افتح القائمة الرئيسية

مجموع الفتاوى/المجلد الأول/فصل: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله

فصل: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم للهعدل

والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: (ارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله) أي: لا تفعل شيئا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا من ذمهم، بل ارج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتى وما تذر، بل افعل ما أمرت به وإن كرهوه. وفي الحديث: (إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله، أو تَذُمَّهُمْ على ما لم يؤتك الله) فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا، لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله؛ لما يرجوه منهم. وإما ضعيف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك، ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم؛ وذلك من ضعف اليقين.

وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر، كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، لكن من حمده الله ورسوله فهو المحمود، ومن ذمَّه الله ورسوله فهو المذموم.

ولما قال بعض وفد بني تَمِيم: يا محمد، أعطني، فإن حَمْدِى زَيْنُ وإن ذَمِّى شَيْنٌ. قال رسول الله ﷺ: (ذاك الله عز وجل)

وكتبت عائشة إلى معاوية، وروى أنها رفعته إلى النبي ﷺ: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئا) هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاما) هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه في الدين، والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [1]. فالله يكفيه مُؤْنَةَ الناس بلا رَيْب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه، إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا، كالظالم الذي يعض على يده يقول: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [2]، وأما كون حامده ينقلب ذاما، فهذا يقع كثيرا، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم.

فالتوحيد ضد الشرك، فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق الله، فعبده لا يشرك به شيئا كان موحدا. ومن توحيد الله وعبادته: التوكل عليه والرجاء له، والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك. وإعطاء الناس حقوقهم، وترك العدوان عليهم، يخلص به العبد من ظلمهم، ومن الشرك بهم. وبطاعة ربه واجتناب معصيته، يخلص العبد من ظلم نفسه، وقد قال تعالى في الحديث القدسى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين). فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد، وكما في الحديث الذي رواه الطبراني في الدعاء: (يا عبادي، إنما هى أربع، واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فالتي لي: تعبدني لا تشرك بي شيئا. والتي لك: عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه. والتي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلىّ الإجابة. والتي بينك وبين خلقي: فأت إليهم ما تحب أن يأتوه إليك). والله يحب النصفين، ويحب أن يعبدوه.

وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه، وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إنما يحبه لكونه طريقا إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج أولا، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة. فهو يطلب ما يحتاج إليه أولا ليتوسل به إلى محبوب الرب، الذي فيه سعادته. وكذلك قوله: (عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه)، فإنه يحب الثواب الذي هو جزاء العمل، فالعبد إنما يعمل لنفسه، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [3]، ثم إذا طلب العبادة فإنما يطلبها من حيث هى نافعة له، محصلة لسعادته، محصنة له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما فيه حظ له، وإن كان الرب يحب ذلك فهو يطلبه من حيث هو ملائم له، فمن عبد الله لا يشرك به شيئا أحبه وأثابه، فيحصل للعبد ما يحبه من النعم تبعًا لمحبوب الرب، وهذا كالبائع والمشترى، البائع يريد من المشترى أولا الثمن، ومن لوازم ذلك: إرادة تسليم المبيع، والمشترى يريد السلعة، ومن لوازم ذلك: إرادة إعطاء الثمن.

فالرب يحب أن يحب، ومن لوازم ذلك: أن يحب من لا تحصل العبادة إلا به. والعبد يحب ما يحتاج إليه وينتفع به، ومن لوازم ذلك: محبته لعبادة الله، فمن عبد الله وأحسن إلى الناس، فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله، في إخلاص الدين له. ومن طلب من العباد العوض، ثناء أو دعاء أو غير ذلك، لم يكن محسنًا إليهم لله. ومن خاف الله فيهم ولم يخفهم في الله كان محسنًا إلى الخلق وإلى نفسه، فإن خوف الله يحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم، ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ظالم لنفسه ولهم، حيث خاف غير الله ورجاه؛ لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم، وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرهم أو مثله، وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله، وهو إذا لم يخف الله فهو مختار للعدوان عليهم، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها؟ فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق، كثير الظلم إذا قدر، مهين ذليل إذا قهر، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس.

وكذلك إذا رجاهم فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم، فلا بد أن يبغضهم فيظلمهم إذا لم يكن خائفا من الله عز وجل، وهذا موجود كثيرًا في الناس، تجدهم يخاف بعضهم بعضًا ويرجو بعضهم بعضًا، وكل من هؤلاء يتظلم من الآخر، ويطلب ظلمه، فهم ظالمون بعضهم لبعض، ظالمون في حق الله حيث خافوا غيره ورجوا غيره، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التي تعذب النفس بها وعليها، وهو يجر إلى فعل المعاصي المختصة، كالشرك والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه، ولاسيما إذا كان طالبًا ما لم يحصل له؛ فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور، وذكر مجريات النفس والهزل واللعب، ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك، ولا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى.

فإن الإنسان خلق محتاجًا إلى جلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ونفسه مريدة دائمًا، ولا بد لها من مراد يكون غاية مطلوبها لتسكن إليه وتطمئن به، وليس ذلك إلا لله وحده، فلا تطمئن القلوب إلا به، ولا تسكن النفوس إلا إليه، و {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتَا} [4]، فكل مألوه سواه يحصل به الفساد، ولا يحصل صلاح القلوب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له.

فإذا لم تكن القلوب مخلصة لله الدين، عبدت غيره من الآلهة التي يعبدها أكثر الناس مما رضوه لأنفسهم، فأشركت بالله بعبادة غيره، واستعانته، فتعبد غيره وتستعين به، لجهلها بسعادتها التي تنالها بعبادة خالقها والاستعانة به، فبالعبادة له تستغني عن معبود آخر، وبالاستعانة به تستغني عن الاستعانة بالخلق، وإذا لم يكن العبد كذلك، كان مذنبًا محتاجًا، وإنما غناه في طاعة ربه، وهذا حال الإنسان؛ فإنه فقير محتاج، وهو مع ذلك مذنب خطاء، فلا بد له من ربه، فإنه الذي يسدى مغافرَهُ، ولا بد له من الاستغفار من ذنوبه، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [5]، فبالتوحيد يقوى العبد ويستغني، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، وبالاستغفار يغفر له ويدفع عنه عذابه، {وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [6]، فلا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد؛ فإنه لا بد له منه، وإذا لم يحصل له لم يزل فقيرًا محتاجًا معذبًا في طلب ما لم يحصل له، والله تعالى لا يغفر أن يشرك به، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار، حصل له غناه وسعادته، وزال عنه ما يعذبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والعبد مفتقر دائما إلى التوكل على الله والاستعانة به، كما هو مفتقر إلى عبادته، فلا بد أن يشهد دائمًا فقره إلى الله، وحاجته في أن يكون معبودًا له، وأن يكون معينًا له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه، قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ} [7] أي يخوفكم بأوليائه. هذا هو الصواب الذي عليه الجمهور، كابن عباس وغيره وأهل اللغة كالفراء وغيره. قال ابن الأنبارى: والذي نختاره في الآية: يخوفكم أولياءه. تقول العرب: أعطيت الأموال: أي أعطيت القوم الأموال، فيحذفون المفعول الأول.

قلت: وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفًا مطلقًا، ليس له في تخويف ناس بناس ضرورة، فحذف الأول لأنه ليس مقصودًا.

وقال بعض المفسرين: يخوف أولياءه المنافقين، والأول أظهر؛ لأنها نزلت بسبب تخويفهم من الكفار، فهى إنما نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس، وقد قال: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} [8] الضمير عائد إلى أولياء الشيطان، الذين قال فيهم: {فَاخْشَوْهُمْ} [9] قبلها، والذي قال الثاني فسرها من جهة المعنى، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه؛ لأن سلطانه عليهم، فهو يدخل عليهم المخاوف دائما، وإن كانوا ذوى عَدَدٍ وعُدَدٍ، وأما المؤمنون فهم متوكلون على الله لا يخوفهم الكفار، أو أنهم أرادوا المفعول الأول، أي يخوف المنافقين أولياءه، وهو يخوف الكفار، كما يخوف المنافقين، ولو أريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه، وهو قوله: {فّلا تّخّافٍوهٍم}.

وأيضا، فإنه يعد أولياءه وَيُمَنِّيهِمْ، ولكن الكفار يلقى الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين، والشيطان لا يختار ذلك، قال تعالى: {لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ الله} [10]، وقال: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ} [11]، ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام وهم يوالون العدو فصاروا بذلك منافقين، وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم، كما قال تعالى: وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [12]، وقال: {فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ} الآية [13]. فكلا القولين صحيح من حيث المعنى، لكن لفظ أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين، كما دل عليه السياق، وإذا جعلهم مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم.

فدلت الآية على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين، ويجعل ناسا خائفين منهم.

ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [14]، فخوف الله أمر به، وخوف أولياء الشيطان نَهَى عنه، قال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [15]، فنهى عن خَشْيَةِ الظالم وأمر بخشيته، وقال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا الله} [16]، وقال: {فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} [17].

وبعض الناس يقول: يا رب، إني أخافك وأخاف من لا يخافك، فهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدًا، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل: قد يؤذيني، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك، فإنه قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ} [18]، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك، كما قال: {وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [19].

وفي الآثار: (يقول الله: أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدى، فمن أطاعني جعلت قلوب الملوك عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبِّ الملوك، ولكن توبوا إليَّ وأطيعون أعطفهم عليكم).

ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد قال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} الآية [20]، وقال: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الآيات [21] والأكثرون يقرؤون: قاتل والربيون الكثير عند جماهير السلف والخلف: هم الجماعات الكثيرة، قال ابن مسعود وابن عباس في رواية عنه والفراء: ألوف كثيرة. وقال ابن عباس في أخرى ومجاهد وقتادة: جماعات كثيرة، وقرئ بالحركات الثلاث في الراء، فعلى هذه القراءة فالربيون الذين قاتلوا معه: الذين ما وهنوا وما ضعفوا. وأما على قراءة أبي عمرو وغيره ففيها وجهان:

  • أحدهما: يوافق الأول، أي الربيون يقتلون فما وهنوا، أي ما وهن من بقى منهم، لقتل كثير منهم، أي ما ضعفوا لذلك ولا دخلهم خور ولا ذلوا لعدوهم، بل قاموا بأمر الله في القتال حتى أدَالُهم الله عليهم وصارت كلمة الله هى العليا.
  • والثاني: أن النبي ﷺ قتل معه ربيون كثير فما وهن من بقى منهم لقتل النبي ﷺ. وهذا يناسب صرخ الشيطان أن محمدًا قد قتل، لكن هذا لا يناسب لفظ الآية، فالمناسب أنهم مع كثرة المصيبة ما وهنوا، ولو أريد أن النبي قتل ومعه ناس لم يخافوا لم يحتج إلى تكثيرهم بل تقليلهم هو المناسب لها، فإذا كثروا لم يكن في مدحهم بذلك عبرة.

وأيضا، لم يكن فيه حجة على الصحابة، فإنهم يوم أحد قليلون والعدو أضعافهم، فيقولون ولم يهنوا؛ لأنهم ألوف ونحن قليلون.

وأيضا، فقوله: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} [22] يقتضي كثرة ذلك، وهذا لا يعرف أن أنبياء كثيرون قتلوا في الجهاد.

وأيضا: فيقتضي أن المقتولين مع كل واحد منهم ربيون كثير، وهذا لم يوجد، فإن من قبل موسى من الأنبياء لم يكونوا يقاتلون، وموسى وأنبياء بني إسرائيل لم يقتلوا في الغزو، بل ولا يعرف نبي قتل في جهاد، فكيف يكون هذا كثيرًا ويكون جيشه كثيرًا؟

والله سبحانه أنكر على من ينقلب، سواء كان النبي مقتولا أو ميتا، فلم يذمهم إذا مات أو قتل على الخوف بل على الانقلاب على الأعقاب، ولهذا تلاها الصديق رضى الله عنه بعد موته ﷺ فكأن لم يسمعوها قبل ذلك.

ثم ذكر بعدها معنى آخر: وهو أن من كان قبلكم كانوا يقاتلون فيقتل منهم خلق كثير وهم لا يهنون، فيكون ذكر الكثرة مناسبا؛ لأن من قتل مع الأنبياء كثير، وقتل الكثير من الجنس يقتضي الوهن، فما وهنوا وإن كانوا كثيرين، ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم، ولم يقل هنا: ولم ينقلبوا على أعقابهم، فلو كان المراد أن نبيهم قتل لقال: فانقلبوا على أعقابهم؛ لأنه هو الذي أنكره إذا مات النبي أو قتل، فأنكر سبحانه شيئين: الارتداد إذا مات أو قتل، والوهن والضعف والاستكانة لما أصابهم في سبيل الله من استيلاء العدو؛ ولهذا قال: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ} [23]... إلخ. ولم يقل: فما وهنوا لقتل النبي، ولو قتل وهم أحياء لذكر ما يناسب ذلك، ولم يقل: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ}، ومعلوم أنّ ما يصيب في سبيل الله في عامة الغزوات لا يكون قتل نبي.

