن عمر رضي الله عنه، ولم يعرف لأخيه سلمة إسلام. بعث عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني بكسر اللام وفتحها.

وسبب ذلك أنه عليه الصلاة والسلام بلغه أن سفيان المذكور قد جمع الجموع لحرب رسول الله، فبعث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه ليقتله، فقال: صفه لي يا رسول الله، فقال إذا رأيته هبته وفرقت: أي خفت منه وذكرت الشيطان، فقال عبد الله: يا رسول الله ما فِرقت من شيء قط، فقال رسول الله ﷺ: بلى إنك تجد له قشعريرة إذا رأيته، فقال عبد الله: فاستأذنت رسول الله ﷺ أن أقول: أي ما أتوصل به إليه من الحيلة فأذن لي: أي قال لي: قل ما بدا لك: أي وقال انتسب إلى خزاعة. قال عبد الله بن أنيس فسرت حتى إذا كنت ببطن عرنة: وهو واد بقرب عرفة لقيته يمشي: أي متوكئا على عصا يهدّ الأرض ووراءه الأحابيش: أي أخلاط الناس ممن انضم إليه، فعرفته بنعت رسول الله، لأني هبته وكنت لا أهاب الرجال، فقلت: صدق الله ورسوله، أي وكان وقت العصر، فخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة يشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه أومىء برأسي. فلما انتهيت إليه، قال لي: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك، قال: أجل، إني لأجمع له، فمشيت معه ساعة وحدثته فاستحلى حديثي. أي وكان فيما حدثته به أن قلت له: عجبت لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث. فارق الآباء، وسفه أحلامهم. فقال لي: إنه لم يلق أحدا يشبهني ولا يحسن قتاله.

فلما انتهى إلى خبائه وتفرق عنه صحابه قال لي: يا أخا خزاعة هلم، فدنوت منه. فقال اجلس فجلست معه، حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارا في الجبل وصيرت العنكبوت: أي نسجت عليّ، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا. فانصرفوا راجعين، ثم خرجت. فكنت أسير الليل وأتوارى النهار حتى قدمت المدينة. فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد، فلما رآني قال: قد أفلح الوجه. قلت: أفلح وجهك يا رسول الله. فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري، فدفع لي عصا وقال: تحضر بهذه في الجنة: أي توكأ عليها فإن المتخصرين في الجنة قليل، فكانت تلك العصا عنده. فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدخلوها في كفنه ويجعلوها بين جلده وكفنه ففعلوا. أي وفي القاموس ذو المخصرة: أي كمكنسة بكسر الميم عبد الله بن أنيس.

وهذه القصة وقصة كعب بن الأشرف تردّ على الزهري قوله لم يحمل إلى رسول الله ﷺ رأس إلى المدينة قط. وحمل إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه رأس فكره ذلك. وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

وفيه أنه لما قتل الحسين وجماعة من أهل بيته بعث ابن زياد قبحه الله برؤوسهم إلى يزيد بن معاوية. وابن الزبير رضي الله عنهما لم يبايع بالخلافة إلا بعد موت يزيد. ومضى مدة خلافة ابنه معاوية رضي الله عنه الذي خلع نفسه وهي أربعون يوما. ولعل إرسال رأس الحسين ومن معه كان قبل رأس عبد الله بن أبي الحمق، فلا ينافي قول ابن الجوزي أول رأس حمل في الإسلام ـ أي من المسلمين ـ رأس عبد الله بن أبي الحمق. وذلك أنه لدغ فمات، فخشيت الرسل أن تتهم فقطعوا رأسه فحملوه.

ثم رأيت ابن الجوزي قال: قال ابن حبيب: نصب معاوية رضي الله عنه رأس عمرو بن أبي الحمق. ونصب يزيد بن معاوية رأس الحسين رضي الله عنه. وقول الزهري إلى المدينة لا يخالف ما في النور ما تقدم في غزوة بدر: كم من رأس حمل بين يدي رسول الله، لأن تلك الرؤوس لم تحمل إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، على أن فيه أنه لم يحمل إليه ذلك اليوم إلا رأس أبي جهل على ما تقدم.


سرية الرجيع

وفي الأصل: بعث الرجيع. بعث رسول الله ﷺ عشرة، وقيل ستة عيونا إلى مكة يتجسسون أخبار قريش ليأتوه بها، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ويقال له ابن أبي الأفلح بالفاء، وقيل أمر عليهم مرثد الغنوي رضي الله عنه حليف عمه حمزة رضي الله عنه، ومرثد بفتح الميم وإسكان الراء وبالمثلثة. والغنوي بغين معجمة: أي وكان مرثد هذا يحمل الأسرى ليلا من مكة حتى يأتي بهم المدينة، فوعد رجلا من الأسرى بمكة أن يحمله، قال: فجئت به حتى انتهيت به إلى الحائط من حيطان مكة في ليلة مقمرة، فجاءت عناق وكانت من جملة البغايا بمكة، فرأت ظلي في جانب الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني قالت: مرثد؟ قلت مرثد، قالت: مرحبا وأهلا هلم تبت عندنا الليلة، فقلت: يا عناق إن الله حرم الزنا، فدلت عليّ، فخرج في أثري ثمانية رجال، فتواريت في كهف الخندمة فجاؤوا حتى وقفوا على رأسي، فأعماهم الله عني، فلما رجعوا رجعت لصاحبي، فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى محل فككت عنه قيده، ثم جعلت أحمله حتى قدمت المدينة، ثم استشرته أن أنكح عناق، فأمسك عني حتى نزلت الآية: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} فدعاني فتلاها عليّ، ثم قال لي: لا تتزوجها.

وفي قطعة التفسير للجلال المحلي أن الآية نزلت في بغايا المشركين لما همّ فقراء المهاجرين أن يتزوجوهن وهن موسرات لينفقن عليهم، فقيل التحريم خاص بهم، وقيل عام، ونسخ بقوله: {وانكحوا الأيامى منكم} الآية.

وفيه أن عند فقهائنا يحرم على المسلم نكاح من تعبد الأوثان وإن لم تكن بغيا.

ومن جملة العشرة عبد الله بن طارق وخبيب بن عدي وخبيب تصغير خب: وهو الماكر من الرجال الخدّاع، وزيد بن الدثنة بفتح الدال المهملة وكسر الثاء المثلثة وقد تسكن ثم نون مفتوحة ثم تاء تأنيث مقلوب من الندثة. والندث: استرخاء اللحم، فخرجوا رضي الله عنهم: أي يسيرون الليل ويكمنون النهار، حتى إذا كانوا بالرجيع: وهو ماء لهذيل لقيهم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد الله بن أنيس وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ كما تقدم وقومه ـ وهم بنو لحيان ـ فإنهم ذكروا لهم فنفروا إليهم فيما يقرب من مائة رام، أي ولا يخالف ما في الصحيح قريبا من مائة رجل، فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا نوى تمر أكلوا في منزل نزلوه، أي فإن منهم امرأة كانت ترعى غنما فرأت النوى فقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: أتيتم، فتبعوهم إلى أن وجدوهم في المحل المذكور، فلما أحسوا بهم لجؤوا إلى موضع من جبل هناك: أي صعدوا إليه، فأحاطوا بهم، وقالوا لهم: انزلوا ولكم العهد أن لا نقتل منكم أحدا، فقال عاصم رضي الله تعالى عنه: أما أنا فلا أنزل على ذمة: أي أمان وعهد كافر، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما، أي وستة منهم، وصار عاصم يرميهم بالنبل وينشد أبياتا منها:

الموت حق والحياة باطل ** وكل ما قضى الإله نازل

بالمرء والمرء إليه آيل ولا زال يرميهم حتى فنيت نبله، ثم طاعنهم حتى انكسرت رمحه، ثم سل سيفه. وقال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره، ونزل إليهم ثلاثة على العهد وهم: خبيب، وزيد، وعبد الله بن طارق رضي الله تعالى عنهم، فلما أمسكوهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوا خبيبا وزيدا وامتنع عبد الله، وقال: هذا أول الغدر: أي ترك الوفاء بعهد الله، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء يعني القتلى أسوة فعالجوه، فأبى أن يصحبهم أي فقتلوه كما في الصحيح، وقيل صحبهم إلى أن كانوا بمر الظهران يريدون مكة، انتزع عبد الله يده منهم، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد، أي ودخلوا بهما مكة في شهر القعدة، فباعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة، أي وقيل بيع كل بخمسين من الإبل، أي وقيل بيع خبيب بأمة سوداء، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبا، قيل لأنه قتل الحارث يوم بدر كما في البخاري.

وتعقب بأن المعروف عندهم أن قاتل الحارث يوم بدر إنما هو خبيب بن إساف الخزرجي، أي وقيل القاتل له علي كرّم الله وجهه، وخبيب بن عدي هذا أوسي لم يشهد بدرا عند أحد من أرباب المغازي، أي وقيل في هذا تضعيف الحديث الصحيح.

ثم رأيت الحافظ ابن حجر رحمه الله ذكر أنه لزم من هذا رد الحديث الصحيح، ولو لم يقتل خبيب بن عدي الحارث بن عامر ما كان لاعتناء آل الحارث بشرائه وقتله به معنى، إلا أن يقال لكونه من قبيلة قاتله وهم الأنصار. وابتاع زيدا صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك ليقتله بأبيه، فحبوسهما إلى أن تنقضي الأشهر الحرم، واستعار خبيب رضي الله تعالى عنه وهو محبوس موسى من بنت الحارث. وفي الصحيح من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها: أي يحلق بها عانته، فدرج لها ابن صغير وهي غافلة عنه حتى أتى إلى خبيب رضي الله تعالى عنه، فأجلسه خبيب رضي الله تعالى عنه على فخده والموسى بيده، فلما رأت ابنها على تلك الحالة فزعت فزعة عرفها خبيب رضي الله تعالى عنه، فقال: أتخشين أن أقتله: ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى، وبكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث.

وروي أنه رضي الله عنه أخذ بيد الغلام، وقال: هل أمكن الله منكم، فقالت المرأة ما كان هذا ظني بك، فرمى لها بالموسى، وقال: إنما كنت مازحا، ما كنت لأغدر.

وفي السيرة الشامية أن تلك المرأة قالت: قال لي: تعني خبيبا رضي الله تعالى عنه حين حضره القتل: ابعثي إليّ بحديدة أتطهر بها للقتل: أي وقد كان رضي الله تعالى عنه قال لها: إذا أرادوا قتلي فآذنيني، فلما أرادوا قتله آذنته، فطلب منها تلك الحديدة، قالت: فأعطيت غلاما من الحي الموسى، فقلت له: ادخل بها على هذا الرجل البيت، قالت: فوالله لما دخل عليه الغلام قلت والله أصاب الرجل ثأره بقتل هذا الغلام ويكون رجل برجل، فلما ناوله الحديدة أخذها من يده، ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إليّ؟ ثم خلى سبيله. ويقال إن الغلام ابنها: أي ويرشد إليه قول خبيب رضي الله تعالى عنه: ما خافت أمك.

وكانت بنت الحارث تقول: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، قالت: والله لقد وجدته يوما أي وقد اطلعت عليه من شق الباب يأكل قطفا من عنب في يده: أي مثل رأس الرجل، وأنه لموثق بالحديد وما بمكة ثمرة. وفي رواية: لا أعلم في أرض الله عنبا يؤكل.

أي واستدل أئمتنا بقصة خبيب هذه على أنه يستحب لمن أشرف على الموت أن يتعهد نفسه بتقليم أظفاره وأخذ شعر شاربه وإبطه وعانته، ولعل ذلك كان بلغ النبي ﷺ وأقره، فلما انقضت الأشهر الحرم بانقضاء المحرم خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه في الحل، فلما قدم للقتل قال لهم: دعوني أصل ركعتين، فتركوه فركع ركعتين وقال لهم: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي من جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا: أي متفرقين واحدا بعد واحد، ولا تبق منهم أحدا: أي الكفار، وقد قتلوا في الخندق متفرقين.

قال: ذكر أنهم لما خرجوا به ليقتلوه خرج النساء والصبيان والعبيد، فلما انتهوا به إلى التنعيم أمروا بخشبة طويلة فحفروا لها، فلما انتهوا بخبيب إليها وبعد صلاته للركعتين صلبوه على تلك الخشبة، أي ليراه الوارد والصادر، فيذهب بخبره إلى الأطراف، ثم قالوا له: ارجع عن الإسلام نخلّ سبيلك، وإن لم ترجع لنقتلنك قال: إن قتلي في سبيل الله لقليل، اللهم إنه ليس هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلغه أنت عني السلام وبلغه ما يصنع بنا.

وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما: «أن رسول الله ﷺ كان جالسا مع أصحابه فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي فسمعناه يقول: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، فلما سري عنه قال: هذا جبريل عليه السلام يقرئني من خبيب السلام، خبيب قتلته قريش».

وقد جاء: أن المشركين دعوا أربعين ولدا ممن قتل آباؤهم يوم بدر فأعطوا كل واحد رمحا، وقالوا هذا الذي قتل آباءكم، فطعنوه بتلك الرماح حتى قتلوه، ووكلوا بتلك الخشبة أربعين رجلا، فأرسل رسول الله ﷺ المقداد والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في إنزال خبيب عن خشبته. وفي لفظ قال: «أيكم ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ فقال له الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود، فجاءا فوجدا عندها أربعين رجلا لكنهم سكارى نيام فأنزلاه» وذلك بعد أربعين يوما من صلبه وموته.

وحمله الزبير رضي الله تعالى عنه على فرسه وهو رطب لم يتغير منه شيء فشعر بهما المشركون، أي وكانوا سبعين رجلا فتبعوهما، فلما لحقوا بهما قذفه الزبير رضي الله تعالى عنه، فابتلعته الأرض اهـ. ومن ثم قيل له بليع الأرض، أي وكشف الزبير رضي الله تعالى عنه العمامة عن رأسه وقال لهم: أنا الزبير بن العوام وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يذبان عن شبلهما، فإن شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا عنهما.

وقدما على رسول الله ﷺ المدينة وكان عنده جبريل عليه السلام، فقال له جبريل: يا محمد إن الملائكة تباهي بهذين الرجلين من أصحابك، فنزل فيهما: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} الآية، وتقدم أنه قيل إنها نزلت في عليّ كرم الله وجهه لما نام على فراشه ليلة ذهابه إلى الغار.

وقيل إنها نزلت في حق صهيب لما أراد الهجرة ومنعه منها قريش، فجعل لهم ثلث ماله أو كله كما تقدم.

ورأيت بعضهم هنا قال: إنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لما أخذه المشركون ليعذبوه، فقال لهم: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أو من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتدعوني وديني ففعلوا.

وفي كلام ابن الجوزي رحمه الله أن عمرو بن أمية هو الذي أنزل خبيبا، فعنه رضي الله تعالى عنه قال: جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها فحللته فوقع إلى الأرض، ثم التفت فلم أر خبيبا ابتلعته الأرض، وهذا هو الموافق لما في السيرة الهشامية، وأن ذلك كان حين أرسله والأنصار لقتل أبي سفيان بن حرب كما سيأتي إن شاء الله تعالى: أي كان خبيب رضي الله تعالى عنه تحرك على الخشبة فانقلب وجهه عن القبلة: أي الكعبة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك، فحول الله وجهه نحوها، فقال: الحمد لله الذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي الله لنفسه ولنبيه عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين، ودعا عليهم خبيب رضي الله تعالى عنه، فقال: اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما: فألقى أبو سفيان بنفسه إلى الأرض على جنبه خوفا من دعوة خبيب رضي الله تعالى عنه، لأنهم كانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زال عنه: أي لم تصبه تلك الدعوة.

وقد ولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سعد بن عامر رضي الله تعالى عنه على بعض أجناد الشام، فقيل له إنه مصاب يلحقه غشي، فاستدعاه، فلما قدم عليه وجد معه مزودا وعكازا وقدحا، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: ليس معك إلا ما أرى، فقال له: وما أكثر من هذا يا أمير المؤمنين؟ مزودي أضع فيه زادي، وعكازي أحمل به ذلك، وقدحي آكل فيه، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: أبك لمم؟ فقال: لا، فقال: فما غشية بلغني أنها تصيبك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، ولكني كنت فيمن حضر خبيب بن عدي حين قتل، وسمعت دعوته، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي فزاده ذلك عند عمر رضي الله تعالى عنهما خيرا، ووعظ عمر، فقال له: من يقدر على ذلك؟ فقال: أنت يا أمير المؤمنين، إنما هو أن يقال فتطاع، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: ارجع إلى عملك، فأبى، وناشده الإعفاء، فأعفاه.

وكان خبيب رضي الله تعالى عنه هو الذي سن لكل مسلم قتل صبرا الصلاة، أي لأنه بلغه ذلك عنه فاستحسنه فكان سنة، وهذا يدل على أن واقعة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما متأخرة عن قصة خبيب رضي الله تعالى عنه، لكن في النور: والمعروف أن زيد بن حارثة صلاهما قبل خبيب بزمن طويل.

وفي الينبوع أن قصة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما كانت قبل الهجرة، أي وكان ابن سيرين رحمه الله إذا سئل عن الركعتين قبل القتل، قال: صلاهما خبيب رضي الله تعالى عنه وحجروهما فاضلان، ويعني بحجر: حجر بن عدي رضي الله تعالى عنه، فإن زيادا والي العراق من قبل معاوية رضي الله تعالى عنه وشى به إلى معاوية، فأمر معاوية بإحضاره، فلما قدم على معاوية، قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: أو أمير المؤمنين أنا اضربوا عنقه، فلما قدم للقتل قال: دعوني أصلي ركعتين، فصلاهما خفيفتين، ثم قال رضي الله تعالى عنه: لولا أن تظنوا بي غير الذي بي لأطلتهما، ثم قتل هو وخمسة من أصحابه.

ولما حج معاوية رضي الله تعالى عنه وجاء المدينة زائرا استأذن على عائشة رضي الله تعالى عنها فأذنت له، فلما قعد، قالت له: أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: إنما قتلهم من شهد عليهم.

وقصة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما رواها الليث بن سعد. قال: بلغني أن زيد بن حارثة اكترى بغلا من رجل بالطائف، فمال به ذلك الرجل إلى خربة وقال له: انزل فنزل زيد رضي الله تعالى عنه، فإذا في الخربة المذكورة قتلى كثيرة، فلما أراد أن يقتله، قال له: دعني أصلي ركعتين، أي لأنه رأى أن الصلاة خير ما ختم به عمل العبد، قال صلّ فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا، وهذا يدل على أن القتلى كلهم كانوا مسلمين، قال: فلما صليت أتاني ليقتلني، فقلت: يا أرحم الراحمين، قال: فسمع صوتا يقول: لا تقتله، فهاب ذلك، فخرج يطلبه، فلم ير شيئا فرجع إليّ، فناديت يا أرحم الراحمين، فعل ذلك ثلاثا، فإذا بفارس على فرس في يده حربة حديد في رأسها شعلة نار فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا. ثم قال لي لما دعوت الأولى «يا أرحم الراحمين» كنت في السماء السابعة، فلما دعوت الثانية « يا أرحم الراحمين» كنت في سماء الدنيا، فلما دعوت الثالثة أتيتك.

أقول: وقد وقع مثل ذلك لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان يتجر بمال له ولغيره يسافر به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا فخرج مرة في بعض أسفاره، فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، فقال: ما تريد من دمي؟ فشأنك والمال، فقال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك فقال: ذرني أصلي أربع ركعات، فقال صل ما شئت، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، ثم دعا في آخر سجدة، فقال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، وكرر ذلك ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة وضعها من أدنى فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه الفارس فقتله، ثم أقبل إلى أبي معلق، فقال: قم، فقال: من أنت بأبي أنت وأمي، فلقد أغاثني الله بك اليوم، قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث، فقيل لي دعاء مكروب، فسألت الله تعالى أن يوليني قتله، قال أنس رضي الله تعالى عنه: من فعل ذلك استجيب له مكروبا كان أو غير مكروب.

أي وقد وقع نظير هذه المسألة، أي من حيث إقراره على فعل غيره، وهو أنهم كانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل كم صلى؟ فيقول واحدة أو اثنتين فيصليهما وحده، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، فجاء معاذ رضي الله تعالى عنه، فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قام فقضى ما عليه، فقال رسول الله ﷺ: إنه قد سن لكم معاذ، فكذا فاصنعوا، أي وكان هذا قبل قوله: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا».

وأخرج صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه زيدا رضي الله تعالى عنه إلى الحل مع مولى له ليقتله به، واجتمع عند قتله رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فلما قدم للقتل، قال له أبو سفيان رضي الله تعالى عنه: انشدك بالله يا زيد أتحب محمدا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك، فقال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني لخالص في أهلي، فقال أبو سفيان رضي الله تعالى عنه: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ونقل مثل ذلك عن خبيب رضي الله تعالى عنه، أي فإنهم لما وضعوا السلاح في خبيب رضي الله تعالى عنه وهو مصلوب نادوه وناشدوه: أتحب أن محمدا مكانك؟ قال: لا والله ما أحب أن يؤذى بشوكة في قدمه، ثم قتله ذلك المولى. أي طعنه برمح في صدره حتى أنفذه من ظهره، وقيل رمي بالنبل، وأرادوا فتنته عن دينه، فلم يزدد إلا إيمانا.

ولما قتل عاصم رضي الله تعالى عنه الذي هو أمير هذه السرية على ما تقدم، أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة وهي أم مسافع وجلاس ابني طلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار وكلام بعضهم يقتضي أنها أسلمت بعد، فإن عاصما هذا كما تقدم قتل يوم أحد ولديها كلاهما أشعره سهما، وكل يأتي إليها بعد إصابته بالسهم ويضع رأسه في حجرها، فتقول: يا بني من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا يقول حين رماني: خذها وأنا ابن أبي الأفلح فنذرت إن قدرت على رأسه لتشربن في قحفة الخمر، وجعلت لمن يجيء برأسه مائة ناقة كما تقدم، فحالت الدبر بفتح الدال المهملة وسكون الباء الموحدة: وهي الزنابير بينهم وبين عاصم رضي الله تعالى عنه، كلما قدموا على قحفة طارت في وجوههم ولدغتهم فقالوا: دعوه حتى يمسي فنأخذه، فبعث الله الوادي: أي سال، فاحتمل السيل عاصما فذهب به حيث أراد الله فسمي حمى الدبر وبعث ناس من قريش لما بلغهم قتل عاصم في طلب جسده أو شيء منه يعرفونه: أي ليمثلوا به لأنه قتل عظيما من عظمائهم، قال الحافظ ابن حجر لعله عقبة بن أبي معيط فإن عاصما قتله صبرا بإذن رسول الله ﷺ بعد أن انصرفوا من بدر أي كما تقدم، قال: وكأنّ قريشا لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الزنابير لهم عن عاصم، أو شعروا بذلك ورجوا أن الزنابير تركته: أي ولم يشعروا بأن السيل أخذه اهـ أي وقد كان عاصم رضي الله تعالى عنه دعا الله أن لا يمس مشركا، ولا يمسه مشرك في حياته، وتقدم هنا أنه دعا الله أن يحمي لحمه فاستجاب الله له، فلم يحصل له ذلك لا في حياته ولا بعد موته.

أي وفي كلام بعضهم: لما نذر عاصم أن لا يمس مشركا ووفى بنذره عصمه الله عن مساس سائر المشركين إياه، فصار عاصم معصوما هذا.

وقيل إن هؤلاء العشرة لم يخرجوا ليأتوا بخبر قريش، وإنما خرجوا مع رهط من عضل والقارة، وهما بطنان من بني الهون قدموا على رسول الله ﷺ وقالوا يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا في الدين ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث معهم أولئك النفر، فساروا حتى إذا كانوا على الرجيع استصرخوا عليهم هذيلا، فلم يشعروا إلا والرجال بأيديهم السيوف فدعوهم فأخذوا أسيافهم ليقتلوا القوم، فقالوا لهم: والله لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا الحديث، والحافظ الدمياطي رحمه الله اقتصر على هذا الثاني، وأن أميرهم كان مرثدا الغنوي رضي الله تعالى عنه، فقال: سرية مرثد الغنوي إلى الرجيع، قال قدم رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما الحديث، لكنه في سياق القصة قال وأمر عليهم عاصما وقيل مرثدا رضي الله تعالى عنهما، وأخر هذه السرية عن السرية بعدها التي هي سرية القراء إلى بئر معونة.


سرية القراء رضي الله تعالى عنهم إلى بئر معونة

لما قدم على رسول الله ﷺ أبو عامر بن مالك ملاعب الأسنة: أي ويقال له ملاعب الرماح وهو رأس بني عامر. أي ويقال له أيضا أبو براء بالمد لا غير، وهو عم عامر بن الطفيل عدوّ الله، أي وأهدى إليه ترسين وراحلتين فقال له رسول الله: «لا أقبل هدية من مشرك». وفي رواية: «نهيت عن عطايا المشركين».

أقول: وفي كلام السهيلي أنه أهدي إليه فرسا، وأرسل إليه إني قد أصابني وجع فابعث إلي بشيء أتداوى به فأرسل إليه بعكة عسل، وأمره أن يستشفى به، وقال: «نهيت عن زبد المشركين» قال السهيلي: والزبد مشتق من الزبد، لأنه نهي عن مداهنتهم واللين لهم: كما أن المداهنة مشتقة من الدهن، فرجع المعنى إلى اللين، كذا قال، ولعل هذا كان بعد ما تقدم. ويحتمل أن يكون قبله وهو الأقرب والله أعلم.

فلما قدم عليه أبو عامر عرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام، أي وقال إني أرى أمرك هذا أمرا حسنا شريفا، أي ولم يسلم بعد ذلك على الصحيح، خلافا لمن عده في الصحابة، ثم قال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد: أي وهم بنو عامر وبنو سليم، فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله ﷺ: إني أخشى أهل نجد عليهم، قال أبو براء: أنا لهم جار وهم في جواري وعهدي، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، وخرج أبو براء إلى ناحية نجد وأخبرهم أنه قد أجار أصحاب محمد، فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو رضي الله تعالى عنه في أربعين، وقيل في سبعين، وعليه اقتصر الحافظ الدمياطي: أي لأنه الذي في الصحيح البخاري، وقيل في ثلاثين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين.

أي وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا القيل وهم، وأنه يمكن الجمع بين كونهم سبعين وكونهم أربعين بأن الأربعين كانوا رؤساء وبقية العدة كانوا أتباعا، ويقال لهؤلاء القراء: أي لملازمتهم قراءة القرآن، فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا في ناحية المدينة يصلون ويتدارسون القرآن، فيظن أهلوهم إنهم في المسجد، ويظن أهل المسجد أنهم في أهاليهم، حتى إذا كان وجه الصبح استعذبوا من الماء واحتطبوا وجاؤوا بذلك إلى حجر النبي.

وفي كلام بعضهم أنهم كانوا يحتطبون بالنهار، ويتدارسون القرآن بالليل، وكانوا يبيعون الحطب ويشترون به طعاما لأصحاب الصفة.

وقد يقال: لا منافاة، لجواز أنهم كانوا يفعلون هذا مرة وهذا أخرى، أو بعضهم يفعل أحد الأمرين وبعضهم يفعل الآخر، وكان منهم عامر بن فهيرة رضي الله تعالى عنه.

وكتب لهم كتابا فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، والحرة: أرض فيها حجارة سود، فلما نزلوها بعثوا حرام، بالحاء المهملة والراء، ابن ملحان وهو خال أنس بن مالك بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدوّ الله عامر بن الطفيل لعنه الله. أي وهو رأس بني سليم. وفي لفظ سيد بني عامر وابن أخي أبي براء عامر بن مالك كما تقدم، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا عليه فقتله، أي بعد أن قال: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، فآمنوا بالله ورسوله، فجاء إليه رجل من خلفه فطعنه بالرمح في جنبه حتى نفذ من جنبه الآخر، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، وقال: بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه، ثم استصرخ عليهم: أي استغاث بني عامر. فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: إنا لن نخفر بأبي براء: أي لا نزيل خفارته وتنقض عهده، وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم. قال الحافظ الدمياطي: عصية ورعلا وذكوان زاد بعضهم: وبني لحيان، قال بعضهم: وليس في محله.

