البداية والنهاية/الجزء الرابع عشر/ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة



ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة


استهلت هذه السنة وسلطان المسلمين بالديار المصرية والشامية والحرمين والبلاد الحلبية وأعمال ذلك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور، وقضاته بالديار المصرية والشامية هم المذكورون أيضا.

وفي يوم الجمعة سادس عشر محرم كملت عمارة الجامع الذي بالمزة الفوقانية الذي جدده وأنشأه الأمير بهاء الدين المرجاني، الذي بنى والده مسجد الخيف بمنى وهو جامع حسن متسع فيه روح وانشراح، تقبل الله من بانيه، وعقدت فيه الجمعة بجمع كثير وجم غفير من أهل المزة، ومن حضر من أهل البلد، وكنت أنا الخطيب - يعني الشيخ عماد الدين المصنف تغمده الله برحمته - ولله الحمد والمنة.

ووقع كلام وبحث في اشتراط المحلل في المسابقة، وكان سببه أن الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صنف فيه مصنفا من قبل ذلك، ونصر فيه ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك.

ثم صار يفتى به جماعة من الترك ولا يعزوه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فاعتقد من اعتقد أنه قوله وهو مخالف للأئمة الأربعة، فحصل عليه إنكار في ذلك، وطلبه القاضي الشافعي، وحصل كلام في ذلك، وانفصل الحال على أن أظهر الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية الموافقة للجمهور.

وفاة الملك الصالح إسماعيل

في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر من هذه السنة أظهر موت السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الناصر بن المنصور آخر النهار، وكان قد عهد بالأمر إلى أخيه لأبويه الملك الكامل سيف الدين أبي الفتوح شعبان، فجلس على سرير المملكة يوم الخميس رابعه، وكان يوما مشهودا، ثم قدم الخبر إلى دمشق عشية الخميس ليلة الجمعة الثاني عشر منه.

وكان البريد قد انقطع عن الشام نحو عشرين يوما للشغل بمرض السلطان، فقدم الأمير سيف الدين معزا للبيعة للملك الكامل، فركب عليه الجيش لتلقيه، فلما كان صبيحة الجمعة أخذت البيعة من النائب والمقدمين وبقية الأمراء والجند للسلطان الملك الكامل بدار السعادة، ودقت البشائر وزين البلد وخطب الخطباء يومئذ للملك الكامل، جعله الله وجها مباركا على المسلمين.

وفي صبيحة يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الآخر درّس القاضي جمال الدين حسين ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي بالمدرسة الشامية البرانية، نزل له أبوه عنها، واستخرج له مرسوما سلطانيا بذلك، فحضر عنده القضاة والأعيان وجماعة من الأمراء والفقهاء، وجلس بين أبيه والقاضي الحنفي، وأخذ في الدرس في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْما وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} الآيات [النمل: 15] .

وتكلم الشريف مجد الدين المتكلم في الدرس بكلام فيه نكارة وبشاعة، فشنع عليه الحاضرون، فاستنيب بعد انقضاء الدرس وحكم بإسلامه، وقد طلب إلى الديار المصرية نائب دمشق الأمير سيف الدين تغردمر وهو متمرض، انقطع عن الجمعة بسبب المرض مرات، والبريد يذهب إلى حلب لمجيء نائبها الأمير سيف الدين يلبغا لنيابة دمشق، وذكر أن الحاج أرقطيه تعين لنيابة حلب.

وفي يوم الجمعة رابع جمادى الأولى خرجت أثقال الأمير سيف الدين تغردمر النائب وخيوله وهجنه ومواليه وحواصله وطبلخاناته وأولاده في تجمل عظيم، وأبهة هائلة جدا، وخرجت المحافل والكحارات والمحفات لنسائه وبناته وأهله في هيبة عجيبة، هذا كله وهو بدار السعادة.