وأيضا: فكون النبي قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير، لا يستلزم أن يكون النبي معهم في الغزاة، بل كل من اتبع النبي وقاتل على دينه فقد قاتل معه، وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه، وهذا الذي فهم الصحابة، فإن أعظم قتالهم كان بعد وفاته ﷺ، حتى فتحوا البلاد شامًا، ومصرًا، وعراقًا، ويمنًا وعربًا، وعجمًا، ورومًا، ومغربًا، ومشرقًا، وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه، فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون، ويكون في هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة، فإنهم كلهم يقاتلون مع النبي ﷺ على دينه، وإن كان قد مات، والصحابة الذين يغزون في السرايا، والنبي ليس معهم، كانوا معه يقاتلون، وهم داخلون في قوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ} الآية [24]، وفي قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ} الآية [25]. ليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدًا للمطاع ناظرًا إليه.

وقد قيل في: {ربيون} هنا: إنهم العلماء، فلما جعل هؤلاء هذا كلفظ الرباني، وعن ابن زيد هم الأتباع كأنه جعلهم المربوبين. والأول أصح من وجوه:

  • أحدها: أن الربانيين عين الأحبار، وهم الذين يربون الناس، وهم أئمتهم في دينهم، ولا يكون هؤلاء إلا قليلا.
  • الثاني: أن الأمر بالجهاد والصبر لا يختص بهم، وأصحاب الأنبياء لم يكونوا كلهم ربانيين، وإن كانوا قد أعطوا علما ومعهم الخوف من الله عز وجل.
  • الثالث: أن استعمال لفظ الرباني في هذا ليس معروفا في اللغة.
  • الرابع: أن استعمال لفظ الربي في هذا ليس معروفا في اللغة، بل المعروف فيها هو الأول، والذين قالوه قالوا: هو نسبة للرب بلا نون والقراءة المشهور ربي بالكسر، وما قالوه إنما يتوجه على من قرأه بنصب الراء، وقد قرئ بالضم، فعلم أنها لغات.
  • الخامس: أن الله تعالى يأمر بالصبر والثبات كل من يأمره بالجهاد، سواء كان من الربانيين أو لم يكن.
  • السادس: أنه لا مناسبة في تخصيص هؤلاء بالذكر، وإنما المناسب ذكرهم في مثل قوله: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} الآية [26]. وفي قوله: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ} [27] فهناك ذكرهم به مناسبا.
  • السابع: قيل: إن الرباني منسوب إلى الرب، فزيادة الألف والنون كاللحياني، وقيل: إلى تربيته الناس، وقيل: إلى ربان السفينة، وهذا أصح، فإن الأصل عدم الزيادة في النسبة؛ لأنهم منسوبون إلى التربية، وهذه تختص بهم، وأما نسبتهم إلى الرب فلا اختصاص لهم بذلك، بل كل عبد له فهو منسوب إليه، إما نسبة عموم أو خصوص ولم يسم الله أولياءه المتقين ربانيين، ولا سمى به رسله وأنبياءه، فإن الرباني من يرب الناس، كما يرب الرباني السفينة، ولهذا كان الربانيون يذمون تارة، ويمدحون أخرى، ولو كانوا منسوبين إلى الرب لم يذموا قط.
  • الثامن: أنها إن جعلت مدحًا فقد ذموا في مواضع، وإن لم تكن مدحا لم يكن لهم خاصة يمتازون بها من جهة المدح، وإذا كان منسوبًا إلى رباني السفينة بطل قول من يجعل الرباني منسوبا إلى الرب، فنسبة الربيون إلى الرب أولى بالبطلان.
  • التاسع: أنه إذا قدر أنهم منسوبون إلى الرب، فلا تدل النسبة على أنهم علماء. نعم تدل على إيمان وعبادة وتأله، وهذا يعم جميع المؤمنين، فكل من عبد الله وحده لا يشرك به شيئا فهو متأله عارف بالله، والصحابة كلهم كذلك، ولم يسموا ربانيين ولا ربيين، وإنما جاء أن ابن الحنفية قال لما مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة، وذلك لكونه يؤدبهم بما آتاه الله من العلم، والخلفاء أفضل منهم، ولم يسموا ربانيين، وإن كانوا هم الربانيين. وقال إبراهيم: كان علقمة من الربانيين؛ ولهذا قال مجاهد: هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، فهم أهل الأمر والنهي. والأحبار يدخل فيه من أخبر بالعلم ورواه عن غيره وحدث به وإن لم يأمر، أو ينه، وذلك هو المنقول عن السلف في الرباني، نقل عن عليّ قال: (هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها)، وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء المعلمون

قلت: أهل الأمر والنهي هم الفقهاء المعلمون. وقال قتادة وعطاء: هم الفقهاء العلماء الحكماء. قال ابن قتيبة: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون. قال أبو عبيد: أحسب الكلمة عبرانية أو سريانية، وذلك أن أبا عبيد زعم أن العرب لا تعرف الربانيين.

قلت: اللفظة عربية منسوبة إلى ربان السفينة الذي ينزلها ويقوم لمصلحتها، ولكن العرب في جاهليتهم لم يكن لهم ربانيون؛ لأنهم لم يكونوا على شريعة منزلة من الله عز وجل.


هامشعدل

  1. [الطلاق: 2، 3]
  2. [الفرقان: 27، 28]
  3. [البقرة: 286]
  4. [الأنبياء: 22]
  5. [محمد: 19]
  6. [الأنفال: 33]
  7. [آل عمران: 175]
  8. [آل عمران: 175]
  9. [آل عمران: 173]
  10. [الحشر: 13]
  11. [الأنفال: 12]
  12. [التوبة: 56]
  13. [الأحزاب: 19]
  14. [المائدة: 44]
  15. [البقرة: 150]
  16. [الأحزاب: 39]
  17. [النحل: 51]
  18. [الطلاق: 3]
  19. [الأنفال: 33]
  20. [آل عمران: 165]
  21. [آل عمران: 146]
  22. [آل عمران: 146]
  23. [آل عمران: 146]
  24. [الفتح: 29]
  25. [الأنفال: 75]
  26. [المائدة: 63]
  27. [آل عمران: 79]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الأول
مقدمة الكتاب | توحيد الألوهية | قاعدة في الجماعة والفرقة وسبب ذلك ونتيجته | فصل: في حديث ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم | قاعدة جليلة في توحيد الله | فصل: في افتقار الإنسان إلى اختيار الله وتقديره | فصل: يتضمن مقدمة لتفسير إياك نعبد وإياك نستعين | فصل: في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة | فصل: العبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه كان أقرب إليه وأعز عليه | فصل: السعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله | فصل: في قوله اهدنا الصراط المستقيم | فصل: في ألا يسأل العبد إلا الله | فصل: العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع | فصل: جماع الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم | الشرك بالله أعظم الذنوب | فصل: قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل | فصل: ذكر مناظرة إبراهيم للمشركين | سئل الشيخ عمن قال يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم | سئل الشيخ عمن يقول لا يستغاث برسول الله | فصل: سمى الله آلهة المشركين شفعاء | فصل: في الشفاعة المنفية في القرآن | سئل عن رجل قال: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله | وسئل عمن يقول إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم | وسئل هل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لا | رسالة في التوسل والوسيلة | فصل: لفظ التوسل قد يراد به ثلاثة أمور | الزيارة الشرعية والزيارة البدعية للقبور | تبيين للأوهام التي تحصل للعامة عند القبور | وأهل الجاهلية في هذه الأوهام نوعان | من أعظم أسباب ضلال المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان | وصية النبي لابن عباس إذا سألت فاسأل الله | ومن السؤال ما لا يكون مأمورا به والمسؤول مأمور بإجابة السائل | دين الإسلام مبني على أصلين | فصل: لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه | الحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور | قول القائل أسألك بكذا | جواز التوسل بالأعمال الصالحة | السؤال بحق فلان مبني على أصلين | سؤال الله بأسمائه وصفاته أعظم ما يسأل الله تعالى به | حكايات غريبة في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم | قصد السفر لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم | السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين | الكلام على حديث أول ما خلق الله العقل | لفظ التوسل والاستشفاع ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول وأصحابه | أحاديث موضوعة في التوسل | آثار عن السلف أكثرها ضعيفة | سؤال الأمة له الوسيلة | من قال من العلماء إن قول الصحابي حجة | فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق | ثبت بالنصوص الصحيحة أنه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات | نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره مسجدا | التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته على وجهين | سؤال عما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين | الرد على من قال أن النبي لا يشفع لأهل الكبائر من أمته | النهي عن اتخاذ القبور مساجد | الكلام على حديث اللهم إنى أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد | كلام السلف على قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | الشفاعة نوعان | اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى | فصل: لا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين | في قول القائل أسألك بحق السائلين عليك وما في معناه | سئل رحمه الله عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم | وسئل عن النهوض والقيام عند قدوم شخص معين معتبر أحرام هو | فصل: الانحناء عند التحية | فصل: كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله