افتح القائمة الرئيسية

مجموع الفتاوى/المجلد السادس/المقدمة الثانية لا بد من اعتبار أمرين

المقدمة الثانية لا بد من اعتبار أمرينعدل

وأما المقدمة الثانية فنقول: لابد من اعتبار أمرين:

أحدهما: أن يكون الكمال ممكن الوجود.

والثانى: أن يكون سليمًا عن النقص، فإن النقص ممتنع على الله، لكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصًا، فهذا يقال له: إنما الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميت أنت هذا نقصًا وقدر أن انتفاءه يمتنع، لم يكن نقصه من الكمال الممكن، ولم يكن هذا عند من سماه نقصًا من النقص الممكن انتفاؤه.

فإذا قيل: خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له، قيل: وجود المخلوقات كلها أو واحد منها يستلزم الحوادث كلها، أو واحد منها في الأزل ممتنع. ووجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد ممتنع، سواء قدر ذلك الآن ماضيًا أو مستقبلا، فضلا عن أن يكون أزليًا، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده في آن واحد، فضلا عن أن يكون أزليًا، فليس هذا ممكن الوجود فضلا عن أن يكون كمالا، لكن فعل الحوادث شيئًا بعد شيء أكمل من التعطيل عن فعلها، بحيث لا يحدث شيئًا بعد أن لم يكن، فإن الفاعل القادر على الفعل أكمل من الفاعل العاجز عن الفعل.

فإذا قيل: لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته، كان هذا نقصًا بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئًا بعد شيء، وكذلك إذا قيل: جعل الشيء الواحد متحركا ساكنًا موجودًا معدومًا صفة كمال، قيل: هذا ممتنع لذاته.

وكذلك إذا قيل: إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال. قيل: هذا ممتنع لنفسه، فإن كونه مبدعًا يقتضى ألاَّ يكون واجبًا بنفسه، بل واجبًا بغيره، فإذا قيل: هو واجب موجود بنفسه، وهو لم يوجد إلا بغيره، كان هذا جمعًا بين النقيضين.

وكذلك إذا قيل: الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه، إذا كان اتصافه بها صفة كمال، فقد فاتته في الأزل، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص. قيل: الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزليًا.

وأيضا، فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال، بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها.

وأيضا، فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئًا بعد شيء.

فقول القائل: فيما حقه أن يوجد شيئًا بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل، جمع بين النقيضين. وأمثال هذا كثير؛ فلهذا قلنا: الكمال الممكن الوجود، فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له، فضلا عن أن يقال: هو موجود. أو يقال: هو كمال للموجود.

وأما الشرط الآخر، وهو قولنا: الكمال الذي لا يتضمن نقصًا على التعبير بالعبارة السديدة أو الكمال الذي لا يتضمن نقصًا يمكن انتفاؤه على عبارة من يجعل ما ليس بنقص نقصًا. فاحترز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصًا كالأكل والشرب مثلا. فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان، أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب؛ لأن قوامه بالأكل والشرب.

فإذا قدر غير قابل له، كان ناقصًا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره. وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه، كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج في كماله إلى غيره، فإن الغني عن شيء أعلى من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره.

ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق، وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزمًا لإمكان العدم عليه المنافى لوجوبه وقيوميته، أو مستلزمًا للحدوث المنافى لقدمه، أو مستلزمًا لفقره المنافى لغناه.

هامش



مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس
فصل: تقرب العبد إلى الله | وقال الشيخ رحمه الله تعالى | فصل: ما قاله الشيخ في إثبات القرب وأنواعه | فصل: هل يتحرك القلب والروح إلى محبوبها | سئل عمن يقول إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم | فصل قول القائل: كلما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابها | فصل في جمل مقالات الطوائف في الصفات | فصل الأشياء العينية والعلمية واللفظية والرسمية | فصل طريقة اتباع الأنبياء هي الموصلة إلى الحق | سئل عن تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال | المقدمة الأولى أن الكمال ثابت لله | المقدمة الثانية لا بد من اعتبار أمرين | فصل ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول | فصل قول الملاحدة أن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره | فصل: قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها | فصل: قول القائل الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب | فصل: قول القائل لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث | فصل: نفي النافي للصفات الخبرية المعينة | فصل: قول القائل المناسبة لفظ مجمل فقد يراد بها التولد والقرابة | فصل قول القائل الرحمة ضعف وخور في الطبيعة | فصل: قول القائل الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام | فصل: قول القائل إن الضحك خفة روح | فصل قول القائل التعجب استعظام للمتعجب منه | فصل قول القائل لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا | فصل: قول منكري النبوات ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا | فصل قول المشركين إن عظمته تقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة | فصل: قول القائل لو قيل لهم أيما أكمل | فصل: قول القائل الكمال والنقص من الأمور النسبية | فصل قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى | فصل القاعدة العظيمة في مسائل الصفات والأفعال | رد الإمام أحمد على ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى | فصل قال القاضي: قال أحمد في رواية حنبل لم يزل الله متكلما عالما غفورا | فصل: ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلمًا بالقرآن قبل أن يخلق الخلق | فصل مما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الله ينزل إلى سماء الدنيا | فصل ومما يجب التصديق به مجيئه إلى الحشر يوم القيامة | القول في القرآن | قاعدة في الاسم والمسمى | فصل الذين قالوا إن الاسم غير المسمى | سئل عمن زعم أن الإمام أحمد كان من أعظم النفاة للصفات | فصل في الصفات الاختيارية | فصل في الإرادة والمحبة والرضا | فصل في السمع والبصر والنظر | فصل في دلالة الأحاديث على الأفعال الاختيارية | فصل المنازعون النفاة منهم من ينفي الصفات مطلقا | فصل: رد فحول النظار حجج النفاة لحلول الحوادث | فصل في اتصافه تعالى بالصفات الفعلية | فصل فيما ذكره الرازي في مسألة الصفات الاختيارية | فصل: الرد على الرازي في قصة الخليل إبراهيم وقوله لا أحب الآفلين | قاعدة أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة إنما تدل على الحق | فصل: مسلك طائفة من أئمة النظار الجمع بين أدلة الأشاعرة والفلاسفة | فصل: الحجة الثانية لمن قال بقدم الكلام | فصل: فيما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في مسألة حدوث العالم | فصل في دلالة ما احتجوا به على خلاف قولهم | سئل عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات | الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز والصفات | فصل المعترض في الأسماء الحسنى | سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض | حديث: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة | فصل هل ترى المؤمنات الله في الآخرة | سئل عن لقاء الله سبحانه هل هو رؤيته أو رؤية ثوابه | فصل: قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه | فصل قول السائل إذا كان حب اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة للنعيم | رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم | قوله في حديث: نور أنى أراه | فصل الذي ثبت: رأى محمد ربه بفؤاده | سئل عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا | سئل عن حديث إن الله ينادي بصوت | فصل قول القائل لا يثبت لله صفة بحديث واحد | الرسالة العرشية | سئل هل العرش والكرسي موجودان أم مجاز | سئل عن رجلين تنازعا في كيفية السماء والأرض | سئل عن خلق السموات والأرض وتركيب النيرين والكواكب | سئل هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار | سئل عن اختلاف الليل والنهار