الروح/المسألة الحادية والعشرون/فصل الفرق بين العفو والذل

ملاحظات: فصل الفرق بين العفو والذل


والفرق بين العفو والذل: أن العفو إسقاط حقك وجودا وكرما وإحسانا مع قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس، فهذا مذموم غير محمود ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَاۤ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡیُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ۝٣٩ [الشورى:39].
فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك حتى إذا قدروا على من بغي عليهم وتمكنوا من استيفاء ما لهم عليه نذبهم إلى الخلق الشريف من العفو والصفح فقال ﴿وَجَزَ ٰۤؤُاْ سَيِّئَةࣲ سَيِّئَةࣱ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ۝٤٠ [الشورى:40]. فذكر المقامات الثلاثة العدل وأباحه والفضل ونذب إليه، والظلم وحرمه.
فإن قيل، فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان.
قيل: لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام وإنما مدحهم على الانتصار وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فلما قدروا ندبهم إلى العفو. قال بعض السلف في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا، فمدحهم على عفو بعد قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة، وهذا هو الكمال الذي مدح سبحانه به نفسه في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:99] ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:74].
و في أثر معروف: حملة العرش أربعة اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. ولهذا قال المسيح صلوات اللّه وسلامه عليه: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ۝١١٨ [المائدة:118]، أي إن غفرت لهم غفرت عن عزة وهي كمال القدرة وحكمة وهي كمال العلم فغفرت بعد أن علمت ما عملوا وأحاطت بهم قدرتك إذ المخلوق قد يغفر بعجزه عن الانتقام وجهله بحقيقة ما صدر من المسي ء والعفو عن المخلوق ظاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة. وانتقام ظاهره عز وباطنه ذل فما زاد اللّه بعفو الأعز ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذلك ولو لم يكن إلا بفوات عز العفو.
و لهذا ما انتقم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لنفسه قط، وتأمل قوله سبحانه: هُمْ يَنْتَصِرُونَ كيف يفهم منه أن فيهم من القوة ما يكونون هم بها المنتصرين لأنفسهم لا أن غيرهم هو الذي ينصرهم.
و لما كان الانتصار لا تقف النفوس فيه على حد العدل غالبا بل لا بدّ من المجاوزة شرع فيه سبحانه المماثلة والمساواة وحرم الزيادة وندب إلى العفو.
و المقصود أن العفو من أخلاق النفس المطمئنة والذل من أخلاق الأمارة و نكتة المسألة أن الانتقام شي ء والانتصار شي ء، فالانتصار أن ينتصر لحق اللّه ومن أجله ولا يقوى على ذلك إلا من تخلص من ذل حظه ورق هواها فإنه حينئذ ينال خطأ من العز الذي قسم اللّه المؤمنين فإذا بغى عليه انتصر من الباغي من أجل عز اللّه الذي أعزه به غيره على ذلك العز أن يستضام ويقهر وحمية للعبد المنسوب إلى العزيز الحميد أن يستذل، فهو يقول للباغي عليه أنا مملوك من لا يذل مملوكه ولا يجب أن يذله أحد، وإذا كانت نفسه الأمّارة قائمة على أصولها لم تحب بعد طلبه إلا الانتقام والانتصار لحظها وظفرها بالباغي تشفيا فيه وإذلالا له.
و أما النفس التي خرجت من ذل حظها ورق هواها إلى عز توحيدها وإنابتها إلى ربها فإذا نالها البغي قامت بالانتصار حمية ونصرة للعز الذي أعزها اللّه به ونالته منه وهو في الحقيقة حمية لربها ومولاها. وقد ضرب لذلك مثلا بعبدين من عبيد الغلة حراثين ضرب.
أحدهما: صاحبه فعفا المضروب عن الضارب نصحا منه لسيده وشفقة على الضارب أن يعاقبه السيد فلم يجشم سيده خلعه عقوبته وإفساده بالضرب فشكر العافي على عفوه ووقع منه بموقع، وعبد آخر قد أقامه بين يديه وجمله وألبسه ثيابا يقف بها بين يديه فعمد بعض سواس الدواب وأضرابهم ولطخ تلك الثياب بالعذرة أو مزقها فلو عفا عمن فعل به ذلك لم يوافق عفوه رأي سيد ولا محبته وكان الانتصار أحب إليه وأوفق كأنه يقول: إنما فعل هذا بك جرأة علي واستخفافا بسلطاني فإذا مكنه من عقوبته فأذله وقهره ولم يبق إلى أن يبطش به فذل وانكسر قلبه فإن سيده يحب منه أن لا يعاقبه لحظة وأن يأخذ منه حق السيد فيكون انتصاره حينئذ لمحض حق سيده لا لنفسه.
كما روي عن علي رضي اللّه عنه أنه مر برجل فاستغاث به وقال: هذا منعني حقي ولم يعطني إياه، فقال: أعطه حقه، فلما جاوزهما لج الظالم ولطم صاحب الحق فاستغاث بعلي فرجع وقال: أ تلك الغوث، فقال له استقدمه فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين فضربه على تسع درر وقال قد عفا عنك من لطمته.
و هذا حق السلطان فعاقبة علي لما اجترأ على سلطان اللّه ولم يدعه ويشبه هذا قصة الرجل الذي جاء إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقال احملني فو اللّه لأنا افرس منك ومن ابنك المغيرة بن شعبة فحسر عن ذراعه وصك بها أنف الرجل فسال الدم فجاء قومه إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقالوا: أقدنا من المغيرة، فقال: أنا أقيدكم من وزعة اللّه؟ لا أقيدكم منه فرأى أبو بكر أن ذلك انتصارا من المغيرة وحمية للّه وللعز الذي أعز به خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليتمكن بذلك العز من حسن خلافته وإقامة دينه، فترك قوده لاجترائه على عز اللّه وسلطانه الذي أعز به رسوله ودينه وخليفته فهذا لون والضرب حمية للنفس الأمّارة لون.


هامش


المسألة العشرون
هل النفس واحدة أم ثلاث | فصل الطمأنينة | فصل | فصل | فصل | فصل النفس اللوامة | فصل النفس الأمّارة | فصل | فصل | فصل | فصل | فصل الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق | فصل شرف النفس | فصل الفرق بين الحمية والجفاء | فصل الفرق بين التواضع والمهانة | فصل | فصل الفرق بين الجواد والمسرف | فصل الفرق بين المهابة والكبر | فصل الفرق بين الصيانة والتبكر | فصل الفرق بين الشجاعة والجرأة | فصل الفرق بين الحزم والجبن | فصل الفرق بين الاقتصاد والشح | فصل الفرق بين الاحتراز وسوء الظن | فصل الفرق بين الفراسة والظن | فصل الفرق بين النصيحة والغيبة | فصل الفرق بين الهدية والرشوة | فصل الفرق بين الصبر والقسوة | فصل الفرق بين العفو والذل | فصل الفرق بين سلامة القلب والبله والغفل | فصل الفرق بين الثقة والغرّة | فصل الفرق بين الرجاء والتمني | فصل الفرق بين التحدث بنعم اللّه والفخر بها | فصل الفرق بين فرح القلب وفرح النفس | فصل فرحة المؤمن عند مفارقته الدنيا إلى اللّه | فصل الفرق بين رقة القلب والجزع | فصل الفرق بين الموجدة والحقد | فصل الفرق بين المنافسة والحسد | فصل الفرق بين حب الرئاسة وحب الإمارة | فصل الفرق بين الحب في اللّه والحب مع اللّه | فصل الفرق بين التوكل والعجز | فصل الفرق بين الاحتياط والوسوسة | فصل الفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان | فصل الفرق بين الاقتصاد والتقصير | فصل الفرق بين النصيحة والتأنيب | فصل الفرق بين المبادرة والعجلة | فصل الفرق بين الأخبار بالحال وبين الشكوى | فصل الفروق الطول | فصل الفروق بين الأمور | فصل الفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المعطلة | فصل الفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل | فصل الفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب | فصل الفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى اللّه عليه وآله وسلم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها | فصل الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان | فصل الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني | فصل الفرق بين الحكم المنزل والحكم المؤول


الروح
المقدمة | المسألة الأولى | المسألة الثانية | المسألة الثالثة | المسألة الرابعة | المسألة الخامسة | المسألة السادسة | المسألة السابعة | المسألة الثامنة | المسألة التاسعة | المسألة العاشرة | المسألة الحادية عشرة | المسألة الثانية عشرة | المسألة الثالثة عشرة | المسألة الرابعة عشرة | المسألة الخامسة عشرة | المسألة السادسة عشرة | المسألة السابعة عشرة | المسألة الثامنة عشرة | المسألة التاسعة عشرة | المسألة العشرون | المسألة الحادية والعشرون