أقول: كان قائله سرى إليه ذلك من كونه جمع بني لحيان في الدعاء عليهم مع من ذكر قبله. وسيأتي أنه إنما جمعهم معهم لأن خبر أصحاب الرجيع وأصحاب بئر معونة جاءه في يوم واحد وبنو لحيان أصحاب الرجيع، فدعا عليهم دعاء واحدا، والله أعلم، فلما دعا تلك القبائل الثلاثة التي هي عصية ورعل وذكوان أجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى أحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم إلا كعب بن زيد رضي الله تعالى عنه، فإنه بقي به رمق، وحمل من المعركة، فعاش بعد ذلك حتى قتل يوم الخندق شهيدا، وإلا عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه ورجلا آخر كانا في سرح القوم، لما أحاطوا بهم قالوا: اللهم إنا لا نجد من يبلّغ رسولك عنا السلام غيرك، فأقرِئه منا السلام، فأخبره جبريل عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال: وعليهم السلام.

أي وفي لفظ أنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا فلما جاءه الخبر من السماء قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إخوانكم قد لقوا المشركين، وقتلوهم، وإنهم قالوا: ربنا بلغ قومنا أنا قد لقينا ربنا ورضينا عنه ورضي عنا ربنا. وفي لفظ: فرضي عنا وأرضانا فأنا رسولهم إليكم إنهم قد رضوا عنه ورضي عنهم.

وذكر أنس رضي الله عنه أن ذلك: أي قولهم المذكور كان قرآنا يتلى، ثم نسخت تلاوته، أي فصار ليس له حكم القرآن من التعبد بتلاوته وأنه لا يمسه إلا الطاهر ولا يتلى في صلاة إلى غير ذلك من أحكام القرآن.

ولما رأى عمرو بن أمية والرجل الذي معه الطير تحوم على محل أصحابهما، أي وكانا في رعاية إبل القوم كما تقدم، قالا والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا ينظران، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الرجل الذي مع عمرو: ماذا ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال له لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، فأقبلا فلقيا القوم، فقتل ذلك الرجل وأسر عمرو، فأخبرهم أنه من مضر. فأخذه عامر بن الطفيل وجز ناصيته. وأعتقه عن رقبة كانت على أمه. فخرج عمرو حتى جاء إلى ظل فجلس فيه. فأقبل رجلان حتى نزلا به معه، فسألهما فأخبراه أنهما من بني عامر، وفي لفظ من بني سليم وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو. فأمهلهما حتى ناما فعدا عليهما فقتلهما وهو يرى أي يظن أنه قد أصاب بهما ثأرا من بني عامر، فلما قدم عمرو على رسول الله ﷺ أخبره الخبر وأخبره بقتل الرجلين، فقال له: لقد قتلت قتيلين لأدينهما: أي لأدفعن ديتهما. ثم قال رسول الله ﷺ: هذا عمل أبي براء. قد كنت لهذا كارها متخوفا. ولما بلغ أبا براء أن عامر بن الطفيل ولد أخيه أزال خفارته شق عليه ذلك وشق عليه ما أصاب أصحاب رسول الله ﷺ بسببه فعند ذلك حمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل، أي الذي هو ابن عمه فطعنه بالرمح فوقع في فخذه ووقع عن فرسه، وقال: إن أنا مت فدمي لعمي يعني أبا براء، وإن أعش فسأرى رأيي، أي وفي لفظ: نظرت في أمري.

وفي الإصابة أن ربيعة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أيغسل عن أبي هذه العذرة أن أضرب عامر بن الطفيل ضربة أو طعنة، قال نعم فرجع ربيعة فضرب عامرا ضربة أشواه منها فوثب عليه قومه، فقالوا لعامر بن الطفيل اقتص، فقال قد عفوت. أي وعقب ذلك مات أبو براء أسفا على ما صنع به ابن أخيه عامر بن الطفيل من إزالته خفارته، وعاش عامر بن الطفيل ولم يمت من هذه الطعنة، بل مات بالطاعون بدعائه كما سيأتي في الوفود في وفد بني عامر ( ).

أي وقال بعضهم: قد أخطأ المستغفري في عده صحابيا، ولما قتل عامر بن فهيرة رضي الله تعالى عنه رفع إلى السماء، فلما رأى قاتله ذلك أسلم، أي وهو جبار بن سلمى، أي لا عامر بن الطفيل كما وقع في بعض الروايات، كما علمت.

وقال أي لما بلغه قتل عامر بن فهيرة: «إن الملائكة وارت جثة عامر بن فهيرة» أي في الأرض: أي بناء على أنه لما وقع إلى السماء وضع كما في البخاري، فقد جاء أن عامر بن الطفيل، قال لعمرو بن أمية رضي الله تعالى عنه وأشار إلى قتيل من هذا، فقال له عمرو هذا عامر بن فهيرة، فقال لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء وبين الأرض ثم وضع.

وفي بعض الروايات أن عامر بن فهيرة التمس في القتلى يومئذ، أي فلم يوجد فيرون أن الملائكة رفعته، وظاهرها أن الملائكة لم تضعه في الأرض بل رفعته، أي ويؤيده أن عامر بن الطفيل لعنه الله دخل بعمرو بن أمية رضي الله تعالى عنه في القتلى، وصار يقول له ما اسم هذا، ما اسم هذا، ما اسم هذا؟ ثم قال له هل من أصحابك من ليس فيهم؟ قال نعم، ما رأيت فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، قال له عامر: أي رجل هو فيكم؟ قال: من أفضلنا وأولى، أي ومن أولى المسلمين من أصحاب رسول الله، فقال له عامر: لما قتل رأيته رفع إلى السماء.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة، ومكث يدعو عليهم ثلاثين صباحا.

أقول: وفي رواية الشيخين قنت شهرا أي متتابعا يدعو على قاتلي أصحاب بئر معونة، أي بعد الاعتدال في الصلوات الخمس من الركعة الأخيرة وحينئذ يكون المراد بالصباح اليوم وليلته.

وذكر بعض أصحابنا أنه: «كان يرفع يديه في الدعاء المذكور وقاس عليه رفعهما في قنوت الصبح» وروى الحاكم أنه كان يرفع يديه في قنوت الصبح.

واستدل أصحابنا على استحباب القنوت للنازلة في سائر المكتوبات بقنوته ودعائه على قاتلي أصحاب بئر معونة.

وفي بعض السير: فدعا النبي ﷺ شهرا عليهم في صلاة الغداة. وفي لفظ يدعو في الصبح، وذلك بدء القنوت، وما كان يقنت رواه الشيخان.

وقد سئل الجلال السيوطي هل دعاؤه على من قتل أصحابه كان عقب فراغه من القنوت المشهور أو كان الدعاء هو قنوته؟ فأجاب رحمه الله بأنه لم يقف على شيء من الأحاديث يدل على أنه جمع بين القنوت والدعاء، قال: بل ظاهر الأحاديث أنه اقتصر على الدعاء، أي فيكون قنوته هو الدعاء، وهو الموافق لقول أصحابنا. ويستحب القنوت في اعتدال آخرة صبح مطلقا وآخر سائر المكتوبات أي باقيها للنازلة وهو: اللهم اهدنا الخ في أن أل في القنوت للعهد والله أعلم.

وفي رواية أنه يدعو على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين، أي بئر معونة والرجيع دعاء واحدا، لأنه جاءه خبرهما في وقت واحد كما تقدم، وأدمج البخاري رحمه الله بئر معونة مع بعث الرجيع لقربهما في الزمن، أي ففيه مكث يدعو على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، أي وهو يقتضي أنهما شيء واحد وليس كذلك، وقد علمت أن بني لحيان قتلوا أصحاب الرجيع ومن قبلهم قتلوا أصحاب بئر معونة، والله سبحانه وتعالى أعلم.


سرية محمد بن سلمة إلى القرطاء

بالقاف المفتوحة وبالطاء المهملة، وهم بنو بكر بن كلاب.

بعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء في ثلاثين راكبا أي وأمره أن يسير إلى الليل ويكمن النهار، وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار، قال: وصادف في طريقه ركبانا نازلين، فأرسل إليهم رجلا من أصحابه يسأل من هم؟ فذهب الرجل ثم رجع إليه، فقال: قوم من محارب، فنزل قريبا منهم، ثم أمهلهم حتى عطنوا: أي بركوا الإبل حول الماء، أغار عليهم، فقتل نفرا منهم أي عشرة وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء، ولم يتعرض للظعن أي النساء انتهى ثم انطلق حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر بعث عابد بن بشير إليهم وخرج محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه في أصحابه فشن عليهم الغارة، فقتل منهم عشرة واستاقوا النعم والشاء، ثم انحدر رضي الله تعالى عنه إلى المدينة فخمس رسول الله ﷺ ما جاء به وعدل الجزور بعشرة من الغنم، وكان النعم مائة وخمسين بعيرا، والغنم ثلاثة آلاف شاة، وأخذت تلك السرية ثمامة بن أثال الحنفي من بني حنيفة أي سيد أهل اليمامة وهم لا يعرفونه، وجيء به إلى رسول الله، فقال لهم: أتدرون من أخذتم، هذا ثمامة بن أثال الحنفي، فأحسنوا إساره أي قيده ( ) فربط بسارية من سواري المسجد.

قال: وقيل إن هذه السرية لم تأخذه بل دخل المدينة وهو يريد مكة للعمرة فتحير في المدينة، وقد كان جاء إلى رسول الله ﷺ رسولا من عند مسيلمة وأراد اغتياله، فدعا ربه أن يمكنه منه، فأخذ وجيء به إلى رسول الله، فربط بسارية من سواري المسجد، فدخل على أهله فقال اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه، وأمر له بناقة يأتيه لبنها مساءً وصباحا، وكان ذلك لا يقع عند ثمامة موقعا من كفايته: أي وجاء إليه رسول الله، فقال: ما لك يا ثمام: هل أمكن الله منك؟ فقال: قد كان ذلك يا محمد. وصار رسول الله ﷺ يأتيه فيقول: ما عندك يا ثمامة، فيقول: يا محمد عندي خير، إن تقتل تقتل ذا كرم. وفي لفظ: ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ففعل ذلك معه، ثلاثة أيام، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فجعلنا أيها المساكين أي أصحاب الصفة نقول: نبينا ما يصنع بدم ثمامة، والله لأكله جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دم ثمامة.

وفي الاستيعاب أنه انصرف عن ثمامة وهو يقول: اللهم أكلة لحم من جزور أحب إليّ من دم ثمامة، ثم أمر به فأطلق، ثم إن رسول الله ﷺ في اليوم الثالث قال: أطلقوا ثمامة فقد عفوت عنك يا ثمامة، فأطلق، فانطلق إلى ماء جار قريب من المسجد فاغتسل وطهر ثيابه، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أي وهذا يخالف ما ذكره فقهاؤنا من الاستدلال بقصة ثمامة على أنه يستحب لمن أسلم أن يغتسل لإسلامه، ثم رأيت بعض متأخري أصحابنا أجاب بأنه أسلم أولا، ثم لما اغتسل أظهر إسلامه.

وفي الاستيعاب: فأسلم، فأمر النبي ﷺ أن يغتسل كما في رواية أخرى أنه قال: يا محمد والله ما على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ، والله ما كان على الأرض من دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحب البلاد إليّ، ثم شهد شهادة الحق، فلما أمسى جيء له بما كان يأتيه من الطعام، فلم ينل منه إلا قليلا. ولم يصب من حلاب اللقحة إلا يسيرا، فعجب المسلمون. قال وقال: يا رسول الله إني خرجت معتمرا، وفي لفظ في الصحيح: فإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فأمره أن يعتمر، فلما قدم بطن مكة لبى، فكان أول من دخل مكة ملبيا، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اجترأت علينا، أنت صبوت يا ثمامة. قال: أسلمت وتبعت خير دين محمد، والله لا يصل إليكم حبة من حنطة: أي من اليمامة من أرض اليمن، وكانت ريفا لأهل مكة حتى يأذن فيها رسول الله، فقدموه ليضربوا عنقه، فقال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة فخلوا سبيله، فخرج ثمامة إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا حتى أضرّ بهم الجوع، وأكلت قريش العلهز وهو الدم يخلط بأوبار الإبل فيشوى على النار كما تقدم، فكتبت قريش إلى رسول الله ﷺ: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين، فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا. فكتب رسول الله ﷺ إلى ثمامة رضي الله تعالى عنه أن يخلي بينهم وبين الحمل. وفي لفظ: خلّ بين قومي وبين ميرتهم، ففعل، فأنزل الله تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب} الآية.

هذا والذي في الاستيعاب أن ثمامة لما دخل مكة وقد سمع المشركون خبره، فقالوا: يا ثمامة صبوت وتركت دين أبائك، قال: لا أدري ما تقولون، إلا أني أقسمت برب هذه البنية يعني الكعبة لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنفعون به حتى تتبعوا محمدا من آخركم، وكانت ميرة قريش ومنافعهم من اليمامة، ثم خرج رضي الله تعالى عنه فمنع عنهم ما كان يأتي منها. فلما أضرّ بهم ذلك كتبوا إلى رسول الله ﷺ: أن عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم وتحث عليها وإن ثمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضرّ بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين ميرتنا فافعل، فكتب إليه رسول الله ﷺ: أن خل بين قومي وبين ميرتهم.

ولما عجب المسلمون من أكله بعد إسلامه رضي الله تعالى عنه، لكونه دون أكله قبل إسلامه قال لهم رسول الله ﷺ: مم تعجبون؟ أمن رجل أكل أول النهار في معى كافر وأكل آخر النهار في معى مسلم، إن الكافر ليأكل في سبعة أمعاء، وإن المسلم يأكل في معى واحد انتهى.

أي وقد وقع له ذلك مع جهجاه الغفاري رضي الله تعالى عنه فإنه أكل مع النبي ﷺ وهو كافر فأكثر، ثم أكل معه وقد أسلم فأقل، فقال النبي: «المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» ولعل المراد بالأكل ما يشمل الشرب، ثم رأيت في الجامع الصغير: «إن الكافر ليشرب في ستعة أمعاء والمسلم يشرب في معى واحد» والمراد أنه يأكل ويشرب مثل الذي يأكل ويشرب في سبعة أمعاء.

وكان رضي الله تعالى عنه مقيما باليمامة، ولما ارتد أهل اليمامة ثبت ثمامة في قومه على الإسلام، وكان ينهاهم عن اتباع مسيلمة لعنه الله، ويقول لهم: إياكم وأمرا مظلما لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله على من اتبعه منكم.


سرية عكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه إلى الغمر

بفتح الغين المعجمة وسكون الميم والراء: ماء لبني أسد: أي جمع من بني أسد:

وجه رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن الأسدي رضي الله تعالى عنه في أربعين رجلا منهم ثابت بن أرقم رضي الله تعالى عنه، وقيل إن ثابتا رضي الله تعالى عنه هو الذي كان الأمير على هذه السرية، فخرج يسرع في السير إلى أن وصل إلى الماء المذكور، فوجد القوم علموا بهم فهربوا ولم يجدوا في دارهم أحدا، فبعث شجاع بن وهب طليعه يطلب خبرا ويرى أثرا فأخبر أنه رأى أثر نعم قريبا، فخرجوا فوجدوا رجلا نائما، فسألوه عن خبر الناس: فقال: وأين الناس، لقد لحقوا بعليات بلادهم، ، قالوا: فالنعم؟ قال: معهم، فضربه به أحدهم بسوط في يده، فقال: تؤمنوني على دمي وأطلعكم على نعم لبني عم له لم يعلموا بمسيركم إليهم، قالوا نعم، فأمنوه فانطلقوا معه، فأمعن: أي بالغ في الطلب حتى خافوا أن يكون ذلك غدرا منه لهم. فقالوا: والله لتصدقنا أو لنضربن عنقك، فقال: تطلعون عليهم من هذا المحل، فلما طلعوا منه وجدوا نعما رواتع، فأغاروا عليها، فاستاقوها، فإذا هي مائة بعير وشردت الأعراب في كل وجه ولم يطلبوهم، وانحدروا إلى المدينة بتلك الإبل، وأطلقوا الرجل الذي أمنوه، والله أعلم.


سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه لذي القصة

بفتح القاف والصاد المهملة المشددة، وهو موضع قريب من المدينة.

بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة في عشرة نفر لبني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة بذي القصة، فورد عليهم ليلا، فكمن القوم وهم مائة رجل لمحمد بن مسلمة وأصحابه، وأمهلوهم حتى ناموا وأحدقوا بهم: أي فما شعروا إلا وقد خالطهم القوم، فوثب محمد بن مسلمة فصاح في أصحابه: السلاح، فوثبوا وتراموا ساعة، ثم حمل القوم عليهم بالرماح فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة جريحا، فضربوا كعبه فلم يتحرك فظنوا موته، فجردوه من الثياب وانطلقوا، ومر بمحمد وأصحابه رجل من المسلمين فاسترجع، فلما سمعه محمد رضي الله تعالى عنه يسترجع تحرك له، فأخذه وحمله إلى المدينة. فعند ذلك بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارعهم فلم يجدوا أحدا. ووجدوا نعما وشاء، فانحدروا بها إلى المدينة.


سرية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه إلى ذي القصة أيضا

بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه في أربعين رجلا إلى من بذي القصة: فإنه بلغه أنهم يريدون أن يغيروا على سرح المدينة وهو يرعى يومئذ بمحل بينه وبين المدينة سبعة أميال فصلوا المغرب، ومشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم: فأعجزوهم هربا في الجبال: وأسروا رجلا واحدا، وأخذوا نعما من نعمهم، ورثة: أي ثيابا خَلِقة من متاعهم، وقدموا بذلك إلى المدينة، فخمسه رسول الله، وأسلم الرجل، فتركه.


سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه إلى بني سليم بالجموح

بفتح الجيم، وهو اسم لناحية من بطن نخل.

بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى بني سليم، بالجموح، فسار حتى ورد ذلك المحل. فأصابوا امرأة من مزينة فدلتهم على محلة من محال القوم، فأصابوا في تلك المحلة إبلا وشاء، وأسروا منها جماعة من جملتهم زوج تلك المرأة، وانحدروا بذلك إلى المدينة، فوهب رسول الله ﷺ لتلك المرأة نفسها وزوجها.


سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما إلى العيص

وهو محل بينه وبين المدينة أربع ليال.

بلغ رسول الله ﷺ أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب ليعترضها، أي وكان فيها أبو العاص بن الربيع، وقدم به وبتلك العير المدينة، فاستجار أبو العاص بزوجته زينب رضي الله تعالى عنها، فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله ﷺ الفجر: أي دخل في الصلاة هو وأصحابه، فقالت: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فقال رسول الله ﷺ: أي لما سلم وأقبل على الناس وقال: هل سمعتم ما سمعت؟ قالو نعم، قال: أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء من هذا، أي ثم انصرف فدخل على ابنته وقال: قد أجرنا من أجرت. قال: وقال: «المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم» أي وفي الصحيحين: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما» أي أزال خفارته: أي نقض جواره وعهده «فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ثم دخلت عليه زينب رضي الله تعالى عنها فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه، فأجابها إلى ذلك، وقال لها: «أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك، فإنك لا تحلين له»: أي لتحريم نكاح المؤمنات على المشركين أي كما تقدم في الحديبية.

وبعث للسرية فقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي فاء عليكم، فأنتم أحق به، فقالوا: يا رسول الله بل نرد عليه، فرد عليه ما أخذ منه.

وهذا السياق يدل على أن ذلك كان قبل صلح الحديبية ووقوع الهدنة، لأن بعد ذلك لم تتعرض سرايا رسول الله ﷺ لقريش، وهو يخالف قوله لها: «لا يخلص إليك، لأن تحريم نكاح المؤمنات على المشركين إنما كان في الحديبية».

وقد ذكر بعضهم أن ذلك كان قبيل الفتح سنة ثمان، ومن ثم ذكر الزهري وتبعه ابن عقبة رحمهما الله تعالى أن الذين أخذوا هذا العير وأسروا من فيها أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما رضي الله تعالى عنهم، لأنهم كانوا في مدة صلح الحديبية، من شأنهم أن كل عير مرت بهم لقريش أخذوها بغير معرفة رسول الله ﷺ كما تقدم، فلما أخذوا هذه العير خلوا سبيل أبي العاص لكونه صهر رسول الله. وقيل أعجزهم هربا، وجاء تحت الليل فدخل على زوجته زينب رضي الله تعالى عنها فاستجار بها فأجارته، ثم كلمها في أصحابه الذين أسروا، فكلمت رسول الله ﷺ في ذلك، فخطب الناس وقال: إنا صاهرنا أبا العاص فنعم الصهر وجدناه، وإنه قد أقبل من الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير وأسروهم، وأخذوا ما كان معهم، وأن زينب بنت رسول الله ﷺ سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟ فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأبا بصير وأصحابهما قول رسول الله ﷺ ردوا الأسرى، وردوا عليهم كل شيء حتى العقال.

وصوّب في الهدى هذا الذي ذكره الزهري، أي لما علمت أن مما يؤيد ذلك قوله لبنته زينب: ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له، لأن تحريم نكاح المؤمنات على المشركين إنما كان بعد الحديبية.

وذكر أن المسلمين قالوا لأبي العاص: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش وأنت ابن عم رسول الله، أي لأنه يلتقي مع النبي ﷺ في جده عبد مناف، فهل لك أن تسلم فتغنم ما معك من أموال أهل مكة، فقال: بئسما أمرتموني أفتتح ديني بغدرة: أي بالغدر وعدم الوفاء، ثم ذهب أبو العاص إلى أهل مكة فأدى كل ذي حقّ حقه، ثم قام فقال: يا أهل مكة هل بقي لأحد منكم مال لم يأخذه، هل وفيت ذمتي؟ فقالوا اللهم نعم، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلا خشية أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم.

ثم خرج حتى قدم المدينة على النبي، فرد له رسول الله ﷺ زينب رضي الله تعالى عنها على النكاح الأول ولم يحدث نكاحا، وذلك بعد ست سنين وقيل بعد سنة واحدة انتهى.

أقول: وفي رواية بعد سنتين. والمتبادر أن السنة أو السنتين من إسلامها دونه، وهو مخالف لما عليه أهل العلم من أنه لا بد أن يجتمع الزوجان في الإسلام والعدة، ومن ثم قالت طائفة منهم الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا يعرف وجهه.

وفي كلام بعض الحفاظ: يمكن أن يقال قوله بعد ست سنين ولم يقل من إسلامها دونه صيره مجهول تاريخ الابتداء فلا يصح الاستدلال به.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله ﷺ ردّ بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد. قال بعضهم: وهذا في إسناده مقال، وقال غيره: هذا حديث ضعيف، وقال آخر: لا يثبت» والحديث الصحيح إنما هو أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح الأول.

وقال ابن عبد البر: حديث أنه أقرهما على النكاح الأول متروك لا يعمل به عند الجميع. وحديث ردها بنكاح جديد عندنا صحيح يعضده الأصول، وإن صح الأول أريد به على الصداق الأول وهو حمل حسن، هذا كلامه.

قال بعضهم: تصحيح ابن عبد البر لحديث إنه ردها بنكاح جديد مخالف لكلام أئمة الحديث كالبخاري وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد القطان والدارقطني والبيهقي وغيرهم، هذا كلامه.

وفي كون زينب رضي الله تعالى عنها كانت مشركة وأسلمت قبل زوجها المشعر به قول بعضهم ولم يقل من إسلامها ـ نظر، لأنها اتبعت ما بعث به أبوها من غير تقدم شرك منها.

لا يقال: فحيث كانت مسلمة فكيف زوّجها من أبي العاص وهو كافر. لأنا نقول على فرض أنه زوّجها له بعد البعث فقد زوجها له قبل نزول قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} لأن تلك الآية نزلت بعد صلح الحديبية كما علمت. على أن ابن سعد ذكر أنه زوّجها له في الجاهلية: أي قبل البعثة، والله أعلم.


سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما إلى بني ثعلبة

أي بالطِرف ككتف: اسم ماء.

بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا: أي بالطرف، فأصاب عشرين بعيرا وشاء، واقتصر الحافظ الدمياطي على النعم، ولم يذكر الشاء ولم يجد أحدا، لأنهم ظنوا أن رسول الله ﷺ سار إليهم، فصبح زيد رضي الله تعالى عنه بالنعم والشاء المدينة، أي وقد خرجوا في طلبه فأعجزهم ( ) وكان شعارهم الذي يتعارفون به في ظلمة الليل «أمت أمت».


سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما إلى جذام

محل يقال له حِسْمى بكسر الحاء المهملة وسكون السين على وزن فعلى. وهو موضع وراء وادي القرى، يقال إن الطوفان أقام بذلك المحل بعد نضوبه: أي ذهابه ثمانين سنة.

وسببها أن دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه أقبل من عند قيصر ملك الروم، أي وكان وجهه إليه() كذا قيل، ولعله من تصرف بعض الرواة، أو أنه أرسله إليه بغير كتاب، وإلا فإرساله إليه بالكتاب كان بعد هذه السرية، لأنه كان بعد الحديبية.

ولما وصل رضي الله تعالى عنه إليه أجازه بمال وكساء فأقبل بذلك إلى أن وصل ذلك المحل، فلقيه الهنيد وابنه في ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق وسلبوه ما معه، ولم يتركوا عليه إلا ثوبا خلقا، فسمع بذلك نفر من جذام من بني الضبيب: أي ممن أسلم منهم فنفروا إليهم، واستنقذوا لدحية رضي الله تعالى عنه ما أخذ منه، وقدم دحية على رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل وردّ معه دحية، وكان زيد رضي الله تعالى عنه يسير بالليل ويكمن بالنهار ومعه دليل من بني عذرة فأقبل حتى هجم على القوم: أي على الهنيد وابنه ومن كان معهم مع الصبح، فقتلوا الهنيد وابنه ومن كان معهم، وأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف، ومن السبي مائة من النساء والصبيان. قال: ولما سمع بنو الضبيب بما صنع زيد رضي الله تعالى عنه ركبوا وجاؤوا إلى زيد وقال له رجل منهم: إنا قوم مسلمون، فقال له زيد اقرأ أمّ الكتاب فقرأها، ثم قدم منهم جماعة رسول الله ﷺ وأخبروه الخبر وقال بعضهم: يا رسول الله لا تحرم علينا حلالا، ولا تحل لنا حراما، فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقال: أطلق لنا من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين، فقال رسول الله ﷺ: صدق، فقالوا: ابعث معنا رجلا لزيد رضي الله تعالى عنه، فبعث معهم عليا كرم الله وجهه يأمر زيدا أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، أي فقال عليّ: يا رسول الله إن زيدا لا يطيعني، فقال: خذ سيفي هذا، فأخذه وتوجه، فلقي علي كرم الله وجهه رجلا أرسله زيد رضي الله تعالى عنه مبشرا على ناقة من إبل القوم، فردها علي كرم الله وجهه على

القوم، وأردفه خلفه، ولقي زيدا فأبلغه أمر رسول الله. قال: وعند ذلك قال له زيد، ما علامة ذلك؟ فقال: هذا سيفه فعرف زيد السيف وصاح بالناس فاجتمعوا، فقال: من كان معه شيء فليرده، فهذا سيف رسول الله، فرد الناس كافة كل ما أخذوه انتهى.

أقول: وهذا السياق يدل على أن جميع ما أخذه من النعم والشاء والسبي كان لمن أسلم من جذام من بني الضبيب، وإن بعض من قتل مع الهنيد وابنه كان مسلما، وفي ذلك من البعد ما لا يخفى، والله أعلم.


سرية أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه لبني فزارة

كما في صحيح مسلم بوادي القرى

عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى فزارة وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشنينا الغارة فوردنا الماء. فقتل أبو بكر: أي جيشه من قتل، ورأيت طائفة منهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فأدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا وفيهم امرأة: أي وهي أم قرفة عليها قشع من أدم: أي فروة خلقة معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر رضي الله تعالى عنه ابنتها، فلم أكشف لها ثوبا، فقدمنا المدينة، فلقيني رسول الله، فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك: أي أبوك لله خالصا حيث أنجب بك وأتى بمثلك، يقال ذلك في مقام المدح والتعجب: أي وقد كان وصف له جمالها، فقلت: هي لك يا رسول الله، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.

وفي لفظ: فدى بها أسيرا كان في قريش من المسلمين، كذا ذكر الأصل أن أمير هذه السرية: أي التي أصابت أم قرفة أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وأنه الذي في مسلم.

وذكر في الأصل قبل ذلك عن ابن إسحاق وابن سعد أن أمير هذه السرية، أي التي أصابت أم قرفة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما، وأنه لقي بني فزارة وأصيب بها ناس من أصحابه، وانفلت زيد من بين القتلى: أي احتمل جريحا وبه رمق، فلما قدم زيد رضي الله تعالى عنه نذر أن لا يمس رأسه غسل من الجنابة حتى يغزو بني فزارة، فلما عوفي أرسله إليهم، فكمنوا النهار وساروا الليل حتى أحاطوا بهم، وكبروا وأخذوا أم قرفة وكانت أم قرفة في شرف من قومها، وكان يعلق في بيتها خمسون سيفا كلهم لها محرم، وكان لها اثنا عشر ولدا. ومن ثم كانت العرب تضرب بها المثل في العزة، فتقول: لو كنت أعز من أم قرفة، فأمر زيد بن حارثة أن تقتل أم قرفة، أي لأنها كانت تسب النبي.

