تلبيس إبليس/الباب العاشر/بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة

بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة

عدل

قلت: قد سبق ذكر أفعال كثيرة لهم كلها منكرة وإنما نذكر ههنا من أمهات الأفعال وعجائبها أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد أنبأنا أبو علي الحسن بن محمد بن الفضل الكرماني نا أبو الحسن سهل بن علي الخشاب نا أبو نصر عبد الله بن علي السراج قال: ذكر عن أبي علي الكريتي - وكان أستاذ الجنيد - أنه اصابته جنابة وكان عليه مرقعة ثخينة فجاء إلى شاطئ الدجلة والبرد شديد فحرنت نفسه عن الدخول في الماء لشدة البرد فطرح نفسه في الماء مع المرقعة ولم يزل يغوص ثم خرج وقال: عقدت أن لا أنزعها عن بدني حتى تجف علي فلم تجف عليه شهرا

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت ثنا عبد العزيز بن علي ثنا علي بن عبد الله الهمداني ثنا الخلدي ثني جنيد قال سمعت أبا جعفر ابن التكريتي يقول: أصبت ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا وحدثتني نفسي لو تركت حتى تصبح ويسخن لك الماء أو تدخل حماما والا اعبأ على نفسك فقلت واعجبا أنا أعامل الله تعالى في طول عمري يجب له على حق لا أجد المسارعة إليه وأجد الوقوف والباطؤ والتأخر آليت لا أغتسل إلا في نهر وآليت لا اغتسلت إلا في مرقعتي هذه وآليت لا أعصرنها وآليت لا جففتها في شمس أو كما قال قلت: سبق في ذكر المرقعات وصف هذه المرقعة لابن التكريتي وأنه وزن أحد كميها فكان فيه أحد عشر رطلا وإنما ذكر هذا للناس ليبين أني فعلت الحسن الجميل حكوه عنه ليبين فضله وذلك جهل محض لأن هذا الرجل عصى الله سبحانه وتعالى بما فعل وإنما يعجب هذا الفعل العوام الحمقى لا العلماء ولا يجوز أن يعاقب نفسه فقد جمع هذا المسكين لنفسه فنونا من التعذيب: إلقاؤها في الماء البارد وكونه في مرقعته لا يمكنه الحركة فيها كما يريد ولعله بقي من مغابنة ما لم يصل إليه الماء لكثافة هذه المرقعة وبقائها عليه مبتلة شهرا وذلك يمنعه لذة النوم وكل هذا الفعل خطأ وإثم وربما كان ذلك سببا لمرضه أو قتله

أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي قال أخبرنا حمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني قال: كانت أم علي زوجة أحمد بن حضرويه قد أحلت زوجها أحمد من صداقها على أن يزور بها أبا يزيد البسطامي فحملها إليه فدخلت عليه وقعدت بين يديه مسفرة عن وجهها فلما قال لها أحمد: رأيت منك عجبا أسفرت عن وجهك بين يدي أبي يزيد قالت: لأني لما نظرت إليه فقدت حظوظ نفسي وكلما نظرت إليك رجعت إلي حظوظ نفسي فلما أراد أحمد الخروج من عند أبي يزيد قال له: أوصني قال: تعلم الفتوة من زوجتك

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن باكويه سمعت أبا بكر الفازي ( وفاز قرية بطرسوس ) سمعت أبا بكر السباك سمعت يوسف بن الحسين يقول: كان بين أحمد بن أبي الحواري وبين سليمان عقد أن لا يخالفه في شيء يأمره به فجاءه يوما وهو يتكلم في المجلس فقال: إن التنور قد سجرناه فما تأمرنا فما أجابه فأعاد مرة أو مرتين فقال له الثالثة: اذهب واقعد فيه ففعل ذلك فقال أبو سليمان: الحقوه فإن بيني وبينه عقدا أن لا يخالفني في شيء آمره به فقام وقاموا معه فجاؤوا إلى التنور فوجدوه قاعدا في وسطه فأخذ بيده وأقامه فما أصابه خدش

قال المصنف رحمه الله: هذه الحكاية بعيدة عن الصحة ولو صحت كان دخوله النار معصية وفي الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله سرية واستعمل عليها رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعوني؟ قالوا بلى قال: فاجمعوا حطبا فجمعوا ثم دعا بنار فأضرمها ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها قال فهم القوم أن يدخلوها فقال لهم شاب: إنما فررتم إلى رسول الله من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوا فرجعوا إلى النبي فأخبروه فقال لهم رسول الله : [ لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة بالمعروف ] أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أحمد بن علي بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ أخبرني الحسن بن جعفر بن علي أخبرني عبد الله بن إبراهيم الجزري قال: قال أبو الخير الدئيلي: كنت جالسا عند خير النساج فأتته امرأة وقالت له: اعطيني المنديل الذي دفعته إليك قال: نعم فدفعه إليها قالت: كم الأجرة قال: درهمان قالت: ما معي الساعة شيء وأنا قد ترددت إليك مرارا فلم أراك وأنا آتيك به غدا إن شاء الله تعالى فقال لها خير: إن أتيتني بهما ولم تجديني فارمي بهما في دجلة فإني إذا جئت أخذتهما فقالت المرأة: كيف تأخذ من دجلة؟ فقال لها خير: هذا التفتيش فضول منك افعلي ما أمرتك به قالت إن شاء الله فمرت المرأة قال أبو الحسين فجئت من الغد وكان خير غائبا وإذا المرأة قد جاءت ومعها خرقة فيها درهمان فلم تجده فرمت بالخرقة في دجلة وإذا بسرطان قد تعلقت بالخرقة وغاصت وبعد ساعة جاء خير وفتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ وإذا بسرطان قد خرجت من الماء تسعى نحوه والخرقة على ظهرها فلما قربت من الشيخ أخذها فقلت له: رأيت كذا وكذا! فقال: أحب أن لا تبوح به في حياتي فأجبته إلى ذلك

قال المصنف رحمه الله: صحة مثل ذلك تبعد ولو صح لم يخرج هذا الفعل من مخالفة الشرع لأن الشرع قد أمر بحفظ المال وهذا إضاعة وفي الصحيح أن النبي « نهى عن إضاعة المال » ولا تلتفت إلى قول من يزعم أن هذا كرامة لأن الله تعالى لا يكرم مخالفا لشرعه

أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر بن ثابت نا أبو نعيم الحافظ سمعت أبا الفرج الورياني سمعت علي بن عبد الرحيم يقول: دخلت على النوري ذات يوم فرأيت رجليه منتفختين فسألته عن أمره فقال: طالبتني نفسي بأكل الثمر فجعلت أدافعها فتأبى علي فخرجت فاشتريت فلما أن أكلت قلت لها قومي فصلي فأبت علي فقلت لله علي أن قعدت إلى الأرض أربعين يوما إلا في التشهد فما قعدت قلت: من سمع هذا من الجهال يقول ما أحسن هذه المجاهدة ولا يدري أن هذا الفعل لا يحل لأنه حمل على النفس ما لا يجوز ومنعها من حقها من الراحة وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء قال: كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فالزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع قال: وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل: قال وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس لعود نفسه بالحلم قال: وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا

قال المصنف رحمه الله: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد كيف حكى هذه الأشياء ولم ينكرها وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم وقال قبل أن يورد هذه الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان وإن رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا

قلت: وإني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا وكيف يحل رمي المال في البحر وقد نهى رسول الله عن إضاعة المال وهل يحل سب مسلم بلا سبب وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك؟ وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج؟ وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب؟ فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف

أنبأنا ابن ناصر نا أبو الفضل السهلكي نا أبو علي عبد الله بن إبراهيم النيسابوري ثنا أبو الحسن علي بن جهضم ثنا أبو صالح الدامغاني عن الحسن بن علي الدامغاني قال: كان رجل من أهل بسطام لا ينقطع عن مجلس أبي يزيد لا يفارقه فقال له ذات يوم: يا أستاذ أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي من هذا الذي نذكره شيئا البتة فقال له أبو يزيد: لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك لا تجد من هذا العلم زرة قال: ولم يا أستاذ؟ قال: لأنك محجوب بنفسك فقال له: أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب؟ قال: نعم ولكنك لم تقبل قال: بلى أقبل وأعمل ما تقول قال أبو يزيد: اذهب الساعة إلى الحجام واحلق رأسك ولحيتك وانزع عنك هذا اللباس وابرز بعباءة وعلق في عنقك مخلاة واملأها جوزا واجمع حولك صبيانا وقل بأعلا صوتك يا صبيان من يصفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه فقال: يا أبا يزيد سبحان الله تقول لي مثل هذا ويحسن أن أفعل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك سبحان الله شرك قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك فسبحتها فقال: يا أبا يزيد هذا ليس أقدر عليه ولا أفعله ولكن دلني على غيره حتى أفعله فقال أبو يزيد: ابتدر هذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك ما يصلح لك قال: لا أطيق هذا قال: إنك لا تقبل

قال المصنف رحمه الله: قلت ليس في شرعنا بحمد الله من هذا شيء بل فيه تحريم ذلك والمنع منه وقد قال نبينا : [ ليس للمؤمن أن يذل نفسه ] ولقد فاتت الجمعة حذيفة فرأى الناس راجعين فاستتر لئلا يرى بعين النقص في قصة الصلاة وهل طالب الشرع أحدا بمحو أثر النفس وقد قال : [ من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ] كل هذا للإبقاء على جاه النفس ولو أمر بهلول الصبيان أن يصفعوه لكان قبيحا فنعوذ بالله من هذه العقول الناقصة التي تطالب المبتدئ بما لا يرضاه الشرع فينفر

وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء عن يحيى بن معاذ أنه قال: قلت لأبي يزيد: هل سألت الله تعالى عن المعرفة يقال عزت عليه أن يعرفها سواه فقلت: هذا إقرار بالجهل فإن كان يشير إلى معرفة الله تعالى في الجملة وأنه موجود وموصوف بصفات وهذا لا يسمع أحدا من المسلمين جهلة وإن تخايل له أن معرفته هي اطلاع على حقيقة ذاته وكنهها فهذا جهل به

وحكى أبو حامد: أن أبا تراب النخشبي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة قلت: وهذا فوق الجنون بدرجات

وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي

قال أبو حامد: فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام قلت سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الأحياء فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال وأي حالة أقبح وأشد من حال من خالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي وقد عدم في الشريعة ما يصلح به قلبه حتى يستعمل ما لا يحل فيها وهذا من جنس ما تفعله الأمراء الجهلة من قتل من لا يجوز قتله ويسمونه سياسة ومضمون ذلك الشريعة ما تفي بالسياسة

وكيف يحل للمسلم أن يعرف نفسه لأن يقال عنه سارق وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلمسها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه فعجبي من هذا الفقيه المستلب عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب

أخبرنا أبو بكر بن حبيب نا أبو سعد بن أبي صادق نا ابن بكويه قال: سمعت محمد بن أحمد النجاري يقول: كان علي بن بابويه من الصوفية فاشترى يوما من الأيام قطعة لحم فأحب أن يحمله إلى البيت فاستحيا من أهل السوق فعلق اللحم في عنقه وحمله إلى بيته

قلت: واعجبا من قوم طالبوا أنفسهم بمحو أثر الطبع وذلك أمر لا يمكن ولا هو مراد الشرع وقد ركز في الطباع إن الإنسان لا يحب أن يرى إلا متجملا في ثيابه وأنه يستحيي من العري وكشف الرأس والشرع لا ينكر عليه هذا وما فعله هذا الرجل من الإهانة لنفسه بين الناس أمر قبيح في الشرع والعقل فهو إسقاط مروءة لا رياضة كما لو حمل نعليه على رأسه

وقد جاء في الحديث « الأكل في السوق دناءة » فإن الله قد أكرم الآدمي وجعل لكثير من الناس من يخدمه فليس من الدين إذلال الرجل نفسه بين الناس وقد تسمى قوم من الصوفية بالملامتية فاقتحموا الذنوب فقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من آفات الجاه والمرائين وهؤلاء مثلهم كمثل رجل زنى بامرأة فأحبلها فقيل له: لم تعزل فقال بلغني أن العزل مكروه فقيل له: وما بلغك أن الزنا حرام وهؤلاء الجهلة قد أسقطوا جاههم عند الله سبحانه ونسوا أن المسلمين شهداء الله في الأرض

أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابن باكويه قال سمعت أبا أحمد الصغير سمعت أبا عبد الله بن خفيف سمعت أبا الحسن المديني يقول: خرجت مرة من بغداد إلى نهر الناشرية وكان في إحدى قرى ذلك النهر رجل يميل إلى اصحابنا فبينا أنا أمشي على شاطئ النهر رأيت مرقعة مطروحة ونعلا وخريقة فجمعتهما وقلت هذه لفقير ومشيت قليلا فسمعت همهمة وتخبيطا في الماء فنظرت فإذا بأبي الحسن النوري قد ألقى نفسه في الماء والطين وهو يتخبط ويعمل بنفسه كل بلاء فلما رأيته علمت أن الثياب له فنزلت إليه فنظر إلي وقال: يا أبا الحسن أما ترى ما يعمل بي قد أماتني موتات وقال لي مالك منا إلا الذكر الذي لسائر الناس وأخذ يبكي ويقول: ترى ما يفعل بي فما زلت أرفق به حتى غسلته من الطين وألبسته المرقعة وحملته إلى دار ذلك الرجل فأقمنا عنده إلى العصر ثم خرجنا إلى المسجد فلما كان وقت المغرب رأيت الناس يهربون ويغلقون الأبواب ويصعدون السطوح فسألناهم فقالوا: السباع تدخل القرية بالليل وكان حوالي القرية أجمة عظيمة وقد قطع منها القصب وبقيت أصوله كالسكاكين فلما سمع النوري هذا الحديث قام فرمى بنفسه في الأجمة على أصول القصب المقطوع ويصيح ويقول: أين أنت يا سبع فما شككنا أن الأسد قد افترسه أو قد هلك في أصول القصب فلما كان قريب الصبح جاء فطرح نفسه وقد هلكت رجلاه فأخذنا بالمنقاش ما قدرنا عليه فبقي أربعين يوما لا يمشي على رجليه فسألته أي شيء كان ذلك الحال قال: لما ذكروا السبع وجدت في نفسي فزعا فقلت لأطرحنك إلى ما تفزعين منه

قلت: لا يخفى على عاقل تخبيط هذا الرجل قبل أن يقع في الماء والطين وكيف يجوز للإنسان أن يلقي نفسه في ماء وطين وهل هذا إلا فعل المجانين وأين الهيبة والتعظيم من قوله: ترى ما يفعل بي وما وجه هذا الانبساط وينبغي أن تجف الألسن في أفواهها هيبة

ثم ما الذي يريده غير الذكر ولقد خرج عن الشريعة بخروجه إلى السبع ومشيه على القصب المقطوع وهل يجوز في الشرع أن يلقي الإنسان نفسه إلى سبع؟ أترى أراد منها أن يغير ما طبعت عليه من خوف السباع ليس هذا في طوقها ولا طلبه الشرع منها ولقد سمع هذا الرجل بعض أصحابه يقول مثل هذا القول فأجابه بأجود جواب أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب نا علي بن أبي صادق نا ابن باكويه نا يعقوب الحواط نا أبو أحمد المغازي قال: رأيت النوري وقد جعل نفسه إلى أسفل ورجليه إلى فوق وهو يقول: من الخلق أوحشتني ومن النفس والمال والدنيا افقرتني ويقول: ما معك إلا علم وذكر قال فقلت له: إن رضيت وإلا فانطح برأسك الحائط أخبرنا محمد بن أبي القاسم أنبأنا الحسن بن محمد بن الفضل الكراماني نا سهل بن علي الخشاب نا عبد الله بن علي السراج قال سمعت أبا عمرو بن علوان يقول: حمل أبو الحسين النوري ثلاثمائة دينار ثمن عقار بيع له وجلس على قنطرة وجعل يرمي واحدا واحدا منها إلى الماء ويقول: جثتي - تريدي أن تخدعيني منك بمثل هذا قال السراج: فقال بعض الناس: لو أنفقها في سبيل الله كان خيرا له فقلت: إن كانت تلك الدنانير تشغله عن الله طرفة عين كان الواجب أن يرميها في الماء دفعة واحدة حتى يكون أسرع لخلاصه من فتنتها كما قال الله تعالى: { فطفق مسحا بالسوق والأعناق } قلت: لقد أبان هؤلاء القوم عن جهل بالشرع وعدم عقل وقد بينا فيما تقدم أن الشرع أمر بحفظ المال وأن لا يسلم إلا إلى رشيد وجعله قواما للآدمي والعقل يشهد بأنه إنما خلق للمصالح فإذا رمى به الإنسان فقد أفسد ما هو سبب صلاحه وجهل حكمة الواضع واعتذار السراج له أقبح من فعله لأنه إن كان خاف فتنته فينبغي أن يرميه إلى فقير ويتخلص ومن جهل هؤلاء حملهم تفسير القرآن على رأيهم الفاسد لأنه يحتج بمسح السوق والأعناق ويظن بذلك جواز الفساد والفساد لا يجوز في شريعة وإنما مسح بيده عليها وقال أنت في سبيل الله وقد سبق بيان هذا وقال أبو نصر السراج في كتاب اللمع: قال أبو جعفر الدراج: خرج أستاذي يوما يتطهر فأخذت كتفه ففتشته فوجدت فيه شيئا من الفضة مقدار أربعة دراهم وكان ليلا وبات لم يأكل شيئا فلما رجع قلت له: في كتفك كذا وكذا درهما ونحن جياع فقال: أخذته؟ رده ثم قال لي بعد ذلك: خذه واشتر به شيئا فقلت له: بحق معبودك ما أمر هذه القطع؟ فقال: لم يرزقني الله من الدنيا شيئا غيرها فأردت أن أوصي أن تدفن معي فإذا كان يوم القيامة رددتها إلى الله وأقول هذا الذي أعطيتني من الدنيا أخبرنا ابن حبيب نا ابن أبي صادق نا ابم باكويه ثنا عبد الواحد بن بكر قال سمعت أبا بكر الجوال سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الفقراء ويصوم ويخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب ما يفطر عليه

قال المصنف رحمه الله: قلت لو علم هذا الرجل أن المسألة لا تجوز لمن يقدر على الاكتساب لم يفعل ولو قدرنا جوازها فاين أنفة النفس من ذل الطلب؟ أخبرنا هبة الله بن محمد نا الحسن بن علي التميمي نا أحمد بن جعفر ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثني أبي ثنا إسماعيل ثنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله : [ لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وما على وجهه مزعة لحم ] قال أحمد: وحدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله : [ لأن يأخذ الرجل حبلا فيحتطب ثم يجيء فيضعه في السوق فيبيعه ثم يستغني به فنفقه على نفسه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ]

قلت: انفرد به البخاري واتفقا على الذي قبله وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي أنه قال: [ لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ] - والمرة - القوة وأصلها من شدة فتل الحبل يقال أمررت الحبل إذا أحكمت فتله فمعنى المرة في الحديث شدة أمر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكل والتعب قال الشافعي رضي الله عنه: لا تحل الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز نا أبو بكر بن الثابت أنبأنا أبو سعد الماليني قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الواحد الهاشمي سمعت أبا الحسن يونس بن أبي بكر الشبلي يقول: قام أبي ليله فترك فرد رجل على السطح والأخرى على الدار فسمعته يقول: لئن أطرفت لأرمين بك إلى الدار فما زال على تلك الحال حتى أصبح فلما أصبح قال لي: يا بني ما سمعت الليلة ذاكرا لله تعالى إلا ديكا يساوي دانقين

قال المصنف رحمه الله: هذا الرجل قد جمع بين شيئين لا يجوزان أحدهما: مخاطرته بنفسه فلو غلبه النوم فوقع كان معينا على نفسه ولا شك أنه لو رمى بنفسه كان قد أتى معصية عظيمة فتعرضه للوقوع معصية والثاني: أنه منع عينه حظها من النوم وقد قال : [ إن لجسدك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا ] وقال: [ إذا نعس أحدكم فليرقد ] ومر بحبل قد مدته زينب فإذا فترت أمسكت به فأمر بحله وقال: [ ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليقعد ] وقد تقدمت هذه الأحاديث في كتابنا هذا

أخبرنا محمد بن ناصر نا أبو عبد الله الحميدي نا أبو بكر الأردستاني ثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا العباس البغدادي يقول: كنا نصحب أبا الحسن بن أبي بكر الشبلي ونحن أحداث فأضافنا ليلة فقلنا بشرط ألا تدخل علينا أباك فقال لا يدخل فدخلنا داره فلما أكلنا إذا نحن بالشبلي وبين كل أصبعين من أصابعه شمعة - ثمان شموع - فجاء وقعد وسطنا فاحتشمنا منه فقال: يا سادة عدوني فيما بينكم طشت شموع ثم قال: أين غلامي أبو العباس؟ فتقدم إليه فقال: غنني الصوت الذي كنت تغني: ولما بلغ الحيرة حادي جملي حارا:

( فقلت احطط بها رحلي *** ولا نحفل بمن سارا )

فغنيته فتغير وألقى الشموع من يده وخرج أخبرنا ابن ناصر ثنا هبة الله بن عبد الله الواسطي نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا محمد بن أحمد بن أبي الفوارس نا الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن الصفار قال: خرج الشبلي يوم عيد وقد حلق أشفار عينيه وحاجبيه وتعصب بعصابة وهو يقول:

( للناس فطر وعيد *** إني فريد وحيد )

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد نا أحمد بن علي بن ثابت نا التنوخي ثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أبي صابر الدلال قال: وقفت على الشبلي في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه فوقف عليه في الحلقة غلام جميل لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه يعرف بابن مسلم فقال له: تنح فلم يبرح فقال له الثانية: تنح يا شيطان عنا فلم يبرح فقال له الثالثة: تنح وإلا والله خرقت كل ما عليك وكانت عليه ثياب في غاية الحسن تساوي جملة كثيرة فانصرف الفتى فقال الشبلي:

( طرحوا اللحم للبزاة*** على ذروتي عدن

ثم لاموا البزاة إذ *** خلعوا منهم الرسن

لو أرادوا صلاحنا *** ستروا وجهك الحسن )

قال ابن عقيل: من قال هذا فقد أخطأ طريق الشرع لأنه يقول ما خلق الله تعالى هذا الإنسان إلا للافتتان به وليس كذلك وإنما خلقه للاعتبار والامتحان فإن الشمس خلقت لتضيء لا لتعبد وبإسناد عن أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مات للشبلي ابن ولد كان اسمه عليا فجزت أمه شعرها عليه وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلقها جميعها فقيل له: يا أستاذ ما حملك على هذا؟ فقال: جزت هذه شعرها على مفقود ألا أحلق أنا لحيتي على موجود وبإسناد عن عبد الله بن علي السراج قال: ربما كان الشبلي يلبس ثيابا مثمنة ثم ينزعها ويضعها فوق النار قال: وذكر عنه أنه أخذ قطعة عنبر فوضعها على النار يبخر بها ذنب الحمار وقال بعضهم ك دخلت عليه فرأيت بين يديه اللوز والسكر يحرقه بالنار قال السراج: إنما أحرقه بالنار لأنه كان يشغله عن ذكر الله قلت: اعتذار السراج عنه أعجب من فعله قال السراج: وحكي عنه أنه باع عقارا ففرق ثمنه وكان له عيال فلم يدفع إليهم شيئا وسمع قارئا يقرأ: { اخسؤوا فيها } فقال: ليتني كنت واحدا منهم قلت: وهذا الرجل ظن أن الذي يكلمهم هو الله تعالى والله لا يكلمهم ثم لو كلمهم كلام إهانة فأي شيء هذا حتى يطلب قال السراج: وقال الشبلي يوما في مجلسه: إن لله عباد لو بزقوا على جهنم لأطفؤوها قلت: وهذا من جنس ما ذكرناه عن أبي يزيد وكلاها من إناء واحد وبإسناد عن أبي علي الدقاق يقول: بلغني أن الشبلي اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم

قال المصنف رحمه الله: وهذا فعل قبيح لا يحل لمسلم أن يؤذي نفسه وهو سبب للعمى ولا تجوز إدامة السهر لأن فيه إسقاط حق النفس والظاهر أن دوام السهر والتقلل من الطعام أخرجه إلى هذه الأحوال والأفعال

وبإسناد عن أبي عبد الله الرازي قال: كساني رجل صوفا فرأيت على رأس الشبلي قلنوسة تليق بذلك الصوف فتمنيتها في نفسي فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إلي فتبعته وكان عادته إذا أراد أن أتبعه يلتفت إلي فلما دخل داره فقال: انزع الصوف فنزعته فلفه وطرح القلنوسة عليه ودعى بنار فأحرقهما

قلت: وقد حكى أبو حامد الغزالي أن الشبلي أخذ خمسين دينارا فرماها في دجلة وقال: ما أعزك أحد إلا أذله الله وأنا أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي لأنه ذكر ذلك على وجه المدح لا على وجه الإنكار فأين أثر الفقه؟

وبإسناد عن حسين بن عبد الله القزويني قال: حدثني من كان جالسا أنه قال: تعذر علي قوتي يوما ولحقني ضرورة فرأيت قطعة ذهب مطرحة في الطريق فأردت أخذها فقلت لقطة فتركتها ثم ذكرت الحديث الذي يروي: [ لو أن الدنيا كانت دما عبيطا لكان قوت المسلم منها حلالا ] فأخذتها وتركتها في فمي ومشيت غير بعيد فإذا أنا بحلقة فيها صبيان وأحدهم يتكلم عليهم فقال له واحد: متى يجد العبد حقيقة الصدق؟ فقال: إذا رمى القطعة من الشدق فأخرجتها من فمي ورميتها

قال المصنف رحمه الله: لا تختلف الفقهاء أن رميه إياها لا يجوز والعجب أنه رماها بقول صبي لا يدري ما قال وقد حكى أبو حامد الغزالي أن شقيقا البلخي جاء أبو القاسم الزاهد وفي طرف كسائه شيء مصرور فقال له: أي شيء معك؟ قال: لوزات دفعها أخ لي وقال: أحب أن تفطر عليها فقال: يا شقيق وأنت تحدث نفسك أن تبقى إلى الليل لا كلمتك أبدا فأغلق الباب في وجهي ودخل

قال المصنف رحمه الله: انظروا إلى هذا الفقه الدقيق كيف هجر مسلما على فعل جائز بل مندوب لأن الإنسان مأمور أن يستعد لنفسه بما يفطر عليه واستعداد الشيء قبل مجيء وقته حزم ولذلك قال الله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } وقد ادخر رسول الله لأزواجه قوت سنة وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله وادخر الباقي ولم ينكر عليه فالجهل بالعلم أفسد هؤلاء الزهاد وبإسناد أحمد بن إسحاق العماني قال: رأيت بالهند شيخا وكان يعرف بالصابر قد أتى عليه مائة سنة قد غمض إحدى عينيه فقلت له: يا صابر ما بلغ صبرك؟ قال: إني هويت النظر إلى زينة الدنيا فلم أحب أن أشتفي منها فغمضت عيني منذ ثمانين سنة فلم أفتحها وقد حكي لنا عن آخر أنه فقأ إحدى عينيه وقال: النظر إلى الدنيا بعينين إسراف قلت: كان قصده أن ينظر إلى الدنيا بفرد عين ونحن نسأل سلامة العقول وقد حكى يوسف بن أيوب الهمداني عن شيخه عبد الله الجوني أنه كان يقول: هذه الدولة ما أخرجتها من المحراب بل من موضع الخلاء وقال: كنت أخدم في الخلاء فبينما أنا يوما أكنسه وأنظفه قالت لي نفسي: أذهبت عمرك في هذا؟ فقلت: أنت تأنفين من خدمة عباد الله فوسعت رأس البئر ورميت نفسي فيها وجعلت أدخل النجاسة في فمي فجاؤوا وأخرجوني وغسلوني

قلت: انظروا إلى هذا المسكين كيف اعتقد جمع الأصحاب خلفه دولة واعتقد أن تلك الدولة إنما حصلت بإلقاء نفسه في النجاسة وإدخالها في فيه وقد نال بذلك فضيلة أثيب عليها بكثرة الأصحاب وهذا الذي فعله معصية توجب العقوبة وفي الجملة لما فقد هؤلاء العلم كثر تخبيطهم

وبإسناد عن محمد بن علي الكتاني يقول: دخل الحسين بن منصور مكة في ابتداء أمره فجهدنا حتى أخذنا مرقعته قال السوسي: أخذنا منها قملة فوزناها فإذا نصف دانق من كثرة رياضته وشدة مجاهدته قلت: انظروا إلى هذا الجاهل بالنظافة التي حث عليها الشرع وأباح حلق الشعر المحظور على المحرم لأجل تأذيه من القمل وجبر الحظر بالفدية وأجهل من هذا من اعتقد هذا رياضته

وبإسناد عن أبي عبد الله بن ملقح يقول: كان عندنا فقير صوفي في الجامع فجاع مرة جوعا شديدا فقال: يا رب إما أن تطعمني وإما أن ترميني بشرف المسجد فجاء غراب فجلس على الشرف فوقعت عليه من تحت رجله آجرة فجرى دمه وكان يمسح الدم ويقول: إيش تبالي بقتل العالم قلت: قتل الله هذا ولا أحياه في مقابلته هذا الاستنباط هلا قام إلى الكسب أو إلى الكدية وبإسناد عن غلام خليل قال: رأيت فقيرا يعدو ويلتفت ويقول: أشهدكم على الله هوذا يقتلني وسقط ميتا

رأي بعض الصوفية في الملانفية

عدل

وفي الصوفية قوم يسمون الملانفية اقتحموا الذنوب وقالوا مقصودنا أن نسقط من أعين الناس فنسلم من الجاه وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع قال: وفي القوم طائفة يظهرون من أنفسهم أقبح ما هم فيه ويكتمون أحسن ما هم عليه وفعلهم هذا من أقبح الأشياء ولقد قال رسول الله : [ من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ] وقال في حق ما عز: [ هلا سترته بثوبك يا هذا ] واجتاز على رسول الله بعض أصحابه وهو يتكلم مع صفية زوجته فقال له: [ إنها صفية ] وقد علم الناس التجافي عن ما يوجب سوء الظن فإن المؤمنين شهداء الله في الأرض وخرج حذيفة إلى الجمعة ففاتته فرأى الناس وهم راجعون فاستتر لئلا يسوء ظن الناس به وقد قدمنا هذه وقال أبو بكر الصديق لرجل قال له إني لمست امرأة وقبلتها فقال: تب إلى الله ولا تحدث أحدا بذلك وجاء رجل إلى النبي وقال: إني أتيت من أجنبية ما دون الزنا يا رسول الله قال: [ ألم تصل معنا؟ قال: بلى يا رسول الله قال: ألم تعلم أن الصلاتين تكفر ما بينهما؟ ] وقال رجل لبعض الصحابة: إني فعلت كذا وكذا من الذنوب فقال: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك فهؤلاء قد خالفوا الشريعة وأرادوا قطع ما جبلت عليه النفوس

من اندس في الصوفية من أهل الإباحة

عدل

وقد اندس في الصوفية أهل الإباحة فتشبهوا بهم حفظا لدمائهم وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول كفار فمنهم قوم لا يقرون بالله سبحانه وتعالى ومنهم من يقر به ولكن يجحد النبوة ويرى أن ما جاء به الأنبياء محال وهؤلاء لما أرادوا أمراح أنفسهم في شهواتها لم يجدوا شيئا يحقنون به دماءهم ويستترون به وينالون فيه أغراض النفوس كمذهب التصوف فدخلوا فيه ظاهرا وهم في الباطن كفرة وليس لهؤلاء إلا السيف لعنهم الله

والقسم الثاني: قوم يقرون بالإسلام إلا أنهم ينقسمون قسمين: القسم الأول يقلدون في أفعالهم لشيوخهم من غير اتباع دليل ولا شبهة فهم يفعلون ما يأمرونهم به وما رأوهم عليه

القسم الثالث: قوم عرضت لهم شبهات فعملوا بمقتضاها والأصل الذي نشأت منه شبهاتهم أنهم لما هموا بالنظر في مذاهب الناس لبس عليهم إبليس فأراهم أن الشبهة تعارض الحجج وأن التمييز يعسر وأن المقصود أجل من أن ينال بالعلم وإنما الظفر به رزق يساق إلى العبد لا بالطلب فسد عليهم باب النجاة الذي هو طلب العلم فصاروا يبغضون اسم العلم كما يبغض الرافضي اسم أبي بكر وعمر ويقولون العلم حجاب والعلماء محجوبون عن المقصود بالعلم فإن أنكر عليم عالم قالوا لأتباعهم هذا موافق لنا في الباطن وإنما يظهر ضد ما نحن فيه للعوام الضعاف العقول فإن جد في خلافهم قالوا: هذا أبله مقيد بقيود الشريعة محجوب عن المقصود ثم عملوا على شبهات وقعت لهم ولو فطنوا لعلموا أن عملهم بمقتضى شبهاتهم علم فقد بطل إنكارهم العلم وأنا أذكر شبهاتهم وأكشفها إن شاء الله تعالى وهي ست شبهات

الشبهة الأولى: أنهم قالوا إذا كانت الأمور مقدرة في القدم وأن أقواما خصوا بالسعادة وأقواما بالشقاوة والسعيد لا يشقى والشقي لا يسعد والأعمال لا تراد لذاتها بل لاجتلاب السعادة ودفع الشقاوة وقد سبقنا وجود الأعمال فلا وجه لاتعاب النفس في عمل ولا نكفها عن ملذوذ لأن المكتوب في القدر واقع لا محالة

والجواب عن هذه الشبهة أن يقال لهم هذا رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاؤوا به لأنه إذا قال في القرآن أن أقيموا الصلاة قال القائل لماذا إن كنت سعيدا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة وكذلك إذا قال ولا تقربوا الزنا يقول القائل لماذا أمنع نفسي ملذوذها والسعادة الشقاوة مقضيتان قد فرغ منهما وكان لفرعون أن يقول لموسى حين قال له: { هل لك إلى أن تزكى } مثل هذا الكلام ثم يترقى إلى الخالق فيقول ما فائدة إرسالك الرسل وسيجري ما قدرته؟ وما يفضي إلى رد الكتب وتجهيل الرسل محال باطل ولهذا كان رد الرسول على أصحابه حين قالوا: ألا نتكل؟ فقال: [ اعملوا فكل ميسر لما خلق ] واعلم أن للآدمي كسبا هو اختياره فعليه يقع الثواب والعقاب فإذا خالف تبين لنا أن الله تعالى قضى في السابق بأن يخالفه وإنما يعاقبه على خلافه لا على قضائه ولهذا يقتل القائل ولا يعتذر له بالقدر وإنما ردهم الرسول عن ملاحظة القدر إلى العمل لأن الأمر والنهي حال ظاهر والمقدر مكن ذلك أمر باطن وليس لنا أن نترك ما عرفناه من تكليف ما لا نعمله من المقضي وقول: [ فكل ميسر لما خلق له ] إشارة إلى أسباب القدر فإنه من قضي له بالعلم يسر له طلبه وحبه وفهمه ومن حكم له بالجهل نزع حب العلم من قلبه وكذلك من قضي له بولد يسر له النكاح ومن لم يقض له بولد لم ييسر له

الشبهة الثانية: أنهم قالوا إن الله تعالى مستغن عن أعمالنا غير متأثر بها معصية كانت أو طاعة فلا ينبغي أن نتعب أنفسنا في غير فائدة

وجواب هذه الشبهة أن تجيب أولا - الجواب الأول - ونقول هذا رد على الشرع فيما أمر به فكأنا قلنا للرسول وللمرسل لا فائدة فيما أمرتنا به ثم نتكلم عن الشبهة فنقول من يتوهم أن الله جل وعلا ينتفع بطاعة أو يتضرر بمعصية أو ينال بذلك غرضا فما عرف الله جل جلاله لأنه مقدس عن الأعراض والأغراض ومن انتفاع أو ضرر وإنما نفع الأعمال تعود على أنفسنا كما قال تعالى: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } وإنما يأمر الطبيب المريض بالحمية لمصلحة المريض لا لمصلحة الطبيب وكما أن للبدن مصالح من الأغذية ومضار فللنفس مصالح من العلم والجهل والاعتقاد والعمل فالشرع كالطبيب فهو أعرف بما يأمر به من المصالح هذا مذهب من علل وأكثر العلماء قالوا أفعاله لا تعلل وجواب آخر وهو أنه إذا كان غنيا عن أعمالنا كان غنيا عن معرفتنا له وقد أوجب علينا معرفته فكذلك أوجب طاعته فينبغي أن تنظر إلى أمره لا إلى الغرض بأمره

الشبهة الثالثة: قالوا قد ثبت سعة رحمة الله سبحانه وتعالى وهي لا تعجز عنا فلا وجه لحرمان نفوسنا مرادها

فالجواب كالجواب الأول: لأن هذا القول يتضمن إطراح ما جاء به الرسل من الوعيد وتهوين ما شددت في التحذير منه في ذلك وبالغت في ذكر عقابه ومما يكشف التلبيس في هذا أن الله تعالى كما وصف نفسه بالرحمة وصفها بشديد العقاب ونحن نرى الأولياء والأنبياء يبتلون بالأمراض والجوع ويأخذون بالزلل وكيف وقد خافه من قطع له بالنجاة فالخليل يقول يوم القيامة نفسي نفسي والكليم يقول نفسي نفسي وهذا عمر رضي الله عنه يقول: الويل لعمر إن لم يغفر له واعلم أن من رجا الرحمة تعرض لأسبابها فمن أسبابها التوبة من الزلل كما أن من رجا أن يحصد الزرع وقد قال الله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله } يعني أن الرجاء بهؤلاء يليق وأما المصرون على الذنوب وهم يرجون الرحمة فرجاؤهم بعيد وقد قال : [ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ] وقد قال معروف الكرخي: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق واعلم أنه ليس في الأفعال التي تصدر من الحق سبحانه وتعالى ما يوجب أن يؤمن عقابه إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته وكما لا يحسن اليأس لما يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع لما يبدو من أخذانه وانتقامه فإن من قطع أشرف عضو بربع دينار لا يؤمن أن يكون عقابه غدا هكذا

الشبهة الرابعة: إن قوما منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من أكدارها المردية فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء قالوا ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر فتركوا العمل

وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك وليس هذا مراد الشرع ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة وإنما خلقت الشهوات لفائدة إذ لولا شهوة الطعام هلك الإنسان ولولا شهوة النكاح انقطع النسل

ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه وكذلك حب المال مركوز في الطباع لأنه يوصل إلى الشهوات وإنما المراد من الرياضة كف النفس عما يؤذي من جميع ذلك وردها إلى الاعتدال فيه وقد مدح الله تعالى من نهى النفس عن الهوى وإنما تنتهي عما تطلبه ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهيها وقد قال الله تعالى: { والكاظمين الغيظ } وما قال والفاقدين الغيظ والكظم رد الغيظ يقال كظم البعير على جرته إذا ردها في حلقه فمدح من رد النفس عن العمل بمقتضى هيجان الغيظ فمن ادعى أن الرياضة تغير الطباع ادعى المحال وإنما المقصود بالرياضة كسر شره شهوة النفس والغضب لا إزالة أصلها والمرتاض كالطبيب العاقل عند حضور الطعام يتناول ما يصلحه ويكف عما يؤذيه وعادم الرياضة كالصبي الجاهل يأكل ما يشتهي ولا يبالي بما جنى

الشبهة الخامسة: إن قوما منهم داموا على الرياضة مدة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالي الآن ما عملنا وإنما الأوامر والنواهي رسوم للعوام ولو تجوهروا لسقطت عنهم قالوا وحاصل النبوة ترجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة وهؤلاء قد رأوا أن من أثر جوهرهم ارتفاع الحمية عنهم حتى إنهم قالوا أن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله مع النبي فلم يقشعر جلده فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه ولم يكمل بعد إذ لو كمل لماتت نفسه فسموا الغيرة نفسا وسموا ذهاب الحمية الذي هو وصف المخابيث كمال الإيمان

وقد ذكر ابن جرير في تاريخه إلى الريدونية كانوا يستحلون الحرمات فيدعو الرجل منهم الجماعة إلى بيته فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته

وكشف هذه الشبهة أنه ما دامت الأشباح قائمة فلا سبيل إلى ترك الرسوم الظاهرة من التعبد فإن هذه الرسوم وضعت لمصالح الناس وقد يغلب صفاء القلب على كدر الطبع إلا أن الكدر يرسب مع الدوام على الخير ويركد فأقل شيء يحركه كالمدرة تقع في الماء الذي تحته حمأة وما مثل هذا الطبع إلا كالماء يجري بسفينة النفس والعقل مداد ولو أن المداد مد عشرين فرسخا ثم أهمل عادت السفينة تنحدر ومن ادعى تغير طبعه كذب ومن قال إني لا أنظر إلى المستحسنات بشهوة لم يصدق كيف وهؤلاء لو فاتتهم لقمة أو شتمهم شاتم تغيروا فأين تأثير العقل والهوى يقودهم وقد رأينا أقواما منهم يصافحون النساء وقد كان رسول الله وهو المعصوم لا يصافح المرأة وبلغنا عن جماعة منهم أنهم يؤاخون النساء ويخلون بهن ثم يدعون السلامة وقد رأوا أنهم يسلمون من الفاحشة وهيهات فأين السلامة من إثم الخلوة المحرمة والنظر الممنوع منه وأين الخلاص من جولان الفكر الرديء وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو خلا عظمان نخران لهم أحدهما بالآخر يشير إلى الشيخ والعجوز وبإسناد عن ابن شاهين قال: ومن الصوفية قوما أباحوا الفروج بادعاء الأخوة فيقول أحدهم للمرأة تؤاخيني على ترك الاعتراض فيما بيننا قلت: وقد روى لنا أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في كتاب رياضة النفوس قال: روي لنا أن سهل بن علي المروزي كان يقول لامرأة أخيه وهي معه في الدار استتري مني زمانا ثم قال لها كوني كيف شئت قال الترمذي: كان ذلك منه حين وجد شهوته قلت أما موت الشهوة هذا لا يتصور مع حياة الآدمي وإنما يضعف والإنسان قد يضعف عن الجماع ولكنه يشتهي اللمس والنظر ثم يقدر أن جميع ذلك ارتفع عنه أليس نهى الشرع عن النظر والنظر باق وهو عام وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قيل لأبي نصر النصراباذي أن بعض الناس يجالس النسوان ويقول أنا معصوم في رؤيتهن فقال ما دامت الأشباح قائمة فإن الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب به ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات وقد قال أبو علي الروزباري وسئل عمن يقول وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال قد وصل ولكن إلى سقر وبإسناد عن الجريري يقول: سمعت أبا القسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله تعالى فقال الجنيد أن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهذه عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها لأنه أوكد معرفتي به وأقوى في حالي

وبإسناد عن أبي محمد المرتعش يقول سمعت أبا الحسين النوري يقول: من رأيته يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد علم شرعي فلا تقربنه ومن رأيته يدعي حالة باطنة لا يدل عليها ويشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه

الشبهة السادسة: أن أقواما بالغوا في الرياضة فرأوا ما يشبه نوع كرامات أو منامات صالحة أو فتح عليهم كلمات لطيفة أثمرها الفكر والخلوة فاعتقدوا أنهم قد وصلوا إلى المقصود وقد وصلنا فما يضرنا شيء ومن وصل إلى الكعبة انقطع عن السير فتركوا الأعمال إلا أنهم يزينون ظواهرهم بالمرقعة والسجادة والرقص والوجد ويتكلمون بعبارات الصوفية في المعرفة والوجد والشوق وجوابهم هو جواب الذين قبلهم

قال ابن عقيل: اعلم أن الناس شردوا على الله تعالى وبعدوا عن وضع الشرع إلى أوضاعهم المخترعة فمنهم من عبد سواه تعظيما له عن العبادة وجعلوا تلك وسائل على زعمهم ومنهم من وحد إلا أنه أسقط العبادات وقال هذه أشياء نصبت للعوام لعدم المعارف وهذا نوع شرك لأن الله تعالى لما عرف أن معرفته ذات قعر بعيد وجو عال وبعيد أن يتقي من لم يعرف خوف النار لأن الخلق قد عرفوا قدر لذعها وقال لأهل المعرفة: { ويحذركم الله نفسه } وعلم أن المتعبدات أكثرها تقتضي الإنس بالأمثال ووضع الجهات والأمكنة والأبنية والحجارة للانساك والاستقبال فأبان عن حقائق الإيمان به فقال: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله } وقال: { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } فعلم أن المعول على المقاصد ولا يكفي مجرد المعارف من غير امتثال كما تعول عليه الملحدة الباطنية وشطاح الصوفية

وبإسناد عن أبي القاسم بن علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال: أخبرني جماعة من أهل العلم أن بشراز رجل يعرف بابن خفيف البغدادي شيخ الصوفية هناك يجتمعون إليه ويتكلم على الخطرات والوساوس ويحضر حلقته ألوف من الناس وأنه فاره فهم حاذق فاستغوى الضعفاء من الناس إلى هذا المذهب قال: فمات رجل منهم من أصحابه وخلف زوجة صوفية فاجتمع النساء الصوفيات وهن خلق كثير ولم يختلط بمأتمهن غيرهن: فلما فرغوا من دفنه دخل ابن خفيف وخواص أصحابه وهم عدد كثير إلى الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام الصوفية إلى أن قالت: قد تعزيت فقال لها: ههنا غير فقالت: لا غير قال: فما معنى إلزام النفوس آفات الغموم وتعذيبها بعذاب الهموم ولأي معنى نترك الامتزاج لتلتقي الأنوار وتصفو الأرواح ويقع الاخلافات وتنز البركات قال: فقلن النساء إذا شئت قال فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم فلما كان سحر خرجوا قال المحسن: قوله ههنا غير أي ههنا غير موافق المذهب فقالت: لا غير أي ليس مخالف وقوله نترك الامتزاج كناية عن الممازجة في الوطء وقوله لتلتقي الأنوار عندهم أن في كل جسم نورا إلهيا وقوله اخلافات أي يكون لكن خلف ممن مات أو غاب من أزواجكن قال المحسن: وهذا عندي عظيم ولولا أن جماعة يخبروني يبعدون عن الكذب ما حكيته لعظمة عندي واستبعاد مثله أن يجري في دار الإسلام قال: وبلغني أن هذا ومثله شاع حتى بلغ عضد الدولة فقبض على جماعة منهم وضربهم بالسياط وشرد جموعهم فكفوا

ذم ابن عقيل للصوفية وحكايته أفعالهم: نقد مسالك الصوفية في تأويلاتهم

ولما قل علم الصوفية بالشرع فصدر منهم من الأفعال والأقوال ما لا يحل مثل ما قد ذكرنا ثم تشبه بهم من ليس منهم وتسمى باسمهم وصدر عنهم مثل ما قد حكينا وكان الصالح منهم نادرا ذمهم خلق من العلماء وعابوهم حتى عابهم مشائخهم

وبإسناد عن عبد الملك بن زياد النصيبي قال: كنا عند مالك فذكرت له صوفيين في بلادنا فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا قال ويحك ومسلمين هم قال فضحك حتى استلقى قال: فقال لي بعض جلسائه: يا هذا ما رأينا أعظم فتنة على هذا الشيخ منك ما رأينا ضاحكا قط

وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول: لو أن رجلا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق وعنه أيضا أنه قال: ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا وأنشد الشافعي

( ودعوا الذين إذا أتوك تنسكوا *** وإذا خلوا كانوا ذئاب حقاف )

وبإسناد عن حاتم قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: ما رأيت صوفيا فيه خير إلا واحدا عبد الله بن مرزوق قال: وأنا أرق لهم

وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت صوفيا عاقلا إلا إدريس الخولاني قال السلمي: هو مصري من قدماء مشايخهم قبل ذي النون

وبإسناد عن يونس بن عبد الأعلى: يقول صحبت الصوفية ثلاثين سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلم الخواص وبإسناد عن أحمد بن أبي الحواري يقول: حدثنا وكيع قال: سمعت سفيان يقول: سمعت عاصما يقول: ما زلنا نعرف الصوفية بالحماق إلا أنهم يستترون بالحديث وبإسناد عن سفيان عن عاصم يقول: قال لي وكيع: لم تركت حديث هشام؟ قال: صحبت قوما من الصوفية وكنت بهم معجبا فقالوا: إن لم تمح حديث هشام قاطعناك فأطعتم: قال إن فيهم حمقا

وبإسناد عن يحيى بن يحيى قال: الخوارج أحب إلي من الصوفية وبإسناد عن يحيى بن معاذ يقول: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين والفقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين وقد ذكرنا في أول ردنا على الصوفية من هذا الكتاب إن الفقهاء بمصر أنكروا على ذي النون ما كان يتكلم به وببسطام على أبي يزيد وأخرجوه وأخرجوا أبا سليمان الداراني

وهرب من أيديهم أحمد بن أبي الحواري وسهل التستري وذلك لأن السلف كانوا ينفرون من أدنى بدعة ويهجرون عليها تمسكا بالسنة ولقد حدثني أبو الفتح بن السامري قال: جلس الفقهاء في بعض الأربطة للعزاء بفقيه مات فأقبل الشيخ أبو الخطاب الكلوذاني الفقيه متوكئا على يدي حتى وقف بباب الرباط وقال: يعز علي لو رآني بعض أصحابنا ومشايخنا القدماء وأنا أدخل هذا الرباط قلت: على هذا كان أشياخنا

فأما في زماننا هذا فقد اصطلح الذئب والغنم قال ابن عقيل: نقلته من خطه وأنا أذم الصوفية لوجوه يوجب الشرع ذم فعلها منها أنهم اتخذوا مناخ البطالة وهي الأربطة فانقطعوا إليها عن الجماعات في المساجد فلا هي مساجد ولا بيوت ولا خانات وصمدوا فيها للبطالة عن أعمال المعاش وبدنوا أنفسهم بدن البهائم للأكل والشرب والرقص والغناء وعولوا على الترقيع المعتمد بن التحسين تلميعا والمشاوذ بألوان مخصوصة أوقع في نفوس العوام والنسوة من تلميع السقلاطون بألوان الحرير

واستمالوا النسوة والمردان بتصنع الصور واللباس فما دخلوا بيتا فيه نسوة فخرجوا إلا عن فساد قلوب النسوة على أزواجهن ثم يقبلون الطعام والنفقات من الظلمة والفجار وغاصبي الأموال كالعداد والأجناد وأرباب المكوس ويستصحبون المردان في السماعات يجلبونهم في الجموع مع ضوء الشموع ويخالطون النسوة الأجانب ينصبون لذلك حجة إلباسهن الخرقة ويستحلون بل يوجبون اقتسام ثياب من طرب فسقط ثوبه ويسمون الطرب وجدا والدعوة وقتا واقتسام ثياب الناس حكما ولا يخرجون عن بيت دعوا إليه إلا عن إلزام دعوة أخرى يقولون أنها وجبت واعتقاد ذلك كفر وفعله فسوق ويعتقدون أن الغناء بالقضبان قربة وقد سمعنا عنهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخذة مجاب اعتقادا منهم أنه قربة وهذا كفر أيضا لأن من اعتقد المكروه والحرام قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا والناس بين تحريمه وكراهيته ويسلمون أنفسهم إلى شيوخهم فإن عولوا إلى مرتبة شيخه قيل الشيخ لا يعترض عليه فحد من حل رسن ذلك الشيخ وانحطاطه في سلك الأقوال المتضمنة للكفر والضلال المسمى شطحا وفي الأفعال المعلومة كونها في الشريعة فسقا فإن قبل أمردا قيل رحمة وإن خلا بأجنبية قيل بنته وقد لبست الخرقة وإن قسم ثوبا على غير أربابه من غير رضا مالكه قيل حكم الخرقة

وليس لنا شيخ نسلم إليه حاله إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التكليف وأن المجانين والصبيان يضرب على أيديهم وكذلك البهائم والضرب بدل من الخطاب ولو كان لنا شيخ يسلم إليه حاله لكان ذلك الشيخ أبو بكر الصديق رضي الله عنه

وقد قال: إن اعوججت فقوموني ولم يقل فسلموا إلي ثم انظر إلى الرسول صلوات الله عليه كيف اعترضوا عليه فهذا عمر يقول: ما بالنا تقصر وقد أمنا وآخر يقول: تنهانا عن الوصال وتواصل؟ وآخر يقول: أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ! ثم إن الله تعالى تقول له الملائكة: { أتجعل فيها } ويقول موسى: { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } وإنما هذه الكلمة جعلها الصوفية ترفيها لقلوب المتقدمين وسلطنة سلكوها على الأتباع والمريدين كما قال تعالى: { فاستخف قومه فأطاعوه } ولعل هذه الكلمة من القائلين منهم بأن العبد إذا عرف لم يضره ما فعل وهذه نهاية الزندقة لأن الفقهاء أجمعوا على أنه لا حالة ينتهي إليها العارف إلا ويضيق عليه التكليف كأحوال الأنبياء يضايقون في الصغائر فالله الله في الإصغاء إلى هؤلاء الفرغ الخالين من الإثبات وإنما هم زنادقة جمعوا بين مدارع العمال مرقعات وصوف وبين أعمال الخلعاء الملحدة أكل وشرب ورقص وسماع وإهمال لأحكام الشرع ولم تتجاسر الزنادقة أن ترفض الشريعة حتى جاءت المتصوفة فجاؤوا بوضع أهل الخلاعة

فأول ما وضعوا أسماء وقالوا حقيقة وشريعة وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع وإن سمعوا أحدا يروي حديثا قالوا مساكين أخذوا علمهم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فمن قال حدثني أبي عن جدي قلت حدثني قلبي عن ربي فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار وأنفقت عليهم لأجلها الأموال

لأن الفقهاء كالأطباء في ثمن الدواء صعبة والنفقة على هؤلاء كالنفقة على المغنيات وبغضهم الفقراء أكبر الزندقة لأن الفقهاء يخطرونهم بفتاويهم عن ضلالهم وفسقهم والحق يثقل كما تثقل الزكاة وما أخف البذل على المغنيات وإعطاء الشعراء على المدائح وكذلك بغضهم لأصحاب الحديث وقد أبدلوا إزالة العقل بالخمر « بشيء سموه الحشيش والمعجون والغناء المحرم » سموه السماع والوجد والتعرض بالوجد المزيل للعقل حرام كفى الله الشريعة شر هذه الطائفة الجامعة بين دهمئة في اللبس وطيبة في العيش وخداع بألفاظ معسولة ليس تحتها سوى إهمال التكليف وهجران الشرع ولذلك خفوا على القلوب ولا دلالة على أنهم أرباب باطل أوضح من محبة طباع الدنيا لهم كمحبتهم أرباب اللهو والمغنيات

قال ابن عقيل فإن قال قائل هم أهل نظافة ومحاريب وحسن سمت وأخلاق قال فقلت لهم لو لم يضعوا طريقة يجتذبون بها قلوب أمثالكم لم يدم لهم عيش والذي وصفتهم به رهبانية النصرانية ولو رأيت نظافة أهل التطفيل على الموائد ومخانيث بغداد ودمائة المغنيات لعلمت أن طريقهم طريقة الفكاهة والخداع وهل يخدع الناس إلا بطريقة أو لسان فإذا لم يكن للقوم قدم في العلم ولا طريقة فبم ذا يجتذبون به قلوب أرباب الأموال

واعلم أن حمل التكليف صعب ولا أسهل على أهل الخلاعة من مفارقة الجماعة ولا أصعب عليهم من حجر ومنع صدر عن أوامر الشرع ونواهيه وما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين فهؤلاء يفسدون عقائد الناس بتوهيمات شبهات العقول وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان يحبون البطالات وسماع الأصوات وما كان السلف كذلك بل كانوا في باب العقائد عبيد تسليم وفي الباب الآخر أرباب جد قال: ونصيحتي إلى إخواني أن لا يقرع أفكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعاش أولى من بطالة الصوفية والوقوف على الظواهر أحسن من توغل المنتخلة وقد خبرت طريقة الفريقين فغاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح

قال ابن عقيل: والمتكلمون عندي خير من الصوفية لأن المتكلمين قد يزيلون الشك والصوفية يوهمون التشبيه فأكثر كلامهم يشير إلى إسقاط السفارة والنبوات فإذا قالوا عن أصحاب الحديث قالوا: أخذوا علمهم ميتا عن ميت فقد طعنوا في النبوات وعولوا على الواقع ومتى أزرى على طريق سقط الأخذ به ومن قال حدثني قلبي عن ربي فقد صرح أنه غني عن الرسول ومن مصرح بذلك فقد كفر فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع وما يؤمن هذا القائل: حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشياطين فقد قال الله تعالى: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم } وهذا هو الظاهر لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقي في قلبه الذي لم يثبت حراسته من الوساوس وهؤلاء يسمون ما يقربهم خاطرا قال والخوارج على الشريعة كثير إلا أن الله تعالى يؤيدها بالنقلة الحفاظ الذابين عن الشريعة حفظها لأصلها وبالفقهاء لمعانيها: وهم سلاطين العلماء لا يتركون لكذاب رأسا ترتفع

قال ابن عقيل: والناس يقولون إذا أحب الله خراب بيت تاجر عاشر الصوفية قال وأنا أقول وخراب دينه لأن الصوفية قد أجازوا لبس النساء الخرقة من الرجال الأجانب فإذا حضروا السماع والطرب فربما جرى في خلال ذلك مغازلات واستخلاء بعض الأشخاص ببعض فصارت الدعوة عرسا للشخصين فلا يخرج إلا وقد تعلق قلب شخص بشخص ومال طبع إلى طبع وتتغير المرأة على زوجها فإن طابت نفس الزوج سمى بالديوث وإن حبسها طلبت الفرقة إلى من تلبس منه المرقعة والاختلاط بمن لا يضيق الخنق ولا يحجر على الطباع ويقال: تبات فلانة وألبسها الشيخ الخرقة وقد صارت من بناته ولم يقنعوا هذا لعب وخطأ حتى قالوا هذا من مقامات الرجال وجرت على هذه السنون وبرد حكم الكتاب والسنة في القلوب هذا كله من كلام ابن عقيل رضي الله عنه فلقد كان ناقدا مجيدا متلمحا فقيها أنشدنا أبو علي عبيد الله الزغواني قال أنشدنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي وأبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قالا أنشدنا أبو بكر العتبري لنفسه في الصوفية:

( تأملت أختبر المدعين *** بين الموالي وبين العبيد

فألفيت أكثرهم كالسراب *** يروقك منظره من بعيد

فناديت يا قوم من تعبدون *** فكل أشار بقدر الوجود

فبعض أشار إلى نفسه *** وأقسم ما فوقها من مزيد

وبعض إلى خرقة رقعت *** وبعض إلى ركوة من جلود

وآخر يعبد أهواءه *** وما عابد للهوى بالرشيد

ومجتهد وقته ريه *** فإن فات بات بليل عنيد

وذو كلف باستماع السماع البسط وبين النشيد

يئن إذا أومضت رنة *** ويزرأ منها بثوب جديد

يخرق خلقانه عامدا *** ليعتاض منها بثوب جديد

ويرمي بهيكله في السعير *** لقلع الثريد وبلع العصيد

فيا للرجال ألا تعجبون *** لشيطان إخواننا ذا المزيد

يخبطهم بفنون الجنون *** وما للمجانين غير القيود

وأقسم ما عرفوا ذا الجلال *** وما عرفوه بغير الجحوذ

ولولا الوفاء لأهل الوفاء *** سلقتهم بلسان حديد

فمالي يطالبني بالوصال *** من ليس يعلم ما في الصدود

أضن بودي ويسخو به *** وقد كنت أسخو به للودود

ولكن إذا لم أجد صاحبا *** يسر صديقي ويشجو الحسود

عطفت بودي مني إليه *** فغاب نحوسي وآب السعود

فما بال قومي على جهلهم *** بعز الفريد وأنس الوحيد

إذا أبصروني بكوا رحمة *** ونيران أحقادهم في وقود

لأني بعدت عن المدعين *** ولو صدقوا كنت غير البعيد )

أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ نا أبا الحسين بن عبد الجبار الصيرفي نا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري قال أنشدنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر التجيبي قال أنشدنا الحسن بن علي بن سيار:

( رأيت قوما عليهم سمة *** الخير يحمل الركآء مبتهلة

اعتزلوا الناس في جوامعهم *** سألت عنهم فقيل متكلة

صوفية للقضاء صابرة *** ساكنة تحت حكمه بزله

فقلت إذ ذاك هؤلاء هم الناس ومن دون هؤلاء رزله

فلم أزل خادما لهم زمنا *** حتى تبينت أنهم سفله

إن أكلوا كان أكلهم سرفا *** أو لبسوا كان شهرة مثله

سل شيخهم والكبير محتبرا *** عن فرضه لا تخاله عقله

واسأله عن وصف شادن غنج مدلل لا تراه قد جهله

علمهم بينهم إذا جلسوا *** كعلم راعي الرعاع والرذلة

الوقت والحال والحقيقة والبرهان والعكس عندهم مثله

قد لبسوا الصوف كي يروا صلحا *** وهم أشرار الذباب والحفلة

وجانبوا الكسب والمعاش لكي *** يستأصلوا الناس شرها أكله

وليس من عفة ولا دعة *** لكن تعجيل راحة العلطة

فقل لمن مال باختداعهم *** إليهم تب فإنهم بطلة

واستغفر الله من كلامهم *** ولا تعاود لعشرة الجهلة )

قال الصوري وأنشدني بعض شيوخنا:

( أهل التصوف قد مضوا *** صار التصوف مخرقة

صار التصوف صيحة *** وتواجدا ومطبقة

كذبتك نفسك ليس ذا *** سنن الطريق الملحقة

حتى تكون بعين منمنه العيون المحدقة

تجري عليك صروفه *** وهموم سرك مطرقة )

أنشدنا محمد بن ناصر قال أنشدنا أبو زكريا التبريزي لأبي العلاء المعري:

( زعموا بأنهم صفوا لمليكهم *** كذبوك ما صافوا ولكن صافوا

شجر الخلاف قلوبهم ويح لها *** غرضي خلاف الحق لا الصفصاف )

أنشدنا ابن ناصر أبو بكر قال أنشدنا أبو اسحاق الشيرازي الفقيه لبعضهم:

( أرى جيل التصوف شر جيل *** فقل لهم وأهون بالحلول

أقال الله حين عشقتموه *** كلوا أكل البهائم وارقصوا لي )

تلبيس إبليس لابن الجوزي
خطبة الكتاب | حكمة بعثة الرسل | حقيقة الأديان | ذكر تراجم الأبواب | الباب الأول: الأمر بلزوم السنة والجماعة | الباب الثاني: في ذم البدع والمبتدعين | ذم البدع والمبتدعين | لزوم طريق أهل السنة | انقسام أهل البدع | الباب الثالث: في التحذير من فتن إبليس ومكايده | التحذير من فتن إبليس ومكايده | ذكر الإعلام بأن مع كل إنسان شيطانا | بيان أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم | ذكر التعوذ من الشيطان الرجيم | الباب الرابع: في معنى التلبيس والغرور | الباب الخامس: في ذكر تلبيسه في العقائد والديانات ذكر تلبيسه على السوفسطائية | ذكر تلبيس الشيطان على فرق الفلاسفة | ذكر تلبيسه على الدهرية | ذكر تلبيسه على الطبائعيين | ذكر تلبيسه على الثنوية | ذكر تلبيسه على الفلاسفة وتابعيهم | مذهب الفلاسفة | ذكر تلبيسه على أصحاب الهياكل | ذكر تلبيسه على عباد الأصنام | ذكر بداية تلبيسه على عباد الأصنام | ذكر تلبيسه على عابدي النار والشمس والقمر | ذكر تلبيسه على الجاهلية | ذكر تلبيس إبليس على جاحدي النبوات | الكلام على جاحدي النبوات | ذكر تلبيسه على اليهود | ذكر تلبيسه على النصارى | ومن تلبيس إبليس على اليهود والنصارى | ذكر تلبيسه على الصابئين | ذكر تلبيس إبليس على المجوس | ذكر تلبيس إبليس على المنجمين وأصحاب الفلك | ذكر تلبيس إبليس على جاحدي البعث | مبدأ عبادة الأصنام | ذكر تلبيسه على القائلين بالتناسخ | ذكر تلبيس إبليس على أمتنا في العقائد والديانات | تلبيس إبليس على أمتنا في العقائد | ذكر تلبيس إبليبس على الخوارج | رأي الخوارج | ذكر تلبيسه على الرافضة | ذكر تلبيس إبليس على الباطنية | نقد مذهب الباطنية | الباب السادس: في ذكر تلبيس إبليس على العلماء في فنون العلم | ذكر تلبيسه على القراء | ذكر تلبيس إبليس على أصحاب الحديث | ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء | ذكر تلبيسه عليهم بإدخالهم في الجدل كلام الفلاسفة واعتمادهم على تلك الأوضاع | ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص | ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب | ذكر تلبيس إبليس على الشعراء | ذكر تلبيس إبليس على الكاملين من العلماء | نقد مسالك الكاملين من العلماء | الباب السابع: في تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين | الباب الثامن: ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات | ذكر تلبيسه عليهم في الاستطابة والحدث | ذكر تلبيسه عليهم في الوضوء | ذكر تلبيسه عليهم في الأذان | ذكر تلبيسه عليهم في الصلاة | ترك السنن | الإكثار من صلاة الليل | تلبيسه عليهم في القرآن | ذكر تلبيسه عليهم في قراءة القرآن | ذكر تلبيسه عليهم في الصوم | ذكر تلبيسه عليهم في الحج | تلبيسه عليهم في التوكل | ذكر تلبيس إبليس على الغزاة | ذكر تلبيسه على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر | الباب التاسع: في ذكر تلبيس إبليس على الزهاد والعباد | تلبيسه على الزهاد | تلبيسه على العباد | نقد مسالك الزهاد | احتقار العلماء وذمهم | تفسح العلماء في بعض المباحات | الباب العاشر: في ذكر تلبيسه على الصوفية: من جملة الزهاد | نقد مسالك الصوفية | أوائل الصوفية يقرون بأن التعويل على الكتاب والسنة | سياق ما يروى عن الجماعة منهم من سوء الاعتقاد: ذكر تلبيس إبليس في السماع وغيره | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الطهارة | ذكر تلبيس إبليس عليهم في الصلاة | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في المساكن | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها | نقد مسالك الصوفية في تجردهم | الصبر على الفقر والمرض | زهد الصوفية في المال | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم | الزهد في اللباس | لبس الفوط المرقعات | كثرة ترقيع المرقعة | النهي عن لباس الشهرة وكراهته | لبس الصوف | اللباس الذي يظهر الزهد | تجريد اللباس | المبالغة في تقصير الثياب | من الصوفية من يجعل على رأسه خرقة مكان العمامة | تخصيص ثياب للصلاة وثياب للخلاء | الثوب الواحد | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في مطاعمهم ومشاربهم | ذكر طرف مما فعله قدماؤهم | الامتناع عن أكل اللحم | فصل: في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطأ فيها | الصوفية والجوع | ماء الشرب | ذكر أحاديث تبين خطأهم في أفعالهم | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في السماع والرقص والوجد | رأي الصوفية في الغناء | مذهب الإمام أحمد | مذهب الإمام مالك | مذهب أبي حنيفة | مذهب الشافعي | فصل في ذكر الأدلة على كراهية الغناء والنوح والمنع منهما | في ذكر الشبه التي تعلق بها من أجاز سماع الغناء | نقد مسالك الصوفية في السماع | حكم الغناء عند الصوفية | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الوجد | نقد مسالك الصوفية في الوجد | دفع الوجد | إذا طرب أهل التصوف صفقوا | إذا قوي طربهم رقصوا | حالات الطرب الشديدة لدى الصوفية | نقد مسالك الصوفية في تقطيع الثياب خرقا | ذكر تلبيس إبليس على كثير من الصوفية في صحبة الأحداث | مجاهدة النفس | التوبة وإطالة البكاء | المرض من شدة المحبة | قتل النفس خوف الوقوع في الفاحشة | مقاربة الفتنة والوقوع فيها | فائدة العلم | الإعراض عن المرد | صحبة الأحداث | عقوبة النظر إلى المردان | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وقطع الأسباب وترك الاحتراز في الأموال | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التداوي | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة | النهي عن الانفراد | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في التخشع ومطأطأة الرأس وإقامة الناموس | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك النكاح | نقد مسالك الصوفية في تركهم النكاح | محاذير ترك النكاح | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك طلب الأولاد | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الأسفار والسياحة | نقد مسالك الصوفية في السياحة | المشي في الليل | ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد | سياق ما جرى للصوفية في أسفارهم وسياحاتهم من الأفعال المخالفة للشرع | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا قدموا من السفر | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية إذا مات لهم ميت | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في ترك التشاغل بالعلم | مسالك الصوفية في تركهم الاشتغال بالعلم | ذكر تلبيس إبليس على جماعة من القوم في دفنهم كتب العلم وإلقائها في الماء | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في إنكارهم من تشاغل بالعلم | ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في كلامهم في العلم | ذكره نبذة من كلامهم في القرآن | ذكر تلبيس إبليس في الشطح والدعاوى | بيان جملة مروية على الصوفية من الأفعال المنكرة | رأي بعض الصوفية في الملانفية | من اندس في الصوفية من أهل الإباحة | الباب الحادي عشر في ذكر تلبيس إبليس على المتدينين بما يشبه الكرامات | الباب الثاني عشر: تلبيسه عليهم في التفكير في ذات الله تعالى من حيث هي | مخالفتهم العلماء وتقديمهم المتزهدين على العلماء | تلبيسه عليهم في قدحهم العلماء | تعظيم المتزهدين | إطلاق النفس في المعاصي | الغرور بالنسب | اعتمادهم على خلة خير ولا يبالي بما فعل بعدها | تلبيسه على العيارين في أخذ أموال الناس | الاعتماد على النافلة وإضاعة الفريضة | حضور مجالس الذكر | أصحاب الأموال | تلبيسه على الفقراء | تلبيس إبليس على جمهور العوام | تلبيس إبليس على النساء | الباب الثالث عشر في ذكر تلبيس إبليس على جميع الناس بطول الأمل