فلما كان من وقت السحر في يوم السبت خامسه خرج الأمير سيف الدين تغردمر بنفسه إلى الكسوة في محفة لمرضه مصحوبا بالسلامة، فلما طلعت الشمس من يومئذ قدم من حلب أستاذ دار الأمير سيف الدين يلبغا البحتاوي فتسلم دار السعادة، وفرح الناس بهم، وذهب الناس للتهنئة والتودد إليهم.

ولما كان يوم السبت الثاني عشر من جمادى الأولى خرج الجيش بكماله لتلقي نائب السلطنة الأمير سيف الدين يلبغا فدخل في تجمل عظيم، ثم جاء فنزل عند باب السر، وقبل العتبه على العادة ثم مشى إلى دار السعادة.

وفي عشية يوم الاثنين رابع عشرة قطع نائب السلطنة ممن وجب قطعه في الحبس ثلاثة عشر رجلا وأضاف إلى قطع اليد قطع الرجل من كل منهم، لما بلغه أنه تكرر من جناياتهم، وصلب ثلاثة بالمسامير ممن وجب قتله، ففرح الناس بذلك لقمعه المفسدين وأهل الشرور، والعيث والفساد.

واشتهر في العشر الأوسط من جمادى الآخرة وفاة الأمير سيف الدين تغردمر بعد وصلوه إلى الديار المصرية بأيام، وكان ذلك ليلة الخميس مستهل هذا الشهر، وذكر أنه رسم على ولده وأستاذ داره، وطلب منهم مال جزيل، فالله أعلم.

وفي يوم الاثنين ثاني عشره توفي القاضي علاء الدين بن العز الحنفي نائب الحكم ببستانه بالصالحية ودفن بها، وذلك بعد عود المدرسة الظاهرية إليه، وأخذه إياها من عمه القاضي عماد الدين إسماعيل، كما قدمنا، ولم يدرس فيها إلا يوما واحدا، وهو متمرض، ثم عاد إلى الصالحية فتمادى به مرضه إلى أن مات رحمه الله.

وخرج الركب إلى الحجاز الشريف يوم السبت حادي عشر شوال، وخرج ناس كثير من البلد، ووقع مطر عظيم جدا، ففرح الناس به من جهة أن المطر كان قليلا جدا في شهر رمضان، وهو كانون الأصم، فلما وقع هذا استبشروا به وخافوا على الحجاج ضرره، ثم تداول المطر وتتابع ولله الحمد والمنة، لكن ترحل الحجاج في أوحال كثيرة وزلق كثير، والله المسلم والمعين والحامي.

ولما استقل الحجيج ذاهبين وقع عليهم مطر شديد بين الصمين فعوقهم أياما بها، ثم تحاملوا إلى زرع فلم يصلوها إلا بعد جهد جهيد وأمر شديد، ورجع كثير منهم وأكثرهم، وذكروا أشياء عظيمة حصلت لهم من الشدة وقوة الأمطار وكثرة الأوحال، ومنهم من كان تقدم إلى أرض بصرى، فحصل لهم رفق بذلك والله المستعان.

وقيل إن نساء كثيرة من المخدرات مشين حفاة فيما بين زرع والصميين وبعد ذلك، وكان أمير الحاج سيف الدين ملك آص وقاضيه شهاب الدين بن الشجرة الحاكم بمدينة بعلبك يومئذ والله المستعان، انتهى.

البداية والنهاية - الجزء الرابع عشر
698 | 699 | 700 | 701 | 702 | 703 | 704 | 705 | 706 | 707 | 708 | 709 | 710 | 711 | 712 | 713 | 714 | 715 | 716 | 717 | 718 | 719 | 720 | 721 | 722 | 723 | 724 | 725 | 726 | 727 | 728 | 729 | 730 | 731 | 732 | 733 | 734 | 735 | 736 | 737 | 738 | 739 | 740 | 741 | 742 | 743 | 744 | 745 | 746 | 747 | 748 | 749 | 750 | 751 | 752 | 753 | 754 | 755 | 756 | 757 | 758 | 759 | 760 | 761 | 762 | 763 | 764 | 765 | 766 | 767