وجاء أنها جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها وقالت لهم: اغزوا المدينة واقتلوا محمدا، لكن قال بعضهم: إنه خبر منكر ( ) فربط برجليها حبلين ثم ربطا إلى بعيرين وزجرهما، أي وقيل إلى فرسين، فركضا فشقاها نصفين، وقرفة ولدها هذا الذي تكنى به قتله النبي ﷺ وبقية أولادها قتلوا مع أهل الردة في خلافة الصديق فلا خير فيها ولا في بنيها، ثم قدموا على رسول الله ﷺ بابنة أم قرفة، وذكر له جمالها، فقال لابن الأكوع: يا سلمة ما جارية أصبتها، قال: يا رسول الله جارية رجوت أن أفدي بها امرأة منا في بني فزارة: فأعاد رسول الله ﷺ الكلام مرتين أو ثلاثا، فعرف سلمة أنه يريدها، فوهبها له، فوهبها النبي ﷺ لخاله حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بمكة، وكان أحد الأشراف، فولدت له عبد الرحمن بن حزن، وإنما قيل لحزن خاله لأن فاطمة أم أبي النبي ﷺ هي بنت عائذ كما تقدم، وعائذ جد حزن لأبيه، وفي لفظ بنت عمرو بن عائذ.

وفي كلام السهيلي أن رواية الفداء لمن كان أسيرا بمكة أصح من رواية أنه وهبها لخاله حزن.

وجمع الشمس الشامي بين الروايتين حيث قال: يحتمل أنهما سريتان اتفق لسلمة بن الأكوع فيهما ذلك، أي إحداهما لأبي بكر، والأخرى لزيد بن حارثة، ويؤيد ذلك أن في سرية أبي بكر أن رسول الله ﷺ بعث ببنت أم قرفة إلى مكة ففدى بها أسرى كانوا في أيدي المشركين. أي وفي سرية زيد وهبها لخاله حزن بمكة. قال: ولم أر من تعرض لتحرير ذلك انتهى.

أقول: في هذا الجمع نظر، لأنه يقتضي أن أم قرفة تعددت، وأن كل واحدة كانت لها بنت جميلة، وأن سلمة بن الأكوع أسرهما، وأنه أخذهما منه، وفي ذلك بعد، إلا أن يقال: لا تعدد لأم قرفة وتسميه المرأة في سرية أبي بكر أم قرفة وهم من بعض الرواة. ويدل عليه أن بعضهم أوردها ولم يسم المرأة أم قرفة، بل قال فيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب، فنفلني أبو بكر بنتها فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا، فلقيني رسول الله ﷺ في السوق مرتين في يومين، فقال: يا سلمة هبني المرأة، فقلت: هي لك، فبعث بها إلى مكة ففدى بها ناسا كانوا أسرى بمكة.

ثم لا يخفى أن ما ذكره الأصل عن ابن إسحاق وابن سعد من أنه أرسل زيد بن حارثة إلى وادي القرى، أي غازيا لبني فزارة، وأنه لقيهم وأصيب بها ناس من أصحابه، وأفلت زيد من بين القتلى جريحا الخ يخالفه ما ذكره عن ابن سعد مما يقتضي أن زيد بن حارثة في هذه لم يكن غازيا، بل كان تاجرا، وأنه لم يرسل لبني فزارة وإنما اجتاز بهم فقاتلوه.

والمذكور عن ابن سعد ما نصه: قالوا: خرج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي، فلما كان دون وادي القرى لقيه ناس من فزارة فضربوه وضربوا أصحابه، أي فظنوا أنهم قد قتلوا وأخذوا ما كان معهم، فقدموا المدينة، ونذر زيد أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة، فلما خلص من جراحته بعثه رسول الله ﷺ في سرية لهم، وقال لهم: اكمنوا النهار وسيروا الليل، فخرج بهم دليل من بني فزارة وقد نزر بهم القوم، فكانوا يجعلون له ناظورا حين يصبحون فينظر على جبل يشرف على وجه الطريق الذي يرون أن المسلمين يأتون منه، فينظر قدر مسيرة يوم، فيقول اسرحوا فلا بأس عليكم، فإذا أمسوا أشرف ذلك الناظر على ذلك الجبل فينظر مسيرة ليلة، فيقول ناموا فلا بأس عليكم في هذه الليلة، فلما كان زيد بن حارثة وأصحابه على نحو مسيرة ليلة أخطأ بهم الدليل الفزاري طريقهم، فأخذ بهم طريقا أخرى حتى أمسوا وهم على خطأ، فعاينوا الحاضر من بني فزارة، فحمدوا خطأهم فكمن لهم في الليل حتى أصبحوا فأحاطوا بهم ثم كبر زيد وكبر أصحابه إلى آخر ما تقدم.

ولما قدم زيد بن حارثة المدينة جاء إليه وقرع عليه الباب، فخرج إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه واعتنقه وقبله، وسأله فأخبره بما ظفره الله تعالى به.

وحينئذ يشكل قوله في الأصل: ثبت عن ابن سعد لزيد بن حارثة سريتين بوادي القرى. إحداهما في رجب والأخرى في رمضان، فإنه بظاهره يقتضي أنه أرسل غازيا المرتين لبني فزارة بوادي القرى.

وقد علمت أن كلام ابن سعد يدل على أن زيد بن حارثة في السرية الأولى إنما كان تاجرا اجتاز ببني فزارة بوادي القرى فقاتلوه هو وأصحابه وأخذوا ما معهم.

ثم رأيت الأصل تبع في ذلك شيخه الحافظ الدمياطي حيث قال سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب: قالوا: بعث رسول الله ﷺ زيدا رضي الله تعالى عنه أميرا. ثم قال: سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بناحية وادي القرى في رمضان. وفيه ما علمت.

ثم لا يخفى أن في هذا إطلاق السرية على الطائفة التي خرجت للتجارة ولا يختص ذلك بمن خرج للقتال أو لتجسس الأخبار، وقد تقدم.


سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل

بضم الدال المهملة وبفتحها، وأنكره ابن دريد لبني كلب.

بعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، فأقعده بين يديه وعممه بيده، قال أي بعد أن قال له: تجهز فإني باعثك في سرية من يومك هذا أو من الغد إن شاء الله تعالى. ثم أمره أن يسري من الليل إلى دومة الجندل في سبعمائة وعسكروا خارج المدينة.

فلما كانت وقت السحر جاء عبد الرحمن بن عوف إلى رسول الله ﷺ وقال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك، وكان عليه عمامة من كرابيس: أي غليظة قد لفها على رأسه، فنقضها رسول الله ﷺ بيده ثم عممه بعمامة سوداء وأرخى بين كتفيه منها أربع أصابع أو نحوا من ذلك. ثم قال: هكذا يا بن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف.

ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه، وقام فحمد الله، ثم صلى على نفسه، ثم قال: خذه يا بن عوف انتهى، وقال: اغز بسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغلّ، أي لا تخن في المغنم ولا تغدر، أي لا تترك الوفاء، ولا تقتل وليدا وفي رواية: لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تنكثوا، ولا تملوا، ولا تقتلوا وليدا: أي صبيا، فهذا عهد الله وسنة نبيكم فيكم ثم قال له: إذا استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن بن عوف حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام وهم يأبون ويقولون: لا نعطي إلا السيف. وفي اليوم الثالث أسلم رأسهم وملكهم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانيا: قال في النور: لم أجد أحدا ترجمه، والظاهر أنه ما وفد على النبي ﷺ فهو تابعي، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقر من أقام على كفره بإعطاء الجزية: أي وأرسل رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ يعلمه بذلك وأنه يريد أن يتزوج فيهم. فكتب إليه رسول الله ﷺ أن تزوج ببنت الأصبغ، أي فتزوجها رضي الله تعالى عنه، وبنى بها عندهم، وقدم بها المدينة، وهي أم ولده سلمة بن عبد، الرحمن بن عوف، وهي أول كلبية نكحها قرشي، ولم تلد غير سلمة وطلقها عبد الرحمن في مرض موته ثلاثا ومتعها جارية سوداء، ومات وهي في العدة، وقيل بعد انقضاء العدة فورّثها عثمان رضي الله تعالى عنه.

قال: وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «سرت لأسمع وصية رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فإذا فتى من الأنصار أقبل يسلم على رسول الله ﷺ ثم جلس، فقال: يا رسول الله أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقا، ثم قال: وأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا قبل أن ينزل بهم، أولئك الأكياس. ثم سكت الفتى وأقبل رسول الله، فقال: «يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلت بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن، إنه لن تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. وما نقص المكيال والميزان في قوم إلا أخذهم الله بالسنين، ونقص من الثمرات، وشدة المؤنة، وجور السلطان لعلهم يذكرون. وما منع قوم الزكاة إلا أمسك الله عنهم قطر السماء ولولا البهائم لم يسقوا وما نقض قوم عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذ ما كان في أيديهم. وما حكم قوم بغير كتاب الله إلا جعل الله تعالى بأسهم بينهم» وفي رواية: «إلا ألبسهم الله شيعا وأذاق بعضهم بأس بعض».

وفي الأصل ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه لدومة الجندل في سرية. زاد في السيرة الشامية على ذلك قوله: كما سيأتي.


سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما إلى مدين

قرية سيدنا شعيب صلوات الله وسلامه عليه، وهي تجاه تبوك فأصاب سبيا، وفرقوا في بيعهم بين الأمهات والأولاد، فخرج رسول الله ﷺ وهم يبكون، فقال: «ما لهم؟ » فقيل: يا رسول الله فرق بينهم: أي الأمهات والأولاد، فقال رسول الله: «لا تبيعوهم إلا جميعا».

قال في الأصل: وكان مع زيد رضي الله تعالى عنه في هذه السرية ضميرة مولى علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وكذا أخوه رضي الله تعالى عنه، وأخ له وهو تابع في ذلك لابن هشام. وردّ بأن مولى عليّ هذا الذي هو ضميره لم يذكر في كتب الصحابة وكذا أخوه.


سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى بني سعد بن بكر بفدك

وهي قرية بينها وبين المدينة ست ليال، أي وفي لفظ: ثلاث مراحل، وهي خراب الآن. وفي الصحاح: فدك قرية بخيبر.

وسببها أنه بلغه أن لبني سعد جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، وأن يجعلوا لهم تمر خيبر: أي ما يوجد من غلتها، فبعث إليهم عليا كرّم الله وجهه في مائة رجل، فسار الليل وكمن النهار إلى أن نزلوا محلا بين خيبر وفدك، فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم؟ أي فقال: لا علم لي، فشدوا عليه، فأقر أنه عين: أي جاسوس لهم، وقال: أخبركم على أن تؤمنوني؟ فأّمنوه، فدلهم، فأغاروا عليهم وأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن، فعزل علي كرّم الله وجهه صفيّ رسول الله ﷺ لقوحا: أي حلوبا ( ) قريبة عهد بنتاج تدعى الحفدة بفتح الحاء وكسر الفاء وفتح الدال المهملة لسرعة سيرها، ومنه في الدعاء: إليك نسعى ونحفد ثم عزل الخمس وقسم الباقي على أصحابه.

أقول: قوله يريدون أن يمدوا يهود خيبر، يقتضي بظاهره أن ذلك كان عند محاصرة خيبر أو عند إرادة ذلك، وفيه ما لا يخفى لما تقدم، والله أعلم.


سرية عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه إلى أسير

بضم الهمزة وفتح السين، ويقال أسير بن رزام اليهودي بخيبر.

لما قتل الله أبا رافع بن سلام بن أبي الحقيق عظيم يهود خيبر كما تقدم، أمروا عليهم أسير بن رزام، قال: ولما أمروه عليهم، قال لهم: إني صانع بمحمد ما لم يصنعه أصحابي، فقالوا له: وما عسيت أن تصنع؟ قال: أسير في غطفان فأجمعهم لحربه، قالوا: نعم ما رأيت، وكان ذلك قبل فتح خيبر انتهى.

فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله، فبلغ ذلك رسول الله، فوجه إليه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر سرا يسأل عن خبر أسير وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله ﷺ فأخبره، فندب رسول الله ﷺ الناس لذلك، فانتدب له ثلاثون رجلا، وأمرّ عليهم عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه، وقيل عبد الله بن عتيك، فقدموا على أسير، فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له. قال: نعم ولي منكم مثل ذلك، فقالوا: نعم، فقلنا إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك فطمع في ذلك: أي واستشار يهود في ذلك فأشاروا عليه بعدم الخروج وقالوا: ما كان محمد ليستعمل رجلا من بني إسرئيل، قال: بلى قد ملّ الحرب.

قال في النور: هذا الكلام لا يناسب أن يقال قبل فتح خيبر، فالذي يظهر أنها بعد فتح خيبر.

وأقول: يجوز أن يكون المراد باستعماله على خيبر المصالحة وترك القتال، ومن ثم أجاب بقوله إنه: قد ملّ الحرب، والله أعلم.

فخرج، وخرج معه ثلاثون رجلا من يهود مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، قال عبد الله بن أنيس، كنت رديفا لأسير، فكأنّ أسيرا ندم على خروجه معنا، فأهوى بيده إلى سيفي، ففطنت بفتح الطاء له، وقلت أغدر عدّو الله أغدر عدّو الله أغدر عدو الله ثلاثا؟ فضربته بالسيف فأطحت عامة فخذه فسقط، وكان بيده مخدش من شوحط فضربني به على رأسي فشجني مأمومة، وملنا على أصحابه فقتلناهم إلا رجلا واحدا أعجزنا جريا. ثم أقبلنا على رسول الله ﷺ فحدثناه الحديث، فقال: «قد نجاكم الله من القوم الظالمين وبصق في شجتي فلم تقح عليّ ولم تؤذني».

قال: وفي رواية زيادة على ذلك، وهي وقطع لي قطعة من عصاه، فقال: أمسك هذه معك علامة بيني وبينك يوم القيامة أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متخضرا، فلما دفن عبد الله بن أنيس جعلت معه على جلده دون ثيابه انتهى.

أقول: تقدم نظير ذلك لعبد الله بن أنيس هذا لما أرسله لقتل سفيان بن خالد الهذلي وجاء برأسه إلى رسول الله، فيحتمل أن هذا وهم من بعض الرواة، ويحتمل تعدد الواقعة: أي أعطاه عصاه أولا في تلك، وأعطاه أخرى ثانيا في هذه، وجعل العصا بين جلده وكفنه، ولا مانع منه، لكن ربما تتشوف النفس للسؤال عن حكمة تكرير ذلك لعبد الله بن أنيس وتخصيصه بهذه المنقبة دون بقية الصحابة، والله أعلم.


سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم بن حريس رضي الله عنهما

بالحاء المهملة وكسر الراء وسين مهملة، وكل ما في الأنصار حريس بالسين المهملة إلا الحريش فإنه بالشين المعجمة، وقيل بدله جبار بن صخر إلى أبي سفيان بن حرب بمكة ليغتالاه.

وسببها أن أبا سفيان رضي الله تعالى عنه قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتال لنا محمدا فإنه يمشي في الأسواق وحده، فأتاه رجل من الأعراب، وقال يعني نفسه: قد وجدت أجمع الرجال قلبا، وأشدهم بطشا، وأسرعهم عدوا، فإذا أنت فديتني خرجت إليه حتى أغتاله فإن معي خنجرا بفتح الخاء المعجمة كجناح النسر، وإني عارف بالطريق، فقال له: أنت صاحبنا، فأعطاه بعيرا ونفقة، وقال له: اطو أمرك، وخرج ليلا إلى أن قدم المدينة، ثم أقبل يسأل عن رسول الله فدل عليه، وكان في مسجد بني عبد الأشهل، فعقل راحلته وأقبل على رسول الله، فلما رآه، قال: إن هذا يريد غدرا، والله حائل بينه وبين ما يريد، فجاء ليجني على رسول الله، فجذبه أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه بداخلة إزاره: أي بحاشيته من داخل، فإذا بالخنجر فأخذ أسيد يخنقه خنقا شديدا، فقال له رسول الله ﷺ: أصدقني، قال: وأنا آمن؟ قال: نعم، فأخبره بأمره فخلى عنه رسول الله ﷺ فأسلم، أي وقال: يا رسول الله ما كنت أخاف الرجال، فلما رأيتك ذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم اطلعت على ما هممت به، فعلمت أنك على الحق، فجعل رسول الله ﷺ يبتسم.

فعند ذلك بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري ومن تقدم إلى أبي سفيان بمكة. أي وذلك بعد قتل خبيب بن عدي رضي الله تعالى عنه وصلبه على الخشبة.

ومضى عمرو بن أمية رضي الله تعالى عنه يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما فعرفه، فأخبر قريشا بمكانه، فخافوه لأنه كان فاتكا في الجاهلية وقالوا: لم يأت عمرو بخير، واشتدوّا في طلبه.

قال: وفي رواية لما قدما مكة حبسا جمليهما ببعض الشعاب، ثم دخلا ليلا، فقال له صاحبه: يا عمرو لو طفنا بالبيت وصلينا ركعتين ثم طلبنا أبا سفيان، فقال له عمرو: إني أعرف بمكة من الفرس الأبلق، أي وإن القوم إذا تعشوا جلسوا على أفنيتهم، فقال: كلا إن شاء الله، قال عمرو: فطفنا بالبيت وصلينا، ثم خرجنا لطلب أبي سفيان، فلقيني رجل من قريش فعرفني، وقال: عمرو بن أمية فأخبر قريشا بي، فهربت أنا وصاحبي انتهى أي وصعدنا الجبل، وخرجوا في طلبنا، فدخلنا كهفا في الجبل، ولقي عمرو رجلا من قريش فقتله: أي قتل ذلك الرجلَ عمروُ، فلما أصبحنا، غدا رجل من قريش يقود فرسا ونحن في الغار، فقلت لصاحبي: إن رآنا صاح بنا، فخرجت إليه ومعي خنجر أعددته لأبي سفيان فضربته على يده فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فجاء الناس يشتدّون فوجدوه بآخر رمق فقالوا: من ضربك؟ قال عمرو بن أمية، وغلبه الموت فاحتملوه، فقلت لصاحبي، لما أمسينا: النجاة، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس الذين يحرسون خشبة خبيب بن عدي رضي الله تعالى عنه، فقال أحدهم: لولا أن عمرو بن أمية بالمدينة لقلت إنه هذا الماشي، فلما حاذيت الخشبة شددت عليها، فحملتها واشتديت أنا وصاحبي فخرجوا وراءنا، فألقيت الخشبة فغيبه الله عنهم، كذا في السيرة الهشامية.

وتقدم أنه أرسل الزبير والمقداد لإنزاله وأن الزبير أنزله فابتلعته الأرض. وتقدم عن ابن الجوزي مثل ما هنا من أن الذي أنزله عمرو بن أمية رضي الله تعالى عنه، فيحتاج إلى الجمع على تقدير صحة الروايتين. ويقال إن عمرا قتل رجلا آخر سمعه يقول:

ولست بمسلم ما دمت حيا ** ولست أدين دين المسلمينا

ولقي رجلين بعثتهما قريش إلى المدينة يتجسسان لهم الخبر، فقتل أحدهما وأسر الآخر ثم قدم رضي الله تعالى عنه المدينة، وجعل يخبر رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يضحك.


سرية سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه

وقيل كرز بن جابر رضي الله تعالى عنه وعليه الأكثرون. ومن ثم اقتصر عليه الحافظ الدمياطي، أي وقيل جرير بن عبد الله البجلي. ورد بأن إسلام جرير بن عبد الله المذكور كان بعد هذه السرية بنحو أربع سنين ( ) إلى العرنيين.

وسببها أنه قدم على رسول الله ﷺ نفر: أي ثمانية من عرينة، وقيل أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، والثامن من غيرهما مسلمين، نطقوا بالشهادتين، كانوا مجهودين قد كادوا يهلكون أي لشدة هزالهم وصفرة ألوانهم وعظم بطونهم، وقالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا، فأنزلهم عنده: أي بالصفة ثم قال لهم: أي بعد أن ذكروا له أن المدينة وبئة وخمة، وأنهم أهل ضرع ولم يكونوا أهل ريف: لو خرجتم إلى ذود لنا: أي لقاح وكانت خمسة عشر فشربتم من ألبانها وأبوالها، أي لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينا وإدرارا وتفتيحا للسدد، فإن الاستسقاء وعظم البطن إنما ينشأ عن السدد وآفة الكبد. ومن أعظم منافع الكبد لبن اللقاح، لا سيما إن استعمل بحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل مع حرارته التي يخرج بها ففعلوا ثم لما صحت أجسامهم كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعيها وهو يسار مولى النبي، ومثلوا به: أي قطعوا يديه ورجليه، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات واستاقوا اللقاح.

وفي لفظ أنهم ركبوا بعضها واستاقوها، فأدركهم يسار ومعه نفر، فقاتلهم فقطعوا يده ورجله، الحديث.

وبلغه الخبر، فبعث في آثارهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم من تقدم، وأرسل معهم من يقص آثارهم، فأدركوهم فأحاطوا بهم فأسروهم ودخلوا بهم المدينة فأمر بهم رسول الله ﷺ فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم: أي غورت بمسامير محماة بالنار، وألقوا بالحرة: أي وهي أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت بالنار، يستسقون فلا يسقون. قال أنس رضي الله تعالى عنه: ولقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه من العطش ليجد بردها لما يجده من شدة العطش حتى ماتوا على حالهم ( ) وأنزل الله فيهم: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية، ولم يقع بعد ذلك أنه سمل عينا. وفي لفظ أنهم لما أسروا ربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة. وكان رسول الله ﷺ بالغابة، فخرجوا بهم نحوه، فلقوه بمجمع السيول، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وصلبوا هنالك، وأنه فقد من اللقاح لقحة تدعى الحفياء، فسأل عنها، فقيل نحروها، كذا في سيرة الحافظ الدمياطي، وقدم فيها هذه السرية على سرية عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه.


سرية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى طائفة من هوازن

بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ثلاثين رجلا إلى عجز بفتح العين المهملة وبضم الجيم وبالزاي: محل بينه وبين مكة أربع ليال بطريق صنعاء، يقال له تربة بضم المثناة فوق وفتح الراء ثم موحدة مفتوحة ثم تاء. وأرسل دليلا من بني هلال فكان يسير الليل ويكمن النهار فأتى الخبر لهوازن فهربوا، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه محالهم، فلم يجد منهم أحدا، فانصرف راجعا إلى المدينة، فلما كان بمحل بينه وبين المدينة ستة أميال قال له الدليل: هل لك جمع آخر من خثعم، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: لم يأمرني رسول الله ﷺ بهم، إنما أمرني بقتال هوازن.


سرية أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى بني كلاب

عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر وأمّره علينا، فسبى ناسا من المشركين، فقتلناهم، فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين، وما زاده الأصل على هذا من قوله إن سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى فزارة الخ نسب فيه للوهم، لأن ذلك كان في سريته لبني فزارة بوادي القرى، وقد تقدمت، فهما قضيتان مختلفتان جمع بينهما، أي وهذا الذي في الأصل تبع فيه شيخه الحافظ الدمياطي، وفيه ما علمت.


سرية بشير بن سعد الأنصاري رضي الله تعالى عنه إلى بني مرة بفدك

بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك وتقدم أنها قرية بينها وبين المدينة ستة أميال، فخرج فلقي رعاء الشاء، فسأل عن الناس؟ فقيل في بواديهم، فاستاق النعم والشاء، وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ إليهم فأدركه منهم العدد الكثير عند الليل فباتوا يترامون بالنبل حتى فني نبل أصحاب بشير، أي فلما أصبحوا حملوا على بشير وأصحابه، فقتلوا منهم من قتلوا، وولى من ولى منهم، وقاتل بشير قتالا شديدا حتى ارتث: أي جرح وصار ما به رمق، وضربت كعبه اختبارا لحياته فلم يتحرك، فقيل مات، فرجعوا بنعمهم وشياههم، وجاء إليه خبرهم ثم جاء بشير رضي الله تعالى عنه إلى المدينة بعد ذلك، أي فإنه استمر بين القتلى إلى الليل، فلما أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك فأقام بفدك عند يهودي أياما حتى قوي على المشي، وجاء إلى المدينة.

أقول: وهذا يدل على أن بني مرة الذين توجه إليهم بشير لم يكونوا بفدك، بل بالقرب منها، فيكون قوله أوّلا لبني مرة بفدك فيه تسمح، وأن بشيرا حصلت له هذه الحالة مرتين، فليتأمل.


سرية غالب بن عبد الله الليثي رضي الله تعالى عنه إلى بني عوال وبني عبد بن ثعلبة بالميفعة

اسم محل وراء بطن نخل

بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الليثي رضي الله تعالى عنه في مائة وثلاثين رجلا لبني عوال وبني بن ثعلبة بالميفعة، ودليلهم يسار مولى رسول الله، فهجموا عليهم جميعا ووقعوا في وسط محالهم، فقتلوا جمعا من أشرافهم واستاقوا نعما وشاء، ولم يأسروا أحدا وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، وهو مرداس بن نهيك. وفي سيرة الحافظ الدمياطي نهيك بن مرداس، والأول هو الذي في الكشاف، وقال له النبي: «هلا شققت عن قلبه أصادق هو أم كاذب؟ » فعن أسامة رضي الله تعالى عنه: «بعثنا رسول الله، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما أعييناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ قال: «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قلت: إنما قالها متعوّذا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» أي تمنيت أن أكون أسلمت اليوم فيكفر عني ما صنعت، قال: كذا وقع في الأصل أن قتل أسامة للرجل الذي قال لا إله إلا الله كان في هذه السرية، وقد تبع في ذلك ابن سعد.

وإنما كان ذلك في سرية أسامة بن زيد للحرقة بضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف ثم تاء تأنيث بطن من جهينة، وسيأتي عن أسامة «بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، فصبحناها، فكان رجل يدعى مرداس بن نهيك إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان من حاميتهم فهزمناهم، فتبعته أنا ورجل من الأنصار، فرفعت عليه السيف، فقال لا إله إلا الله» وزاد في رواية: «محمد رسول الله، فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، ثم وجدت في نفسي من ذلك موجدة شديدة حتى ما أقدر على أكل الطعام، حتى قدمت على رسول الله ﷺ فقبلني واعتقني» قال بعضهم: «كان إذا بعث أسامة بن زيد يسأل عنه أصحابه، ويحب أن يثنى عليه خيرا، فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدثون رسول الله ﷺ ويقولون: يا رسول الله لو رأيت ما فعل أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل لا إله إلا الله، فشد عليه أسامة فقتله وهو يعرض عنهم، فلما أكثروا عليه رفع رأسه الشريف لأسامة فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله، فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ فقال أسامة رضي الله تعالى عنه: إنما قالها خوفا من السلاح» وفي رواية: «إنما كان متعوّذا من القتل، قال أسامة رضي الله تعالى عنه: ولا زال رسول الله ﷺ يكرر عليّ حتى تمنيت أني لم أسلم إلا يومئذ» انتهى.

والذي في الكشاف في تفسير قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} أصله أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره فغزتهم سرية لرسول الله ﷺ وكان عليها غالب بن فضالة الليثي رضي الله تعالى عنه، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه. فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فوجدوا وجدا شديدا وقال: قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله استغفر لي، قال: فكيف بلا إله إلا الله؟ فما زال يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي وقال: أعتق رقبة، وسيأتي نحو ذلك في سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب بشير بن سعد.

ويبعد تعدد هذه الواقعة سيما في مواطن ثلاثة أو أربعة، وكون يسار مولى رسول الله ﷺ كان دليلا في هذه السرية يقتضي أنها متقدمة على سرية العرنيين، فقد تقدم أنهم قتلوه ثم رأيته في النور قال: ولعل هذا غير ذاك، لكن لم أر له ذكرا في الموالي إلا أن يكون أحد موالي أقاربه عليه الصلاة والسلام فنسب إليه، ومن ثم لم يشهد أسامة رضي الله تعالى عنه مع علي كرم الله وجهه قتالا، وقال له: لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها، ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله ﷺ حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إله إلا الله وقلت له: أعطي الله عهدا أن لا أقتل رجلا بقول لا إله إلا الله، والله أعلم.


سرية بشير بن سعد الأنصاري رضي الله تعالى عنه إلى يمن

بفتح الياء آخر الحروف وقيل بضمها، أو يقال أمن بالهمزة مفتوحة وسكون الميم، وجبار بفتح الجيم: واد قريب من خيبر.

لما بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان قد واعدهم عيينة بن حصن: أي قبل أن يسلم رضي الله تعالى عنه، ليكون معهم على رسول الله، دعا رسول الله ﷺ بشير بن سعد، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا المحل المذكور، فأصابوا نعما كثيرا، وتفرق الرعاء بكسر الراء والمد، وذهبوا إلى القوم، وأخبروهم فتفرقوا ولحقوا بعليا بلادهم، وعليا بضم العين وسكون اللام مقصورا: نقيض السفلى، فلم يظفر بأحد منهم إلا برجلين أسروهما فرجع بالنعم والرجلين إلى المدينة، فأسلم الرجلان، فأرسلهما قال: والرجلان من جمع عيينة، فإن المسلمين لما قالوا جمع عيينة انهزموا أمامهم وتبعوهم أخذوا منهم ذينك الرجلين انتهى، أي وعيينة بن حصن كان يقال له الأحمق المطاع، لأنه كان يتبعه عشرة آلاف قناة، وقيل له عيينة، قال في الأصل: لأن عينه حجفلت: أي عظمت وكبرت، فلقب بذلك رضي الله تعالى عنه.


سرية ابن أبي العوجاء السلمي رضي الله تعالى عنه إلى بني سليم

بعث رسول الله ﷺ ابن أبي العوجاء رضي الله تعالى عنه السلمي في خمسين رجلا إلى بني سليم، فكان لهم جاسوس مع القوم، فخرج إليهم وسبق القوم وحذرهم، فجمعوا لهم جمعا كثيرا، فجاؤوا لهم وهم معدّون لهم فدعوهم إلى الإسلام، فقالوا: أيّ حاجة لنا بما تدعونا إليه؟ فتراموا بالنبل ساعة، وجعلت الأمداد تأتيهم، وأحدقوا بالمسلمين من كل ناحية، فقاتل المسلمون قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى أتى رسول الله.


سرية غالب بن عبد الله الليثي رضي الله تعالى عنه إلى بني الملوح

بضم الميم وفتح اللام وتشديد الواو مكسورة ثم حاء مهملة بالكديد، بفتح الكاف وكسر الدال المهملة.

بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الليثي في بضعة عشر رجلا قال: وما نقل عن الواقدي أنهم كانوا مائة وثلاثين رجلا فذلك في سرية لغالب غير هذه انتهى.

أقول: وهي المتقدمة التي توجهت لبني عوال وبني عبد بن ثعلبة بالميفعة، والله أعلم. وأمر غالب بن عبد الله وأصحابه أن يشنوا الغارة على القوم، فخرجوا حتى إذا كانوا بقديد لحقوا الحارث الليثي فأسروه، فقال: إنما خرجت إلى رسول الله ﷺ أريد الإسلام، فقالوا له: إن كنت مسلما لم يضرك ربطنا لك يوما وليلة، وإن كنت غير ذلك استوثقنا منك، فشدوه وثاقا، وخلفوا عنده سويد بن صخر. أي وفي لفظ: خلفوا عليه رجلا أسود منهم، وقالوا له: إن نازعك فاحتز رأسه، وساروا حتى أتوا محل القوم عند غروب الشمس، فكمنوا في ناحية الوادي. قال جندب الجهني: وأرسلني القوم جاسوسا لهم، فخرجت حتى أتيت تلا مشرفا على الحاضر: أي القوم المقيمين بمحلهم، فلما استويت على رأسه انبطحت عليه لأنظر، إذ خرج رجل منهم فقال لامرأته: إني لأنظر على هذا الجبل سوادا ما رأيته قبل، انظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئا. فنظرت فقالت: والله ما فقدت من أوعيتي شيئا، فقال: ناوليني قوسي ونبلي، فناولته قوسه وسهمين، فأرسل سهما، فوالله ما أخطأ بين عينيّ، فانتزعته وثبتّ مكاني، فأرسل آخر فوضعه في منكبي، فانتزعنه وثبت مكاني، فقال لامرأته: والله لو كان جاسوسا لتحرك، لقد خالطه سهمان لا أبالك: أي بكسر الكاف: أي لا كافل لك غير نفسك وهو بهذا المعنى يذكر في معرض المدح، وربما يذكر في معرض الذم وفي معرض التعجب لا بهذا المعنى، فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب ثم دخل، فلما اطمأنوا وناموا شنينا عليهم الغارة، واستقنا النعم والشاء بعد أن قتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، أي ومروا على الحارث الليثي، فاحتملوه واحتملوا صاحبهم الذي تركوه عنده، فخرج صريخ القوم في قومهم، فجاء مالا قبل لنا به، فصار بيننا وبينهم الوادي، فأرسل الله سحابا فأمطر الوادي ما رأينا مثله، فسال الوادي بحيث لا يستطتع أحد أن يجوز به، فصاروا وقوفا ينظرون إلينا ونحن متوجهون إلى أن قدمنا المدينة.

أي وفي لفظ آخر: فقلنا القوم ينظرون إلينا، إذ جاء الله بالوادي من حيث شاء يملأ جنبيه ماء، والله ما رأينا يومئذ سحابا ولا مطرا، فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فوقفوا ينظرون إلينا، وقد وقع نظير ذلك: أي سيل الوادي لقطنة بن عامر حين توجه إلى بني خثعم بناحية تبال كما سيأتي.


سرية غالب بن عبد الله الليثي رضي الله تعالى عنه إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد رضي الله تعالى عنه

أي في بني مرة بفدك

لما قدم غالب من الكديد مؤيدا منصورا بعثه في مائتي رجل إلى حيث أصيب أصحاب بشير بن سعد، وذلك في بني مرة بفدك، وكان قبل قدوم غالب هيأ الزبير لذلك وعقد له لواء، فلما قدم غالب رضي الله تعالى عنه قال للزبير اجلس، فصار غالب رضي الله تعالى عنه إلى أن أصبح القوم فأغاروا عليهم، وكان غالب رضي الله تعالى عنه قد أوصاهم بعدم مخالفتهم له، وآخى بين القوم، فساقوا نعما وقتلوا منهم.

قال: لما دنا غالب منهم ليلا، قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله تعالى وحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تخالفوا لي أمرا فإنه «لا رأي لمن لا يطاع» وفي رواية: لا تعصوني، فإن رسول الله ﷺ قال: «من يطع أميري فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني» وإنكم متى تعصوني فإنكم تعصون نبيكم، ثم ألف رضي الله تعالى عنه بين القوم، فقال: يا فلان أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يفارق رجل منكم زميله، فإياكم أن يرجع الرجل منكم فأقول له أين صاحبك؟ فيقول لا أدري، فإذا كبرت فكبروا، فلما أحاطوا بالقوم كبر غالب رضي الله تعالى عنه وكبروا معه وجردوا السيوف، فخرج الرجال فقاتلوا ساعة، ووضع المسلمون فيهم السيف، وكان شعار المسلمين «أمِت أمِت» وكان في القوم أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، وتفقده غالب رضي الله تعالى عنه فلم يره، وبعد ساعة: أي من الليل أقبل، فلامه غالب وقال: ألم تر إلى ما عهدت إليك، فقال: خرجت في أثر رجل منهم جعل يتهكم بي حتى إذا دنوت منه وضربته بالسيف قال: «لا إله إلا الله» فقال له الأمير: بئسما فعلت وما جئت به، تقتل امرأ يقول: «لا إله إلا الله» فندم أسامة وساق المسلمون النعم والشاء والذرية، فكان سهم كل رجل عشرة أبعرة، وعدل البعير بعشرة من الغنم انتهى، وتقدمت الحوالة على هذه، وتقدم ما فيها.

وقوله هنا حتى إذا دنوت منه وضربته بالسيف قال: «لا إله إلا الله» يقتضي أنه إنما قال: «لا إله إلا الله» بعد ضربه بالسيف. إلا أن يحمل على الإرادة، وتقدم أنه طعنه برمحه، فليتأمل.


سرية شجاع بن وهب الأسدي رضي الله تعالى عنه إلى بني عامر

بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب رضي الله تعالى عنه في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع هوازن: أي يقال لهم بنو عامر، وأمره أن يغير عليهم، فكان يسير الليل ويكمن بالنهار حتى صبحهم وهم غافلون. أي وقد نهى أصحابه أن يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما وشاء، واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، فكان سهم كل رجل خمسة عشر بعيرا، وعدل البعير بعشرة من الغنم.


سرية كعب بن عمير الغفاري رضي الله تعالى عنه

بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح من أرض الشام وراء وادي القرى في خمسة عشر رجلا، فوجدوا جمعا كثيرا، أي لأنه لما دنا كعب بن عمير رضي الله تعالى عنه من القوم ذهب عين لهم فأخبروهم بقلة المسلمين ( ) فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا ورشقوهم بالنبل. فقاتلهم المسلمون أشد القتال حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن عمير فإنه ظن قتله، فلما أمسى تحامل حتى أتى رسول الله، فشق ذلك عليه، فهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنهم ساروا إلى محل آخر، فتركهم.

أقول: لم أقف على السبب الذي اقتضى البعث إلى ذلك المحل، والله أعلم.


سرية عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه إلى ذات السلاسل

أرض بها ماء يقال له السلاسل، بضم السين الأولى وكسر الثانية. أي وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. المشهور أنها بفتح الأولى، قيل سمي المكان بذلك، لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، يقال ماء سلسل وسلسال: إذا كان سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، وتلك الأرض وراء وادي القرى، وقيل لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا.

أقول: ولخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في زمن الصِّديق غزاة مع أهل فارس يقال لها ذات السلاسل، لكثرة من تسلسل فيها من الشجعان خوفي الفرار، فقتلوا آخرهم لأن السلاسل منعتهم الهزيمة. وبعث رسول الله ﷺ بالسلاسل إلى الصديق رضي الله تعالى عنه، والله أعلم.

بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون المدينة، فدعا رسول الله ﷺ عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، أي وذلك بعد إسلامه بسنة، وعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسا. وأمره أن يستعين بمن يمر عليهم، فسار الليل وكمن النهار حتى قرب من القوم، فبلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث رافع بن كعب الجهني رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين من سراة المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وعقد له لواء، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعا ولا يختلفا، فلحق بعمرو أبو عبيدة، وأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قدمت عليّ مددا وأنا الأمير، قال: وعند ذلك قال جمع من المهاجرين الذين مع أبي عبيدة لعمرو: أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه، فقال عمرو: أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، قال: لتعلم يا عمرو أن آخر شيء عهد إليّ رسول الله ﷺ أن قال: إن قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك، قال: فإني الأمير عليك، فقال: فدونك اهـ ( ) أي لأن أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه كان حسن الخلق لين العريكة فكان عمرو يصلي بالناس.

أي وعن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، قال: بعث إليّ رسول الله ﷺ فأمرني أن آخذ ثيابي وسلاحي. فقال: يا عمرو إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك؟ فقلت: إني لم أسلم رغبة في المال، قال: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» ورأوا جمعا كثيرا، فحمل عليهم المسلمون فتفرقوا. قال: وأراد المسلمون أن يتبعوهم، فمنعهم عمرو رضي الله تعالى عنه، وأرادوا أن يوقدوا نارا ليصطلوا عليها من البرد فمنعهم عمرو، أي وقال: كل من أوقد نارا لأقذفنه فيها، فشق عليهم ذلك لما فيه من شدة البرد، فكلمه بعض سراة المهاجرين في ذلك فغالظه عمرو في القول، وقال له: قد أمرت أن تسمع لي وتطيع؟ قال نعم، قال: فافعل. ولما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه غضب وهم أن يأتيه، فمنعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وقال: إن رسول الله ﷺ لم يستعمله إلا لعلمه بالحرب فسكت، واحتلم عمرو رضي الله تعالى عنه وكانت تلك الليلة شديدة البرد جدا، فقال لأصحابه ما ترون؟ قد والله احتلمت، فإن اغتسلت مت، فدعا بماء فغسل فرجه وتوضأ وتيمم ثم قام وصلى بالناس اهـ ثم بعث عمرو عوف بن مالك مبشرا للنبي بقدومهم وسلامتهم. قال: قال عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: جئته وهو يصلي في بيته، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال: عوف بن مالك؟ فقلت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: أخبرني، فأخبرته بما كان من مسيرنا وما كان بين أبي عبيدة بن الجراح وبين عمرو، ومطاوعة أبي عبيدة لعمرو، فقال رسول الله ﷺ: يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح، وأخبرته بمنع عمرو رضي الله تعالى عنه للمسلمين من اتباع العدو، ومن إيقاد النار، ومن صلاته بأصحابه وهو جنب، فلما قدم عليه عمرو كلمه في ذلك قال: كرهت أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفون عليهم، فحمد رسول الله ﷺ أمره. قال عمرو: وسألني عن صلاتي فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت: والذي بعثك بالحق إني لو اغتسلت لمت، لم أجد بردا قط مثله، وقد قال الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فضحك اهـ.

أي ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن صلاة الصحابة خلفه، فإني لم أقف على أنه أمرهم بالقضاء.


سرية الخبط

وهو ورق السمر

بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار فيهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى حي من جهينة في ساحل البحر، وقيل ليرصدوا عيرا لقريش، أي وعليه فتكون هذه السرية قبل الهدنة الواقعة في الحديبية، لما تقدم أنه بعد الهدنة لم يكن يرصد عيرا لقريش إلى الفتح، وتعدد سرية الخبط بعيد، فلا يقال يجوز أن تكون سرية الخبط مرتين: مرة قبل الهدنة، ومرة بعدها، ومن ثم حكم على هذا القول بأنه وهم. فأقاموا بالساحل نصف شهر، فأصابهم جوع شديد حتى أكلوا الخبط: أي كانوا يبلونه بالماء ويأكلونه حتى تقرحت أشداقهم. فإن أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه كان يعطي الواحد منهم في اليوم والليلة تمرة واحدة يمصها ثم يصرها في ثوبه.

أي وعن الزبير رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: كيف كنتم تصنعون بالتمرة؟ قال: نمصها كما يمص الصبي ثدي أمه، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، لأنه زوّدهم جرابا من تمر، فجعل أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه يقوتهم إياه، حتى صار يعدّه لهم عدا، حتى كان يعطي الواحد تمرة كل يوم ثم بعد التمر أكلوا الخبط.

ولما رأى قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما ما بالمسلمين من جهد الجوع أي مشقته، أي وقال قائلهم: والله لو لقينا عدّو ما كان منا حركة إليه لما بالناس من الجهد، قال: من يشتري مني تمرا أوفيه له في المدينة بجزر يوفيها إليّ ههنا؟ فقال له رجل من أهل الساحل: أنا أفعل، لكن والله ما أعرفك، فمن أنت؟ قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة، فقال الرجل: ما أعرفني بسعد، إن بيني وبين سعد خلة سيد أهل يثرب، فاشترى خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر. والوسق: بفتح الواو وكسرها ستون صاعا، وجمع الأوّل أوسق، والثاني أوساق، فقال له الرجل: أشهد لي، فقال أشهد من تحب، فأشهد نفرا من المهاجرين والأنصار من جملتهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

وقيل إن عمر رضي الله تعالى عنه امتنع من أن يشهد، وقال: هذا يدّان ولا مال له إنما المال لأبيه. فقال الرجل: والله ما كان سعد ليخني بابنه، أي لا يوفي عن ابنه ما التزمه، فكان بين قيس وعمر كلام حتى أغلظ له قيس الكلام، وأخذ قيس رضي الله تعالى عنه الجزر فنحر لهم منها ثلاثة في ثلاثة أيام، وأراد أن ينحر لهم في اليوم الرابع، فنهاه أبو عبيدة وقال له: عزمت عليك أن لا تنحر، أتريد أن تخفر ذمتك، أي لا يوفى لك بما التزمت ولا مال لك. فقال له قيس رضي الله تعالى عنه: أترى أبا ثابت، يعني والده سعدا يقضي ديون الناس ويطعم في المجاعة ولا يقضي دينا استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله؟

وفي البخاري أن قيسا رضي الله تعالى عنه نحر لهم تسع جزائر كل يوم ثلاثا، ثم نهاه أبو عبيدة.

أي ومما يؤيد ما ذكر من أن الجزر كانت خمسة، وأنه نحر لهم ثلاثة أيام كل يوم جزروا ما جاء في بعض الروايات أنه بقي معه جزوران قدم بهما المدينة يتعاقبون عليهما فلينظر الجمع.

ثم إنّ البحر ألقى لهم دابة هائلة يقال لها العنبر بحيث إن أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه نصب لهم ضلعا من أضلاعها. وفي لفظ: من أضلاعه ومرّ تحته أطول رجل في القوم: أي وهو قيس بن سعد بن عبادة راكبا على أطول بعير لم يطأطىء رأسه.

وعن جابر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: دخلت أنا وفلان وفلان وعدّ خمسة نفر عينها ما رآنا أحد. أي وفي لفظ. ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينها، فأكلوا منها أياما: أي نحو شهر وكانوا ثلاثمائة.

فعن بعضهم: لما تقرّحت أشداقنا من الخبط انطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه: ميتة، ثم قال: اضطررتم فكلوا، فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه الدهن بالقلال.

وفي رواية: فأخرجنا من عينه كذا وكذا قلة ودك، وصحبوا من لحمها إلى المدينة، أي وقيل لها العنبر لأنها تبتلع العنبر.

فعن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه. قال: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتا في البحر ملتويا مثل عنق الشاة، وفي البحر دابة تأكله، وهو سم لها فيقتلها فيقذفها البحر فيخرج العنبر من جوفها.

وقيل العنبر اسم لسمكة مخصوصة في البحر هائلة الخلقة طولا وعرضا، وقد أخبرني بعض السفار أن جملا مات على شاطىء البحر، فألقي في البحر، فابتلعته سمكة، فوقفت أخفاف يديه في حلقها، فجاءت سمكة فابتلعت تلك السمكة.

وفي زمن الحاكم بأمر الله وجدت سمكة بدمياط طولها مائتا ذراع وعرضها مائة وستون ذراعا، وكان يقف في حلقها خمس رجال بالمجاريف يجرفون الشحم، وأقام أهل دمياط يأكلون من لحمها خمسة أشهر.

ولما بلغ سعد بن عبادة ما حصل للمسلمين من المجاعة قبل قدومهم قال: إن يكن قيس، يعني ولده كما أعهد فلينحر للقوم. فلما قدم قيس قال له سعد: ما صنعت في مجاعة القوم؟ قال: نحرت، قال أصبت، قال: ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، قال: ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال أصبت، ثم قال ماذا؟ قال: ثم نهيت، قال: ومن نهاك؟ قال أميري أبو عبيدة، قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي، إنما المال لأبيك، فقلت له: أبي يقضي عن الأباعد ويحمل الكل ويطعم في المجاعة ولا يصنع هذا لي؟ فلان لموافقتي، فأبى عليه عمر بن الخطاب إلا التصميم على المنع، فقال سعد لولده قيس ذاك أربع حوائط، أي بساتين، أدناها ما يتحصل منه خمسون وسقا. ثم إن قيسا رضي الله تعالى عنه وفى الرجل صاحب الجزر، وحمله: أي أعطاه ما يركبه، وكساه، فبلغ النبي ﷺ ما فعل قيس، قال: إنه في بيت جود. إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت.

أي ومن ثم قال بعضهم: لم يكن في الأوس والخزرج مطعمون يتوالدون في بيت واحد إلا قيس وأبوه سعد وأبوه عبادة وأبوه دليم، كان في كل يوم يقف شخص على أطم ينادي: من يريد الشحم واللحم فعليه بدار أبي دليم.

أي وكان أصحاب الصفّة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد والرجل بالاثنين والرجل بالجماعة، وأما سعد فينطلق بالثمانين.

وعن سعد بن عبادة: «زارنا النبي ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم قال: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة».

قال: ويذكر أن سعدا جاء إلى النبي، فقال: من عذيري من ابن الخطاب يبخل عليّ ابني، اهـ.

ويذكر عن سعد بن عبادة أنه كان شديد الغيرة، لم يتزوج إلا بكرا، وما طلق امرأة وقدر أحد أن يتزوجها.

وعن جابر رضي الله تعالى عنه: فلما قدمنا المدينة ذكرنا لرسول الله ﷺ أمر العنبر، فقال: رزق أخرجه الله تعالى لكم، لعل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله أي ولم يكن أروح، بدليل أنه قال: لو نعلم أنا ندركه لم يروّح لأحببنا لو كان عندنا منه، قال ذلك ازديادا منه.


سرية أبي قتادة رضي الله تعالى عنه إلى غطفان أرض محارب

بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة في خمسة عشر رجلا إلى غطفان، وأمره أن يشن الغارة عليهم، فصار يسير الليل ويكمن النهار، حتى هجم عليهم، وأحاط بهم، وقتلوا من أشراف لهم، واستاقوا الإبل والغنم، فكانت الإبل مائة بعير، والغنم ألفي شاة، وسبوا سبايا كثيرة، فأصاب كل رجل بعد إخراج الخمس اثني عشر بعيرا، وعدل البعير بعشرين من الغنم. ووقع في سهم أبي قتادة رضي الله تعالى عنه جارية حسناء وضيئة، فاستوهبها منه، فوهبها له، ثم وهبها لشخص، أي كان وعده بجارية من أول فيء يفيء الله به، فجاء ذلك الشخص إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله إن أبا قتادة قد أصاب جارية وضيئة وقد كنت وعدتني جارية من أول فيء يفيء الله به عليك، فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي قتادة، قال: هب لي الجارية، فوهبها له الحديث.


سرية عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله تعالى عنه إلى الغابة

وهي الشجر الملتف.

قال عبد الله المذكور: تزوجت امرأة من قومي، فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على ذلك، فقال: كم أصدقت؟ قلت: مائتي درهم. فقال: سبحان الله لو كنتم تأخذون الدراهم من بطن واديكم هذا. وفي لفظ: لو كنتم تغرفونها من ناحية بطحان ما زدتم. والله ما عندي ما أعينك، فلبثت أياما، فبلغ رسول الله ﷺ أن رجلا يقال له رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة في جمع عظيم نزل بالغابة يريد حرب رسول الله، فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين، فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوني منه بخبر، ودفع لنا شارفا عجفاء: أي ناقة مسنة، وقال: تبلغوا عليها، واعتقبوها، فركبها أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفا حتى ضربت، فخرجنا ومعنا سلاحنا النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبا من القوم عند غروب الشمس، فكنت في ناحية وصاحبي في ناحية أخرى، فقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت فكبرا، فوالله إنا كذلك ننتظر غرة القوم إلا ورفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة المجمع للقوم خرج في طلب راع لهم أبطأ عليهم وتخوّفوا عليه، فقال له نفر من قومه: نحن نكفيك ولا تذهب أنت، فقال: والله لا يذهب إلا أنا، فقالوا فنحن معك، فقال: والله لا يتبعني أحد منكم، وخرج حتى مر بي، فلما أمكنتني نفحته: أي رميته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم، ووثبت عليه فاحتززت رأسه، وشددت في ناحية العسكر وكبرت، وشدّ صاحباي وكبرا، فهرب القوم واستقنا إبلاٍ وغنما كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله، وجئت برأسه أحمله معي إلى رسول الله، فأعانني رسول الله ﷺ من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا في صداقي.

قال: وبعضهم جعل هذه السرية وسرية أبي قتادة إلى غطفان بأرض محارب التي قبل هذه واحدة، أي ومن ثم ذكرتها عقبها خلاف ما صنع في الأصل.

قال: ويدل لكونهما واحدة ما نقل عن عبد الله بن أبي حدرد قال: لما طلبت منه الإعانة في مهر زوجتي، قال لي: ما وافقت عندنا شيئا أعينك به، ولكن قد أجمعت أن أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية، فهل لك أن تخرج فيها فإني أرجو أن يغنمك الله مهر امرأتك، فقلت: نعم، فخرجنا حتى جئنا الحاضر: أي وهم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرتحلون عنه، أي كما تقدم، فلما ذهبت فحمه العشاء: أي إقباله وأول سواده، خطبنا أبو قتادة، وأوصانا بتقوى الله تعالى، وألف بين كل رجلين، وقال: لا يفارق كل رجل زميله حتى يقفل: أي يرجع، ولا يجيء إليّ الرجل فأساله عن صاحبه، فيقول لا علم لي به، وإذا كبرت فكبروا، وإذا حملت فاحملوا، ولا تمعنوا في الطلب، فأحطنا بالحاضر، فجرد أبو قتادة سيفه وكبر وجردنا سيوفنا وكبرنا معه، وقاتل رجال من القوم وإذا فيهم رجل طويل، فأقبل عليّ قال: يا مسلم هلم إلى الجنة يتهكم بي، فملت إليه فذهب أمامي: أي وصار يقبل عليّ بوجهه مرة ويدبر عني بوجهة مرة أخرى، فتبعته، فقال لي صاحبي: لا تتبعه فقد نهانا أميرنا أن نمعن في الطلب، ولا زال كذلك، وقال: إن صاحبكم لذو مكيدة، وإن أمره هو الأمر، فأدركته فرميته بسهم فقتلته، وأخذت سيفه وجئت صاحبي فأخبرني أنهم جمعوا الغنائم، وأن أبا قتادة تغيظ عليّ وعليك، فجئت أبا قتادة فلامني فأخبرته الخبر، ثم سقنا النعم، وحملنا النساء، وجفون السيوف معلقة بالأقتاب، ثم لما أصبحنا رأيت في السبي امرأة كأنها ظبي تكثر الالتفات خلفها وتبكي، فقلت لها: أي شيء تنظرين؟ قالت: والله أنظر إلى رجل لئن كان حيا ليستنقذنا منكم، فوقع في نفسي أنه الذي قتلته، فقلت لها: والله قد قتلته، وهذا والله سيفه معلق بالقتب، فقالت: فألق إليّ غمده، فقلت: هذا غمد سيفه، فلما رأته بكت ولبثت انتهى، ولا يخفى أن السياق في كل يبعد كونهما واحدة.


سرية أبي قتادة رضي الله تعالى عنه إلى بطن أضم

اسم موضع أو جبل.

لما همّ رسول الله ﷺ بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة رضي الله تعالى عنه في ثمانية نفر من جملتهم محكم بن جثامة الليثي إلى بطن أضم، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه إلى تلك الناحية وتنشر بذلك الأخبار، فمرّ عليهم عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلم عليهم بتحية الإسلام، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه محكم فقتله، أي لشيء كان بينه وبينه، وسلبه متاعه وبعيره، وعند وصولهم إلى المحل رجعوا، فبلغهم أن رسول الله ﷺ قد توجه إلى مكة، فمالوا إليه حتى لقوه، قال: وقال رسول الله ﷺ لمحكم: أقتلته بعد ما قال آمنت بالله؟ وفي رواية: بعد ما قال إني مسلم؟ أي أتى بما لم يأت به إلا مؤمن آمن بالله وكان مسلما، قال: يا رسول الله إنما قالها: أي تحية الإسلام متعوذا، قال: أفلا شققت عن قلبه؟ قال: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادق هو أم كاذب. أي وفي رواية فقال: يا رسول الله لو شققت عن قلبه أكنت أعلم ما في قلبه؟ فقال له: فلا أنت قبلت ما تكلم به، ولا أنت تعلم ما في قلبه، فقال: استغفر لي يا رسول الله، فقال: لا غفر الله لك، فقام يتلقى دمعه ببرده اهـ، وأنزل الله تعالى فيه: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة} إلى آخر الآية.

وذكر ابن إسحاق في خبر محكم: أن النبي ﷺ صلى بحنين ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها، فقام إليه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن يختصمان في عامر بن الأضبط، عيينة بن حصن يطلب دمه، أي ويقول: والله يا رسول الله إني لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائي، والأقرع يدافع عن محكم، وارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة، ورسول الله ﷺ يقول لعيينة ومن معه: بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا، وهو يأبى عليه، فلم يزل به حتى اتفقا على الدية، ثم قالوا: إن محكما يستغفر له رسول الله، فقام محكم وهو رجل آدم طويل: أي عليه حلة قد كان تهيأ للقتل فيها حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ وعيناه تدمعان، فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا محكم، قد فعلت الذي بلغك، وإني أتوب إلى الله تعالى، واستغفر لي يا رسول الله، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم لا تغفر لمحكم، قالها ثلاثا بصوت عال، فقام يتلقى دمعه بفضل ردائه، فما مكث إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض مرات حتى ضموا عليه الحجارة وواروه.

أي ولما أخبروا رسول الله ﷺ بذلك قال لهم: إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله يعظكم: أي وفي رواية: إن الله أحب أن يريكم تعظيم حرمة لا إله إلا الله: أي حرمة من يأتي بها.

ولفظ الأرض له يردّ ما قيل إن رسول الله ﷺ استغفر له بعد دعائه عليه، إلا أن يكون المراد استغفر له بعد موته، ويوافقه ما في بعض الروايات: أراد الله أن يجعله موعظة لكم لكيلا يقدم رجل منكم على قتل من يشهد أن لا إله إلا الله، أو يقول إني مسلم، اذهبوا به إلى شعب بني فلان فادفنوه فإن الأرض ستقبله، فدفنوه في ذلك الشعب، فيجوز أن يكون استغفر له حينئذ، وقيل إن الذي لفظته الأرض غير محكم، لأن محكما مات بحمص أيام ابن الزبير رضي الله تعالى عنه، والذي لفظته الأرض اسمه فليت.


سرية خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إلى العزى

أرسل رسول الله ﷺ: أي حين فتح مكة الوليد في ثلاثين فارسا من أصحابه إلى العزى، وهو صنم كان لقريش، وكان معظما جدا، وفي لفظ: العزى نخلات أي سمرات مجتمعة، لأنه كان يهدى إليها كما يهدى إلى الكعبة، لأن عمرو بن لحي أخبرهم أن الرب يشتي بالطائف عند اللات ويصيف عند العزى، فلما وصل إلى محلها أي وكان بناء على ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم ذلك البناء، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال له: هل رأيت شيئا؟ قال: لا، قال: فارجع إليها، فرجع خالد وهو متغيظ، فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس: أي شعر رأسها منتشر تحثو التراب على رأسها، فجعل السادن يصيح بها: أي يقول: يا عزى عوّريه، يا عزى خبليه، فضربها خالد فقطعها نصفين: أي وهو يقول:

يا عز كفرانك لا سبحانك ** إني رأيت الله قد أهانك

ورجع إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك، فقال رسول الله ﷺ: نعم تلك العزى.


سرية عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه إلى سواع

بالعين المهملة: أي سمي باسم سواع بن نوح عليه السلام، وكان على صورة امرأة وكان لقوم نوح، ثم صار لهذيل. كانوا يحجون إليه: أي قبل فتح مكة، وبعد ذلك أرسل رسول الله ﷺ عمرو بن العاص في جماعة من أصحابه إلى سواع ليكسره ويهدم محله. قال عمرو رضي الله تعالى عنه: فانتهيت إلى ذلك الصنم وعنده سادنه: أي خادمه، فقال لي: ما تريد؟ فقلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر، قلت لم؟ قال: تمنع. قلت: حتى الآن أنت على الباطل، ويحك وهل يسمع أو يبصر؟ فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، فلم نجد فيها شيئا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.


سرية سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه إلى مناة

صنم كان للأوس والخزرج.

أرسل رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى مناة ليهدم محله، فلما وصلوا إلى ذلك الصنم قال السادن لسعد: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد إلى ذلك الصنم، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصيانك، فضربها سعد رضي الله عنه فقتلها، وهدم محلها.


سرية خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إلى بني جذيمة

بناحية يلملم يدعوهم إلى الإسلام، أي ولم يكن علم بإسلامهم ولم يأمره بمقاتلتهم. أي إذا لم يسلموا.

بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار ومن بني سليم، أي وهو عليه الصلاة والسلام مقيم بمكة إلى بني جذيمة، وكانوا في الجاهلية قد قتلوا الفاكه عم خالد، وقتلوا أخا للفاكه أيضا في الجاهلية، وكانوا من أشرّ حي في الجاهلية وكانوا يسمون لعقة الدم، وقتلوا والد عبد الرحمن بن عوف، فلما علموا به وعلموا أن معه بني سليم وكانوا قتلوا منهم مالك بن الشريد وأخويه في موطن واحد خافوه، فلبسوا السلاح، فلما انتهى خالد رضي الله تعالى عنه إليهم تلقوه، فقال لهم خالد: أسلموا، فقالوا نحن قوم مسلمون. قال: فألقوا سلاحكم وانزلوا، قالوا: لا والله ما بعد وضع السلاح إلا القتل، ما نحن بآمنين لك ولا لمن معك. قال خالد: فلا أمان لكم إلا أن تنزلوا، فنزلت فرقة منهم فأسرهم وتفرقت بقية القوم.

وفي رواية: لما انتهى خالد إلى القوم فتلقوه، فقال لهم: ما أنتم؟ أي أمسلمون أم كفار؟ قالوا: مسلمون، قد صلينا، وصدّقنا بمحمد، وبنينا المساجد في ساحتنا وأذنا فيها. وفي لفظ: لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين القوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح، قال: فضعوا السلاح فوضعوا، فقال: استأسروا، فأمر بعضهم فكتف بالتخفيف بعضا وفرقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى منادي خالد رضي الله عنه: من كان معه أسير فليقتله، فقتل بنو سليم من كان معهم، وامتنع المهاجرون والأنصار رضي الله تعالى عنهم، وأرسلوا أسراهم، فلما بلغ النبي ﷺ ما فعل خالد، أي فإن رجلا من القوم جاء الى النبي ﷺ وأخبره بما فعل خالد، فقال له النبي ﷺ: هل أنكر عليه أحد ما صنع؟ قال: نعم، رجل أصفر ربعة، ورجل طويل أحمر، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: والله يا رسول الله أعرفهما، أما الأول فهو ابني فهذه صفته، وأما الثاني فهو سالم مولى أبي حذيفة، فعند ذلك قال النبي ﷺ: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، أي قال ذلك مرتين، وبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فودى لهم قتلاهم، قال له: يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، ودفع إليه مالا: أي إبلا وورقا، يدي به قتلاهم، ويعطيهم منه ما تلف عليهم من أموالهم، فودى قتلاهم، وأعطاهم عوض ما تلف عليهم حتى ميغلة الكلب: أي الإناء التي يشرب فيها، حتى إذا لم يبق لهم دم ولا مال، قال: هل بقي لكم دم أو مال؟ قالوا: لا، قال: أعطيكم ما بقي من المال احتياطا بدل ما لا تعلمون: أي مما تلف من أموالكم، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال له رسول: أصبت وأحسنت أي وزاد.

وفي رواية: والذي أنا عبده لهي أحب إليّ من حمر النعم، ثم قام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة شاهرا يديه يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات انتهى.

ووقع بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما شر بسبب ذلك، فقال له عبد الرحمن: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام، فقال له: إنما أخذت بثأر أبيك، فقال له عبد الرحمن: كذبت، أنا قتلت قاتل أبي. أي وفي رواية: كيف تأخذ مسلمين بقتل رجل في الجاهلية؟ فقال خالد: ومن أخبركم أنهم أسلموا؟ فقال: أهل السرية كلهم أخبروا بأنك قد وجدتهم بنوا المساجد وأقروا بالإسلام، فقال: جاءني أمر رسول الله ﷺ أني أغير، فقال له عبد الرحمن بن عوف: كذبت على رسول الله، وإنما أخذت بثأر عمك الفاكه، فقال رسول الله ﷺ: مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا فأنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل منهم ولا روحته، أي والغدوة: السير في أول النهار إلى الزوال. والروحة: السير من الزوال إلى آخر النهار.

والمراد بأصحابه هنا السابقون إلى الإسلام ومنهم عبد الرحمن بن عوف، بل هو المراد كما تصرح به الرواية الآتية، فقد نزّل الصحابة غير السابقين الذين يقع منهم الرد على الصحابة غير السابقين ـ لكون ذلك لا يليق بهم ـ منزلة غير الصحابة.

قال: ولما عاب عبد الرحمن على خالد الفعل المذكور أعان عبد الرحمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأن رسول الله ﷺ أعرض عن خالد وقال: يا خالد ذر أصحابي. وفي رواية: «لا تسب أصحابي لو كان لك ذهبا فأنفقته قيراطا قيراطا في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو روحات عبد الرحمن» انتهى.

أي ولا يخفى أنه يبعد أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إنما قتلهم لقولهم صبأنا ولم يقولوا أسلمنا، إلا أن يقال: يجوز أن يكون خالد فهم أنهم قالوا ذلك على سبيل الأنفة وعدم الانقياد إلى الإسلام، وأنه إنما أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا، ثم لا يخفى أنه جاء: «لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» ونقل الإمام السبكي عن الشيخ تاج الدين بن عطاء الله: فإنه كان يحضر مجلس وعظه أن قوله: «لا تسبوا أصحابي كان خطابا لمن يأتي بعده من أمته، لأنه كان له تجليات، فرأى في بعضها سائر أمته الآتين من بعده، فقال خطابا لهم: لا تسبوا أصحابي، وأرتضي منه هذا التأويل ا هـ. فالنهي والخطاب بلا تسبوا أصحابي لغير الصحابة تنزيلا للغائب الذي لم يوجد منزلة الموجود الحاضر. وفيه أن هذا لا يساعد عليه المقام.

وفي الحديث من التنويه برفعة الصحابة وعلو منزلتهم ما يقطع الأطماع عن مداناتهم، فإن كون ثواب إنفاق مثل جبل أحد ذهبا في وجه الخير لا يبلغ ثواب التصديق بنصف المدّ الذي إذا طحن وعجن لا يبلغ الرغيف المعتاد أمر عظيم.

أقول: ووقع لخالد رضي الله تعالى عنه نظير ذلك في زمن خلافة الصديق فإن العرب لما ارتدت بعد موته عين خالدا لقتال أهل الردة وكان من جملتهم مالك بن نويرة، فأسره خالد هو وأصحابه، وكان الزمن شديد البرد، فنادى منادي خالد: أن أدفنوا أسراكم، فظن القوم أنه أراد ادفنوا أسراكم: أي اقتلوهم، فقتلوهم، وقتل مالك بن نويرة، فلما سمع خالد بذلك، قال: إذا أراد الله أمرا أمضاه، وتزوج خالد رضي الله عنه زوجة مالك بن نويرة وكانت من أجمل النساء. ويقال إن خالدا استدعى مالك بن نويرة وقال له: كيف ترتد عن الإسلام وتمنع الزكاة؟ ألم تعلم أن الزكاة قرينة الصلاة؟ فقال: كان صاحبكم يزعم ذلك، فقال له: هو صاحبنا وليس هو بصاحبك، يا ضرار اضرب عنقه، وأمر برأسه فجعل ثالث حجرين جعل عليها قدر يطبخ فيه لحم، فعل ذلك إرجافا لأهل الردة، فلما بلغ سيدنا عمر ذلك قال للصديق رضي الله تعالى عنهما اعزله، فإن في سيفه رهقا كيف يقتل مالكا ويأخذ زوجته؟ فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: لا أغمد سيفا سله على الكافرين والمنافقين، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على الكافرين والمنافقين» وقال الصديق رضي الله تعالى عنه في حق خالد: عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد.

وفي كلام السهيلي أنه روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكر الصديق: إن في سيف خالد رهقا فاقتله، وذلك حين قتل مالك بن نويرة وجعل رأسه تحت قدر حتى طبخ به، وكان مالك ارتد ثم رجع إلى الإسلام ولم يظهر ذلك لخالد، وشهد عنده رجلان من الصحابة برجوعه إلى الإسلام فلم يقبلهما وتزوج امرأته، فلذلك قال عمر لأبي بكر اقتله، فقال: لا أفعل لأنه متأول، فقال: اعزله، فقال: لا أغمد سيفا سله الله تعالى على المشركين، ولا أعزل واليا ولاه رسول الله.

قيل وأصل العداوة بين خالد وسيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما على ما حكاه الشعبي أنهما وهما غلامان تصارعا، وكان خالد ابن خال عمر، فكسر خالد ساق عمر فعولجت وجبرت.

ولما ولي سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه الخلافة أوّل شيء بدأ به عزل خالدا لما تقدم، وقال: لا يلي لي عملا أبدا. وقيل لكلام بلغه عنه، ومن ثم أرسل إلى أبي عبيدة: إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فانتزع عمامته وقاسمه ماله نصفين فلم يكذب نفسه، فقاسمه أبو عبيدة ماله حتى إحدى نعليه وترك له الأخرى وخالد يقول: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين.

وبلغه أن خالدا أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف وقد قصده ابتغاء إحسانه، فأرسل لأبي عبيدة أن يصعد المنبر ويوقف خالدا بين يديه وينزع عمامته وقلنسوته ويقيده بعمامته، لأن العشرة آلاف إن كان دفعها من ماله فهو سرف، وإن كان من مال المسلمين فهي خيانة، فلما قدم خالد رضي الله تعالى عنه على عمر رضي الله تعالى عنه قال له: من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف؟ فقال: من الأنفال والسهمان، قال: ما زاد على التسعين ألفا فهو لك، ثم قوّم أمواله وعروضه وأخذ منه عشرين ألفا، ثم قال له: والله إنك عليّ لكريم، وإنك لحبيب، ولم تعمل لي بعد اليوم على شيء، وكتب رضي الله عنه إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدا عن مبخلة ولا خيانة ولكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، أي وأن نصر خالد على من قاتله من المشركين ليس بقوته ولا بشجاعته، بل بفضل الله.

فالصِّديق لم يعزل خالد بن الوليد مع فعله ما يكرهه بتأويل له في ذلك، كما أنه لم يعزله مع فعله لما كرهه حيث رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، لكونه كان شديدا على الكفار، لرجحان المصلحة على المفسدة. وسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه عزله لخوف افتتان الناس به، فعزله وولى أبا عبيدة بن الجراح.

قال بعضهم: كان الصديق رضي الله تعالى عنه لينا وخالد بن الوليد شديدا، وعمر رضي الله تعالى عنه كان شديدا وأبو عبيدة لينا، فكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليحصل التعادل، والله أعلم.

وأخبر النبي ﷺ أنه كان في القوم رجل قال لهم أنا لست من هؤلاء ولكني عشقت امرأة فلحقتها، فدعوني أنظر إليها ثم افعلوا بي ما بدا لكم، ثم أشار إلى نسوة مجتمعات غير بعيد. قال بعضهم: فقلت: والله ليسير ما طلب، فأخذته حتى أوقفته عليهن فأنشد أبياتا، ثم جئت به، فقدموه فضربت عنقه، فقامت امرأة من بينهن، فجاءت حتى وقفت عليه فشهقت بفتح الهاء شهقة أو شهقتين ثم ماتت. أي وفي رواية فأكبت عليه تقبله حتى ماتت انتهى. أي وفي رواية فانحدرت إليه من هودجها فحنت عليه حتى ماتت، فعند ذلك قال رسول الله: «أما كان فيكم رجل رحيم القلب».


سرية أبي عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه إلى أوطاس

لما انصرف من حنين وانهزم المشركون عسكر منهم طائفة بأوطاس، فبعث رسول الله ﷺ أبا عامر الأشعري عم أبي موسى الأشعري في جماعة فيهم أبو موسى الأشعري. ووقع في الأصل أن أبا عامر ابن عم أبي موسى الأشعري قال في النور وهو غلط، وإنما أبو موسى ابن أخي أبي عامر. فلحقوا بالقوم وتناوشوا القتال: أي تكافؤوا فيه، وبارز أبو عامر تسعة، ويقال إنهم إخوة وهو يقتلهم واحدا بعد واحد، أي وصار كل من برز له منهم يدعوه إلى الإسلام فيأبى فيقول اللهم اشهد ويحمل عليه فيقتله. ثم برز له أخوهم العاشر فقتل أبا عامر، أي فإنه قال له أسلم فأبى، فقال: اللهم اشهد فقال: اللهم لا تشهد وفرش يديه، فظن أبو عامر أنه أسلم فكف عنه، فعاد إلى أبي عامر فقتله ثم أسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه، وكان إذا رآه يقول: هذا شريد أبي عامر.

قال: وعن أبي موسى الأشعري قال: جئت لأبي عامر وفيه رمق فقلت: يا عم من رماك؟ فقال: ذاك، وأشار إلى شخص من القوم، فقصدته فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت؟ فثبت، فاختلفنا ضربتين فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم فنزعته، فقال: يا بن أخي بلغ النبي ﷺ مني السلام وقل له يستغفر لي، وقال: ادفع فرسي وسلاحي له انتهى، فليتأمل الجمع بين هذا وما قبله.

وقبل أن يموت أبو عامر رضي الله عنه استخلف ابن عمه أبا موسى ودفع الراية له. وفي لفظ: أن أبا عامر رماه واحد فأصاب قلبه، ورماه آخر فأصاب ركبته فقتلاه، وولى الناس أبا موسى فحمل عليهما فقتلهما: أي وفتح الله عليهم، وانهزم المشركون وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا.

ولما رجع أبو موسى رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ وأخبره بموت أبي عامر استغفر له رسول الله ﷺ وقال: «اللهم اجعله من أعلى أمتي في الجنة» أي وفي رواية: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» ودعا لأبي موسى أي فقال: «اللهم اغفر له ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما».


سرية الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حميمة الدوسي ليهدمه

لما أراد رسول الله ﷺ المسير إلى الطائف بعث الطفيل رضي الله تعالى عنه لهدم ذي الكفين، وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قومه، فهدم ذا الكفين، وجعل يحثي النار في وجهه، وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا رسول الله ﷺ بالطائف بعد مقدمة بأربعة أيام، فقال لهم رسول الله ﷺ: يا معشر الأزد من يحمل رايتكم؟ فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية النعمان بن الراوية، قال: أصبتم.


سرية عيينة بن حصن الفزاري رضي الله تعالى عنه إلى بني تميم

أي وسببها أنه بعث بشر بن سفيان إلى بني كعب لأخذ صدقاتهم وكانوا مع بني تميم على ماء، فأخذ بشر صدقات بني كعب، فقال لهم بنو تميم وقد استكثروا ذلك: لم تعطونهم أموالكم؟ فاجتمعوا وأشهروا السلاح، ومنعوا بشرا من أخذ الصدقة، فقال لهم بنو كعب: نحن أسلمنا ولا بد في ديننا من دفع الزكاة، فقال لهم بنو تميم: والله لا ندع يخرج بعير واحد، ولما رأى بشر رضي الله تعالى عنه ذلك قدم المدينة، وأخبر النبي ﷺ بذلك.

فعند ذلك بعث رسول الله ﷺ عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم، وأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة. وفي لفظ: إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فجاء بهم إلى المدينة، فأمر بهم رسول الله ﷺ فحبسوا في دار رملة بنت الحارث، فجاء في أثرهم جماعة من رؤسائهم، منهم عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورياح بكسر الراء والمثناة تحت ابن الحارث، فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري، فجاؤوا إلى باب النبي، أي بعد أن دخلوا المسجد ووجدوا بلالا يؤذن بالظهر والناس ينتظرون خروج رسول الله، فاستبطؤوه فجاؤوا من وراء الحجرات، فنادوا: أي بصوت جاف: اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك فإن مدحنا زين وذمنا شين، يا محمد اخرج إلينا، فخرج رسول الله ﷺ أي وقد تأذى من صياحهم، وأقام بلال رضي الله تعالى عنه الصلاة، وتعلقوا برسول الله ﷺ يكلمونه، فوقف معهم: أي قالوا له: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم النبي ﷺ: ما بالشعر بعثنا، ولا بالفخار أمرنا، ثم مضى رسول الله ﷺ فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد، أي بعد أن قالوا له ما تقدم، ومنه: إن مدحنا لزين، وإن شتمنا لشين، نحن أكرم العرب، فقال لهم رسول الله ﷺ: كذبتم، بل مدح الله عز وجل الزين وشتمه الشين، وأكرم منكم يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام، ثم قالوا له: فائذن لخطيبنا وشاعرنا، قال: أذنت فليقم. وفي لفظ: إني لم أبعث بالشعر، ولم أومر بالفخر، ولكن هاتوا، فقدموا عطارد بن حاجب.

وفي لفظ قال الأقرع بن حابس لشاب منهم: قم يا فلان فاذكر فضلك وفضل قومك، فتكلم وخطب، أي فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف. وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عددا، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا رؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخر فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو شئنا لأكثرنا، وإنما أقول قولي هذا لأن يأتوا بمثل قولنا أو أمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. أي وفي رواية أنه قال: الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وأعطانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن خير أهل الأرض، وأكثرهم عددا، وأكثرهم سلاحا، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا أو بفعال هي أفضل من فعالنا.

فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس أن يجيبه، أي قال له: قم فأجب الرجل في خطبته، فقام ثابت رضي الله تعالى عنه فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله، ثم إنه كان من فضله أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا وأصدقه قلبا، ®وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن برسول الله ﷺ المهاجرون من قومه وذوو رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس مقالا، ثم كان أول الناس إجابة واستجابه لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ورسوله؟ نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله، فمن آمن بالله ورسوله منع دمه وماله، ومن كفر جاهدناه في الله، وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.

أي وفي رواية أنه قال: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمه، أحسن الناس وجوها، وأعظم الناس أحلاما فأجابوه. والحمد لله الذي جعلنا أنصاره ووزراء رسوله وعزا لدينه، فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قالها منع منا نفسه وماله، ومن أباها قاتلناه وكان رغمه في الله علينا هينا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات.

ثم قال الزبرقان لرجل منهم: فقم يا فلان فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقال أبياتا منها:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا ** نحن الرؤوس وفينا يقسم الربع

إذا أبينا فلا يأبى لنا أحد ** إنا كذلك عند الفخر نرتفع

فقال رسول الله ﷺ: عليّ بحسان بن ثابت، فحضر، فقال له: قم فأجبه، فقال: يسمعني ما قاله، فأسمعه فقال حسان رضي الله تعالى عنه أبياتا، منها:

نصرنا رسول الله والدين عنوة ** على رغم عات من بعيد وحاضر

وأحياؤنا من خير من وطىء الحصا ** وأمواتنا من خير أهل المقابر

وثابت بن قيس هذا كان يعرف بخطيب رسول الله، افتقده رسول الله ﷺ يوما، فقال: من يعلم لي علمه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فذهب فوجده في منزله جالسا منكسا رأسه؟ فقال له: ما شأنك؟ قال: أخشى أن أكون من أهل النار لأني رفعت صوتي فوق صوت النبي. فرجع الرجل إلى رسول الله ﷺ فأعلمه. فقال: اذهب إليه فقل له: لست من أهل النار. ولكنك من أهل الجنة، وقال: «نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس» قتل يوم اليمامة، وكان عليه درع نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له: إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه، إني لما قتلت مربي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس، عند خبائه فرس، وقد كفأ على الدرع برمة وفوق البرمة رحل، فأت خالدا فمره فليأخذها، فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله ﷺ يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقل له: إن عليّ من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق، فاستيقظ الرجل فأتى خالدا فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى بها بعد أن وجدها على ما وصف، وحدث أبا بكر رضي الله تعالى عنه برؤياه فأجاز وصيته. قال بعضهم: ولا يعلم أحد حدثت وصيته بعد موته سواه.

ووقعت مفاخرة بين الزبرقان بن بدر وبين حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه كل منهما يذكر قصيدة يذكر فيها فخرا، فمن قصيدة الزبرقان بن بدر وهو مطلعها:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا ** منا الملوك وفينا تنصب البيع

ومن قصيدة حسان رضي الله تعالى عنه وهو مطلعها:

إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد ** إنا كذلك عند الفخر نرتفع

وفيه أن هذا البيت من قول بعض بني تميم، وقد أسمعه لحسان كما تقدم فليتأمل.

ووقعت مفاخرة بين الأقرع بن حابس وبين حسان رضي الله تعالى عنه، فقال الأقرع بن حابس: إني والله يا محمد قد قلت شعرا فاسمعه، فقال له: هات، فأنشد:

أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ** إذا خالفونا عند ذكر المكارم

وإنا رؤوس الناس من كل معشر ** وأن ليس في أرض الحجاز كدارم

فقال رسول الله ﷺ: قم يا حسان فأجبه، فقال:

بني دارم لا تفخروا إن فخركم ** يعود وبالا عند ذكر المكارم

هبلتم علينا تفخرون وأنتم ** لنا خول من بين ظئر وخادم

فقال رسول الله ﷺ للأقرع: لقد كنت غنيا يا أخا بني دارم أن تذكر ما كنت ترى أن الناس قد نسوه، فكان هذا القول من رسول الله ﷺ أشد عليهم من قول حسان رضي الله تعالى عنه. وحينئذ قال الأقرع بن حابس: لخطيبه ـ يعني النبي ﷺ ـ أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، أي ثم دنا من النبي ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: لا يضرك ما كان قبل هذا. ورأى النبي ﷺ يقبل الحسن رضي الله تعالى عنه، فقال: يا رسول الله لي من الولد عشرة ما قبلت واحدا منهم، فقال رسول الله: «من لا يرحم لا يرحم».

قال ابن دريد رحمه الله: اسم الأقرع نواس، وإنما لقب الأقرع لقرع كان في رأسه، والقرع: انحصاص الشعر. وكان رضي الله تعالى عنه شريفا في الجاهلية والإسلام، ونزل فيهم: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم}.

ووقع أن عمرو بن الأهتم مدح الزبرقان للنبي فقال: إنه لمطاع في أنديته، سيد في عشيرته، فقال الزبرقان: لقد حسدني يا رسول الله لشرفي، وقد علم أفضل مما قال، فقال عمرو: إنه لزمر المروءة، ضيق العطن، لئيم الخال. وفي لفظ أن الزبرقان قال: يا رسول الله أنا سيد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظلم وهذا يعلم ذلك، يعني عمرو بن الأهتم، فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في ناديه، مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك؟ والله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مبغض في العشيرة، فعرف عمرو الإنكار في وجه رسول الله، فقال: يا رسول الله، والله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية، رضيت فقلت أحسن ما عملت، وسخطت فقلت أقبح ما علمت. وفي رواية: والله يا رسول الله لقد صدقت فيهما، أرضاني فقلت أحسن ما علمت، وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فعند ذلك قال النبي: «إن من البيان لسحرا» وجاء: «إن من البيان سحرا، وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكما، وإن من القول عيا».

قال بعضهم: أما قوله: «إن من البيان سحرا» فإن الرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. وأما قوله: «إن من العلم جهلا» فإن العالم يكلف ما لا يعلم فيجهله ذلك. وأما قوله: «إن من الشعر حكما» فهو هذه المواعظ والأمثال. وأما قوله: «وإن من القول عيا» فعرضك كلامك وحديثك على من ليس من شأنه، هذا كلامه.

وفيه إن هذا بيان للسحر المذموم، وليس المراد هنا وإنما هو من السحر الحلال، ومن ثم أقرّ عمرو بن الأهتم عليه ولم يسخطه منه، فالسحر المذموم أن يصوّر الباطل في صورة الحق ببيانه، ويخدع السامع بتمويهه وهو المراد عند الإطلاق، والسحر غير المذموم فما كان من البيان على حق، لأن البيان بعبارة مقبولة عذبة لا استكراه فيها تستميل القلوب كما يستميل الساحر قلوب الحاضرين إلى ما موّه به.

ثم إنه رد عليهم الأسارى والسبي وأحسن جوائزهم، قال: أي بعد أن أسلموا، وأعطى كل واحد اثني عشر أوقية، قيل إلا عمرو بن الأهتم فإن القوم خلفوه في ظهورهم، لأنه كان أصغرهم سنا فأعطاه خمس أواق.

وقد اختلف في عدد هذا الوفد، فقيل كانوا سبعين رجلا، وقيل كانوا ثمانين، وقيل كانوا تسعين انتهى.

أي والذي في الاستيعاب: ثم أسلم القوم وبقوا في المدينة مدة يتعلمون الدين والقرآن، ثم أرادوا الخروج إلى قومهم فأعطاهم النبي ﷺ أسراهم ونساءهم، وقال: أما بقي منكم أحد؟ وكان عمرو بن الأهتم في ركابهم، فقال قيس بن عاصم وكان مشاحنا له: لم يبق منا إلا غلام في ركابنا وأزرى به، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطاهم، وبلغ عمرا ما قال قيس في حقه، فأنشد أبياتا تتضمن لومه على ذلك، وكان عمرو خطيبا بليغا شاعرا محسنا، يقال إن شعره كان حللا منثورة، وكان رضي الله تعالى عنه جميلا يدعى الكحيل لجماله، وهو القائل:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ** ولكن أخلاق الرجال تضيق

هذا كلامه، وأنزل الله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} قيل معناه لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضا فتؤخروا إجابته بالأعذار التي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض، لكم عظموه بسرعة الإجابة.


سرية قطبة بن عامر رضي الله تعالى عنه إلى حي من خثعم

بعث رسول الله ﷺ قطبة بن عامر في عشرين رجلا إلى حي من خثعم، وأمره أن يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم: أي سكت ولم يعلمهم بالأمر، فجعل يصيح بالحاضر: أي وهم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرتحلون عنه كما تقدم ويحذرهم، فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر فشنوا الغارة عليهم، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت الجرحى في الفريقين، وساقوا النعم والشاء إلى المدينة، وجاء سهيل فحال بينهم وبين القوم، فلم يجد القوم إليهم سبيلا وتقدمت الحوالة على هذا.


سرية الضحاك الكلابي رضي الله تعالى عنه

في جمع إلى بني كلاب، فلقوهم ودعوهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، وكان من جملة المسلمين شخص لقي أباه في جملة القوم، فدعاه إلى الإسلام فسبه وسب الإسلام فضرب عرقوب فرس أبيه فوقع، فأمسك أباه إلى أن أتى بعض المسلمين فقتله، أي وفي رواية أنه بعث لبني كلاب وكتب إليهم في رق فلم ينقادوا للإسلام، وغسلوا الخط من الرق، وخاطوه تحت دلوهم، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: ما لهم؟ أذهب الله عقولهم، فصار لا يوجد أحد منهم إلا مختل العقل مختلط الكلام بحيث لا يفهم كلامه.


سرية علقمة بن مجزز رضي الله تعالى عنهما

بضم الميم وفتح الجيم وزايين الأولى مكسورة مشدودة المدلجيّ: أي وهو ولد القائف الذي قاف في حق زيد بن حارثة وأسامة رضي الله تعالى عنهما وقال: إن بعض هذه الأقدام من بعض، فهو صحابي ابن صحابي، إلى جمع من الحبشة، بلغ رسول الله ﷺ أن ناسا من الحبشة تراءاهم أهل جدة: أي في مراكب، وجدة بضم الجيم وتشديد الدال المهملة: قرية، سميت بذلك لبنائها على ساحل البحر، لأن الجدة شاطىء البحر، فبعث إليهم علقمة بن مجزز رضي الله تعالى عنهما في ثلاثمائة، فخاض بهم البحر حتى أتوا إلى جزيرة في البحر فهربوا، أي ورجعوا، ولم يلق كيدا. ثم لما كانوا في أثناء الطريق أذن علقمة رضي الله تعالى عنه لجماعة أن يعجلوا وأمر عليهم أحدهم، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها، فقال لهم أميرهم: عزمت عليكم إلا تواثبتم: أي وقعتم في هذه النار، فقام بعض القوم فحجزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه».

قال: وعن علي كرم الله وجهه قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارا فأوقدوها، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنا فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكان كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ ذكروا له ذلك، فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا. وقال: «لا طاعة في معصية الله، وإنما الطاعة في المعروف» انتهى، أي والضمير في «دخلوها» للنار التي أوقدت، والضمير في منها لنار الآخرة، لأن الدخول فيها معصية والعاصي يستحق النار، فالمقصود من ذلك الزجر.

وفي رواية: «من أمركم منهم» أي من الأمراء «بمعصية الله فلا تطيعوه» وفي لفظ: «لا طاعة في معصية الله» ولا مانع من تكرر هذه الواقعة.


سرية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

إلى هدم الفُلْس بضم الفاء وسكون اللام «صنم طيىء» والغارة عليهم

بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا معه راية سوداء ولواء أبيض إلى هدم الفلس والغارة عليهم، فشنوا الغارة عليهم مع الفجر، فهدموا الفلس وأحرقوه، واستاقوا النعم والشاء والسبي، وكان في السبي أخت عدي بي حاتم الطائي، أي واسمها سفّانة بفتح السين المهملة وتشديد الفاء وبعد الألف نون مفتوحة ثم تاء تأنيث، والسفانة في الأصل: هي الدرة، وهذه أسلمت رضي الله تعالى عنها. قال بعضهم: ولا يعرف لحاتم بنت إلا هذه، ووجدوا في خزانة الصنم ثلاثة أسياف معروفة عند العرب، وهي: رسوب، والمخذم، واليماني، وثلاثة أدراع. وجعل الرسوب والمخذم صفيا لرسول الله، ثم صار إليه الثالث الذي هو اليماني.

قال: ومر النبي ﷺ بأخت عدي فقامت إليه، وكانت امرأة جذلة: أي ذات وقار وعقل، وكلمته أن يمن عليها، فمنّ عليها، فأسلمت رضي الله تعالى عنها، وخرجت إلى أخيها عدي فأشارت إليه بالقدوم على رسول الله، فقدم عليه كما سيأتي في الوفود.

ويذكر أنها قالت له: «يا محمد أرأيت أن تخلي عنا، ولا تشمت بنا أحياء من العرب فإني ابنة سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيىء، فقال لها النبي ﷺ: يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق».

أي وفي لفظ: «قالت له: يا محمد أرأيت أن تمنّ عليّ ولا تفضحني في قومي فإني بنت سيدهم، إن أبي كان يطعم الطعام، ويحفظ الجوار، ويرعى الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العريان، ولم يردّ طالب حاجة قط» أنا بنت حاتم الطائي. فقال لها: هذه مكارم الأخلاق حقا، ولو كان أبوك مسلما لترحمت عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وإن الله يحب مكارم الأخلاق».

وفي رواية: «أنها قالت: يا رسول الله، هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن عليّ منّ الله عليك. قال: ومن وفدك؟ قالت عدي بن حاتم، قال: الفارّ من الله ورسوله» أي لأنه هرب لما رأى الجيش كما سيأتي في الوفود «قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ وتركني حتى إذا كان من الغد قلت له كذلك وقال لي مثل ذلك، ففي اليوم الثالث أشار إليّ رجل خلفه بأن كلميه فكلمته. فقال رسول الله ﷺ: قد فعلت فلا تعجلي حتى يجيء من قومك من يكون لك ثقة يبلغك إلى بلادك، فآذنيني أي أعلميني وسألت عن الرجل الذي أشار عليّ بكلامه، فقيل لي إنه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قالت: فصبرت حتى قدم عليّ من أثق به، فجئت رسول الله، وحملني، وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت الشام على أخي» انتهى.


سرية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى بلاد مذحج

بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة ثم حاء مهملة مكسورة ثم جيم كمسجد: أبو قبيلة من اليمن.

بعث رسول الله ﷺ عليا كرم الله وجهه إلى بلاد مذحج من أرض اليمن في ثلاثمائة فارس، وعقد له لواء وعممه بيده وقال: امض ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلونك، فكانت أول خيل دخلت إلى تلك البلاد، ففرق أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فأتوا بنهب بفتح النون وغنائم وأطفال ونساء ونعم وشاء وغير ذلك، وجعل على الغنائم بريدة بن الحُصَيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنبل والحجارة فصف أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان، ثم حمل عليهم فقتل منهم عشرين رجلا فانهزموا وتفرقوا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرع إلى إجابته ومتابعته نفر من رؤسائهم وقالوا: نحن على من وراءَنا من قومنا، وهذه صدقاتنا، فخذ منها حق الله تعالى. وجمع عليّ كرم الله وجهه الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها لله، وأقرع عليها فخرج أول السهام سهم الخمس، وقسم الباقي على أصحابه، ثم رجع علي كرم الله وجهه فوافى النبي ﷺ بمكة قدمها للحج، أي حجة الوداع.

وذكر بعضهم أنه بعث عليا كرم الله وجهه في سرية إلى اليمن، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إلى رسول الله، فلما قرأ كتابه خر ساجدا ثم جلس، فقال: السلام على همدان، وتتابع أهل اليمن إلى الإسلام. قال في الأصل: إن هذه السرية هي الأولى وما قبلها السرية الثانية.


سرية خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل

وكان نصرانيا

بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سنة تسع إلى أكيدر بدومة الجندل وقال له: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وكانت ليلة مقمرة صافية وهو على سطح له ومعه امرأته، فجاءت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وركب معه نفر من أهله فيهم أخ له يقال له حسان، فتلقتهم خيل خالد فاستأسر أكيدر، وقاتل أخوة حتى قتل، وأجار خالد أكيدرا من القتل حتى يأتي به رسول الله ﷺ على أن يفتح له دومة الجندل، وكان على أكيدر قباء من ديباج مخوصة: أي فيها خوص منسوجة بالذهب مثل خوص النخل، فاستلبه خالد إياها، وأرسلها لرسول الله، فتعجبت الصحابة منها. فقال: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» أي وقد تقدم. وصالح على أهل دومة الجندل بألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح.

ثم خرج خالد بأكيدر وأخيه مصاد قافلا إلى المدينة، فقدم بالأكيدر على رسول الله، فصالحه على الجزية، وحقن دمه ودم أخيه، وخلى سبيلهما، وكتب له كتابا فيه أمانهم وختمه يؤمئذ بظفره: أي ومن جملة الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها» إلى آخره، وهذا كما لا يخفى يدل على أن أكيدر أسلم، أي وهو الموافق لقول أبي نعيم وابن منده بإسلامه، وأنه معدود من الصحابة وأهدى إلى النبي ﷺ حلة، فوهبها لعمر بن الخطاب.

وذكر ابن الأثير: أي في أسد الغابة أن القول بإسلامه غلط فاحش، فإنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير، أي وحينئذ يكون قوله في الكتاب حين أجاب إلى الإسلام أي انقاد إليه. ويبعده قوله: وخلع الأنداد والأصنام فليتأمل، وأنه لما صالحه عاد إلى حصنه وبقي فيه على نصرانيته.

ثم إن خالدا رضي الله تعالى عنه حاصره في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما فقتله لنقضه العهد.

قال ابن الأثير: وذكر البلاذري أن أكيدرا لما قدم على النبي ﷺ أسلم، ثم بعد موته ارتد، ثم قتله خالد: أي بعد أن عاد من العراق إلى الشام.

قال: وعلى هذا القول لا ينبغي أن يذكر في الصحابة، وإلا كان كل من أسلم في حياته، ثم ارتد، أي ومات مرتدا يذكر في الصحابة، أي ولا قائل بذلك.

ثم رأيت الذهبي قال في عمارة بن قيس بن الحارث الشيباني إنه ارتد، وقتل مرتدا في خلافة أبي بكر، وبهذا خرج عن أن يكون صحابيا بكل حال.


سرية أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه إلى أبنى

بضم الهمزة ثم موحدة، ثم نون مفتوحة مقصورة: اسم موضع بين عسقلان والرملة.

وفي كلام السهيلي رحمه الله: وهي قرية عند مؤنة التي قتل عندها زيد بن حارثة، رضي الله تعالى عنهما.

لما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة أمر بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة ابن زيد فقال: سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحا على أهل أبنى، وحرق عليهم، وأسرع السير لتسبق الأخبار، فإن ظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع معك.

فلما كان يوم الأربعاء بدأ به وجعه فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، ثم قال: اغز باسم الله وفي سبيل الله، وقاتل من كفر بالله، فخرج رضي الله تعالى عنه بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة، وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا اشتد لذلك، منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين والأنصار، أي لأن سن أسامة رضي الله تعالى عنه كان ثمان عشرة، وقيل تسع عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة.

ويؤيد ذلك أن الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى إياس بن معاوية الذي ضرب به المثل في الذكاء وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة. فقال المهدي: أف لهذه العثانين، أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث، ثم التفت إليه المهدي وقال: كم سنك يا فتى؟ فقال: سني ـ أطال الله بقاء أمير المؤمنين ـ سن أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهم لما ولاه رسول الله ﷺ جيشا فيه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. فقال: تقدم، بارك الله فيك، وكان سنة سبع عشرة سنة.

ومما يؤثر عنه: من لم يعرف عيبه فهو أحمق، فقيل له ما عيبك يا أبا واثلة؟ قال: كثرة الكلام، وقيل كان عمر أسامة رضي الله تعالى عنه عشرين سنة.

ولما بلغ رسول الله مقالتهم وطعنهم في ولايته مع حداثة سنه غضب غضبا شديدا، وخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وايم الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإنهما مظنة لكل خير، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم، وتقدم أنه رضي الله تعالى عنه كان يقال له الحب ابن الحب. وكان رسول الله ﷺ يمسح خشمه وهو صغير بثوبه.

ثم نزل فدخل بيته وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله ﷺ ويخرجون إلى العسكر بالجرف، وثقل رسول الله، فجعل يقول: أرسلوا بعث أسامة، أي واستثنى أبا بكر وأمره بالصلاة بالناس.

أي فلا منافاة بين القول بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان من جملة الجيش وبين القول بأنه تخلف عنه، لأنه كان من جملة الجيش أوّلا، وتخلف لما أمره بالصلاة بالناس.

وبهذا يرد قول الرافضة طعنا في أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه تخلف عن جيش أسامة رضي الله تعالى عنه، لما علمت أن تخلفه عنه كان بأمر منه لأجل صلاته بالناس، وقول هذا الرافضي مع أنه لعن المتخلف عن جيش أسامة مردود، لأنه لم يرد اللعن في حديث أصلا.

فلما كان يوم الأحد اشتد على رسول الله ﷺ وجعه، فدخل أسامة من عسكره والنبي ﷺ مغمور، فطأطأ رأسه فقبله وهو لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة رضي الله تعالى عنه. قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي، ورجع أسامة رضي الله تعالى عنه إلى عسكره، ثم دخل عليه يوم الاثنين. فقال له: اغد على بركة الله تعالى، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره وأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول الله أمه أم أيمن رضي الله تعالى عنها قد جاءه يقول: إن رسول الله ﷺ يموت.

وفي لفظ: فسار حتى بلغ الجرف فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول له: لا تعجل، فإن رسول الله ﷺ ثقيل، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنهم، فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يموت، فتوفي رسول الله ﷺ حين زاغت الشمس.

أي وفي لفظ أنه رضي الله تعالى عنه لما نزل بذي خشب قبض النبي، فدخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بلواء أسامة حتى أتى به إلى رسول الله ﷺ فغرزه عنده.

فلما بويع لأبي بكر رضي الله تعالى عنه بالخلافة أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة وأن يمضي أسامة لما أمر به.

فلما مات ارتدت العرب، أي فإنه لما اشتهرت وفاة النبي، ظهر النفاق، وقويت نفوس أهل النصرانية واليهودية، وصارت المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، وارتدت طوائف من العرب وقالوا نصلي ولا ندفع الزكاة وعند ذلك كلم أبو بكر رضي الله تعالى عنه في منع أسامة من السفر: أي قالوا له كيف يتوجه هذا الجيش إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فأبى أي وقال: والله الذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما أرد جيشا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده. وفي لفظ: والله لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله.

أقول: ذكر بعضهم أن أسامة رضي الله تعالى عنه وقف بالناس عند الخندق وقال لسيدنا عمر: ارجع إلى خليفة رسول الله ﷺ فاستأذنه أن يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس ولا آمن على خليفة رسول الله ﷺ وثقله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون، وقالت له الأنصار رضي الله تعالى عنهم: فإن أبى أبو بكر إلا أن يمضي: أي الجيش فأبلغه منا السلام، واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة، فقدم عمر على أبي بكر رضي الله تعالى عنهما وأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: والله لو تخطفني الذئاب والكلاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله. قال عمر رضي الله تعالى عنه: فإن الأنصار أمروني أن أبلغك أنهم يطلبون أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة، فوثب أبو بكر وكان جالسا وأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب، استعمله رسول الله ﷺ وتأمرني أن أنزعه، فخرج عمر إلى الناس فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت اليوم بسببكم من خليفة رسول الله ﷺ خيرا، هذا كلامه.

وفيه أن هذا مخالف لما تقدم من صعوده المنبر وإنكاره على من طعن في ولاية أسامة، إذ يبعد عدم بلوغ ذلك للأنصار رضي الله تعالى عنهم، إلا أن يقال: لعل من قال لسيدنا عمر هذه المقالة جمع من الأنصار لم يكونوا سمعوا ذلك ولا بلغهم، أو جوزوا أن الصديق رضي الله تعالى عنه يوافق على ذلك حيث رأى فيه المصلحة، وسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه جوّز ذلك حيث لم يتكفل بالرد عليهم بأنه أنكر على من طعن في ولاية أسامة رضي الله تعالى عنه، فليتأمل، والله أعلم.

وكلم أبو بكر رضي الله تعالى عنه أسامة في عمر رضي الله تعالى عنه أن يأذن له في التخلف ففعل، ولعل ذلك كان تطبيبا لخاطر أسامة، ومن ثم كان عمر رضي الله تعالى عنه لا يلقى أسامة إلا قال السلام عليك أيها الأمير كما يأتي، فلما كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة خرج أسامة رضي الله تعالى عنه: أي في ثلاثة آلاف فيهم ألف فرس، وودعه سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعد أن سار إلى جنبه ساعة ماشيا، وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق، فقال أسامة: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: والله لستَ بنازل، ولستُ براكب ثم قال له الصديق، رضي الله تعالى عنه: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.

وقد وقع نظير ذلك لرسول الله ﷺ لما بعث معاذا رضي الله تعالى عنه إلى اليمن شيعه وهو يمشي تحت راحلة معاذ وهو يوصيه.

ثم إن أسامة رضي الله تعالى عنه سار إلى أهل أُبنَى، فشنّ عليهم الغارة: أي فرق الناس عليهم، وكان شعارهم «يا منصور أمِت» فقتل من قتل وأسر من أسر، وحرق منازلهم وحرق أرضها فأزال نخلها، وأجال الخيل في عرصاتها، ولم يقتل من المسلمين أحد. وكان أسامة رضي الله تعالى عنه على فرس أبيه وقتل قاتل أبيه رضي الله تعالى عنهما، وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهما، وأخذ لنفسه مثل ذلك، فلما أمسى أمر الناس بالرحيل، وأسرع السير، وبعث مبشرا إلى المدينة بسلامتهم.

وخرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار ممن لم يكن في تلك السرية يتلقون أسامة ومن معه، وسروا بسلامتهم، ودخل أسامة رضي الله تعالى عنه واللواء بين يديه حتى انتهى إلى باب المسجد ثم انصرف إلى بيته.

أي وكان في خروج هذا الجيش نعمة عظيمة، فإنه كان سببا لعدم ارتداد كثير من الطوائف العرب أرادوا ذلك. وقالوا: لولا قوة أصحاب محمد ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، فثبتوا على الإسلام.

أي وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حتى بعد أن ولي الخلافة إذا رأى أسامة رضي الله تعالى عنه قال: السلام عليك أيها الأمير، فيقول أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، تقول لي هذا؟ فيقول: لا أزال أدعوك ما عشت الأمير. مات رسول الله ﷺ وأنت عليّ أمير. وفي السيرة الشامية سرايا أخر تركنا ذكرها تبعا للأصل.

وفي السنة الثامنة أمر عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه أن يحج بالناس وهو بمكة.

وقد كان استعمله عليها لما أراد الخروج إلى حنين، وقيل لما رجع من حنين. واستمر أميرا على مكة حتى توفي رسول الله، فأقره الصديق رضي الله تعالى عنه إلى أن توفي، وكانت وفاته يوم وفاة الصديق رضي الله تعالى عنهما، أي لأنه أطعم سم سنة في اليوم الذي فيه الصديق ذلك، وكان ذلك الحج على ما كانت عليه العرب في الجاهلية من حج الكفار مع المسلمين، لكن كان المسلمون بمعزل عنهم في الموقف.

ولما دخلت سنة تسع استعمل أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه على الحج، فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه بعشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده الشريفة، وساق أبو بكر رضي الله تعالى عنه خمس بدنات، ثم تبعه عليّ كرم الله وجهه على ناقة رسول الله ﷺ القصواء: أي بفتح القاف والمد. وقيل بالضم والقصر ونسب للخطأ، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس، وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكان العهد بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عاما وخاصا، فالعام أن لايصعد أحد عن البيت جاءه، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم كما تقدم، والخاص بين رسول الله ﷺ وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة.

وفي كلام السيهلي رحمه الله تعالى: لما أردف أبو بكر بعليّ رضي الله تعالى عنهما رجع أبو بكر للنبي وقال: يا رسول الله هل أنزل فيّ القرآن؟ قال: لا ولكن أردت أن يبلغ عني من هو من أهل بيتي، فمضى أبو بكر رضي الله تعالى عنه فحج بالناس: أي في ذي الحجة لا في ذي القعدة كما قيل من أجل النسيء الذي كان في الجاهلية، يؤخرون له الأشهر الحرم، أي فإن براءة نزلت: أي صدرها، وإلا فقد نزل منها قبل ذلك في غزوة تبوك {انفروا خفافا وثقالا} الآيات، وكان نزول صدرها بعد سفر أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي.

ثم دعا عليا كرم الله وجهه، فقال: اخرج بصدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، فقرأ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه براءة يوم النحر: أي الذي هو يوم الحج الأكبر عند الجمرة الأول وقال: «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان».

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «أمرني علي كرم الله وجهه أن أطوف في المنازل من منى ببراءة فكنت أصيح حتى صحل حلقي، فقيل له: بماذا كنت تنادي؟ فقال: بأربع: أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد فله عهد أربعة أشهر ثم لا عهد له، وأول تلك الأربعة يوم النحر من ذلك العام ـ ومن لا عهد له فعهده إلى انقضاء المحرم».

وكان المشركون إذا سمعوا النداء ببراءة يقولون لعلي كرم الله وجهه: سترون بعد الأربعة أشهر، فإنه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلا الطعن والضرب.

وإنما أمر بما ذكر، لأنهم كانوا يحجون مع المسلمين ويرفعون أصواتهم بقولهم: لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. أي وتقدم سبب الاتيان بذلك، ويطوف رجال منهم عراة ليس على رجل منهم ثوب بالليل، فيقول الواحد منهم: أطوف بالبيت كما ولدتني أمي ليس عليّ شيء من الدنيا خالطه الظلم: أي وفي لفظ التي قارفنا فيها الذنوب.

وكان لا يطوف الواحد منهم بثوب إلا بثوب من ثياب الحمس وهم قريش، يستعيره أو يكتريه، وإذا طاف بثوب من ثيابه ألقاه بعد طوافه فلا يمسه هو ولا أحد غيره أبدا، فكانوا يسمون تلك الثياب اللعنى.

وفي الكشاف: كان أحدهم يطوف عريانا ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه، لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها. وقيل تفاؤلا بأن يعروا من الذنوب كما يعرون من الثياب.

وكانت النساء يطفن كذلك، وقيل كانت الواحدة تلبس درعا مفرجا. وقد طافت امرأة عريانة ويدها على قبلها وهي تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله ** فما بدا منه فلا أحله

فأنزل الله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} فأبطلت ذلك سورة براءة في تلك السنة، أي وقيل الزينة المشط، وقيل الطيب.

وكان بنو عامر في أيام الحج لا يأكلون الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجتهم، فقال المسلمون فإنا أحق أن نفعل ذلك، فقيل لهم: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}.

ويحكى أن بعض الأطباء الحذاق من النصارى، قال لبعض الحكماء: ليس في كتابكم من علم الطب شيء. والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان. فقال له: قد جمع الله الطب كله في بعض آية من كتابه، قال له: وما هي، قال: قوله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب؟ قال: قد جمع رسول الله ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة. قال: وما هي؟ قال قوله: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء، وأعط كل بدن ما عودته». فقال ذلك الطبيب: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس شيئا.

وبينت براءة أن من كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر. وفي لفظ: لما لحق علي كرم الله وجهه أبا بكر رضي الله تعالى عنه، قال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور.

وزعمت الرافضة أنه عزل أبا بكر عن إمارة الحج بعليّ. وعبارة بعض الرافضة: ولما تقدم أبو بكر بسورة براءة رده بعد ثلاثة أيام بوحي من الله. وكيف يرضى العاقل إمامة من لا يرتضيه النبي ﷺ بوحي من الله لأداء عشر آيات من براءة، هذا كلامه.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وهذا أبين من الكذب، فإن من المعلوم المتواتر أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يعزل، وأنه حج بالناس، وكان عليّ كرم الله وجهه من جملة رعيته في تلك السفرة، يصلي خلفه كسائر المسلمين، ولم يرجع إلى المدينة حتى قضى الحج في ذلك العام.

وإنما أردف أبا بكر رضي الله تعالى عنه بعلي كرم الله وجهه لنبذ العهود، وكان من عادة العرب لا ينبذ العهد إلا المطاع أو رجل من أهل بيته، أي فلو تلا أبو بكر رضي الله عنه ما فيه نقض عهد عاهد عليه رسول الله ﷺ ربما تعللوا وقال قائلهم: هذا خلاف ما نعرف، فأزاح الله عللهم بكون ذلك على يد رجل من بني أبي رسول الله ﷺ الأدنى إليه ممن له ذرية وهو عبد المطلب، قال: وهذا غير بعيد من افتراء الرافضة وبهتانهم، أي وعلى عادة العرب بما ذكر جاء قوله: «لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي» كما تقدم. وفي لفظ «إلا رجل مني» أي لا يبلغ عني عقد العقود ولا حلها إلا رجل مني، أي من بني أبي الأدنى ولا أب له ذرية أدنى إليه من عبد المطلب.

ولا يجوز حمل ذلك على تبليغ الأحكام والقرآن، إذ كل أحد من المسلمين مأذون له في تبليغ ذلك عنه.

وفي هذه السنة التي هي سنة تسع تتابعت الوفود على رسول الله ﷺ حتى قيل لها سنة الوفود.


باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه

أي غير من تقدم، فقد تقدم أنه قدم عليه وفد هوازن بالجعرانة، وكذا وفد عليه بها مالك بن عوف النصري وذلك في آخر سنة ثمان: أي ووفد نصارى نجران، أي قبل الهجرة، ووفد بني تميم في سرية عيينة بن حصن. وذكر ابن سعد أن ذلك كان في المحرم سنة تسع.

ووفد عليه وفد نصارى نجران أيضا بعد الهجرة وكانوا ستين راكبا ودخلوا المسجد النبوي، أي وعليهم ثياب الحبرة وأردية الحرير مختمين بخواتم الذهب، أي ومعهم هدية وهي بسط فيها تماثيل ومسوح، فصار الناس ينظرون للتماثيل فقال: أما هذه البسط فلا حاجة لي فيها، وأما هذه المسوح فإن تعطونيها آخذها، فقالوا نعم: نعطيكها. ولما رأى فقراء المسلمين ما عليه هؤلاء من الزينة والزي الحسن تشوقت نفوسهم إلى الدنيا، فأنزل الله تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} الآيات، وأرادوا أن يصلوا بالمسجد بعد أن حان وقت صلاتهم وذلك بعد العصر، فأراد الناس منعهم، فقال: دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم، فعرض عليهم الإسلام تلا عليهم القرآن فامتنعوا وقالوا قد كنا مسلمين قبلك، فقال رسول الله ﷺ: كذبتم، يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدا: أي لأن أحدهم قال له: المسيح عليه الصلاة والسلام ابن الله لأنه لا أب له. وقال له آخر: المسيح هو الله لأنه أحيا الموتى، وأخبر عن الغيوب، وأبرأ من الأدواء كلها، وخلق من الطين طيرا. وقال له أفضلهم: فعلام تشتمه وتزعم أنه عبد؟ فقال: هو عبد الله {وكلمته ألقاها إلى مريم} فغضبوا، وقالوا: إنما يرضينا أن تقول إنه إله، وقالوا له: إن كنت صادقا فأرنا عبد الله يحيي الموتى ويشفي الأكمه والأبرص ويخلق من الطين طيرا فينفخ فيها فتطير؟ فسكت عنهم، فنزل الوحي بقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}

وقوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} ثم قال لهم: إن الله أمرني إن لم تنقادوا للإسلام أن أباهلكم، أي ندعو ونجتهد في الدعاء باللعنة على الكاذب، فقالوا له: يا أبا القاسم نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك، فخلا بعضهم ببعض، فقال بعضهم: والله علمتم أن الرجل نبيّ مرسل، وما لاعن قوم قط إلا استؤصلوا: أي أخذوا عن آخرهم، وإن أنتم أبيتم إلا دينكم فوادعوه وصالحوه وارجعوا إلى بلادكم، وفي لفظ: أنهم ذهبوا إلى بني قريظة: أي من بقي منهم وبني النضير وبني قينقاع واستشاروهم، فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه.

وفي لفظ: أنهم وادعوه على الغد، فلما أصبح أقبل ومعه حسن وحسين وفاطمة وعلي رضي الله عنهم وقال: اللهم هؤلاء أهلي، أي وعند ذلك قال لهم الأسقف: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل لهم جبلا لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني، فقالوا: لا نباهلك.

وعن عمر رضي الله عنه: «أنه قال للنبي: لو لاعنتهم يا رسول الله بيد من كنت تأخذ؟ قال: آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وحفصة» وهذا أي زيادة عائشة وحفصة في هذه الرواية دل عليه قوله تعالى: {ونساءنا ونساءكم} وصالحوه على الجزية، صالحوه على ألف حلة في صفر، وألف في رجب، ومع كل حلة أوقية من الفضة، وكتب لهم كتابا وقالوا له: أرسل معنا أمينا، فأرسل معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، وقال لهم: هذا أمين هذه الأمة، أي وفي رواية: هذا هو القويّ الأمين، وكان لذلك يدعى في الصحابة بذلك.

ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «أما والذي نفسي بيده لقد تدلى العذاب على أهل نجران، ولو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولأضرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولا حال الحول على النصارى حتى يهلكوا».

ووفد عليه قبل الهجرة الداريون أبو الهند الداري وتميم الداري وأخوه نعيم، وأربعة آخرون، وسألوا رسول الله أن يعطيهم أرضا من أرض الشام فقال لهم رسول الله ﷺ: سلوا حيث شئتم، قال أبو هند: فنهضنا من عنده نتشاور في أي أرض نأخذ؟ فقال تميم الداري رضي الله تعالى عنه نسأله بيت المقدس وكورتهما، فقال أبو هند: هذا محل ملك العجم وسيصير محل ملك العرب، فأخاف أن لا يتمّ لنا، قال تميم: نسأله بيت جيرون وكورتها، فنهضنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا له، فدعا بقطعة من أدم وكتب لهم كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ذكر فيه ما وهب محمد رسول الله ﷺ للداريين إذا أعطاه الله الأرض وهب لهم بيت عينون وجيرون والمرطوم، وبيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى أبد الأبد، شهد بذلك عباس بن عبد المطلب، وخذيمة بن قيس، وشرحبيل ابن حسنة، وكتب: ثم أعطانا كتابنا، وقال: انصرفوا حتى تسمعوا أني قد هاجرت، قال أبو هند: فانصرفنا، فلما هاجر إلى المدينة قدمنا عليه وسألناه أن يجدد لنا كتابا آخر، فكتب لنا كتابا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطى محمد رسول الله ﷺ لتميم الداري وأصحابه، إني أنطيكم بيت عينون وجيرون والمرطوم، وبيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام برمتهم وجميع ما فيهم نطية بيت ونفذت، وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الأبد، فمن آذاهم آذاه الله، شهد بذلك أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب نقل ذلك في المواهب وأقره.

وخطب خطبة، قال فيها: حدثني تميم الداري، وذكر خبر الجساسة: أي لأن تميما رضي الله عنه أخبره أنه ركب البحر فتاهت به سفينته. فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا إليها يلتمسون الماء فلقي إنسانا يجر شعره، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الجساسة، قالوا: فأخبرنا، قال: لا أخبركم ولكن عليكم بهذه الجزيرة فدخلناها، فإذا رجل مقيد، فقال: من أنتم؟ قلنا ناس من العرب، قال: ما فعل هذا النبي الذي خرج فيكم؟ قلنا قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه، قال: فإن ذلك خير لهم، قال: أفلا تخبروني عن عين ذعر ما فعلت؟ فأخبرناه عنها، فوثب وثبة، ثم قال: ما فعل نخل بيسان العرب، هل أطعم بتمر؟ فأخبرناه أنه قد أطعم، فوثب مثلها، فقال: أما لو قد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة، فأخرجه رسول الله ﷺ فحدث الناس، فقال: هذه طيبة وذاك الدجال، قال ابن عبد البر: وهذا أولى ما يخرجه المحدثون في رواية الكبار عن الصغار، أي كما تقدم.

ووفد عليه وهو في خيبر الأشعريون صحبة أبي موسى الأشعري، صحبوا جعفر بن أبي طالب من الحبشة، وقال فيهم كما تقدم: «أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية» وقال في حق أهل اليمن: «يريد أقوام أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم» والأشعري نسبه إلى أشعر، واسمه نبت بن أدد بن يشجب، وإنما قيل له أشعر، لأن أمه ولدته والشعر على بدنه.

قال: ولما فتحت مكة ودانت له قريش عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا بعداوته، لأن قريشا كانت قادة العرب ودخلوا في دين الله أفواجا.

قال في النهاية: الوفد القوم يجتمعون ويردون البلاد واحدهم وافد ا هـ. والوفد رسول القوم يقدمهم، وقد يراد به ما هو أعم من ذلك، فيشمل من قدم غير رسول الله، وحينئذ يكون من ذلك كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه فإنه قدم على رسول الله.

وسبب ذلك أن أخاه بجير بن زهير خرج يوما هو وكعب في غنم لهما، فقال لأخيه كعب اثبت في الغنم حتى آتي هذا الرجل، يعني النبي ﷺ فأسمع كلامه وأعرف ما عنده، فأقام كعب ومضى بجير، فأتى رسول الله ﷺ وسمع كلامه وآمن به، وذلك أن أباهما زهيرا كان يجالس أهل الكتاب ويسمع منهم أنه قد آن مبعثه، ورأى زهير والدهما رضي الله تعالى عنهما أنه قد مد بسبب من السماء، وأنه مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي ﷺ الذي يبعث في آخر الزمان وأنه لا يدركه وأخبر بنيه بذلك وأوصاهم إن أدركوا النبي ﷺ أن يسلموا، ولما اتصل خبر إسلام بجير بأخيه كعب أغضبه ذلك، فلما كان منصرفه من الطائف كتب بجير رضي الله تعالى عنه إلى أخيه كعب بن زهير ـ وكان ممن يهجو رسول الله ﷺ ـ يخبره بفتح مكة وأنه قتل بها رجالا ممن كان يهجوه من شعراء قريش، وهرب بعضهم في كل وجه كابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب وأنه، قال: من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله: فإن كان لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا، ولا يطالبه بما تقدم الإسلام، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجاتك.

وفي تصحيح الأنساب لابن أبي الفوارس أن زهير بن أبي سلمى قال لأولاده: أني رأيت في المنام سببا ألقي إليّ من السماء، فمددت يدي لأتناوله ففاتني، فأولته أنه النبي الذي يبعث في هذا الزمان وأنا لا أدركه، فمن أدركه منكم فليصدّقه وليتبعه ليهتدي به، فلما بعث الله محمدا آمن به ابنه بجير وأقام كعب ابنه على الشرك والتشبيب بأم هانىء بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك، فقال: لئن وقع كعب في يديّ لأقطعن لسانه الحديث.

أي ولا مانع أن يكون ضم إلى هذا هجاء رسول الله، فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأرجف به أعداؤه، وصاروا يقولون هو مقتول لا محالة، فلم يجد بدا من مجيئه إلى رسول الله، فعمل القصيدة التي مدح بها رسول الله ﷺ وذكر فيها إرجاف أعدائه به رضي الله تعالى عنه التي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

ثم خرج رضي الله تعالى عنه حتى قدم المدينة فنزل على رجل كان بينه وبينه معرفة، فغدا به إلى رسول الله ﷺ حين صلى الصبح، فأشار له ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقال: هذا رسول الله، فقم إليه واستأمنه، فقام إلى أن جلس إلى رسول الله ﷺ ووضع يده في يده وكان رسول الله ﷺ أي ومن حضره لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، فقال: يا رسول الله أنا كعب بن زهير، فوثب رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: دعه عنك فإنه قد جاء تائبا نازعا، فلما أنشد القصيدة المذكورة ومدح فيها المهاجرين ولم يتعرض للأنصار، قيل حمله على ذلك ما سمعه من ذلك الأنصاري مما غاظه، ولم يسمع من المهاجرين شيئا يغيظه.

وفيه أن هذا واضح إذا كان أنشأ ذلك في ذلك الوقت، وأما إذا كان عمله قبل مجيئه كما هو ظاهر ما تقدم أنه عمل تلك القصيدة التي من جملتها ما ذكر فلا، فعند ذلك غضب الأنصار، فمدحهم بالقصيدة التي مطلعها.

من سره كرم الحياة فلا يزل ** في مقنب من صالح الأنصار

أي ويقال إنه هو الذي حضه على مدحهم وقال له لما أنشد: بانت سعاد، ورآها مشتملة على مدح المهاجرين دون الأنصار: لولا: أي هلا ذكرت الأنصار بخير، فإن الأنصار أهل لذلك؟ أي ولما أنشده بانت سعاد وقال:

إن الرسول لسيف يستضاء به ** مهند من سيوف الله مسلول

ألقى بردة كانت عليه، وقد اشتراها معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما من آل كعب بمال كثير، أي بعد أن دفع لكعب فيها عشرة آلاف، فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب رضي الله تعالى عنه أخذها من ورثته بعشرين ألفا، وتوارثها خلفاء بني أمية، ثم خلفاء بني العباس. اشتراها السفاح أول خلفاء بني العباس بثلاثمائة دينار بعد انقراض دولة بني أمية، أي وكانوا يطرحونها على أكتافهم جلوسا وركوبا، وكانت على المقتدر حين قتل وتلوثت بالدم.

ويقال إن التي كانت عند بني العباس بردته التي أعطاها لأهل أيلة مع كتابه الذي كتبه لهم أمانا وذلك في غزوة تبوك، وحينئذ تكون بردة كعب رضي الله تعالى عنه فقدت عند زوال دولة بني أمية. وأما هذه البردة فلعل فقدها كان في فتنة التتار.

ثم رأيت ابن كثير رحمه الله قال: إن معاوية رضي الله تعالى عنه اشترى البردة التي كانت عند الخلفاء من أهل كعب بأربعين ألف درهم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون حتى أخذها التتر منهم سنة أخذ بغداد. وقال: هذا من الأمور المشهورة جدا، ولكني لم أر ذلك في شيء من الكتب بإسناد أرتضيه. وصار كعب رضي الله تعالى عنه من شعرائه الذين يذبون عن الإسلام كعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنهما الأنصاريين.

ولما قدم المدينة من تبوك في رمضان قدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. وكان من خبرهم أنه لما انصرف رسول الله ﷺ عن محاصرتهم تبع أثره عروة بن مسعود رضي الله تعالى عنه حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ: إنهم قاتلوك، فقال له عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم: أي أول أولادهم. وفي رواية: من أبصارهم، فخرج رضي الله تعالى عنه يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمرتبته فيهم، أي لأنه رضي الله تعالى عنه كان فيهم محببا مطاعا، فلما أشرف لهم على علية ودعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل جانب فأصابه سهم فقتله.

وفي لفظ: أنه رضي الله تعالى عنه قدم الطائف عشاء، فجاءته ثقيف يسلمون عليه، فدعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فعصوه وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يغشاه منهم، فخرجوا من عنده حتى إذا كان السحر وطلع الفجر قام على غرفة في داره وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فقيل له قبل أن يموت: ما ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، وقال في حقه: «إن مثله في قومه كمثل صاحب يس إنه قال لقومه: {اتبعوا المرسلين} الآيات فقتله قومه» أي المذكورة في سورة يس وهو حبيب بن بري.

وقال السهيلي: يحتمل أن المراد به صاحب إلياس، فإن إلياس يقال في اسمه يس أيضا. وقد قال مثل هذه المقالة في حق شخص آخر يقال له قرة بن حصين أو ابن الحارث، بعثه النبي ﷺ إلى هلال بن عامر يدعوهم إلى الإسلام فقتلوه، فقال: «مثله مثل صاحب يس».

ثم إن ثقيفا أقامت بعد قتل عروة شهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد أسلموا. فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا، فكلموا عبد ياليل بن عمرو وكان في سن عروة بن مسعود رضي الله تعالى عنه في ذلك، فأبى أن يفعل، لأنه خشي أن يفعل به كما فعل بعروة. وقيل كلموا مسعود بن عبد ياليل ونسب قائله إلى الغلط، فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا فبعثوا معه خمسة أنفار منهم شرحبيل بن غيلان أحد أشراف ثقيف، أسلم غيلان بالغين المعجمة على عشر نسوة، وممن أسلم على عشر نسوة أيضا عروة بن مسعود، وكذلك مسعود بن معتب، ومسعود بن عمير، وسفيان بن عبد الله، وأبو عقيل مسعود بن عامر، وكلهم من ثقيف.

ويقال: وفد عليه تسعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف، فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغرهم، فلما قربوا من المدينة لقوا المغيرة بن شعبة الثقفي، فذهب مسرعا ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخبره، فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدثه ففعل، فدخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة أي وعلمهم رضي الله تعالى عنه كيف يحيون رسول الله، فأبوا إلا تحية الجاهلية وهي عم صباحا، ثم قدم بهم على رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في ناحية المسجد: أي ليسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، وكانوا يغدون إلى رسول الله ﷺ كل يوم، ويخلفون عثمان بن أبي العاص عند أسبابهم، فكان عثمان إذا رجعوا ذهب إلى النبي ﷺ يسأله عن الدين ويستقرئه القرآن، وإذا وجد النبي ﷺ نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان يكتم ذلك عن أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ فأحبه وكان فيهم رجل مجذوم، فأرسل يقول له: إنا بايعناك فارجع. وفي المرفوع: «لا تديموا النظر إلى المجذومين» وجاء: «كلم المجذوم وبينك وبينة قيد رمح أو رمحين» هذا معارض بقوله: «لا عدوى ولا طيرة» وبما جاء في أحاديث أخر: «أنه أكل مع المجذوم طعاما. وأخذ يده وجعلها معه في القصعة وقال: كل بسم الله، ثقة بالله، وتوكلا عليه».

وأجيب بأن الأمر باجتناب المجذوم إرشادي، ومؤاكلته لبيان الجواز، أو جواز المخالطة محمولة على من قوي إيمانه وعدم جوازها على من ضعف إيمانه، ومن ثم باشر الصورتين ليقتدى به، فيأخذ القوي الإيمان بطريق التوكل، والضعيف الإيمان بطريق الحفظ والاحتياط.

وعند انصافهم قالوا: يا رسول الله: أمر علينا رجلا يؤمنا، فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام وقراءته للقرآن وتعلم الدين، ولقول الصديق رضي الله تعالى عنه له: يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على النفقة في الإسلام وتعلم القرآن.

وفي رواية أن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، وقال لي: إذا أممت فأخف بهم الصلاة، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ حتى كتب لهم كتابا، وكان الكاتب له خالد المذكور. ومن جملته: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله ﷺ إلى المؤمنين، إن عضاه وجّ وصيده حرام، لا يعضده شجره، ومن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه. ووج: واد بالطائف، وقيل هو الطائف. والعضاه: كل شجر له شوك واحه عضة كشفه وشفاه.

وروى أبو داود والترمذي: «ألا إن صيد وجّ وعضاهه حرام محرم» وكانوا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا. وسألوا رسول الله ﷺ أن يترك لهم الصلاة. فقال: لا خير في دين لا صلاة فيه. وفي لفظ: لا ركوع فيه. وأن يترك لهم الزنا والربا وشرب الخمر فأبى ذلك. وسألوه أن يترك لهم الطاغية التي هي صنمهم وهي اللات، أي وكانوا يقولون لها الربة، لا يهدمها إلا بعد ثلاث سنين من مقدمهم له، فأبى رسول الله ﷺ ذلك، فلا زالوا يسألونه سنة وهو يأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد قدومهم وأرادوا بذلك ليدخل الإسلام في قومهم ولا يرتاع سفهاؤهم ونساؤهم بهدمها، فأبى عليهم ذلك رسول الله.

أي وعند خروجهم قال لهم سيدهم كنانة: أنا أعلمكم بثقيف، اكتموا إسلامكم وخوّفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا عظيمة ما أبيناها عليه، سألنا أن نهدم الطاغية، وأن نترك الزنا والربا وشرب الخمر، فلما جاءتهم ثقيف وسألوهم قالوا: جئنا رجلا فظا غليظا قد ظهر بالسيف ودان له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا وذكروا ما تقدم، قالوا: والله لا نطيعه ولا نقبل هذا أبدا، فقالوا لهم: أصلحوا السلاح، وتهيؤوا للقتال، ورموا حصنكم، فمكثت ثقيف كذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم وقالوا: والله ما لنا طاقة، فارجعوا إليه وأعطوه ما سأل، فعند ذلك قالوا لهم: قد قاضيناه وأسلمنا، فقالوا لهم: لم كتمتمونا؟ قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا ومكثوا أياما، فقدم عليهم رسل رسول الله، بعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما لهدم الطاغية.

وفي رواية: لما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة رضي الله تعالى عنه أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: ادخل أنت على قومك، فلما دخل المغيرة علاها ليضربها بالمعول: أي الفأس العظيمة التي يقطع بها الصخر، وقام قومه دونه خشية أن يرمي كما رمي عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا. أي مكشوفات الرؤوس حتى العواتق من الحجال يبكين على الطاغية.

قال: وفي رواية يظنون أنه لا يمكن هدمها لأنها تمنع من ذلك، وأراد المغيرة رضي الله تعالى عنه أن يسخر بثقيف، فقال لأصحابه: لأضحكنكم من ثقيف، فألقى نفسه لما علا على الطاغية ليهدمها. وفي لفظ: أخذ يرتكض فصاحوا صيحة واحدة، فقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة، وقالوا: والله لا يستطيع هدمها.

وفي رواية لما أخذ المعول وضرب به اللات ضربة صاح وخرّ لوجهه، فارتجّ الطائف بالصياح سرورا، وإن اللات قد صرعت المغيرة، وأقبلوا يقولون كيف رأيت يا مغيرة؟ دونكها إن استطعت، ألم تعلم أنها تهلك من عاداها؟ فقام المغيرة يضحك منهم ويقول لهم: يا خبثاء، والله ما قصدت إلا الهزء بكم.

وفي رواية: فوثب وقال لهم: قبحكم الله، إنما هي لكاع، حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم أخذ في هدمها اهـ، فهدمها بعد أن بدأ بكسر بابها حتى هدم أساسها وأخرج ترابها لما سمع سادنها يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم وأخذ مالها وحليها، فلما قدما على رسول الله ﷺ أمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود أخاه من مال الطاغية، فقضاه، فإن أبا مليح بن عروة بن مسعود وقارب ابن عمه بن الأسود أخو عروة بن مسعود سألا رسول الله ﷺ في ذلك، وكانا قدما على رسول الله ﷺ مسلمين لما قتلت ثقيف عروة بن مسعود قبل أن تسلم ثقيف كما تقدم، وكان قد أجاب أبا مليح، فقال له نعم، فقال له ابن عمه قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله، فإن عروة والأسود أخوان لأب وأم، فقال: إن الأسود مات مشركا، فقال قارب: يا رسول الله إنما الدين عليّ وأنا الذي أطلب به.

ومن الوفود وفد بني تميم وقد تقدم ذكره: أي في الكلام على سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم، وفي ذلك الوفد عطارد بن حاجب وعمرو بن الأهتم والأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر.

وذكر في الاستيعاب أنه كان مع وفد تميم قيس بن عاصم فأسلم، وذلك في سنة تسع، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا سيد أهل الوبر، وكان عاقلا حليما مشهورا بالحلم. قيل للأحنف بن قيس ـ وكان من أحلم الناس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم، رأيته يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدّث قومه، فأتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قد قتل ابنك، قال: فوالله ما حل حبوته ولا قطع كلامه، فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه، فقال: يا بن أخي بئس ما فعلت، أثمت بربك، وقطعت رحمك، وقتلت ابن عمك، ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسُقْ إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة.

وكان قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية. وسبب ذلك أنه سكر يوما فغمز عكنة ابنته وسب أبويها، ورأى القمر فصار يخاطبه، وأعطى الخمار مالا كثيرا، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه وقال في ذمها أبياتا كثيرة.

ولما حضرته الوفاة دعا بنيه، فقال لهم: يا بني احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني، إذا مت فسودوا كباركم، ولا تسودوا صغاركم فيسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم. وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم، ويُستغنى به عن اللئيم. وإياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل، فإذا مت فلا تنوحوا عليّ، فإن رسول الله ﷺ لم ينح عليه، وقد قيل فيه من جملة أبيات عند موته:

فما كان قيس هلكه هلك واحد ** ولكنه بنيان قوم تهدما

وتقدم أنهم نادوه من وراء الحجرات: يا محمد اخرج إلينا ثلاث مرات، فخرج إليهم إلى آخر ما تقدم.

ومنها وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى بضم السين وفتحها، وكانوا أي هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم، وكان عامر بن الطفيل عدو الله سيدهم، كان مناديه ينادي بسوق عكاظ: هل من راجل فنحمله، أو جائع فنطعمه، أو خائف فنؤمنه؟ وكان من أجمل الناس، وكان مضمرا الغدر برسول الله، فقال لأريد وهو أخو لبيد الشاعر: إذا قدمنا على هذا الرجل فإني شاغل عنك وجهه؟ فإذا فعلت ذلك فاعله السيف، وقد قال قومه: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم، فقال: والله لقد كنت آليت: أي حلفت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني: أي اجعلني خليلا وصديقا لك، قال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له، قال: يا محمد خالني، وجعل يكلم النبي ﷺ وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يأتي بشيء.

وفي رواية لما أتاه عامر وسده: أي ألقى له وسادة ليجلس عليها، ثم قال له: أسلم يا عامر، فقال له عامر: إن لي إليك حاجة، قال: اقرب مني، فقربت منه حتى حنا على رسول الله، وهذا يدل على أن قوله خالني: أي اجعل لي منك خلوة، وهو المناسب لقول عامر لأربد إني أشاغل عنك وجهه.

قال: وذكر أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله ﷺ وقد قال له أسلم يا عامر، فقال: أتجعل لي الأمر بعدك إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس ذلك لك ولا لقومك: أي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء: أي وقال له: يا محمد أسلم على أن لي الوبر ولك المدر، فقال: لا، فقال: ما لي إن أسلمت؟ فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، فقال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا، وفي رواية: خيلا جردا ورجالا مردا، ولأربطن بكل نخلة فرسا، فقال رسول الله ﷺ: يمنعك الله عز وجل.

قال السيهلي: وجعل أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه يضرب في رؤوسهما ويقول اخرجا أيها الهجرسان: أي القردان، فقال له عامر: ومن أنت؟ فقال: أسيد بن حضير، فقال: أحضير بن سماك؟ قال نعم، قال: أبوك كان خيرا منك، قال: بلى أنا خير منك ومن أبي، لأن أبي كان مشركا وأنت مشرك.

ومكث أياما يدعو الله عليهم ويقول: اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث له داء يقتله اهـ. أي ثم قال: والذي نفسي بيده لو أسلم وأسلمت بنو عامر لزاحمت قريشا على منابرها، ثم دعا رسول الله ﷺ وقال: يا قوم آمنوا، ثم قال: اللهم اهد بني عامر، واشغل عني عامر بن الطفيل بما شئت وأنى شئت.

وفي البخاري: «أنه قال للنبي أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ولي أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك من غطفان بألف أشقر وألف شقراء، فلما خرجوا من عند رسول الله ﷺ قال عامر لأربد: ويلك يا أربد، أين ما كنت أمرتك به، والله ما كان على وجه الأرض من رجل أخافه على نفسي منك أبدا، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا، فقال: لا أبالك، لا تعجل عليّ، والله ما همت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين هذا الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟ أي وفي رواية: إلا رأيت بيني وبينه سورا من حديد. وفي رواية: لما وضعت يدي على قائم السيف يبست فلم أستطع أن أحركها. وفي رواية: لما أردت سل سيفي نظرت فإذا فحل من الإبل فاغر فاه بين يديّ يهوي إليّ، فوالله لو سللته لخفت أن يبتلع رأسي.

ويمكن الجمع بأن ما في الرواية الأولى كان بعد أن تكرر منه الهم، وما في الرواية الثانية كان بعد أن حصل منه هم آخر، وكذا يقال في الثالثة، وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه: أي وفي لفظ حلقه، أي وأوى لبيت امرأة سلولية من بني سلول، وكانوا موصوفين باللؤم.

وفي كلام السيهلي: إنما اختصها بالذكر لقرب نسبها منه لأنها منسوبة إلى سلول بن صعصعة، والطفيل من بني عامر بن صعصعة أي فهي تأسف عليه، وصار يأسف الذي كان موته ببيتها، وصار يمس الطاعون ويقول: يا بني عامر غدة: أي أغد غدة كغدة البعير، وموتا في بيت امرأة من بني سلول، ائتوني بفرسي، ثم ركب فرسه وأخذ رمحه، وصار يجول حتى وقع عن فرسه ميتا.

أي ويذكر أنه صار يقول: ابرز يا ملك الموت. وفي لفظ: يا موت ابرز لي: أي لأقاتلك، وهذا يدل على أن موت عامر لم يتأخر سيما وقد جاء في رواية: فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها سلولية فنزل عن فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه فوثب على فرسه وأخذ رمحه، وأقبل يجول وهو يقول: غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية، فلم يزل على تلك الحالة حتى سقط عن فرسه ميتا.

ويحتاج للجمع بينه وبين قول الأوزاعي قال يحيى: فمكث رسول الله ﷺ يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا، وقدم صاحباه على قومهما، فقالوا لأربد: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أني عنده الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جملة يتبعه فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة أحرقتهما. أي وذلك في يوم صحو قائظ، وأنزل الله تعالى قوله: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} وأما جبار بن سلمى الذي هو ثالثهم فقد أسلم مع من أسلم من بني عامر.

ومنها وفود ضمام بن ثعلبة، أي وقيل وفد في سنة خمس، بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه متكئا جاءه رجل من أهل البادية قال فيه طلحة بن عبيد الله: جاءنا أعرابي من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دويّ صوته ولا نفقه ما يقول، الحديث: أي جاء على جمل وأناخه في المسجد ثم عقله وقال: أيكم ابن عبد المطلب، أي وفي رواية: أيكم محمد؟ قالوا هذا الأمغر المرتفق: أي الأبيض المشرب بحمرة المتكىء على مرفقه، فدنا منه فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة قال: سل عما بدا لك. أي وفي رواية: لمغلظ عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك ما لا أجد في نفسي، فقال: سل ما بدا لك، فقال: يا محمد جاءنا رسولك فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، فقال: أنشدك بفتح الهمزة برب من قبلك ورب من بعدك. وفي رواية: بالذي خلق السموات والأرض، ونصب هذه الجبال، قال: اللهم نعم. قال: وفي رواية أنه قال له قبل ذلك: آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ قال: اللهم نعم انتهى. قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة؟ قال اللهم نعم. قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا؟ قال: اللهم نعم، قال وأنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من اثني عشر شهرا؟ قال: اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: اللهم نعم، قال: فأنا قد آمنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة.

أقول: وهذا السياق يدل على أن وفوده كان بعد فرض الحج، وهو يخالف ما سبق أنه كان في سنة خمس ومن ثم استبعده ابن القيم. قال: والظاهر أن هذه اللفظة مدرجة من كلام بعض الرواة.

وفيه أن الذي جزم به إسحاق وأبو عبيدة أنه وفد في سنة تسع وصوبه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ومن ثم جاء ذكر الحج في مسلم، ويؤيد ذلك قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ﷺ فقدم علينا الحديث، لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما قدم المدينة بعد الفتح، فلما أن ولى ضمام رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ﷺ: فقه الرجل: أي بضم القاف صار فقيها، وبكسرها فهم. وفي لفظ: لئن صدق ليدخلنّ الجنة، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة. أي وفي لفظ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فما سمعنا بوافد وقد كان أفضل من ضمام.

ولما رجع ضمام رضي الله تعالى عنه إلى قومه قال لهم: إن الله تعالى قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه.

قال: وفي رواية أن أول شيء تكلم به أن سب اللات والعزى، فقال له قومه: مه يا ضمام، اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون، فقال لهم: ويلكم، والله إنهما لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا إلى آخر ما تقدم، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فلم يبق من القوم رجل ولا امرأة إلا وأسلم.

ومنها وفد عبد القيس وفيهم الجارود، وكان نصرانيا: أي قد قرأ الكتب فقال أبياتا مخاطبا بها النبي، منها:

يا نبي الهدى أتاك رجالا ** قطعت فدفدا وآلا فآلا

تتقي وقع شر يوم عبوس ** أوجل القلب ذكره ثم هالا

الفدفد: المفازة، والآل: ما يرفع الشخوص في أول النهار وفي آخره، وقيل السراب. وقيل وكانوا ستة عشر، فعرض عليهم الإسلام، فقال: يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك فتضمن لي ذنبي؟ فقال النبي ﷺ: نعم أنا ضامن لك أن قد هداك إلى ما هو خير لك منه، فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله ﷺ أن يحملهم، فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه، فقال: يا رسول الله يحال بيننا وبين بلادنا ضوالّ من ضوال المسلمين أي من الإبل والبقر مما يحمي نفسه أفنتبلغ عليها: أي نركبها إلى بلادنا. قال: لا، إياك وإياها، فإنما تلك حرق النار أي لهبها كذا في الأصل.

وفي السيرة الهشامية أن الجارود إنما وفد مع حليف له يقال له سلمة بن عياض الأزدي وأن الجارود قال لسلمة: إن خارجا خرج بتهامة يزعم أنه نبي، فهل لك أن تخرج إليه، فإن رأينا خيرا دخلنا فيه، وأنا أرجو أن يكون هو النبي الذي بشر به عيسى ابن مريم، لكن يضمر كل واحد منا له ثلاث مسائل يسأله عنها لا يخبر بها صاحبه، فلعمري إنه إن أخبرنا بها إنه لنبي يوحى إليه، فلما قدما عليه قال له الجارود: بم بعثك به ربك يا محمد؟ قال: بشهادة أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله، والبراءة من كل ند أو دين يعبد من دون الله، وبإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة لحقها، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا بغير إلحاد {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} قال الجارود: يا محمد إن كنت نبيا فأخبرنا عما أضمرنا عليه، فخفق رسول الله ﷺ خفقة كأنها سنة ثم رفع رأسه الشريف والعرق يتحدر عنه، فقال: أما أنت يا جارود، فإنك أضمرت على أن تسألني عن دماء الجاهلية، وعن حلف الجاهلية، وعن المنيحة. ألا وإن دم الجاهلية موضوع وحلفها مردود، ولا حلف في الإسلام. ألا وإن أفضل الصدقة أن تمنح أخاك ظهر دابة أو لبن شاة، فإنها تغدو برفدة وتروح بمثله. وأما أنت يا سلمة فإنك أضمرت أن تسألني عن عبادة الأوثان، وعن يوم السباسب، وعن عقل الهجين. فأما عبادة الأوثان فإن الله تعالى يقول: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} وأما يوم السباسب فقد أعقبه الله ليلة خيرا من ألف شهر، فاطلبوها في العشر الأواخر من رمضان، فإنها ليلة بلجة سمحة لا ريح فيها، تطلع الشمس في صبيحتها لاشعاع لها. وأما عقل الهجين، فإن المؤمنين إخوة تتكافأ دمائهم، يجير أقصاهم على أدناهم، أكرمهم عند الله أتقاهم، فقالا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله انتهى.

وذكر في السيرة الهشامية في وفد عبد القيس أنه كان قبل فتح مكة، وذكر ما حاصله: «أنه بينما هو يحدّث أصحابه، إذ قال لهم: سيطلع عليكم من ههنا ركب هم خير أهل المشرق» وفي رواية: «ليستبين ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام قد أنضوا» أي أهزلوا «الركائب، وأفنوا الزاد، اللهم اغفر لعبد القيس، فقام عمر رضي الله تعالى عنه، فتوجه نحو مقدمهم، فلقي ثلاثة عشر راكبا، وقيل كانوا عشرين راكبا، وقيل كانوا أربعين رجلا، فقال: من القوم؟ قالوا: من بني عبد القيس، فقال: أما إن النبي ﷺ قد ذكركم آنفا، فقال خيرا، ثم مشى معهم حتى أتوا النبي، فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم بباب المسجد بثياب سفرهم، وتبادروا يقبلون يده ورجله، وكان فيهم عبد الله بن عوف الأشج، وهو رأسهم، وكان أصغرهم سنا، فتخلف عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع، وذلك بمرأى من النبي، وأخرج ثوبين أبيضين لبسهما، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله ﷺ فقبلها، وكان رجلا دميما ففطن لنظر رسول الله ﷺ إلى دمامته، فقال: يا رسول الله إنه لا يستقي أي يشرب في مسوك: أي جلود الرجال، وإنما يحتاج الرجل من أصغريه لسانه وقلبه. فقال له رسول الله: إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، فقال: يا رسول الله أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: لا، بل الله تعالى جبلك عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله » والأناة على وزن قناة: التؤدة. وقد جاء: «التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة».

وفي رواية: «أنهم لما قدموا على رسول الله ﷺ قال لهم: من القوم؟ قالوا: من ربيعة» أي وهو المراد بما في بعض الروايات ربيعة، فإنه من التعبير عن البعض بالكل.

وفي البخاري في الصلاة: «إن هذا الحي من ربيعة» أي إن هذا الحي من ربيعة وهو في الأصل اسم لمنزل القبيلة، سميت به القبيلة لأن بعضهم يحيا ببعض، قال: «خير ربيعة عبد القيس، مرحبا بالقوم» أي صادفتم رُحبا بضم الراء: أي سعة. وأول من قال مرحبا سيف بن ذي يزن، وقد تكررت هذه الكلمة منه، قالها لابنة عمه أم هانىء رضي الله تعالى عنها. وقال لعكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه: «مرحبا بالراكب الهاجر» وقال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها: «مرحبا بابنتي» وقال لشخص دخل عليه: «مرحبا، وعليك السلام».

ثم قال لهم: «غير خزايا، ولا ندامى» أي حالة كونكم سالمين من الخزي ومن الندم، وفي لفظ: «مرحبا بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا ولا ندامى، أنا حجيج من ظلم عبد القيس، فقالوا: يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة» أي من سفر بعيد، لأن مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق. «وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام» أي وفي لفظ: «إلا في هذا الشهر الحرام» «وهو كمسجد الجامع ونساء مؤمنات» وهو شهر رجب للتصريح به في بعض الروايات.

وقال بعضهم: وفي هذا دليل على أن الأعمال الصالحة تدخل الجنة إذا قبلت، وقبولها يقع برحمة الله، لأن مضر كانت تبالغ في تعظيم شهر رجب زيادة على بقية الأشهر الحرم ومن ثم قيل رجب مضر: «فأمرنا بأمر فصل» أي فاصل بين الحق والباطل «فقال: آمركم بأربع» أي بخصال أربع أو جمل أربع.

ففي بعض الروايات: «قالوا: حدثنا بجمل من الأمر، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» أي وفيه أن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمة الشهادة.

ووقع في البخاري في الزكاة زيادة واو قبل شهادة وهي زيادة شاذة لم يتابع عليها راويها: «وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» أي لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، وهذا زائد على الأربع، ومن ثم قال بعضهم هو معطوف على قوله بأربع: أي آمركم بأربع وبأن تعطوا، ومن ثم غاير في الأسلوب.

وفي مسلم: «آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم» ولم يذكر الحج، لأنه لم يكن فرض على الصحيح كما قال الحافظ الدمياطي رحمه الله، وهو بناء على الأصح أنه فرض سنة ست. وقول الواقدي إن قدوم وفد عبد القيس كان في سنة ثمان ليس بصحيح، لكن ذكر بعضهم أن لعبد القيس وفدتين، واحدة كانت قبل فرض الحج، وواحدة بعده. ومن ثم جاء ذكر الحج في مسند الإمام أحمد، وهو «وأن تحجوا البيت» وأنه لم يتعرض في هذه الرواية لعدد: أي لقوله أربع، ثم قال لهم: «وأنهاكم عن أربع، عن الدبا» أي القرع: أي عما ينبذ فيها «والحنتم» وهو جرار مدهونة بدهان أخضر: أي عما ينبذ فيها: أي وقيل الحنتم جرار كانت تعمل من طين وشعر وأدم «والنقير» أصل النخلة ينقر وينبذ فيه التمر، أي ما ينبذ في ذلك «والمزفت» ما طلي بالزفت أي عما ينبذ فيه. وفي رواية زيادة على ذلك «والقير» ما طلي بالقار، وهو نبت يحرق إذا يبس وتطلى به السفن كما تطلى بالزفت، زاد في رواية: «وأخبروا بهن من وراءكم» أي من جئتم من عندهم، ومن يحدث من الأولاد «قالوا: فيم نشرب يا رسول الله؟ قال: في أسقية الأدم» أي الجلود التي يلاث: أي يربط على أفواهها «قالوا: يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان»، أي الفيران: أي لا تبقي فيها أسقية الأدم، قال «وإن أكلها الجرذان، قال ذلك مرتين أو ثلاثا» فقال له الأشج «يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة، وإنا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا، فرخص لنا في مثل هذه، فأومأ بكفيه

وقال له: يا أشج إن رخصت لك في مثل هذه شربته في مثل هذه وفرج بين يديه وبسطها» يعني أعظم منها: «حتى إذا ثمل» أي سكر «أحدكم من شرابة قام إلى ابن عمه فضرب ساقه بالسيف» وكان في القوم رجل وقع له ذلك أي وهو جهم بن قثم، قال: لما سمعت ذلك من رسول الله ﷺ جعلت أسدل ثوبي لأغطي الضربة وقد أبداها الله لنبيه، أي وفي كلام السهيلي: فعجبوا من علم النبي ﷺ بذلك، وإشارته إلى ذلك الرجل هذا كلامه.

أي وفي رواية: «أنهم سألوه عن النبيذ، فقالوا: يا رسول الله إن أرضنا أرض وخمة لا يصلحها إلا النبيذ، قال: فلا تشربوا في النقير، فكأني بكم إذا شربتم في النقير قام بعضكم إلى بعض بالسيوف، فضرب رجلا منكم ضربة لا يزال يعرج منها إلى يوم القيامة فضحكوا، فقال: ما يضحككم؟ قالوا: ولقد شربنا في النقير فقام بعضنا إلى بعض بالسيوف فضرب هذا ضربة بالسيف فهو أعرج كما ترى، ثم ذكر لهم أنواع تمر بلدهم، فقال: لكم تمرة تدعونها كذا وتمرة تدعونها كذا، فقال له رجل من القوم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو كنت ولدت في جوف هجَر ما كنت بأعلم منك الساعة، أشهد أنك رسول الله، فقال لهم رسول الله: «إن أرضكم رفعت إليّ منذ قعدتم، أي فنظرت من أدناها إلى أقصاها وقال لهم: خير تمركم البرني، يذهب بالداء ولا داء معه» أي وإنما اقتصر في المناهي على شرب الأنبذة في الأوعية المذكورة مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم لكثرة تعاطيهم لها.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها أنه يسرع فيها الإسكار، فربما يشرب منها من لا يشعر بذلك.

وكان في عبد القيس أبو الوازع بن عامر وابن أخته مطر بن هلال، ولما ذكروا للنبي أنه ابن أختهم قال: «ابن أخت القوم منهم» وكان فيهم ابن أخي الوازع وكان شيخا كبيرا مجنونا جاء به الوازع معه ليدعو له، فمسح ظهره ودعا له، فبرأ لحينه وكسي شبابا وجمالا حتى كأن وجهه وجه العذراء.

وجاء: «أنه زودهم الأراك يستاكون به وذكر أنه كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي ﷺ خلف ظهره، وقال: إنما كان خطيئة داود عليه الصلاة والسلام النظر».

ومنها وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب، قيل جاء بنو حنيفة إلى رسول الله ﷺ ومعهم مسيلمة الكذاب، يسترونه بالثياب، وكان رسول الله جالسا في أصحابه رضي الله تعالى عنهم معه عسيب من عسب النخل في رأسه خويصات، فلما انتهى مسيلمة إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب، كلمه وسأله أن يشركه معه في النبوة، فقال له رسول الله ﷺ: لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه.

وقيل إن بني حنيفة جعلوه في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبنا في رحالنا يحفظها لنا فأمر له بمثل ما أمر به لواحد من القوم، وهو خمس أواق من فضة، وقال: أما إنه ليس بشركم مكانا، فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه، فقال: إنما قال ذلك لأنه عرف أن لي الأمر من بعده، فلما رجعوا وانتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وكذب، وادعى أنه أشرك معه في النبوة وقال لمن وفد معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس بشركم مكانا ما ذاك إلا لما كان يعلم أني أشركت معه في الأمر. أي وهو إنما أراد بذلك أنه حفظ ضيعة أصحابه، هذا.

وفي الصحيحين: «أنه أقبل ومعه ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه وفي يد النبي ﷺ قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، أي فإنه بلغه عنه أنه قال: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته «وإني لأراك الذي منه رأيت» وهذا قيس يجيبك عني ثم انصرف».

والذي رآه منه أنه رأى في المنام أن في يده سوارين من ذهب قال: فأهمني شأنهما فأوحى الله إلي في المنام: أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي: أي وهما طليحة العبسي صاحب صنعاء، ومسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، فإن كلا منهما ادعى النبوة في حياته. وكان طليحة العبسي يقول: إن ملكا كان يقال له ذو النون يأتيني كما يأتي جبريل محمدا، فلما بلغه ذلك، قال: لقد ذكر ملكا عظيما في السماء يقال له ذو النون. وجمع بعضهم بين هذا الذي في الصحيحين وما هنا بأنه يجوز أن يكون مسيلمة قدم مرتين: الأولى كان تابعا ومن ثم كان في حفظ الرحال، والثانية كان متبوعا ولم يحضر أنفة منه واستكبارا، وعامله معاملة الإكرام على عادته في الاستئلاف فأتى إلى قومه وهو فيهم كذا قيل.

ولا يخفى أن قوله ولم يحضر يقتضي أنه لم يجىء إلى النبي ﷺ في المرتين، وتقدم أنه جاء إليه وهم يسترونه بالثياب، وهذا: أي ستره بالثياب وهو المناسب لكونه متبوعا ثم صار مسيلمة لعنه الله يتكلم بالهذيان يضاهي به القرآن. فمن ذلك قوله قبحه الله: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمه تسعى من بين شغاف وحشا، وقال: والطاحنات طحنا. والعاجنات عجنا. والخابزات خبزا. والثاردات ثردا. واللاقمات لقما. ووضع عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا. وقيل إنه لعنه الله طلب منه أن يتفل في بئر تبركا ففعل فملح ماؤها. ومسح رأس صبي فصار أقرع قرعا فاحشا. ودعا لرجل في بنين له بالبركة فيهما، فرجع الرجل إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في بئر والآخر أكلة الذئب. ومسح على عيني رجل للاستشفاء بمسحة فابيضت عيناه، فعل ذلك مضاهاة للنبي. وهذا السياق يرشد إلى أنه كان برأس ذلك الصبي قرع يسير فمسح عليه للأستشفاء، ثم أظهر معجزة بزعمه. وهو أنه أدخل بيضة في قارورة وافتضح بأن البيضة بنت يومها إذا ألقيت في الخل والنوشادر يوما وليلة فإنها تمتد كالخيط. فتجعل في القارورة ويصب عليها ماء فتجمد، وبهذا يردّ على من رثاه من بني حنيفة بقوله:

لهفي عليك أبا ثمامة ** كم آية لك فيهمو

كالشمس تطلع من غمامة

فبقال له: كذبت، بل كانت آياته معكوسة.

قال: وكتب مسيلمة قبحه الله إلى النبي ﷺ كتابا فقال: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد ـ فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأمر، وليس قريش قوما يعدلون، وبعث رجلين. فكتب إليه رسول الله: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى. أما بعد ـ فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ثم قال للرجلين: وإنما تقولان مثل ما يقول؟ قالا نعم، قال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما انتهى.

ومنها وفد طيىء، وفيهم زيد الخيل رضي الله تعالى عنه. وفد عليه، وفيهم قبيصة بن الأسود، وسيدهم زيد الخيل. قيل له ذلك، لخمسة أفراس كانت له: أي ولو كان وجه التسمية يلزم اطراده لقيل للزبرقان بن بدر زبرقان الخيل.

فقد قيل: إنه وفد على عبد الملك بن مروان وقاد إليه خمسة وعشرين فرسا، ونسب كل واحدة من تلك الأفراس إلى آبائها وأمهاتها، وحلف على كل فرس يمينا غير اليمين التي حلف بها على غيرها، فقال عبد الملك: عجبي من اختلاف أيمانه أشدّ من عجبي من معرفته بأنساب الخيل.

وكان زيد الخيل شاعرا خطيبا بليغا جوادا، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال في حق زيد الخيل: «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ أي ما قيل فيه كل ما فيه» وسماه زيد الخير، أي فإنه قال له وهو لا يعرفه: «الحمد لله الذي أتى بك من سهلك وحزنك، وسهل قلبك للإيمان، ثم قبض على يده، فقال: من أنت؟ قال: أنا زيد الخيل بن مهلهل، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، فقال له: بل أنت زيد الخير، ثم قال: يا زيد ما أخبرت عن رجل قط شيئا إلا رأيته دون ما أخبرت عنه غيرك أي وأجاز كل واحد منهم خمس أواق، وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشا: أي وأقطعه محلين من أرضه، وكتب له بذلك كتابا، ولما خرج من عند رسول الله ﷺ متوجها إلى قومه قال رسول الله: «إن ينجو زيد من الحمى» أي ما ينجو منها، ففي أثناء الطريق أصابته الحمى، أي وفي لفظ أنه قال له: يا زيد تقتلك أم ملدم يعني الحمى.

وفي رواية أن زيد الخيل لما قام من عنده وتوجه إلى بلاده، قال: «أيّ فتى إن لم تدركه أم كلبة» يعني الحمى، والكلبة الرعدة.

وفي رواية: «ما قدم عليّ رجل من العرب يفضله قومه إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان من زيد، فإن ينج زيد من حمى المدينة فلأمر ما هو».

قال: ولما مات أقام قبيضة بن الأسود الناحة عليه سنة، ثم وجه براحلته ورحله. وفيه كتاب رسول الله ﷺ الذي أقطعه فيه محلين بأرضه، فلما رأت امرأته الراحلة ضرمتها بالنار، فاحترقت واحترق الكتاب انتهى.

وفي كلام السهيلي: وكتب له كتابا على ما أراد وأطعمه قرى كثيرة منها فدك، هذا كلامه. وقيل بقي إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما.

ومنها وفود عدي بن حاتم الطائي. حدث عديّ رضي الله تعالى عنه قال: كنت امرأ شريفا في قومي، آخذ المرباع من الغنائم كما هو عادة سادات العرب في الجاهلية: أي وهو ربع الغنيمة كما تقدم، فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته، ما من رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله ﷺ حين سمع به مني، فقلت لغلام كان راعيا لإبلي: لا أبا لك اعزل من إبلي أجمالا ذللا سمانا، فاحتسبها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذني ففعل، ثم إنه أتاني ذات يوم، فقال يا عديّ ما كنت صانعا إذا غشيك محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت له قرب لي أجمالي، فقرّبها فاحتملت أهلي وولدي، والتحقت بأهل ديني من النصارى بالشام، وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر، فأصيبت فيمن أصيب: أي سبيت فيمن أصيب من الحاضر، فلما قدمت في السبايا على رسول الله ﷺ وبلغ رسول الله ﷺ هربي إلى الشام منّ عليها رسول الله ﷺ وكساها، وحملها، وأعطاها نفقة، وخرجت إلى أن قدمت عليّ الشام، فوالله إني لقاعد في أهلي، إذ نظرت إلى ظغينة تؤمنا، فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي. فلما وقعت عليّ قالت: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وقطعت بقية والديك وعورتك، فقلت: أي أخية، لا تقولي إلا خيرا فوالله ما لي من عذر، ولقد صنعت ما ذكرت، ثم نزلت وأقامت عندي. فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فأنت أنت. فقلت والله إن هذا للرأي، أي ولعلها لم تظهر له إسلامها لئلا ينفر طبعه من قولها له إن يكن نبيا أي على الفرض والتنزل تحريضا له على اللحوق به، فخرجت حتى جئته بالمدينة فدخلت عليه. فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم فقام رسول الله ﷺ

وانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لقائدني إليه إذ لقيته امرأة كبيرة ضعيفة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها. فقلت ما هو بملك، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بيته تناول وسادة بيده من أدم محشوة ليفا فقدمها إليّ وقال: اجلس على هذه. فقلت بل أنت فاجلس عليها، قال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله ﷺ بالأرض. فقلت والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال لي ما معناه: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم قالها ثلاثا. فقلت: إني على دين، قال: أنا أعلم بدينك منك، فقلت أنت أعلم بديني؟ قال نعم ألست من الركوسية: ألست من القوم الذين لهم دين؟ لأنه تقدم أنه كان نصرانيا. فقلت بلى، فقال: ألم تكن تسير في قومك بالمرباع، أي تأخذ ربع الغنيمة كما هو شأن الأشراف من أخذهم في الجاهلية ربع الغنيمة؟ قلت بلى. قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك. فقلت: أجل والله وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن تفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك أنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، أتعرف الحيرة؟ قلت لم أرها وقد سمعت بها، قال: فوالله، وفي لفظ: فوالذي نفسي بيده ليتمن هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد.

وفي رواية: ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية: أي وهي قرية بينها وبين الكوفة نحو مرحلتين ـ على بعيرها حتى تزور البيت، أي الكعبة لا تخاف ـ ولعلك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم. قال عدي: وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تحج بالبيت وايم الله لتكونن الثانية ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه.

ومنها وفود فروة بن مسيك المرادي، وفد على رسول الله ﷺ فروة مفارقا لملوك كندة، وكان بين قومه مراد وبين همدان قبيل الإسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا في يوم يقال الردم، وقال له رسول الله ﷺ: هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم ولا يسؤوه. فقال له رسول الله ﷺ: أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا، واستعمله على مراد وزبيد، وبعث معه خالد بن سعيد العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله، وقال فروة عند توجهه إلى رسول الله ﷺ:

لما رأيت ملوك كندة أعرضت ** كالرجل خان الرجل عرق نسائها

فركبت راحلتي أؤمّ محمدا ** أرجو فواضلها وحسن ثوابها

ومنها وفد بني زبيد بضم الزاي وفتح الموحدة. وفد بنو زبيد على رسول الله، وفيهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وكان فارس العرب مشهورا بالشجاعة، شاعرا مجيدا، قال لابن أخيه قيس المرادي: إنك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول إنه نبيّ فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عليك، وإذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه. فركب عمرو رضي الله تعالى عنه حتى قدم على رسول الله ﷺ مع قومه فأسلم، فلما بلغ ذلك قيسا قال: خالفني وترك أمري ورأيي، وتوعد عمرا، فقال عمرو في قيس أبياتا منها:

فمن ذا عاذري من ذي سفاه ** يريد بنفسه شدّ المزاد

أريد حياته ويريد قتلي ** عذيرك من خليلك من مرادي

أي وبعد موته ارتد عمرو هذا مع الأسود العبسي، ثم أسلم وحسن إسلامه، وشهد فتوحات كثيرة في أيام الصديق وأيام عمر رضي الله تعالى عنهما.

وعن ابن إسحاق: قيل إن عمرو بن معد يكرب لم يأت النبي، وأسلم قيس بعد ذلك، قيل له صحبة، وقيل لا.

ومنها وفد كندة، أي وله جدّة منهم، وهي أمّ جدّه كلاب. وفد عليه ثمانون، أي وقيل ستون من كندة فيهم الأشعث بن قيس، وكان وجيها مطاعا في قومه، وفي الإمتاع وهو أصغرهم. فلما أرادوا الدخول عليه رجلوا: أي سرحوا جممهم. أي شعور رؤوسهم، أي الساقطة على مناكبهم، وتكحلوا، ولبسوا عليهم جبب الحِبَرة أي بوزن عنبة: برود اليمن المخططة، قد كففوها: أي سجفوها بالحرير. فلما دخلوا على رسول الله، أي وعند ذلك قالوا: أبيت اللعن، فقال رسول الله ﷺ: لست ملكا أنا محمد بن عبد الله. قالوا: لا نسميك باسمك، قال: أنا أبو القاسم. فقالوا: يا أبا القاسم إنا خبأنا لك خبئا فما هو؟ وكانوا خبؤوا لرسول الله ﷺ عين جرادة في ظرف سمن، فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله، إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإن الكاهن والكهانة والمتكهن في النار، فقالوا: كيف نعلم أنك رسول الله؟ فأخذ رسول الله ﷺ كفا من حصباء فقال: هذا يشهد أني رسول الله، فسبح الحصى في يده، فقالوا: نشهد أنك رسول الله، قال رسول الله ﷺ: إن الله بعثني بالحق وأنزل عليّ كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقالوا: أسمعنا منه، فتلا رسول الله: {والصافات صفا} حتى بلغ {رب المشارق} ثم سكت رسول الله ﷺ وسكن بحيث لا يتحرك منه شيء ودموعه تجري على لحيته، فقالوا: إنا نراك تبكي، أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ فقال: إن خشيتي منه أبكتني، بعثني على صراط مستقيم في مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت، ثم تلا: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} الآية، ثم قال لهم: ألم تسلموا؟ قالوا بلى، قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم. فعند ذلك شقوه منها وألقوه.

وفيه أن هذا يخالف ما قاله فقهاؤنا معاشر الشافعية من جواز التسجيف بالحرير، إلا أن يقال الجواز مخصوص، بأن لا يجاوز الحد اللائق بالشخص، ولعل سجفهم جاوزت الحد اللائق بهم وقد قال الأشعث له: نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار، يعني جدته أم كلاب، فقد تقدم أنها من كندة، وقيل إنما قال ذلك الأشعث، لأن عمه العباس بن عبد المطلب كان إذا دخل حيا من أحياء العرب، لأنه كما تقدم كان تاجرا، فإذا سئل من أين؟ قال: أنا ابن آكل المرار ليعظم، يعني انتسب إلى كندة، لأن كندة كانوا ملوكا فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول العباس المذكور، فقال له: لا، نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من آبائنا: أي لا ننتسب إلى الأمهات ونترك النسب إلى الآباء.

والأشعث هذا ممن ارتد بعد موت النبي، ثم دعا إلى الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي فإنه حوصر، ثم جيء به أسيرا، فقال للصديق حين أراد قتله: استبقني لحروبك وزوّجني أختك، فزوجه أخته أم فروة فدخل سوق الإبل بالمدينة واخترط سيفه، فجعل لا يرى جملا إلا عرقبه، فصاح الناس: كفر الأشعث، فلما فرغ طرح سيفه وقال: والله ما كفرت إلا أن الرجل يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه زوجني أخته، ولو كنا ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه وقال: يا أهل المدينة انحروا وكلوا، وأعطى أصحاب الإبل أثمانها، قال: وقال للأشعث: «هل لك من ولد؟ فقال: لي غلام ولد لي عند مخرجي إليك لوددت أن لي به لسبعة، فقال: إنهم لمجبنة مبخلة محزنة، وإنهم لقرة العين، وثمرة الفؤاد» انتهى.

ومنها وفد أزد شنوءة. وفد إلى رسول الله ﷺ جمع من الأزد وفيهم صرد بن عبد الله الأزدي أي وكان أفضلهم، فأمّره على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج حتى نزل بجُرَش بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة وهي مدينة بها قبائل من قبائل اليمن وحاصرها المسلمون قريبا من شهر ثم رجعوا عنها، حتى إذا كانوا بجبل يقال له شَكَر بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين، وقيل بإسكان الكاف، فلما وصلوا ذلك المحل ظن أهل جرش أن المسلمين رضي الله تعالى عنهم إنما رجعوا عنهم منهزمين، فخرجوا في طلبهم حتى إذا أدركوهم عطفوا عليهم فقتلوهم قتلا شديدا.

وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتدان: أي ينظران الأخبار، فينما هما عند رسول الله ﷺ إذ قال رسول الله ﷺ: بأيّ بلاد الله شكر؟ فقام إليه رجلان فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر، فقال إنه ليس بكشر ولكنه شكر، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال إن بدن الله لتنحر عنده الآن، وأخبرهما الخبر، فخرجا من عند رسول الله ﷺ راجعين إلى قومهما فوجد قومهما قد أصيبوا في اليوم والساعة التي قال فيها رسول الله ﷺ ما قال، وعند إخبارهما لقومهما بذلك وفد وفد جرش على رسول الله ﷺ فأسلموا، فقال رسول الله ﷺ: مرحبا بكم أحسن الناس وجوها، وأصدقه لقاء، وأطيبه كلاما، وأعظمه أمانة، أنتم مني وأنا منكم، وحمى لهم حمى حول بلدهم.

ومنها وفد رسول ملوك حمير، وحامل كتابهم إليه، وفد على رسول الله ﷺ رسول ملوك حمير وحامل كتابهم إليه بإسلام الحارث بن عبد كلال بضم الكاف.

وقد اختلف في كون الحارث له وفادة فهو صحابي أولا، والنعمان ومعافر بالفاء مكسورة وهمدان، أي بإسكان الميم وفتح الدال المهملة وهي قبيلة.

وأما هَمذان بفتح الميم والذال المعجمة فقبيلة بالعجم، فكتب إليهم رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال وإلى النعمان ومعافر وهمدان، أما بعد: فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم: أي رجوعنا من غزوة تبوك، فلقيناه بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وإن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من الغنائم خمس الله وسهم النبي ﷺ وصفيٌه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة. أما بعد: فإن محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن. وفي الاستيعاب: زرعة بن سيف ذي يزن. وفي كلام الذهبي: زرعة بن سيف ذي يزن أن: إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن